مناهضة التطبيع في البحرين: إستنكار لقاء وزير الخارجية مع اللوبي الصهيوني في أميركا

16 مارس 2010

“مقاومة التطبيع” تستنكر لقاء وزير الخارجية مع اللوبي الصهيوني في أميركا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2194 )

رغم الاحتجاجات الشعبية ودعوات نواب المجلس النيابي وممثلي التنظيمات السياسية في البحرين برفض أية محاولات رسمية لتعزيز التطبيع مع الكيان الصهيوني، إلا أن وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد بن محمد آل خليفة مصراً على مواصلة النهج المضاد للإرادة الشعبية واستمراره في اللقاءات والاجتماعات مع منظمان يهودية معروفة توجهاتها الصهيونية وهي بمثابة منظمات تمثل لوبيات صهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا تدعم مالياً وسياسياً وفكرياً الكيان الصهيوني، وتضع الإستراتيجيات لإنجاح مخططات صهيونية في العالم.

وقال الناطق الإعلامي باسم الجمعية عبدالله عبدالملك إن “اللقاء الأخير لوزير الخارجية بمعية السفيرة البحرينية في واشنطن هدى نونو مع ممثلي منظمة (إيباك) الصهيونية في أمريكا وكذالك مع حركة (حباد) الصهيونية المتطرفة يمثل صدمة جديدة لشعبنا والشعب العربي عامة والفلسطيني على وجه الخصوص الذي يواجه هذه الأيام مؤامرات الكيان الصهيوني السيطرة على الحرم الإبراهيمي الشريف في القدس وسياساته القمعية والتدميرية بحق مدن وقرى وشعب فلسطين”.

وأضاف عبدالملك “كان من الأولى بوزير الخارجية أن يعبر عن استنكاره لاستمرار الكيان الصهيوني حصاره وقمعه للشعب الفلسطيني واغتيالهم للمناضل محمود المبحوح وتهويد القدس بدلاً من تبريراته بأن الدبلوماسية تفرض عليه الالتقاء بالجميع”، مشيراً إلى أن “كثرة من الدبلوماسيين العرب والمسلمين وحتى بعض الغربيين الشرفاء يمانعون مثل هذه اللقاءات ويرفضون الاجتماع مع ايه جهة صهيونية داعمة للكيان الصهيوني في أمريكا وأوروبا تعبيراً عن الاحتجاج والاستنكار لممارسات الكيان الصهيوني القمعية واللإ إنسانية بحق شعبنا الفلسطيني”.

وأوضح “الحكومة البحرينية والخطاب الرسمي ما زال مصراً على تطبيق شعار “قولوا ما تشاءون ونفعل ما نشاء” مستهزئين بمشاعر الشعب البحريني والشعب العربي والمسلمين، وأصبحوا ملكيين أكثر من بعض الدول الغربية وأكثر من الدول العربية التي لديها علاقات دبلوماسية وسياسية مع الكيان الصهيوني”.

وطالب عبدالملك مجلس الشورى “الإقدام على خطوة جريئة ووطنية وقومية بالموافقة على القانون المرفوع إليه من مجلس النواب بتجريم التعامل مع الكيان الصهيوني وإخراجه من الملفات المغلقة، بعد أن توضح أن حكومة البحرين تهرول في تعزيز التطبيع وفرضه كأمر واقع على البحرين وشعبها العربي الأصيل”، مؤكداً إن “مثل هذه السياسات الانهزامية والتطبيعية تشوه سمعه البلاد أمام الشعوب المناضلة والمكافحة والمؤمنة بالحرية والاستقلال ومقاومة الاحتلال والاستيطان والقمع”.

اتحادات الكتاب، التطبيع، الحكومات، وثقافة المواربة!

16 مارس 2010

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2194 )

أزعم أنَّني زرتُ بلدانا كثيرة، كلما جاد عليَّ الاحتلال بالخروج، لكنني لم أرَ الإشارة الضوئية تضيءُ الأحمرَ والأصفرَ والأخضرَ معاً في أية مدينة، سواء في المركز أو في المحيط، إلا في رام الله! ذلك خلل كهربيِّ بالطبع! لِنَقُل حالة تناقض بخلاف حال الفلسطينيين بل حال ثلاثي الكتاب والأدباء:

· الاتحاد العام للكتاب والصحفيين في دمشق.

· والاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب.

· واتحاد الكتاب في الضفة والقطاع.

نعم، إذا كان ثلاثي الأضواء متناقضاً، يبدو أن ثلاثي الاتحادات متناغماً! ولا يحصل هذا إلا في مرحلة الأدب الموُارِب، المثقف الموارِب وهو بالطبع الذي ينتج ثقافة المواربة.

أُوردُ هذا بناءً على ما ورد في بيانٍ صادرٍ عن اتحاد الكتاب في الضفة والقطاع ورد فيه:

“… كما نوقشت المسؤوليات الأساسية التي تقع على عاتق الاتحاد من أجل تفعيله وأهمها الالتزام بجميع الاتفاقات التي وقعت مع كل من الاتحاد العام للكتاب والصحفيين في دمشق والاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب … كما أكدت الأمانة العامة على التزامها بالثوابت الوطنية والعمل على ترسيخ ثقافة المقاومة ومقاومة التطبيع”.

المصدر: (abed aboujamoos <alhakeem66@yahoo. com)

وبدايةً، فإن مقاومة التطبيع تُنعِشُ القلب وترفعُ الروحَ رفعةً صوفيةً/مقاوِمَةً إلى أقرب المحطات إلى الباري. ولكن ماذا عمّا قبل تاريخ اليوم؟ وهذا سؤال للاتحادات الثلاثة التي فرقتها سيطرة الجغرافيا القطرية وجمعتها هيمنة القيادات السياسية فخرجت لنا موارِبَةً لا رمزية. مَنْ يمحو الماضي، ويُغفله ولا ينقده أو يمدحه، كيف هو بالطبع، هو تماماً كمن يرفعُ شعارَ “إزالة آثار العدوان” فَشَطَبَ احتلال 1948 وساوَمَ على احتلال 1967م! هو لا تاريخاني بامتياز. كيف فهناك حتى أمماً بلا تاريخ. أما في حالتنا، فيقوم بعضنا بمحاولة مسح تاريخنا حتى القريب منه، بل المتداخل حتى باليومي. لكني أعتقد أن هذا لن يمرِّ!

لقد داس المطبعون العرب، من كتاب وشعراء وفنانات وفنانين إلى آخر تلك القائمة، الأرضَ المحتلَّةَ، تحت مُسمى دعم الشعب الفلسطيني! أقول الأرض المحتلة لا الدولة الحرة، فما موقفكم من ذلك؟ أليس الصحيح الواضح أن يصدر التزامٌ يُنادي بشجب كل مظاهر وسلوكيات التطبيع السابقة، ومن مارسوا التطبيع من المحليين والعرب؟ فالتطبيع السابق، مثلاً الاعتراف بالكيان الصهيوني منذ 1948 (الاعتراف الأحمر) هو آفة التطبيع القادم (اعتراف اكمبرادور) يا للعجب كيف تتداخل هذه السلالة[1] وتلك وتتواصلا؟ وهو الذي يُشَرْعِنُ العديد من التطبيعات سواء بزيارات عرب إلى هنا أو بخروج محليين إلى الخارج الأوروبي في مؤتمرات ومنح ودورات وغيرها، والله أعلم!

كيف نصد الطوفان، إن لم نبنِ السدود ونصلح الأرض التي خربها تسونامي التطبيع فصارت يباباً؟!

كيف للجيل الجديد أن يؤسِّس على الاتحاد الحالي إذا لم يقدم أرضاً نظيفة للإخصاب؟ كيف للمرأة أن تحمل وتنجب ما لم تتطهِّر من بقايا حمل سابق حتى لو كان حقيقياً وبالحب الحر، وليس بحرية الحب الممنوحة؟

إدانة التطبيع سابقاً، تدين من طبَّعوا، وعندها سنرى كم كاتباً سيُثبت انه كاتبٌ؟

لكن، وكي لا نظلم أحداً، لا بد من إعطاء كل ذي حق حقه، وذلك بتقسيم الكتاب حسب أضواء مدينة رام الله:

o “اللون الأصفر” اتحاد كتاب الفن للفن، وعلى رأسهم كتاب اعترفوا بالكيان وطبعوا معه وأولهم شيخهم الشاعر الراحل الذي لم يجبني على تساؤلي حول كيفية اغتيال ناجي العلي! والشيخ محاطٌ، حتى بعد رحيله، بِمَدَّاحين وَنَوَّاحين عليه، يمدحونه بالمجلدات ولا ينقدونه بجملة!

o “اللون الأخضر” اتحاد كُتَّابٍ نِقابِيّ لمصالح الكتاب بمن فيهم الذين ينقدون المرحلة والسلطة في بحثهم عن تحسين شروط المعيشة والتقاعد، وربما تخفيض الأسعار رغم أن هذه من مقدسات السوق!

o “اللون الأحمر - إذا تخلص من تراث عيب سلفه في الاعتراف- اتحاد كتاب سياسي (وطني /قومي/طبقي) يضم الكتاب الملتزمين سياسياً والمتمكنين فنياً.

أما كتاب الحكومات، فهم بمختلف الألوان!

فهل سقطت الاتحادات الثلاثة في لقائها بدمشق في خانة كتاب الحكومات؟ هل ما حصل في دمشق هو توافق سياسي يضاجع التسوية ولا يعشق المقاومة؟ توافقٌ لمْ يقمْ حتى على المعايير الفنية، لذا فقد جاء بلا لون ولا ضوء.

حين ينزلقُ الوطنُ من تحت أقدام أهله، لا تعودُ هناك حرية في المواقف؟ لا يمكن لك أن تكون وطنيا اليوم ومطبعاً غداً، وتقول “أنا حر/ة”! لا، فَحُرِّية السوق لا تنطبق، هذا إن وُجدت، على الموقف من الوطن!

وحرية السوق، أي شموليته، يجب ألا تطال حرية الفكر. بوسع الحكومات أن تفرض قوانين على السلع والملكية الخاصة، وما أسوأ الملكية الخاصة! لكن ليس لها أن تتدخل في الفكر والثقافة، وهي المستوى الدراويشي من الفكر، مقارنة بالصوفية والفلسفة.

ما حصل في دمشق كان حقيقياً لو أنه اشترط شجب التطبيع السابق ومراقبة التطبيع اللاحق، حتى لو بوضع “قنَّاص على الجسر” كما كتب ضدي مطبع فلسطيني ذات يوم لفرط ما أوجعه نقدي.

حين تعلن حكومة أنها سوف تصوغ ميثاق شرف ثقافي (خطاب د. سلام فياض في تسليم جائزة محمود درويش)، نقول على الثقافة السلام! فليس للحكومة يداً على الثقافة إلا بالقوة والقسر. هذا إلا إذا قصد السيد فياض ثقافة التسوية/أوسلو التي عارضها درويش رمزياً ومارسها فيزيائياً، بينما نُحر ناجي العلي سلفاً كي تمر.

هي المواقف إذن! هي الحساسية والإحساس العالي! هي لحظة صدق في تربية بناتنا وأولادنا ليعلموا ويتعلموا، خطورة الوعي المتلاعِبْ والتلاعب بالوعي ونفاق المرحلة. بل كي يُغنُّوا للوطن وليس للدولة والمال والثقافة الحرام.


[1] مصطلح السلالات في الأساس للناس، للأجناس وهو من توليدات علم الإنسان (الأنثروبولوجيا-وهو مفصل لفهم آليات استعمار العالم الثالث)، لكن بعض علماء الإنسان الماركسيين ولَّدوا منه سلالات أنماط الإنتاج Lineage Mode of Production ، ويمكننا توليد سلالات العمل السياسي. ما قصدته هنا أن كثيرين من اليسار المعترف بالكيان تبعته الأجيال الجديدة بالاعتراف واتخذ حتى طابعاً حمائليا واسرياً. يمكننا بالطبع فهم هذا التوارث لدى البرجوازية حيث يرث الإبن ثروة ابيه -المسروقة بالطبع كملكية خاصة- أما ورثة الموقف السياسي والإيديولوجي ففيه مصادرة على الوعي !

الذاكرة الشعبية والعنف المشروع ضد المرأة (الجزء الثاني والاخير)

16 مارس 2010

كلاديس مطر

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2194 )

يستطيع القارئ ان يطالع الجزء الاول على الرابط التالي:

http://kanaanonline.org/ebulletin-ar/?p=2693

1ـ الامثال الشعبية والعنف الجسدي ضد المرأة

لا تشتمل الأمثال الشعبية على كل أنواع العنف الجسدي المشروع وغير المشروع الممارس حاليا ضد المرأة. اذ ان هناك أنواعا من العنف، استحدثتها الظروف او ربما المستجدات الاجتماعية والفكرية، وفرضتها الثقافة وحيويتها وحركتها المتناسبة مع حركة الصيرورة الزمنية والمكانية للتاريخ ووسائل الانتاج كما أسلفت.

فأمثال على شاكلة: “اضرب المرأة قبل الغذاء و بعد العشاء”، “البنات يا تسترهن يا تقبرهن”، “يا ما أحلى فرحتهم لو ماتو بساعتهم ، “العار ما بنغسل الا بالدم”، “بطن جاب البنية اضربوه بالعصية. واطعموه لحم بايت ولا تقولوش خطية”،”اللي بتموت بنته من صفاوة نيته”، “اكسر للمرة ضلع بيطلعلها 22 ضلع”، “لا تدخل على المراة الا والعصا معك”، “البنت مثل مدقة الباب مين ما كان بيدقها”، “موت البنات من المكرمات”، “المراة مثل السجادة كل فترة بدها نفض”، “المراة مثل الزيتونة ما بتحلى الا بالرص”…الخ. هي امثال تختزل سقف العنف الشعبي المحفوظ في ذاكرة المجتمع، لكنه ربما موجود في بذور كل أشكال العنف الذي تعاني منه المرأة اليوم.

ان هذه الامثال توثق في الحقيقة لمشروعية احتقار المرأة ونبذها وتكريس دونيتها، كما انها تشي عاليا باختلال التوازن والانعدام الهيكلي للمساواة بينها وبين الرجل. ان مفهوم العنف الجسدي ضد المرأة يبدو اليوم مطاطا ومن دون حواف تقريبا ؛ فهو يشتمل على العنف الاسري والمجتمعي، وكذلك الذي ترتكبه الدولة او تتغاضى عنه. وهناك فئات معينة من النساء معرضات للعنف المشروع بشكل خاص بما في ذلك “الأقليات و نساء الشعوب الأصلية واللاجئات والفقيرات المدقعات والنساء المعتقلات في مؤسسات إصلاحية او في السجون والفتيات والنساء المعوقات والنساء المسنات والنساء في أوضاع الصراع المسلح”.[1]

الحق ان عنف الذكر ضد الأنثى يتأتى من مواقف اجتماعية - ثقافية. انه نتيجة لثقافات عنف حقا في كل أنحاء العالم وهو في لب هذه الرغبة في “السيطرة على تناسل الأنثى وجنسانيتها، كما انه يتقاطع مع عوامل أخرى كالمسالة العنصرية والطبقية ومع أشكال أخرى من العنف .[2] ويبدو انه لا يوجد سبب يعتبر وحده كافيا لحدوث العنف ضد المرأة، وانما “ينبع من تلاقي عدة عوامل في السياق العام لصراع وتفاوت القوى على صعيد الفرد والمجموعة و البلد و العالم بأسره”[3] كما ان مظاهره مختلفة و اختبار المرأة الشخصي له يدخل فيه عوامل كثيرة من بينها حالتها الاقتصادية والعرق والاثنية والسن والطبقة والتوجه الجنسي والدين والقومية والثقافة.

الامثال والعنف النفسي ضد المراة

وهي الأمثال التي تربط الصفات السيئة بالمرأة وتقلل من شأنها وتطلب على الأخص الحذر منها لدرجة ربط ذكرها بذكر الشيطان وأسماء الحيوانات. انها أمثال تدخل في نسيج المفهوم الشعبي للعنف المعنوي والنفسي واللفظي، الذي يمارس ضدها، والذي هو من أكثر أنواع العنف رواجا ومشروعية على الاطلاق. انه عنف جاهز تحت الطلب له مبرراته و قاموسه الكبير ومصطلحاته وبالطبع أمثاله. انه عنف استهلاكي عالمي وليس فقط من “صنع الشرق”. فيه نشتم رائحة التمييز على أشده. كما نرى فيه تراتبية السلطة والتبعية على أسس عقائدية ومادية، “فالنزعة الأبوية متمترسة في القواعد الاجتماعية والثقافية، ورسخت وجودها في الهياكل القانونية والسياسية، وغرست جذورها في الاقتصاد المحلي والعالمي، وحفرت حفرا على سطوح الإيديولوجيات الرسمية و الخطاب الرسمي.”[4]

أما أول مثل من بينها فيأتي على لسان المرأة نفسها “قوسني برصاصة ولا تضربني بقضيب توت” وهو يعني انها تفضل الموت على الإهانة او العنف اللفظي و النفسي.

ومن بين هذه الأمثال التي تعد حقا بالآلاف من كل أنحاء العالم بلا استثناء اذكر:

- ” امن للحية ولا تأمن للمرا ” مثل عربي وهو يعني “أمن لعدوك اللئيم ولا تأمن لصنف الحريم.

- “حط كلب ينطر باب دارك والقط ياكل فارك ولا تقول لمرتك اسرارك” مثل عربي.

- “طاعة النسا ندامة - طاعة النسوان ندامة” مثل عربي ويعني ان الرجل اقدر على التصرف في شؤونه.

- “المرا الها نص عقل ومشاركة فيه ابليس”، مثل عربي.

- “البنت مهما عليت مالها غير بيتها جوره” مثل عربي ويعني ان منزل الزوجية هو مقبرة المرأة وملاذها الوحيد ليس لها غيره.

- “البنت جناح مكسور” مثل عربي.

- “النساء حبائل الشيطان” مثل عربي.

- “صوت حية ولا صوت بنية” مثل عربي.[5]

- “المراة الجيدة تعني الخادمة الجيدة” مثل فرنسي.

- “لا تثق بالمرأة حتى وان ماتت”. ( يوناني)

ـ “زوجتي بغلتي” ( الجبل الاسود).

ـ “الشيطان استاذ الرجل وتلميذ المرأة” ( ياباني).

ـ “لا تستند الى الجدار المائل ولا الى المرأة” (تشيكي).
- “ولدت المرأة قبل الشيطان بثلاثة ايام” مثل بولوني.

- “تعليم المراة مثل اعطاء السكين بيد قرد” مثل هندي.

- “كل شيء ياتي من عند الله الا المراة” مثل ايطالي.

- “صدق المراة معجزة لا تصدق” مثل الماني.

- “الكلب اكثر فهما من الزوجة، فهو لا ينبح على صاحبه” مثل روسي.

- “النساء والخيول والكرمة تتطلب اسيادا اشداء” مثل تركي.

- “النساء والجسور تحتاج دائما لترميمط، مثل انكليزي.

- “المرأة حيوان لها شعر طويل وافكار قصيرة”، شوبنهور.

ـ “المراة كالعقرب تشق طريقها في الحياة بان تلدغ كل من يقف في طريقها” اناتول فرانس….. الخ.[6]

والقائمة طويلة لا تنتهي، مع خشية من ان تتحول مقولات هؤلاء المفكرين المعاصرين بحق المراة الى امثال شعبية مع الوقت، تتراكم فوق هذا التراث اللفظي العنيف الذي لا يجد قانونا جزائيا واحدا لردعه، او ارادة سياسية حقيقة لوقف عاصفة السخرية المبطنة بالاحتقار والتعالي. والحق انه مع كل تقدم يحرز في موقع المراة ومكانتها يقابلة مقاومة في تغيير المواقف الاجتماعية - الثقافية التي تتساهل مع مرتكبي العنف ضدها. فعندما تقصر الدولة في مساءلة مرتكبي العنف، انما هي تبعث برسالة الى المجتمع، مفادها ان عنف الذكر ضد المراة شيء مقبول أي مشروع ! وهكذا يصبح السلوك العنيف عاديا. هناك قواعد ثقافية بأكملها ترتاح فوقها هذه العوامل السببية للعنف تجاه المراة. انها قواعد مرتبطة ” بممارسات تقليدية شعبية مهولة في أذاها ” مثل (تشويه او قطع العضو التناسلي للمرأة، وزواج البنات القاصرات وتفضيل الاولاد الذكور)، ثم هناك جرائم الشرف والعقوبات الجنائية التمييزية المؤسسة على قوانين تستند على الدين مباشرة.

وبحسب دراسة الامين العام لعام 2006 “مارست قوى سياسية منظمة، في بعض الظروف، بما فيها أشكال من الأصوليات الثقافية والدينية، ضغطا على الحكومات لعكس اتجاه التقدم الحاصل في حقوق المراة.” وهكذا بدت المكاسب السابقة التي حققتها في مهب الرياح. إن هذه الأصوليات في الحقيقة تقف حجر عثرة أمام عدم توفر البيانات حول مختلف أشكال العنف ضد المرأة. وندرة هذه البيانات وقلتها من اجل تقييم حالة العنف هذه من شأنه ان يعيق تحليل هذه الظاهرة كما يعيق رسم السياسة والتدابير بناءا على هذه البيانات.

الحق “لقد قدمت الحجج الثقافية النسبية في سياقات وطنية ومناقشات دولية عندما كان يطعن في القوانين والممارسات التي تنتقص من حقوق المرأة الإنسان. [7] وأصبح تسييس الثقافة على شكل “أصوليات دينية في سياقات جغرافية و دينية متنوعة خطرا على الجهود الرامية الى ضمان حقوق الإنسان - المرأة.”

زد على كل هذا، قلة الموارد المخصصة لهذا الأمر “فما زال صندوق الأمم المتحدة ألاستئماني للقضاء على العنف ضد المرأة مثلا، بعد 10 سنوات من إنشائه، يتلقى اقل من مليوني دولار في السنة، وكأنه اعتراف ضمني بان الأموال يجب ان تهدر في أمور أهم من تلك التي يمكن ان تهدر على “شيطان رجيم، او كائن بنصف عقل” كما تردد الأمثال.

الأمثال والعنف الاقتصادي ضد المراة

قد يكون التفاوت الاقتصادي احد الأسباب المحرضة للعنف ضد المرأة أكان هذا على مستوى فردي، او على مستوى جماهيري عريض [8]. ومن خلال مراقبة بسيطة على المستوى عالمي لهذا الطرح نجد ان الدول الغنية اقتصاديا تقمع الأقل مقدرة منها وتحاول ان تسيطر على مواردها وتسود عليها وتلحقها بها وبسياستها. ان القدرة الاقتصادية الجيدة يعني القدرة على اتخاذ القرارات والتفرد بها واستقلالية هذه القرارات. وانطلاقا من نفس الطرح نجد ان “التفاوت الاقتصادي بين النساء والتمييز ضدهن في مجالات، مثل العمالة والدخل والحصول على الموارد الاقتصادية يقلل من قدرة المرأة على اتخاذ القرارات، ويزيد من إمكانية تعرضها للعنف.” والحق ان الاستغلال الاقتصادي للمرأة يبدأ من الأسرة، فهي غير مالكة لموارد الأسرة الاقتصادية (أي انها ليست بيدها) مثل الأرض والممتلكات الشخصية والأموال، ولا هي متحكمة بها او لها صلاحية كاملة أو غير كاملة في إدارتها، الامر الذي يعرضها للعنف. وفي المجتمعات المهمشة تؤدي خصخصة القطاع العام والعولمة، الى تكريس اللامساواة بين الجنسين اقتصاديا واجتماعيا. فاذا كانت الحكومات الوطنية قادرة قبل ذلك على شيء من تعزيز حق المرأة عن طريق دعم القطاع العام والبرامج الاجتماعية، فان الامر ليس كذلك عندما تظهر سياسات جديدة تعمد الى التعديل الهيكلي واعادة تنظيم الاقتصاد وفق أسس اخرى. ان العولمة تزيد الهوة بين الفقراء والاغنياء بكل ما لهذا التفاوت من نتائج اجتماعية وضغوطات: انها في الحقيقة تخلق انماطا جديدة من العنف ضد المرأة ومن بينها الاتجار بها، وذلك تماما كما حدث بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق.

لقد امتلأت الذاكرة الشعبية وعلى الأخص الشرقية او العربية بأمثال تؤكد على عدم قدرة المرأة على التحكم بالموارد او فهم طبيعة راس المال، وحصرته تماما في الرجل. ومن أشدها و اكثرها حدة اذكر:

ـ اللي بتشتغل فيه السمرا بتحطه خطوط و حمره.

ـ بتدين و بتتزين.

ـ يهمها جيوبك قبل عيبوبك.

ـ لا تسلم المراة دقنك وسرك ومالك

ـ الله معك الله معك اذا كان الك بسمار ببيت ابوك اقلعيه و خديه معك (وهذا يعني ان البنت تحاول ان تاخذ معها كل شيىء من بيت اهلها حتى سقاطة الباب).

الامثال والعنف دفاعا عن الشرف (العنف الاسري)

ربما كان العنف بين شريكين حميمين هو من أكثر أنواع العنف شيوعا في العالم، وهو ما يسمى بالعنف الأسري أو الذي يقع بين زوجين أو بين شريكين حميمين خارج إطار الزواج، كما هو الحال في الدول التي تعتبر هذا الأمر لديها متعارفا عليه و جزءا من قيمها الاجتماعية. ضمن نطاق هذا النوع من العنف “نجد أعمالا مثل الإكراه جنسيا او نفسيا و أنواع العنف البدني الذي يشتمل على القوة البدنية او المادية او استخدام السلاح بقصد ايذاء او جرح المرأة. وكذلك محاولة الجماع او اكماله مع امرأة مريضة او معوقة او تحت تأثير المشروبات الكحولية او مخدرات اخرى”. [9] وضمن حقل العنف الأسري نجد أيضا وأد البنات والعنف أثناء الحمل (بما فيه الضغط النفسي والاهانة والازدراء والشتائم والتهديدات والتخويف والصراخ العدواني والإرهاب النفسي )، واختيار جنس الجنين والزواج المبكر والعنف المتصل بالمهر وختان الأنثى والجرائم التي ترتكب باسم الشرف وإساءة معاملة الأرامل بما في ذلك دفعهن إلى الانتحار، وهي كلها ممارسات قمعية عنيفة تشارك فيها الأسرة والمجتمع المحلي. ثم هناك تقييد حق البنت الثانية في الزواج، وفرض قيود على تغذية الحامل وفرض الإطعام بالقوة والممنوعات الغذائية وزواج الأرملة من أخ زوجها المتوفى.[10]

ومن بين الجرائم الأسرية الأكثر شرعية ربما والأكثر ايذاءا والأكثر استقطابا للانتباه، هي جرائم الشرف التي لا يبلغ عنها كلها و بالتالي لا توثق كلها. “وهناك أكثر من خمسين الف امرأة يقتلن دفاعا عن الشرف بأيدي أفراد أسرهن في مختلف أنحاء العالم”.[11]

والحق قد يجد المرء غرابة في ان يعثر على شيء من بذور هذا النوع من التحريض الأسري في الأمثال الشعبية، بل قد يجد مبالغة في الأمر، خصوصا أن في الأمثال نكهة ساخرة مرحة، وكأنها تروج “لمشروعية” هذا التحريض وتنفيذه. والمشروعية تمهد للموافقة، والموافقة هي في أساس الأحكام العامة القمعية التي تشكل النسيج المضموني والبلاغي للمثل الشعبي. ان هذه السخرية سمحت للعنف أن يمتد كإخطبوط بحري بعدة أرجل.. انه هناك في وسائط النقل العمومي وفي أماكن العمل والمدارس والأندية الرياضية والكليات والمستشفيات، وفي المؤسسات الدينية والاجتماعية. انه في الحقيقة عنف مشروع مبني على التمييز البحت و موجه ضد المرأة بناءا على جنسها.

من بين هذه الأمثلة أذكر:

- اقطع راس البس من ليلة العرس

- تزوجت أختي يا سعادة بختي (أي جاء دوري في الزواج. بما ان الكبرى تزوجت فأنه أتى دور الصغرى في الزواج)

- اذا ما بدك تزوج بنتك غلي نقدها (خيار الزواج)

- البنت حظها متل البطيخة (خيار الزواج)

- اذا كان بدك تصون العرض و تلمه زوج بنتك من هل عينها منه. (خيار الزواج)

- البنت اذا سلمت من العار بتجلب العدو للدار (والعدو هنا هو الصهر الذي يطالب بارث زوجته)

- اخطب لبنتك قبل ابنك (لستر عرضها)

- سترة البنت جازتها (لستر العرض)

- ما بتنفق بنت الحارة الا وراها الف سمساره.

- البنت إما جبرها أو قبرها

- شرف المرأة مثل عود الكبريت.. يشتعل لمرة واحدة
- الرجل حصان لا يعيبه شيء.. إنما يعيبه جيبه فقط
- الرجل إن زنى كالسيف إن انجلى
- موت وليتك من طيب نيتك

5- العنف غير الموثق في الامثال

هنالك الكثير من أشكال العنف بحد ذاته وبخصوصيته غير الموثقة في الذاكرة او الأمثال الشعبية، لكنها كلها تستند على روح الازدراء والدونية الموثقة بوضوح، واعتبارها شبه مقدسة في هذه الذاكرة العتيدة.

هناك عنف مشروع يرتكب من قبل “الدولة ومندوبيها ووكلائها، كأعضاء الهيئات التشريعية والتنفيذية والقضائية وكذلك موظفي تنفيذ القوانين والقوات العسكرية وقوات الامن.”[12] انه يتبدى على شكل أفعال تعذيبية أو معاملة غير إنسانية او عقوبة قاسية. ان الحكومات ترتكب العنف ضد المرأة بقوانينها وسياساتها كالسياسات التي تجرم سلوك المرأة الجنسي، وتلك السياسات المعنية بالتعقيم و الحمل القسري والإجهاض القسري وتلك المعنية بالحجز الوقائي للمراة (أي سجنها) وتشرع سيطرة الذكر عليها. ان التغاضي عن العنف يكون أيضا بعدم الاكتراث بتنفيذ القوانين التي تدين مرتكب العنف والإفلات من العقاب. لكن ذلك العنف المرتكب في السجن مثلا من يعاقبه ومن يدينه ومن يقر به؟؟!! انه يتجلى في مراقبتها أثناء الحمام أو تغيير ملابسها وفي جعلها تخلع ملابسها أثناء التفتيش أمام الرجال وفي التحرش الجنسي الكلامي بها، ثم الرقابة التي يفرضها ضباط السجون على حياتها اليومية…الخ.[13]

واخيرا…ان الإيحاء بقتل الأنثى “صراحة” غير موثق او موجود في الأمثال الشعبية وان كان هناك تحريض عليه بالمعنى التأديبي للكلمة. غير أن موت الأنثى ان كان بقرار الهي فهو مستحب علانية كالمثل الذي يقول “ما أحلى فرحتهم لو ماتوا بساعتهم”. أيضا لا يوجد أمثال تطلب علانية الاتجار بالمرأة و استغلالها جنسيا ولا رشق المرأة بالاسيد او تشويهها ولا ذلك العنف الذي يتصل بالفوارق الاثنية او الدينية، ولا يوجد مثل على استغلال الخادمات. لكن القتل الشعبي اذا اردنا ان نطلق عليه هذه التسمية، يرتبط بمظهره الشغفي او العشقي اكثر مما يرتبط بمظهره الجنائي المتعمد، بمعنى انه يتم بسبب غيرة مفرطة او حب للتملك او شوق كقول بعض الأمثلة “ضرب الحبيب زبيب ولو بقضيب رمان و لو بحجر صوان” او “الحب اعمى “او” من الحب ما قتل”.

:::::

الموقع الالكتروني للكاتبة:

http://www.gladysmatar.net


[1] دراسة متعمقة بشأن جميع أشكال العنف ضد المرأة - تقرير الامين العام.

NGO Working Group on Women, Peace and Security, Fact Sheet on Women and Armed Conflict, October 23, 2002, available at: http://www.iwtc.org/212.html

[2] المرجع السابق نفسه

[3] See Harway, M. and O’Neil, J., eds., What causes men’s violence against women (Thousand Oaks, Sage Publications, 1999); WHO Multi-Country Study on Women’s Health and Domestic Violence Against Women: Initial Results on Prevalence, Health Outcomes and Women’s Responses (Geneva, WHO, 2005);.and WHO, World report on violence and health (Geneva, WHO, 2002)

[4] See http://www.ohchr.org/english/about/publications/docs/FAQ_en.pdf ; and Clapham, A., Human Rights Obligations of Non-State Actors (Oxford University Press, 2006)

[5] كتاب ” الامثال الشعبية الشامية ” - لنزار الاسود - مكتبة التراث الشعبي - دمشق.

[6] موقع ديوان العرب على الانترنيت - الامثال الشعبية العالمية .

[7] Potgieter, C., “Gender, culture and rights: challenges and approaches of three Chapter 9 Institutions”, Gender, Culture and Rights, Agenda Special Focus, vol. 115 (2005), pp. 154-160, 159, quoting Chanock, M., “Culture and Human Rights: Orientalising, Occidentalising and Authenticity”, in Mamdani, M., ed., Beyond Rights Talk and Culture (New York, St. Martin’s Press, 2000), p. 15. ( See note 1, para. 61; E/CN.4/2004/66; and E/CN.4/2002/83, para. 5

[8] E/CN.4/2000/68/Add.5; and Merry, S. E., “Constructing a Global Law? Violence against Women and the Human Rights System”, 28, Law and Social Inquiry (2003)

[9] Saltzman, L., Fanslow, J. L., McMahon, P. M. and Shelley, G. A., Intimate partner violence surveillance: Uniform definitions and recommended data elements, version 1.0. (Atlanta, Centers for Disease Control and Prevention, National Center for Injury Prevention and Control, 2002)

[10] Federal Ministry for Family Affairs, Senior Citizens, Women and Youth, Health, well-being and personal safety of women in Germany: A representative study of violence against women in Germany (Bonn, Federal Ministry for Family Affairs, Senior Citizens, Women and Youth, 2004). Central research results available at http://www.bmfsfj.de

[11] UNFPA, State of World Population 2000 (New York, UNFPA, 2000); Kogacioglu, D., 2004. “The tradition effect: Framing honor crimes in Turkey”, Differences: A Journal of Feminist Cultural Studies, vol. 15, No. 2 (2004), pp. 119-151

[12] تقرير الامين العام - دراسة متعمقة بشان جميع اشكال العنف ضد المراة - 2006 ص 85.

[13] See E/CN.4/1998/54; E/CN.4/2004/66/Add.1; Human Rights Watch, All too familiar: Sexual abuse of women in U.S. state prisons (1996); Arbour, L. Commission of Inquiry into certain events at the Prison for women in Kingston (Public Works and Government Services, Canada, 1996)

مناهضة التطبيع في البحرين:

15 مارس 2010

جمعية العمل الوطني الديمقراطي تستنكر لقاء وزير الخارجية قادة اللوبي الصهيوني

الحملة الاعلامية الجديدة ضد المعارضة تستهدف إشغال المواطنين عن القضايا الكبرى

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2193 )

بعد فشل الضجة المفتعلة التي أعقبت خطاب الأمين العام لجمعية الوفاق في مؤتمرها العام الذي تحدث فيه عن الموقف المعروف للمعارضة حول أهمية الحكومة المنتخبة في أي ملكية دستورية، بدأت القوى الموالية للحكم حملة جديدة، هذه المرة بحجة مقابلة جمعية الوفاق للسفير البريطاني. هذه الضجة المفتعلة محاولة للتشكيك في وطنية أحد أطراف المعارضة رغم أن السفير البريطاني والأمريكي وغيرهم من السفراء يقومون بشكل مستمر بمقابلة النواب والسياسيين والتجار والجمعيات والشخصيات وزيارة الشركات والمصانع وحضور المجالس الرمضانية دون ضجيج أو تحريض إلا عندما يتعلق الأمر بلقاء مع أحد المعارضين.

فقد قابل السفير البريطاني في أوقات سابقة نوابا من كتلتي الأصالة السلفية والمنبر الاسلامي (إخوان مسلمين) اللتان ساهمتا في الحملة الاعلامية ضد الوفاق. كما قابل مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق سياسيين من الموالاة والمعارضة في جناحه بفندق الريتز أثناء زيارته البحرين عام 2005 وناقش معهم الوضع السياسي في البحرين. ويقوم ممثلون لقوى الموالاة والمعارضة بالتحدث عن الأوضاع الداخلية للبحرين عند استضافتهم من قبل قنوات تلفزيون وراديو عربية وأجنبية أو في مؤتمرات وندوات خارجية.

والغريب أن يدور الحديث عن تدخلات سياسية بريطانية أو أمريكية بمجرد لقاء سفير بالمعارضة أو بسبب ندوة تقام في لندن أو واشنطن رغم أن الجميع ُيدرك أن العلاقات بين البحرين وكل من بريطانيا والولايات المتحدة هي علاقات متينة واستراتيجية حيث تحتضن البحرين قاعدة الأسطول الأمريكي الخامس بالجفير. فكيف يكون حلفاء نظام الحكم وأصدقاءه المقربون الذين يوفرون له السلاح والمستشارين الأمنيين والحماية العسكرية هم في نفس الوقت حلفاء لمعارضة تطالب بابعاد المنطقة عن الأحلاف العسكرية التي تجمع واشنطن ولندن بعواصم الخليج العربي؟

وفي الوقت الذي يرتفع صوت نواب وجمعيات وشخصيات معسكر الموالاة مطالبين بمعاقبة جمعية الوفاق ومحاسبتها على مجرد لقائها بالسفير البريطاني، يسود معسكر الموالاة صمت مطبق حول عمل خطير قام به وزير خارجية البحرين بلقائه مطلع فبراير الماضي قادة الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة. فقد استضاف الحاخام شيمتوف وزير خارجيتنا في حفل عشاء شمل منظمة الأيباك وهي اللوبي الصهيوني الكبير في واشنطن الداعم لسياسات “إسرائيل”، وكذلك الرابطة اليهودية ضد التشهير التي تقوم بمهاجمة كل منتقد للدولة اليهودية بحجة معاداته للسامية. العذر الذي ساقه وزير الخارجية حول حرصه على مقابلة مكونات الشعب الأمريكي عذر واه لأنه ليس من المقبول لقاء زعماء اللوبي الذي يشن الحملة تلو الأخرى ضد الموقف العربي دعما للكيان الصهيوني، وما يكشف خطورة هذا التوجه هو ما نُقل عن وزير الخارجية خلال اللقاء قوله “علي الجميع أن يدرك أن إسرائيل لها وجود تاريخي في منطقة الشرق

الأوسط وأنها موجودة هناك في تلك المنطقة وللأبد”، وأضاف “حينما يدرك الآخرون تلك الحقائق فإنه سيكون من السهل التوصل للسلام بين دول المنطقة وإسرائيل” على حد تعبيره!! هذا القول لوزير عربي يُضفي شرعية على الاحتلال الصهيوني للأراضي العربية ويجيز استمرار تهويدها بحجة “وجودها التاريخي الأبدي”.

حملات التشهير المتوالية ذات النفس الطائفي التي يُجيش لها بعض أهل الحكم مؤشر لأزمة الحكم في إحتواء الغضب المتزايد من أبناء الشعب بسبب انتشار الفساد وسط كبار المسؤولين وفشل السياسات الحكومية في الإسكان ورفع مستوى المعيشة رغم كل الثراء الذي إنهال على أهل السلطة والنفوذ. هناك من يُريد إشغال المواطنين بالقضايا الصغيرة- التي يصطف فيها الناس حسب مذاهبهم لا حسب مصالحهم ومستقبل أبنائهم- حتى يتسنى له في غفلة منهم الاستحواذ على الأراضي والمال العام. الموقف الوطني المطلوب هو التضامن بين جميع القوى الوطنية المعارضة، واستمرار المطالبة بملكية دستورية حقيقية لا تقوم على امتيازات عائلية أو قبلية، وبحكومة ديمقراطية منتخبة، وبمحاسبة ومساءلة كل المسؤولين الذين يتسببون في هدر المال العام أو سرقته.

جمعية العمل الوطني الديمقراطي ( وعد )

3 مارس 2010

مشاهد رام الله المحررة: أنشطة وبيانات التطبيع الثقافي ومنه الأحمر

15 مارس 2010

ثابت عكاوي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2193 )

لست ادري اللغة الأم للمصطلح (سكلانس)، وإن كنا نعرف معناه العام بأنه خليط عجيب أو عدة مخاليط غير متجانسة وغير قابلة للتفاعل الكيميائي حتى تتجانس او يُخرج منها عنصر جديد.

هذا حال الأرض المحتلة اليوم. بلد لا يحكمها اي معيار من معايير دنيا السياسة والكيانات السياسية، استقلال بلا سيادة، سلطة بلا ارض، اقتصاد بلا إنتاج…الخ

في زيارة لمكتب صديق قريب، سمعت صوت طبول وأدوات موسيقية (بورزان- كما يقول الترك) . نظرت إلى الشارع وإذا قرابة خمسين رجل يرتدون بزة كشفية ويسيرون في طابور عسكري، ولكن بأيدي مرخية وسيقان تتباعد بطريقة غير منضبطة. ووراء هؤلاء تُرفع يافطة مكتوب عليها:

13 آذار يوم الثقافة الوطنية!

اثار هذا الشعار في راسي تساؤلات قاسية:

ما هي الثقافة الوطنية الفلسطينية؟ هل هناك اصلاً ثقافة وطنية فلسطينية؟ فالثقافة الوطنية تعني:

اولا: أن هناك وطنًا محتلاً لا يسميه اهله (الوطن المحتل) هل يجوز هذا؟

ثانياً: أن الوطن كل فلسطين، وليس ما يتم تدريسه في المدارس بأن الوطن من جنين إلى خانيونس.

ثالثاً: أن الثقافة الفلسطينية هي جزء من الثقافة الفعلية اي العربية.

رابعاً: تكون هناك ثقافة وطنية حين يكون هناك مثقفون وطنيون؟ فهل المثقفون الذين يعيشون على التطبيع او يسكتون عن التطبيع او لا يهتمون بالتطبيع أو يرضون بفلوس الأنجزة أو يصرخون لتحسين حصصهم من المال الممنوح حراماً هم مثقفين وطنيين؟

خامساً: هل الاحتفال بيوم الثقافة الوطنية هو بالمارشات والطبول ام بتقييم علمي نقدي موضوعي لأداء المثقفين واختبار حدود أو مستوى عطائهم فنيا ووطنيا وارتباطهم بقضيتهم وتعبيرهم عنها.

سادساً: من بين الخمسين ممن شاركوا في هذا العرض العسكري الثقافي/التطبيلي في الحقيقة، لم اشهد اية إمرأة! ربما افضل لها.

المشهد الثاني

في اليوم نفسه، نشرت جريدة القدس خبرا أن عملا مسرحياً عرض مساء 12 آذار كعمل مشترك أميركي-فلسطيني بعنوان “من القدس مع حبي…ناجي” والعمل ممول من القنصلية الأميركية في القدس.

كاتب النص اسمه عزام ابو السعود، والفرقة التي تبنته هي مسرح الحواتي، ومديرها اسمه جمال غوشة. وكما ورد على لسانه “ان هذا العمل يحمل رسالة إنسانية حول أهمية التبادل الثقافي”.

يحار المرء اي تبادل ثقافي مع القنصلية الأميركية ؟ ألم يسمع هؤلاء الناس من هي الولايات المتحدة، لا نقول في مذابح العراق وافغانستان، بل هنا في فلسطين! تقدم بضع دولارات لمسرحية وتقدم لإسرائيل طائرة فانتوم!

فاين هي الثقافة الوطنية والمثقفون الوطنيون من هكذا اختراق وفضائح؟ ام أن المثقفين قد بِيعوا وبايعوا على الوطن؟

المشهد الثالث

وفي اليوم نفسه، كانت مجموعات من الصبية يوزعون على منعطفات شوارع المدن في الضفة المحتلة بوسترات صغيرة عليها صورة ما يسمى في عرف المرحلة “مطرب” من مصر اسمه عمرو مصطفى. الذي سوف يحيي حفلا في سرية رام الله الأولى يوم الخميس 18 أذار الجاري.

والحفل بالتعاون مع الاتحاد العام للفنانين الفلسطينيين وهو الاتحاد الذي فتحت له القننصلة الأميركية قبل بضع سنوات بيتها ليعرض هؤلاء الفنانين رسوماتهم.

بكلمة أخرى، فاتحاد الفنانين يمارس التطبيع “الفني”، وسرية رام الله تمارس التطبيع الأحمر، بما هي مؤسسة يُقال إنها يسارية.

ماذا يقول المثقفون الفلسطينيون إذن؟ هل سيكتب أحد سطراً؟

إذا كان لامرىء فرد ان يشهد كل هذه الأعمال الخطيرة والتخريبية بل عثر عليها قدمه دون بحث، فكم هو عدد الأعمال المشابهة في البلاد؟

وطالما أن كل هذه ضد الوطن وليس فقط الثقافة الوطنية، فماذا يفعل المثقفون؟ اين هم؟

إذا كانت الثقافة سكلانس، فماذا نقول في الاستجداء، والفساد، والسمسرة، وتفكيك القيَم.

وفي النهاية. هل هناك من قبضة من المثقفين لتقف ضد هذا؟

المشهد الرابع

صدر على إحدى المواقع الإلكترونية بيان ينقد اتحاد الكتاب الجديد بدأه أربعة كتاب هم: جميل هلال (أحد الموقعين على بيان أل 55 ضد العمليات الاستشهادية) ، وزكريا محمد (الذي أطلق مؤخراً صرختين : الأولى ضد مسرح القصبة، لكنه رفض التوقيع على عريضة ضد التطبيع!!! والثانية طالب بتحسين مقدار تقاعده من سلطة أوسلو) ، وفيحاء عبد الهادي ونجوان درويش.

يعترض هؤلاء على الانتخابات التي جرت مؤخراً لاتحاد الكتاب ويعتبرون الاتحاد لا يمثلهم.حيث تمَّ تعيين أمانة عامة للاتحاد، باتفاق فصائلي .

هذا البيان مطلبي مناصبي. لم يُشر إلى الوطن لا من قريب ولا من بعيد، ولم يلامس التطبيع، ولا أنشطة التطبيع الثقافي التي تنخر دماغ الثقافة العربية في فلسطين ومنها الأنشطة المذكورة أعلاه. فهل في فلسطين مثقفون وثقافة، فما بالك بوطنية!

إذا كان هؤلاء المثقفون ومن سيوقع معهم لا يكترثون بالتطبيع سواء مع إسرائيل أو اميركا، ففيمَ يقلقون!

الذاكرة الشعبية والعنف المشروع ضد المرأة (الجزء الاول)

15 مارس 2010

كلاديس مطر

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2193 )

مقدمة

إن أي حديث عن المرأة لا يُختزل بواحدة فقط، لأنه فضاء الشاهدة على عصرها والمشاركة في الجرم في آن، فضاء وحشة الحرملك المرة والاستلقاء الحر تحت شمسه، فضاء السيدة في ثياب الخادمة والعكس، فضاء البحث عن الأنوثة في جوارير المكاتب وقوانين العمل الذكورية الصارمة والتوق للاختباء في عباءة “سي السيد”، فضاء اللهث وراء الجوائز التقديرية والرغبة في الانزواء في مطبخ العائلة الممل، فضاء الخوف من الرجل وتخويفه، فضاء المساواة والتمييز، واخيرا فضاء محاربة العنف المشروع والسعي الخفي وراءه.

انه حديث لا يختزل بواحدة، ولا يسعى للثأر، ثم ينشغل عنه بالمجاملات وإنما يرى بعين التكامل مع وجدان الرجل، كل النساء ؛ تلك التي تفور بأنوثتها الوجدانية المحققة، وتلك التي تعاني من أنوثة متعطلة، تلك التي تطلب من الرجل كل شيء، وتلك التي لا تطلب إلا محبته واحترامه، تلك التي تتداعى روحها بسبب العنف النفسي والعاطفي المشروع، وتلك التي لا تحيا من دونه.

انه حديث لا يختزل بواحدة في حمية الدفاع عنها ضد كل أشكال التمييز والعنف، وانما هو خطاب يلم في داخله المرأة الطفل، والمراهقة الأبدية، والمرأة المنافسة، والمرأة العقلانية، والمرأة النرجسية، والمازوخية، وتلك التي تسعى في كل حركة للحصول على الأمن، وتلك التي تمارس الختان الروحي على نفسها، وتلك التي ختنت تحت مشرط “التهذيب البشع”. انه موجه حقا لامرأة كل يوم، لامرأة بلادي وبلاد العالم..

انه حديث عن المرأة التي ” تريد أن تضفي صفة شخصية على كل شيء، العاجزة عن تطبيق عدالة ما من دون ان تعرف الوجه الإنساني لمن هو موضوع الاتهام لأنها ترفض اللاشخصية في الكلمات والأفكار”.[1]

انه حديث عنها تلك الطالعة من الذاكرة الشعبية، والتي مجدتها الدراما السينمائية.. امرأة لم “يعمرها” رجل مفتون بها، و إنما آخر، أراد قطع رقبتها باسم الحب وادعاء الحفاظ عليها.

انه “حديث - بحث” عن النموذج القديم حين كانت “الأنثى - الكلمة ” ترف على وجه الماء الأولى، بحث عن المرأة المتعافية و المتصالحة مع ذاتها، السليمة والقوية والمتوارية في روح “تيامت” (أنثى الماء المالح في أسطورة اينوماايليش)، وفي روح صيادة انكيدو الجبار في جلجامش، و شتار ربة العشق التي لعنته وكانت سبب موته، و”عناة” التي قضت أيضا على اقهات في الكون الكنعاني القديم ، والزباء ملكة تدمر والجليلة بلقيس، وفاطمة الزهراء ورابعة العدوية وأسماء بنت بكر وخولة بنت الازور وكذلك السيدة خديجة ملهمة الرسول الكريم. انها فاتن حمامة الهشة الناعمة طيعة العود، المتوارية في روح الخيزران، زوجة الخليفة المهدي وام الهادي والرشيد وفي “ممتاز زماني” معبودة الهند وصاحبة تاج محل وكذلك مدام رولاند سيدة الحرية في فرنسا، ومدام دوستايل سيدة الفكر، وهيلين كيلر الروح التي قهرت العمى ولم يعرف العنف طريقه إليها. إنها سناء جميل القوية الصاخبة وصائدة الحق المتوارية في روح في مريم العذراء والمجدلية.

أفق الأسئلة

تفتح عبارة “العنف المشروع” أفقا هائلا من الأسئلة والصور، ليس عن المرأة فحسب، وإنما عن هذا العالم اليوم بشكل عام. إننا ندخل حقا في ألفية هذا النوع من العنف المبرر بحيث يبدو ذلك العنف الممارس ضد المرأة ربما الأخف وطأة.

فتحت قانون “مكافحة الإرهاب” العتيد، رأت الدنيا مجازر كثيرة وصل البعض منها إلى المليون روح، أخذهم هذا القانون في طريقه ” بقصد أو بغير قصد “من دون أن يحاكم احد على الإطلاق، بل العكس، كانت تقدم التبريرات الواحدة تلو الأخرى للانتهاكات الفادحة للروح والجسد ضد النساء والرجال على السواء.

لقد أصبح هناك فلسفات ووجهات نظر تطرز بها هذه التجاوزات المشروعة و تملح بالأمثلة والبراهين لدرجة أصبح منطقيا ان تعامل المرأة على رأي المثل الشعبي ” السجادة كل مرة بدها نفض او كالزيتونة التي لا تحلو الا بالرص او كمدقة الباب المباحة لكل الأيدي كل الوقت او كالبغلة او كالشيطان…الخ”.

لكن الأمر يتجاوز هذه الشكوى كما يتجاوز حقا تقارير الأمم المتحدة المدججة بالدراسات والإحصائيات المتاحة، وأقول المتاحة، لما في الأمر من صعوبة على الاستقصاء والوصول إلى الأرقام الحقيقة للانتهاكات و حوادث العنف المشروعة او التي تغض عنها قوانين الدولة والمجتمع الطرف. الأمر يتجاوز حقا كل هذا لأنه - برأيي - يتعلق في طبيعة الشخص الممارس للعنف، او القامع، أكان رجلا أم امرأة. والعنف والقمع وجهان لعملة واحدة في نسيج الشخصية، اذ انهما يتجليان في هذا الميل التدميري، وليس البناء للفرد. وفي كونه شخصية كارهة للمجتمع، او لنقل مؤيدة لأكثر قوانينه المكتوبة والشفهية، خطأ وتشويها وتدميرا.

والمستوى الثقافي كما أرى لا يتدخل كثيرا في تحسين سلوك الشخصية القمعية، وانما في اغلب الأحيان يجعل من وسائلها أكثر تعقيدا وتفننا. ففيروس الحريم يصيب مثلا الكثير من الرجال المتعلمين بعد الزواج، بينما قد نجد أميا ذا شخصية اجتماعية متفهمة وبناءة. و من هنا نفهم ان “المعلومة أي المعرفة” لا تلعب هذا الدور المفصلي في تهذيب الشخصية إلا اذا كانت هذه الأخيرة، سليمة نفسيا و منفتحة من دون ردود فعل دفاعية خاصة تجاه الدنيا حولها والناس. فلم تنفع عبقرية نيتشة الإبداعية في منعه من الاعتراف بثقة “لا تدخل على المرأة إلا والسوط في يدك”، ولا لاهوتية القديس توما من التصريح أن “المرأة إنسان ناقص التكوين و كائن عرضي”، ولا حتى فلسفة أرسطو من اعتبارها” مثل الهمجي الإغريقي”، ولا بصيرة أفلاطون من أن يراها “أحط طبيعيا من الرجل”، ولا موضوعية ابقراط العلمية الطبية من اعتبارها “مرضا آخر من بين الأمراض الأخرى”، ولا أدب توفيق الحكيم من أن يدينها ” كمخلوق تافه.. صنعت من ضلع تافه من أضلاع آدم وخرجت من الجنة و أخرجته بسبب تافه”.

الفرد القمعي ـ العنيف

فاذا كانوا مثل هؤلاء قد كتبوا عنها ما كتبوا، ألا يمكننا أن نفهم أن هناك خصائص ربما لمثل هذا النموذج الإنساني الفردي الذي أطلق في الذاكرة الشعبية أمثالا على شاكلة “المرأة مثل السجادة أو الزيتونة أو هي شيطان رجيم بحاجة للضرب أو الرص”، و ذلك بلغة عامية بسيطة بعيدة عن فذلكة النحو وتكلف البلاغة؟؟؟

الحق لقد لفت نظري تفنيد خصائص هذه الشخصية من قبل الفيلسوف الاميركي لافاييت ران هبارد كما هي واردة في بحث مطول له بعنوان “antisocial personality ” [2] او الشخصية اللاجتماعية، وذلك من بين العديد من مدارس التحليل النفسي والدراسات والأبحاث المنتشرة والمعروفة التي تعنى بدراسة الأنماط الشخصية للإنسان. ولقد وجدت في هذا التفنيد نموذجا لذلك الذي “يمارس العنف” ضد الآخرين بغض النظر إن كان هذا العنف مشروعا أو غير مشروع.

ولعل من أهم خصائص هذه الشخصية القمعية أو العنيفة هي في كون الفرد:

1) يتحدث انطلاقا من عموميات عريضة جدا، مبهمة وغير قاطعة او محددة. مثل “قالوا..”، “الكل يعتقد..”، “الجميع يعلم..”. إن مثل هذه العبارات هي التي تُعتمد دائما، خصوصا متى أراد الشخص نشر الشائعات حول الآخرين. ( والشائعة عنف مشروع متعارف عليه ؛ وهو تدمير الآخر وسمعته من خلال إطلاق أخبار مريبة وكاذبة عنه ). وعندما تواجه هذا الشخص سائلا إياه: “من هم الجميع…” ندرك ان الجميع ليسوا سوى مصدر واحد اعتمده الشخص القمعي او العنيف باعتباره رأي كل المجتمع، وذلك بقصد الوصول الى مآربه التدميرية. و الملاحظ يجد ان المثل الشعبي لا يشير الى خصوصية الحالات، وانما هو حكم عام. فعندما يتحدث عن المرأة فهو يقصد كل النساء، وعندما يتحدث عن الحماة او الكنة فهو لا يتحدث عن كنة بعينها او حماة بعينها وانما يشمل الجميع بعبارة او بتقييم واحد. المثل الشعبي هو حكم عام مطلق، وبهذا المعنى يعتبر مثلا قمعيا لأنه يلجأ الى التعميم، خالطا الصالح بالطالح.

2) القمعي - العنيف فرد لا يتعاطى او يتعامل الا مع الاخبار السيئة، والملاحظات النقدية الجارحة والعدوانية، والإهانات القمعية التي تقضي على معنويات الآخر. والمراقب لهذا النوع من الشخصيات سوف يرى انه فرد عاجز عن التلفظ بكلمات لطيفة او مشجعة، او نقل اخبار جيدة عن امر ما او انسان ما.

3) القمعي - العنيف فرد يحور و يبدل في الحديث الذي ينقله، بحيث يجعله اسوأ او ابشع وقعا على الاخرين. الاخبار الجيدة تتوقف عنده، يحتفظ بها في داخله و لا ينقل الا البشع منها، وفي اغلب الاحيان تكون الاخبار السيئة من اختلاقه هو.

4) من الاشياء المحزنة عن هذا النوع من الشخصيات انه لا يتفاعل او يظهر أي ردة فعل تجاه العلاج الجسدي او الاصلاح النفسي. انه مستهتر بصحته وعلى الأغلب يعتبر ان العلاج بحد ذاته عقيم ومدعاة إلى السخرية.

5) إن المحيطين بهذا النوع من الأفراد يشعرون بالتهديد. (وهذا نوع من العنف الخفي والمستمر والمشروع، طالما ليس ثمة عقوبة يمكن ان تطاله أو قانون جزائي يمكن ان يشمله) فإذا لم ينتهوا الى الجنون، فهم على الأقل يتصرفون بطريقة شاذة وخرقاء في الحياة. إنهم فاشلون ومتداعون. والملفت ان هذا النوع من الأفراد وأقصد المحيطين بالشخصية العنيفة - القمعية، يتحولون الى “مصدر كامن للمشاكل” (أي مسببين للمشاكل) الأمر الذي يجعل من المرأة الناجية من العنف، او تلك التي تتعرض له بشكل مستمر، والتي هي على علاقة ما بشخصية قمعية او عنيفة، امرأة مسببة للمشاكل لمن حولها. إنها امرأة غير مستقرة لا صحيا ولا نفسيا، كما ان مكاسبها الروحية قليلة لا تلبث ان تعود الى الانتكاس، المرة تلو الاخرى، من دون ان تتمكن من الاستفادة من خلفتيها المعرفية او الثفافية. وربما كان هذا هو السبب بوجود هذا الكم التراكمي من الأمثال الشعبية المعادية للمرأة في الذاكرة الجمعية للمجتمع التي تحرض على نبذها، و السخرية منها، وتجنبها، وحتى قتلها قتلا ناجزا. الحق ان المثل الشعبي لا يميز بين المرأة التي تتعرض للعنف فتتحول الى نموذج مسبب للمشاكل وبين النساء الاخريات. انه، كما اسلفنا، يشمل النساء جميعا ضمن حكم مطلق واحد عام.

ان المرأة التي تعيش في كنف شريك عنيف قمعي، تتمتع بمقاومة مناعية ضعيفة أمام الأمراض، وقدرة بطيئة على ترميم دفاعها الجسدي الذاتي العودة الى الصحة. ويبدو من العبث ان تعالج او تمرن او تعلم او تدرب مثل هذا النوع من النساء، طالما هن تحت تأثير هذا الفرد العنيف والقمعي، وهذا القانون ينطبق ايضا على كل الناس بشكل عام.

الحق ان اكبر عدد من المجانين -على راي هبارد- هم مجانين بسبب صلاتهم مع هذا النوع من الشخصيات، وهم غير قابلين على الشفاء لنفس هذا السبب. بينما نادرا ما نرى القمعي في مشفى الأمراض العصبية، وانما فقط “اصدقاءه” وافراد عائلته. الحقيقة ان المجنون الفعلي ليس ذلك القابع في هذه المشفى وانما ذاك الذي سبب وجوده هناك.

6) غالبا ما يتوجه العنيف - القمعي الي الهدف الخطأ. فاذا كان سبب مشكلته هي ألف فانه ينتقم من باء، واذا كانت جيم فانه يرد الصاع صاعين لدال…!!!!

7) القمعي - العنيف غير قادر على إنهاء عمل ابتدأ به. انه فرد محاط بأعمال وأشغال غير منتهية.

8) للقمعي العنيف قدرة على الاعتراف وببرودة أعصاب بأكبر الكبائر والجرائم من دون ان يشعر بمسؤوليته تجاهها، او بأي نوع من الخجل او الاسف. انه شخص يدعم المنظمات و التجمعات التدميرية، او التي نطلق عليها اليوم ارهابية، ويحبذ انشطتها و يعطيها مشروعيتها ويعارض تلك التي تسعى الى تحسين شرط الانسان وعالمه. والفنان كما يلاحظ هبارد بشكل خاص، يشكل جاذبا لهذا النوع القمعي- العنيف من الأشخاص الذين يرون في فنه شيئا يجب تدميره، وهم يفعلون ذلك بشكل مستتر باعتبارهم “أصدقاءه”.

9) للشخص العنيف- القمعي إحساس خاطىء بالملكية. إن فكرة ان يملك أي إنسان أي شيء، هي محض ادعاء بالنسبة له. فلا احد في الواقع ـ برأيه - يملك شيئا حقا. ولهذا فهو يعتدي حتى على الأملاك العامة وليس فقط على الآخرين حوله.

اما السبب الرئيسي الذي يدفع العنيف- القمعي لكي يتصرف على هذه الشاكلة بحسب نظرية هبارد، فيعود الى خوفه المستتر من الآخرين. فبالنسبة لمثل هذا الفرد يعتبر كل إنسان عدواً له يجب التخلص منه سرا أو علنا. اما بقاءه على قيد الحياة فيعتمد على الإبقاء على الآخرين في حالة مزرية أو في حالة جهل. و هذا هو العنف اليومي الذي يمارس سرا وجهارا من دون ان يحتويه قانون جزائي، أو يحيط به استنكار مؤسساتي حقيقي.

والحق ان العنيف يستشعر بالخطر الشخصي من أي إنسان يغدو أقوى وأفضل وأحسن وأغنى منه. ونظريته كما وضح هبارد مبنية على الفرضية التالية: “انه اذا كان الناس حولي ضعفاء أو مغيبين فإنهم سيهلكون ولا يغدو بعد احد ذكيا وقويا لدرجة يشكل فيها تهديدا لي”.

لكن لننتبه هنا، ان العنف الجماعي المتمثل في الانتهاكات الجنسية الذي يمارسه الجنود في النزاعات المسلحة يعتبر امراً رائجاً و معروفاً وهو لا يعني ان كل الكتيبة أو كل افراد الجيش يتمتعون من دون استثناء بخصائص هذه الشخصية القمعية العنيفة، وانما هناك ظروف معينة تفرض على الإنسان سلوكا معينا محددا بذاته. والإحصائيات الواردة في (الدراسة المتعمقة بشأن جميع أشكال العنف ضد المرأة في تقرير الأمين العام لعام 2006 ) تظهر حقائق مرعبة بالنسبة لهذا النوع من العنف “التقليدي”، وبالتالي المشروع ظاهريا الذي يحدث في فترات الصراع المسلح. ولقد ذُكر في هذا التقرير تحت بند (العنف ضد المرأة في الصراع المسلح) “أن النساء يتعرضن لكل أشكال العنف الجسدي في هذه الفترات من الصراع، وهو عنف تمارسه جهات فاعلة تابعة للدولة، و جهات فاعلة غير تابعة لها. ومن بين هذه الأشكال، هناك العنف المتعمد وأنواع القتل غير المشروع، والتعذيب والتعاطي القاسي والمهين والاختطاف والاسترقاق الجنسي والاستغلال الجنسي واقتطاع أجزاء من الجسد أو تشويهها والتجنيد القسري للنساء كمقاتلات والاعتقال التعسفي والزواج القسري والبغاء القسري والإجهاض القسري والتعقيم القسري.”[3] وكل هذا يستخدم في فترات الصراع كشكل من أشكال التعذيب. إما لإلحاق الأذى بالمرأة أو لابتزاز المعلومات أو لإهانة المجتمعات وتخويفها وتدميرها، وكذلك لإهانة الأعداء وطرد المجتمعات أو فئات عرقية معينة من أرضها، أو لنشر فيروس المناعة البشرية عن قصد.[4] ومن أهم البلدان التي مورس فيها هذا النوع من العنف أفغانستان وبوروندي وتشاد وكولومبيا وكوت ديفوار وجمهورية الكونغو الديمقراطية وليبريا والبيرو والشيشان / الاتحاد الروسي ورواندا وسيراليون ودارفور في السودان وشمال اوغندا ويوغوسلافيا السابقة.[5]

عود على بدء نقول أن الشخصية القمعية- العنيفة لا يمكن ان تدرك انها كذلك. وليس صحيحا انه لو عثرت فيك على احد خصائص هذه الشخصية انك منهم. فالنقد الذاتي رفاهية لا يمكن للقمعي- العنيف ان يحصل عليها. فقط الانسان متوازن العقل يمكن له ان يصحح من سلوكه.

إن من الحكمة بمكان ان يؤخذ بالحسبان تعميم خصائص هذه الشخصية لتصبح جزءاً من ثقافة المجتمع تماما، فلا يتم تعيين قمعي او ميال للعنف في أي منصب حساس اكان سياسيا او اجتماعيا او اقتصاديا او اداريا تنفيذيا.. وذلك لان القمع ليس ظرفا او حالة او شرطا وانما هو انسان، والعنف كذلك.

الذاكرة الشعبية وشرعنة العنف

تعد الذاكرة الشعبية سلة ثقافية متكاملة. انها مرآة نقية غير مجاملة، وفوق هذا وذاك انها تبدو بلا روح، وذلك لصرامة صراحتها التي تصل أحيانا الى حدود الفجور صورة ولفظا. الذاكرة الشعبية شريط بانورامي يعج بالأفكار والأمثال والحكايات ووجهات النظر والفرضيات والآداب والفنون والتسالي وثقافة الجسد والتراث المعماري والعلوم والأخلاقيات والطباع والعقائد والطقوس والعادات من كل صنف ونوع، وتطور اللغة والعلاقات المدججة بقواعد المجتمع والاقتصاد والدين والسياسة.. انها شريط يختزل أنواع الرجال والنساء وكذلك تاريخ تطور المطابخ المحلية والأطعمة والأزياء وفن الحروب والزراعة والصناعة وعلم تشريح الحب والكره وسلم الأمزجة البشرية والأحلام التي لم تجد منفذا لها إلا في الشكوى والموت البطيء، وكذلك قهقهات النصر ولحظات الفرح العابرة. إنها وعاء تصنعه ربما معارك القادة المدججين وأكاليل المجد المضفرة على رؤوس الحكام والمشرعين العسكريين و جنرالات المراحل، و هي ايضا خزانة لخرق الفقراء ولأغطية النساء المقدسة عبر العصور. انها تاريخ الحجب والحريم الاحتفالي وكل ما يمت اليهما بصلة من أمثال وقصص وقوانين وممارسات.

لكن هذه الذاكرة الشعبية ليست إحدى وسائل الأعلام بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، مع ان تأثيرها يماثل تأثيره، وان كان بطريقة أبطأ و ضمن حركة أوسع واشمل وأكثر تجذرا. وبالرغم من ظهور ثقافة أخرى او ذاكرة أخرى في المجتمع وهي الثقافة الوطنية القومية والثقافة العالمية بحيث بدت الذاكرة الشعبية وكأنها حاضرة غائبة بشكل ما، الا أن تأثيرها على الثقافة الوطنية أو على الشخصية المجتمعية الوطنية للفرد، حقيقي بشكل ما، وهي نادرا ما تفند او يدقق فيها، وانما تتسلل الى نسيج روح الفرد بهدوء وتؤدة مع التربية والنقل الشفاهي التواتري عبر الأجيال.

ما يميز الثقافة الشعبية المدنية عن أية ثقافة تلقينية أخرى هو في كونها مربوطة تلقائيا وطبيعيا بالصيرورة الزمنية والمكانية لحركة التاريخ ؛ اي أنها نتاج لصراع الطبقات والأجيال والعقائد ووسائل الإنتاج، بينما ليس هو الحال تماما في الثقافة الدينية التي لم تصل إلى الإنسان نتيجة لأي صراع فكري أو مادي معين، وإنما لقنت له وقدمت بكل ما تحمله من خطوط حمراء وثوابت. وبسبب سرعة تناقلها فقد ساهمت النساء أنفسهن مع الرجال في نقلها عبر الثرثرة ودعم أدبياتها التربوية غير السوية في المنزل كتشجيع الأخ على تأديب أخته، وضرب الزوج لزوجته، وعدم السماح للمرأة بالتحكم بإدارة المنزل الاقتصادية، وأشكال العنف الأخرى التي تعتمد على الإهانات المستمرة والتقليل من شأنها وعزلها روحيا ونفسيا… الخ.

:::::

الموقع الالكتروني للكاتبة:

http://www.gladysmatar.net


[1] بيير داكو ( بحث في سيكولوجية الأعماق - المرأة؟ ) ص 407 ” الدار المتحدة ” ترجمة وجيه اسعد.

[2] How to Confront and Shatter Suppression ( PTS/SP) course. By R.HUBBARD. Bridge Publication HCO PL 27 sept.66 ( the antisocial personality ).

[3] الدورة الحادية و الستون - البند 60 (أ) من جدول الأعمال المؤقت - النهوض بالمراة، دراسة متعمقة بشأن جميع أشكال العنف ضد المرأة - تقرير الامين العام.

[4] NGO Working Group on Women, Peace and Security, Fact Sheet on Women and Armed Conflict, October 23, 2002, available at: http://www.iwtc.org/212.html

[5] ) أ ( Swiss, S., Jennings, P. J., Aryee, G. V. et al., “Violence against women during the Liberian civil conflict”, Journal of the American Medical Association, vol. 279, No. 8 (February 1998), pp. 625-629.

) ب ( Giller, J., Bracken, P. and Kabaganda, S., “Uganda: War, Women and Rape”, Lancet, vol. 337, No. 604 (March 1991).

) ج ( Hynes, M., Ward, J., Robertson, K. and Crouse, C., “A determination of the prevalence of gender-based violence among conflict-affected populations in East Timor”, Disasters, vol. 28, No. 3 (September 2004), pp. 294-321.

) د ( Amowitz, L., Reis, C., Lyons, K., Vann, B., Mandalay, G., Akinsulure-Smith, A. et al., “Prevalence of war-related sexual violence and other human rights abuses among internally displaced persons in Sierra Leone”, Journal of the American Medical Association, vol. 287, No. 4 (January 2002), pp. 513-52

قصص محزنة عن ضحايا الإبادة الثقافية

14 مارس 2010

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2192 )

بالمصادفة البحتة وفي أسبوع واحد استمعت إلى المقابلة التي بثتها محطة البي بي سي مع حمد عمار النائب العربي (وليس الدرزي كما يُعرف نفسه وتعرفه وسائل الإعلام) في كنيست الكيان الصهيوني، وإلى مصعب يوسف وهو يرطن بالإنكيزية ويبرر خيانته من منفاه الأمريكي الذي هاجر إليه بعد أن غير دينه و وطنه ولو استطاع لغيّر لون جلده كما فعل مايكل جاكسون ليصير رجلاً أبيض يرطن بالإنكليزية .

ما يجمع بين الشخصين رغم أنهما لا يعرفان بعضهما أنهما ضحيتان من ضحايا الإبادة الثقافية التي تتعرض لها أمتنا بشكل منظم على يد الغرب منذ قرن و نيف تقريباً . فهما يتبنيان الرواية الصهيونية كاملة، فالأول، حمد عمار المنتمي إلى حزب ليبرمان العنصري الذي يحتقر العرب بكافة مذاهيهم وطوائفهم، يُصر على انتمائه الدرزي ويعلن بشكل شبه معلن أن لا علاقة له بما يسمى الوسط العربي لأنه ممثل للدروز فقط، وهذا تبن أعمى لما يحاول الغرب منذ قرنين ترسيخه في عقول أبناء الأمة وهو أن لا وجود لأمة عربية بل مجرد طوئف واثنيات ونجد ذلك واضحاً العملية السياسية التي أقامها الأمريكان في العراق على أسس طائفية تقسم العراقيين إلى سنة وشيعة لتُنكر وجود شيء اسمه العرب . فحمد عمار يعرف نفسه كدرزي فقط، كما أنه يكرر كلاماً ببغائياً عن ديمقراطية الكيان الصهيوني المزعومة، ولو أكمل لقال نفس ما يقوله الصهاينة عن أنفسهم عن “أنهم واحة الديمقراطية والتقدم في محيط دكتاتوري متخلف” وهو بالمناسبة نفس منطوق ما يسمى بوزير خارجية العراق عن الديمقراطية التي جاءت مع دبابات الاحتلال، وهو في المحصلة النهائية مجرد ضحية من ضحايا الإبادة الثقافية التي يمارسها الغرب على كل شعوب الرابطة الإسلامية منذ قرنين وأكثر ونتج عنها ايرانيون وأكراد يعتقدون أنهم آريون، وأتراك يركضون وراء أذيال الإتحاد الأوربي، وعرب يحتقرون ذواتهم، والجميع يقلد الغربي في مأكله وملبسه ومشربه ويتمنى لو أن بشرته كانت بيضاء حتى اللون الأحمر الاسكندنافي، ولو أنه يرطن بالإنكليزية، ويندب حظه مع الجغرافية التي جعلته بعيداً عن سويسرا، كما كان زعيم عربي راحل يشتم الجغرافيا التي ظلمت بلده حين جعلته في هذا المكان وليس في أوربا .

ولا يختلف عن هذا التشخيص منطوق مصعب يوسف الذي يعلن إدانته للمقاومة، ويقول إن أيدي المقاومين ملوثة بالدماء، وأنه فعل ما فعل من خيانة لأمته وشعبه وحتى لأسرته كي ينقذ دماء الأبرياء . فهذه هي مقاربة الكيان الصهيوني الغاصب للصراع الذي يدور على أرض فلسطين العربية حيث يصور هذا الكيان الغاصب نفسه ضحية للمتوحشين المحيطين به الذين يريدون إبادته. كما يقوم بقلب حقائق الصراع فيصبح الكيان الغاصب المعتدي ضحية، ويصير الضحية المعتدى عليه قاتلاً!

الإبادة الثقافية هي أن تتبنى نظرة الآخر لك، فتسمي نفسك كما سماك، و تحتقر عاداتك و تقاليدك، وتخجل من أهلك، وتبدل ملابسك بملابس عدوك . يضرب الباحث منير العكش مثلاً على ذلك بقبيلة “سو” من الهنود الحمر تتلخص القصة في أن الغزاة الأوربيين أطلقوا على هذه القبائل والشعوب الناطقة بلغة أوجيبوا Ojibwa في سهول الشمال الأمريكي بين نهر المسيسبي والجرودRocky Mountains، أطلقوا عليها اسم ((سو))، وهو اسم مشتق من لغة الهنود أنفسهم من كلمة تعني الأفاعي المخاتلة ((فقد استعاروا الكلمة Nadouessioux من لغة الضحايا ثم اختصروها إلى ((سو)) Sioux لتتناسب مع أنظمتهم اللغوية….)) ولفرط ما تعرضت له هذه الشعوب من إبادة ثقافية تبنت الاسم الذي أطلقه جلادوها، فهنود هذه القبائل يسمون اليوم أنفسهم ((سو))، أي الأفاعي المخاتلة، ويلقنون ذلك لأبنائهم وأحفادهم!!!

نقطة الضوء الوحيدة في القصص السابقة أنها قصص فردية وتكاد تنحصر في أوساط المثقفين، ولو كانت غير ذلك لما أفردت لها الصحف ووكالات الأنباء مساحات واسعة . فهي الاستثناء وليست القاعدة.

تأملات الرفيق فيدل كاسترو: الأخطار المحيقة بنا

14 مارس 2010

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2192 )

ليست القضية قضية أيديولوجية مرتبط بالأمل الذي لا مفر منه بأن وجود عالم أفضل هو أمر ممكن ويجب أن يكون ممكناً.

من المعروف أن الجنس البشري موجود منذ نحو مائتي ألف سنة، وهو ما يعادل حيزاً لا يكاد يُذكر من الفترة المنقضية منذ نشوء أشكال الحياة الرئيسية على كوكبنا منذ حوالي ثلاثة مليارات سنة.

الردود أمام ألغاز الحياة والطبيعة التي لا حلول لها كانت وما تزال بشكل أساسي ردود ذات طابع ديني. لا مغزى للسعي لأن تكون هذه الردود ذات طابع مختلف عن هذا، وأنا على قناعة بأن الأمر لن يكون أبداً غير ذلك. كلّما زاد تعمّق العلوم في تفسير وشرح الكون والفضاء والزمن والمادة والطاقة والكواكب التي لا نهاية لها والنظريات عن أصل ومنشأ المجرّات والنجوم والذرات والجزيئيات منها التي أوجدت الحياة وقصرها، وملايين الملايين من التركيبات في الثانية الواحدة التي تحكم وجودها، كلّما طرح الإنسان مزيداً من الأسئلة بحثاً عن إجابات ستكون يوما بعد يوم أكثر تعقيداً وصعوبة.

وكلما زاد انهماك أبناء البشر في البحث عن إجابات لأسئلة بكل هذا العمق والتعقيد والمتعلقة بالذكاء، كلّما زادت أهمية الجهود الرامية لإخراجهم من جهلهم حول الإمكانيات الفعلية لما خلقه وما وهو قادر على خلقه جنسنا الذكيّ. إن العيش مع جهل ذلك هو النفي الكلّي لصفتنا البشرية.

غير أن هناك أمر صحيح على الإطلاق، وهو أن قليلين جداً هم الذين يتصوّرون كم يمكنه أن يبلغ من دنو موعد اندثار جنسنا. قبل عشرين سنة من اليوم، وخلال قمة عالمية حول البيئة انعقدت في ريّو دي جانيرو، تناولتُ هذا الخطر أمام جمهور منتخب من رؤساء الدول والحكومات، ممن أصغوا باحترام واهتمام، مع أنه بلا شيء من القلق إزاء الخطر الذي كان يحسبون المسافة الفاصلة عنه بقرون من الزمن، وربما بألفيات. فهم كانوا يرون بكل تأكيد أن التكنولوجيا والعلوم، بالإضافة إلى حسّ أساسي بالمسؤولية السياسية، ستكون مجتمعة قادرة على مواجهة هذا الخطر. وبصورة كبرى لشخصيات هامة، بينها أكثرها قوة ونفوذاً، تكللت بسعادة تلك القمة الهامة. لم يكن هناك أي خطر.

بالكاد كان يُحكى عن التغير المناخي. جورج بوش الأب وغيره من الزعماء اللامعين لحلف الأطلسي، كانوا يحتفون بالانتصار على المعسكر الاشتراكي الأوروبي. الاتحاد السوفييتي تفكّك ودمِّر. سيل جارف من الأموال الروسية انتقل إلى البنوك الغربية، وتفكك اقتصاده، وكان درعه الدفاعي في وجه القواعد العسكرية لحلف الناتو قد سقط أيضاً.

القوة العظمى السابقة التي قدّمت أرواح أكثر من 25 مليوناً من أبنائها في الحرب العالمية الثانية، لم يبقَ لديها سوى القدرة على الرد الإستراتيجي لقوتها النووية، التي كانت قد اضطرت لخلقها بعدما طوّرت الولايات المتحدة سراً قنبلة نووية ألقتها على مدينتين يابانيتين، في وقت لم يكن الخصم المهزوم بفعل تقدم القوات الحليفة في ظروف تسمح له بالقتال.

هكذا بدأت الحرب الباردة وصناعة آلاف القنابل النووية-الحرارية، الأكثر دقّة وقدرة تدميرية يوماً بعد يوم، والقادرة على إبادة سكان المعمورة عدة مرات. غير أن المواجهة النووية تواصلت، وباتت القنابل أكثر دقة وأكبر قوة تدميرية يوماً بعد يوم. روسيا لا تستكين للعالم أحادي القطب الذي تسعى واشنطن لفرضه. بلدان أخرى مثل الصين والهند والبرازيل تصعد بقوة اقتصادية غير معهودة.

في عالم معولَم ويطفح بالتناقضات، خلق الإنسان وللمرة الأولى القدرة على تدمير نفسه بنفسه. يُضاف إلى ذلك أسلحة لم يسبق لها مثيل من حيث القسوة، كالأسلحة البكتيرية والكيميائية، والنابالم والفوسفور الأبيض اللذان يتم استخدامهما ضد سكان مدنيين ويتمتعان بإفلات كامل من العقاب، والأسلحة الكهرو-مغناطيسية وغيرها من أشكال الإبادة. ليس هناك من ركن في أعماق الأرض أو البحار من شأنه أن ينأى عن المدى الذي تصل إليه الوسائل الحربية الراهنة.

من المعروف أنه عبر هذه الطريقة تم صنع عشرات الآلاف من القنابل النووية، بل ومنها ما هو محمول.

الخطر الأكبر يأتي من قرار قادة يتمتعون بهذه الصلاحيات في اتخاذ القرار، ومن أن الخطأ والجنون، المتكرران بوفرة في طبيعة الإنسان، يمكنهما أن يؤديا إلى كوارث لا تصدَّق.

لقد مرت 65 سنة على موعد إلقاء أول قنبلتين ذرّيتين تنفيذاً لقرار شخص مبتذل شغل من بعد وفاة روزفلت قيادة القوة العظمى الأمريكية الجبارة والثرية. يبلغ اليوم ثمانية عدد البلدان التي تتمتع بهذا النوع من الأسلحة، ومعظمها بدعم من الولايات المتحدة، ولدى العديد منها التكنولوجيا والموارد اللازمة لصناعتها خلال مدة قصيرة من الزمن. مجموعات من الإرهابيين أعمى الحقد بصيرتها يمكنها أن تلجأ لهذه الأسلحة، وذلك بنفس الطريقة التي يمكن بها لحكومات إرهابية ولامسؤولة ألا تتردد في استخدامها نظراً لسلوكها الإبادي والخارج عن أي مراقبة.

الصناعة العسكرية هي الأكثر ازدهاراً بين كل الصناعات، والولايات المتحدة هي أكبر مصدّر للأسلحة.

لو تخلّص جنسنا من كل المخاطر المذكورة، فإن هناك واحد ما يزال أكبر، أو على الأقل أكثر حتمية: التغير المناخي.

يبلغ عدد أبناء البشرية اليوم سبعة آلاف مليون نسَمة، وقريباً، خلال مدة أربعين سنة، سيصل إلى تسعة آلاف مليون، وهو رقم يبلغ تسعة أضعاف ما كان عليه قبل أقل من 200 سنة من اليوم. أتجرأ على التأكيد بأنه في زمن الإغريق كنا على وجه المعمورة كلها جزءاً واحداً من أربعين مما يبلغ عددنا اليوم.

المدهش في عصرنا هو التناقض بين الأيديولوجيا البرجوازية الإمبريالية وبين بقاء الجنس البشري. لم تعد المسألة مسألة وجود عدالة بين أبناء البشر، وهو أمر أصبح اليوم أكثر من ممكن وأقل قابلية للتخلي عنه؛ وإنما مسألة حقهم بالبقاء والإمكانيات المتاحة أمامهم لذلك.

في وقت يتسع أفق المعارف ويصل إلى حدود لا يتصورها العقل، تقترب أكثر الهاوية التي يتم اقتياد البشرية إليها. كل العذابات والمعاناة المعروفة حتى يومنا هذا بالكاد تساوي طيف ما يمكن أن يكون بانتظار البشرية مستقبلاً.

هناك ثلاثة أحداث وقعت خلال واحد وسبعين يوماً فقط ولا يمكن للبشرية التغاضي عنها.

في الثامن عشر من كانون الأول/ديسمبر 2009، فجع المجتمع الدولي بأكبر إخفاق في التاريخ في محاولته البحث عن حل لأخطر مشكلة تهدد العالم في هذه اللحظة: ضرورة وضع حد بكل عجالة لغازات الدفيئة التي تتسبب حالياً بأخطر مشكلة واجهتها البشرية حتى الآن. كل الآمال كانت معلَّقة على قمة كوبنهاغن بعد سنوات من التحضير لحقت معاهدة كيوتو، التي كانت حكومة الولايات المتحدة -الملوّث الأكبر للبيئة- قد سمحت لنفسها بتجاهلها. بقية المجتمع الدولي، 192 بلد، بما فيها الولايات المتحدة هذه المرّة، كانت قد تعهدت بالعمل على التوصل إلى معاهدة جديدة. بعثت محاولة الولايات المتحدة لفرض مصالحها التوسعية من العار درجة أنها، وفي انتهاك للمبادئ الديمقراطية الأساسية، سعت لوضع شروط غير مقبولة من قبل بقية العالم، وذلك على نحو منافي للديمقراطية، واستناداً لالتزامات ثنائية مع مجموعة من أكثر بلدان الأمم المتحدة نفوذاً وتأثيراً.

الدول الأعضاء في الهيئة الدولية تمت دعوتها لتوقيع وثيقة تشكل استهزاء، يجري فيها الحديث عن مساهمات مستقبلية محض نظرية لمواجهة التغير المناخي.

لم تكن قد مرت على ذلك ثلاثة أسابيع بعد عصر الثاني عشر من كانون الثاني/يناير، حين تعرضت هايتي، البلد الأفقر في هذا النصف من العالم والبلد الأول الذي يقضي فيه على نظام العبودية، لأكبر كارثة طبيعية عرفها هذا الجزء من العالم: زلزال بقوة 7.3 درجات بمقياس ريختر، على عمق عشرة كيلومترات فقط ومسافة قصيرة جداً من شواطئها، فضرب عاصمة البلاد، التي كان يعيش في منازلها الهشة السواد الأعظم من الأشخاص الذين قضوا أو دخلوا عداد المفقودين. بلدٌ جبليّ ومتآكل تبلغ مساحته 27 ألف كيلومتر مربّع، حيث يشكل الحطب المصدر الوحيد عملياً للوَقود المنزلي لتسعة ملايين شخص.

إن كانت كارثة طبيعية قد شكّلت مأساة كبرى في مكان ما على وجه المعمورة فهذا المكان هو هايتي، رمز الفقر والتخلّف، حيث يعيش أحفاد من جلبهم المستعمرون من أفريقيا لكي يعملوا كعبيد للأسياد البيض.

ذلك الحدث أفجع العالم في كل أركان الأرض، والذي هزّته مشاهد مصوّرة لا تكاد تصدَّق. الجرحى، في حالات خطرة وينزفون دماً، يجرجرون أنفسهم بين الجثث طلباً للإغاثة. وتحت الركام ترقد أجساد أغلى الناس إليهم بلا حياة. عدد الضحايا بالأرواح تجاوز المائتي ألف شخص، حسب التقديرات الرسمية.

البلاد كانت قد أصبحت موضع تدخل قوات “بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في هايتي” (MINUSTAH)، التي أرسلتها الأمم المتحدة لإتباب النظام الذي عكّرته القوات المرتزقة الهايتية التي أسقطت، بتشجيع من حكومة بوش، الحكومة المنتخبة من قبل الشعب الهايتي. بعض المباني التي كان يشغلها جنود وقادة لقوات حفظ لسلام انهار أيضاً، وتسبب بسقوط مفجع لضحايا.

تقدّر البلاغات الرسمية أن حوالي 400 ألف هايتي، عدا عن القتلى، أصيبوا بجروح، وأن عدة ملايين، نحو نصف عدد السكان، تضرروا. إنما كان هذا امتحان حقيقي للمجتمع الدولي، الذي كان من واجبه، وبعد قمة الدانمارك المخجلة، أن يُظهر أن البلدان المتقدمة والغنية قادرة على مواجهة تهديدات التغير المناخي للحياة على وجه كوكبنا. يجب أن تشكل هايتي مثالاً لما يتعيّن على البلدان الغنية فعله من أجل بلدان العالم الثالث حيال التغير المناخي.

في تحدٍّ للأرقام، وهي أرقام برأيي أنها لا تُدحض، يمكن أو لا تصديق أكثر العلماء جدية على وجه الكوكب والأغلبية الساحقة من أكثر الأشخاص مستوى علمياً وجدية في العالم، ممن يظنون أنه بالوتيرة الحالية من الاحتباس الحراري، سترفع غازات الدفيئة الحرارة ليس فقط 1.5 درجة، وإنما حتى 5 درجات، وأن متوسط الحرارة الحالي هو الأكثر ارتفاعاً خلال السنوات الستمائة ألف الأخيرة، أي منذ ما قبل وجود أبناء البشر كجنس على وجه الأرض بكثير.

لا يمكن التصور على الإطلاق بأن يتمكن تسعة آلاف مليون إنسان ممن سيعيشون في العالم عام 2050 من النجاة من هكذا كارثة. يبقى الأمل بأن يعثر العلم على حل لمشكلة الطاقة التي تُرغم الإنسان اليوم على أن يستهلك خلال السنوات المائة القادمة ما بقي من الوقود الغازي والسائل والصلب الذي احتاجت الطبيعة 400 مليون سنة من أجل تكوينه. ربما يتمكن العلم من إيجاد حل للطاقة اللازمة. يبقى أن نعرف كم من الوقت وبأي تكلفة سيتمكن أبناء البشر من مواجهة المشكلة، وهي ليست المشكلة الوحيدة، إذ أن هناك معادن أخرى غير قابلة للتجدد ومشكلات أخرى خطيرة تحتاج لحلول. هناك أمر يمكننا أن نكون متأكدين منه، اعتباراً من جميع الأسس المعروفة اليوم: أقرب النجوم إلينا تقع على مسافة أربع سنوات ضوئية، بسرعة 300 ألف كيلومتر بالثانية. ربما يكون بوسع مركبة فضائية أن تقطع هذه المسافة بآلاف السنين. ليس أمام الكائن البشري من خيار آخر غير العيش في هذا الكوكب.

أمكن أن يبدو غير لازم تناول هذا الموضوع لو أن زلزالاً آخر يصعب تصديقه، بقوة 8.8 درجات بمقياس ريختر، ووقع مركزه على مسافة 150 كيلومتراً وعمق 47.4 كيلموتؤراً إلى الشمال الغربي من مدينة كونسيبسيون، لم ينزل كارثة بشرية أخرى بتشيلي بعد 54 يوماً فقط من زلزال هايتي، لم يكن الزلزال الأكبر في تاريخ هذا البلد الشقيق، فيحكى عن زلزال آخر وصل إلى قوة تسع درجات، ولكن هذه المرة لم يكن مجرد ظاهرة ذات أثر زلزالي؛ فبينما انتظرت هايتي لعدة ساعات وقوع زلزال بحري لم يحدث في نهاية الأمر، فإن الزلزال في تشيلي تبعه تسونامي هائل ظهر على سواحلها بعد ما يتراوح ما بين نصف ساعة وساعة واحدة من الزلزال، حسب المسافة والمعلومات غير المعروفة بكل دقة بعد، والذي وصلت أمواجه حتى اليابان. لولا تمتع تشيلي بخبرة في مواجهة الزلازل، ولم تكن أبنيتها أكثر متانة ومواردها أكبر، لكانت هذه الظاهرة الطبيعية قد كلّفت أرواح عشرات الآلاف أو ربما مئات الآلاف من الأشخاص. لكن ذلك لم يمنعه من إنزال نحو ألف ضحية بالأرواح حسب المعلومات الرسمية المنشورة، وآلاف الجرحى وتعرّض ما يربو على أكثر من مليوني شخص لأضرار مادية. مجموع عدد سكانها تقريباً، البالغ سبعة عشر مليوناً و94 ألفاً و275 نسَمة، عانوا بشكل مريع وما زالوا يعانون نتائج الزلزال الذي استغرق أكثر من دقيقتين، وارتداداته المتكررة والمشاهد المريعة والمعاناة التي تسبب بها التسونامي على طول سواحلها البالغة آلاف الكيلومترات. إن وطننا يتضامن بشكل كامل ويدعم معنوياً الجهد المادي الذي من واجب المجتمع الدولي أن يقدمه لتشيلي. وإذا كان هناك من شيء بمتناول أيدينا، من الناحية الإنسانية، لمساعدة الشعب التشيلي الشقيق، فإن شعب كوبا لا يتردد في تقديمه.

أظن أن من واجب المجتمع الدولي أن ينقل بموضوعية وقائع المأساة التي تعرض لها الشعبان. فمن القسوة والظلم وعدم المسؤولية الامتناع عن تهذيب شعوبنا حول الأخطار التي تحيق بنا.

فلتسُد الحقيقة فوق الخسّة والأكاذيب التي تخدع الإمبريالية وتضلل بها الشعوب؟

فيدل كاسترو روز

7 آذار/مارس 2010

الساعة: 9:27 مساءً

التطبيع والصلاة والطوق

14 مارس 2010

إلى الأخ بادي الرفايعة ومناهضي التطبيع في الأردن والوطن

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2192 )

السلام عليكم أولاً، والسلام منا ولنا وليس لهم. لم يعهدوه ولم يمارسوه، لهم المال (راكم يا موسى أنت والأنبياء) ولهم الدم أيضاً.

وكمواطن في هذه الأرض أحيي قراركم وزملاكم باعتبار كل دخول إلى الأرض المحتلة تطبيعاً. ولا شك أن هذا سوف يرفع من روحنا، ويَحطُّ من قدر المطبعين/ات هنا، التطبيع جهاراً واستثماراً أو التطبيع اختلاساً، وكله عار.

لم يعد التطبيع مجرد صدفة أو نزوة، ولم يعد الدخول إلى الأرض المحتلة مجرد رغبة في رؤية أم أو جدة او تراب البلد المدنَّس (آسف على كل هذا البوح والصراحة) فكل شيء مدنس رغم القداسة وربما بسببها!

أصبح التطبيع مشروعاً اقتصادياً، الاقتصاد السياسي للتطبيع:

· تنفق الأنجزة ودول الغرب وخاصة أميركا وأكثر أدواتها تغلغلً أقصد النرويج على استجلاب المطبيعن.

· يتعيش من هذا مقاولين/ات رسميين من الأنجزة والسلطة

· ويصل جزء من الفتات لمواقع خدماتية، فنادق نمطاعم، مصارف، إدارات جامعات…

· وعلى هامش هذا كله تخلق وظائف في مجتمع لم يعد يزرع ولا يقلع بل ينتظر آخر الشهر ويتمنى للشهر آخرين.

ليس هذا سبب الكتابة، سببها أن إذاعة الاحتلال ذكرت صباح هذا اليوم الجمعة: “حظرت قيادة جيش الدفاع الإسرائيلي اليوم على الرجال دون سن الخامسة والأربعين دخول القدس للصلاة في الأقصى”.

هل هناك من يمكنه تصحيح هذا الخبر ليقول:

” ترفض قواتنا قرار الاحتلال وسنصلي اليوم في القدس وتفضلوا يا كعشر المؤمنين…نحن نحميكم؟”

ترى، ماذا يفعل المطبعين (من اي قطر عربي) الذين في اللحظة هنا خاصة أن كثيرين منهم يذهبون إلى الأقصى بحكم النفاق على الله والناس؟ هل سيقولوا لدينا تصاريح دخول من سلطة الحكم الذاتي وبالتالي يصفعوا جندي جيش “الدفاع” على قفاه؟ وحتى لو دخلوا إلى القدس، من الذي يُدخلهم ويفتش كرامتهم؟ المقاومة، سلطة الحكم الذاتي أم جيش الاحتلال.

إن أعجب النفاق وأخطره هو النفاق على الله، وبالطبع النفاق على النفس.

قبل اسبوع فرضت سلطات الاحتلال طوقا أمنيا على المناطق المحتلة. هل يمكن لأي فلسطيني في الأرض المحتلة أن يقول لنا أن هناك معابر تشرف عليها سلطة الحكم الذاتي وأن أي مطبع مهما هبط سقفه يمكن أن يمر دون رقيب صهيوني؟ هل هناك سم2 واحد لا تطاله أقدام جيش الاحتلال؟

أخي، بمقدار ما نتهاون تجاه التطبيع، بمقدار ما يصبح نهجاً وعادة، وحتى افتخاراً. وإذا كان شرف النضال، ولا زال، هو الكفاح المسلَّح، فإن مناهضة التطبيع هي شرف المرحلة.

دوماً أفضل تسمية ما يحصل استدخال الهزيمة، فمن لا يفكر كل لحظة ضد التطبيع، هو متقاطع مع العدو، شاء أم أبى، وعي أم جهُل.

أمـل دنقــل ..بلسـان عربـي مبيـن

13 مارس 2010

بسـام الهلسـه

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2191 )

* من بين الكثيرين من شعراء الستينيات العرب الذين قرأت لهم، سواء من استمروا منهم في الكتابة، أو توقفوا، أو توفوا، تحتفظ ذاكرتي بالقليل من أسمائهم، وأقل منها ما أذكره من قصائدهم. والشاعر المصري أمل دنقل واحد من هؤلاء القليلين الذين ظلوا في البال رغم مفارقته للحياة في العام 1983م عن ثلاثة وأربعين عاماً من العمر أمضى السنوات الأخيرة منها مكابداً لداء السرطان الذي أودى به.

وكان لرحيله المبكر وقعٌ مؤثر حزين آنذاك في الأوساط الأدبية العربية، وبخاصة لدى الشباب العربي الساخط على معاهدة الصلح المصرية- الإسرائيلية التي وقعت في “كامب ديفيد” في العام 1979م، وعلى التقاعس العربي إزاء اجتياح الجيش الإسرائيلي للبنان في صيف العام 1982م.

فإذا كانت الأوساط الأدبية -والشعرية منها بخاصة- قد عرفت أمل دنقل كشاعر الرفض والاحتجاج، وصوت المُهمَّشين المتمرد الصارخ منذ قصيدته “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” التي كتبها ونشرها غداة هزيمة حزيران-يونيو 1967م، فإن الشبَّان العرب المنشغلين بالشأن العام في سبعينيات القرن الماضي، قد عرفوه كرافض للصلح مع العدو، ولتمزيق الأخوة العربية على مذبح السلام المزعوم مع إسرائيل. وكانت قصيدته “لا تصالح”، التي استعار فيها وصية كليب لأخيه الزير سالم، كما روتها السيرة الشعبية، تتداول على نطاق واسع، إلى جانب أغاني الشيخ “إمام عيسى” لقصائد “أحمد فؤاد نجم” التحريضية، في إعلام ولقاءات قوى وتيارات المعارضة العربية، كصيحة إصرار على المقاومة حتى تسترد الأمة حقوقها وكرامتها:

لا تصالح

لا تصالح على الدم حتى بدم

لا تصالح

ولو قيل رأس برأس

أكلُّ الرؤوس سواء؟

أقلبُ الغريب كقلب أخيك؟

أعيناه عينا أخيك؟

وهل تتساوى يدٌ

سيفها كان لَكْ

بيدٍ سيفها أثكلكْ؟

* * *

هذا الجيل من الشباب المصري والعربي، الممتلئ بطاقة الغضب وأحلام التغيير، هو الذي حال دون تمكين أجهزة وأبواق السلطة من فرض التعتيم على الشاعر العصي على الانسياق، الذي قدم إلى القاهرة من محافظة “قِنا” في جنوب مصر. وتكفلت منابر ودور النشر العربية خارج مصر -وبخاصة في بيروت- بطباعة أعماله وإيصال صوته النابض بالحرقة إلى حيث يجد من يستمع له ويحتفي به، حتى صار أكثر شعراء مصر -في وقته- انتشاراً وشعبية، إذا ما استثنينا شعراءها بالمحكية، كأحمد فؤاد نجم وعبدالرحمن الأبنودي وفؤاد حداد صاحب “الأرض بتتكلم عربي قول الله”، ومن قبلهم “صلاح جاهين” الذي قوّضت فاجعة هزيمة حزيران روحه، فتحول من رائعته الخالدة:

“راجعين بقوة السلاح

راجعين نحرر الحِمى

راجعين كما رجع الصباح

من بعد ليله مظلمه”

إلى تسليته اللاهية التي غنَّتها سعاد حسني:

“خللي بالك من زوزو”!

* * *

عاش الشاعر الأسمر النحيل الذي أطلق عليه والده خرِّيج الأزهر، الشيخ “فهيم دنقل”، اسم “محمد أمل” من باب التفاؤل والاستبشار عند ولادته في العام 1940م، عمراً قصيراً. لكنه كان كافياً ليقول فيه كلمته التي أودعها في دواوينه التي ابتدأ بنشرها منذ العام 1969م: “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة”، “تعليق على ما حدث”، “مقتل القمر”، “العهد الآتي”، “أقوال جديدة عن حرب البسوس”، و”أوراق الغرفة 8″.

قالها، كصعيدي عنيدٍ آتٍ من أعماق الجنوب إلى القاهرة التي تجاهلته مؤسساتها، فتجاهلها. وكرَّس صوته لاخوته المقهورين “الذين يعبرون في الميدان مطرقين”، كما كتب ذات مرة، مُستعيراً روح ونداء “سبارتاكوس” قائد ثورة العبيد الشهير في الامبراطورية الرومانية:

” مُعلّقٌ أنا على مشانق الصباح

وجبهتي -بالموت- مَحْنِيَّة

لأنني لم أُحنِها حَيَّة “

وقال كلمته، كمصري عروبي، ليس في مواقفه القومية كتلك التي تحدثنا عنها وحسب، بل وفي تكوينه المعرفي الاول الذي ورثه عن والده وتراث مكتبته الأدبي العربي، وفي ما عبّر عنه في قصائده التي استوحت الشخصيات والقصص التاريخية والأسطورية العربية (عنترة، زرقاء اليمامة، الزير سالم، الزباء، المتنبي …) لتحميلها مضامينه ورؤاه المعاصرة. فأكد بذلك على الهوية العربية لقصيدة التفعيلة التي كانت مثقلة برموز وشخصيات الأساطير اليونانية تأثراً بالشاعر الإنجليزي الاميركي “ت. س. إليوت” صاحب “الأرض اليباب” (The waste land).

هذا التأكيد على الهوية العربية -بروحها وملامحها الحضارية الخاصة- كان انعكاساً لوعي وإرادة تيارٍ صاعدٍ في الستينيات من القرن الماضي، شغله سؤال “الأصالة والمعاصرة”، فسعى إلى ترجمة ذاته في أشكال وأجناس التعبير الادبي والفني المتعددة، في مواكبة للنهوض التحرري العربي المتأجج في تلك السنوات العاصفة. وكان نِتاج “أمل” الشعري، واحداً من المساهمات المميزة لتطلعات هذا التيار الفكرية والجمالية.

* * *

لكن الشاعر الذي امتلك العزيمة على تحدي تقلبات السياسة في عهد “السادات”، فثابر على التعبير عن رؤيته المبدئية، لم يقو على مواجهة داء السرطان الفتَّاك…

ففي الغرفة رقم (8) في مستشفى “المعهد القومي للأورام” في القاهرة، توقف قلب أمل عن الخفقان ومضى في الحادي والعشرين من شهر أيار- مايو 1983م.

لكن كلماته وأشعاره لم تمضِ معه، فقد قالها بلسانٍ عربي مُبِين..

:::::

alhalaseh@gmail.com