الجامعة العربية ولجنة متابعتها…فتوى بغير حق وبما ليس من حقها!

10 مارس 2010

عبد اللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2188 )

من مفارقات هذا الزمن العربي الرديء، أن تصدر مواقف عربية رسمية توحي بإجماع العرب على ما يجسّد نقيضاً يعلموا متخذوه قبل من اتخذ باسمهم أنه نقيض لموقفين شعبيين، أولهما، تمسك كتلة الأمة بما اصطلح على تسميته بالثوابت القومية، أو تلك المسلمات التي لا زالت محل إجماع الأمة العربية، أو تلك التي تنسجم مع حقيقة مواقف الشارع العربي، وهي المتعلقة تحديداً بما، أيضاً اصطلح على تسميته لزمن ليس بالقليل، بالصراع العربي الصهيوني، الذي تحول في الخطاب الرسمي إلى النزاع العربي الإسرائيلي، ليغدو مؤخراً ما يصفونه بالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، وقد يصبح ذات يوم عند البعض، أو هو كاد، لاسيما إن استمر مثل هذا السائد الراهن، بالخلاف الفلسطيني الإسرائيلي!

وثانيهما، هذا الحراك الشعبي العربي، الذي لم يعد يمور فحسب تحت سطح الركود العام المتبدي، أو تحجبه حالة الانحدار الرسمي المستشرية، وإنما غدت ملامحه تطفوا عبر اشتداد عود المقاومات وتجذّر مواقف الممانعات عربياً وإسلامياً، وفائض المباركة الجماهيرية البادية لارهاصاته التي بدأت تلوح.

ولا تكتفي مثل هذه المواقف الرسمية عند مثل هذا الحد، بل هي أيضاً تعد نقيضاً موغلاً في لامعقوليته لمستجد المواقف الإقليمية والدولية التي تعكس حراكاً كونياً بادياً، ينبئ بتحولات استراتيجية ملموسة، تبشر بمتغيرات وتؤشرعلى معطيات سوف تفعل عقابيلها في السائد الراهن على الصعيدين الإقليمي والدولي فعلها.

آخر مثل هذه المفارقات، فتوى مجلس وزراء جامعة الدول العربية، الملتئم في دورته الثالثة والثلاثين بعد المائة، التي يسجل أنه قد عارضتها دولة عضو واحدة هي سوريا وتحفظت عليها، وأجمع عليها من تبقى من الأعضاء، والتي أباحت لسلطة الحكم الذاتي الاداري المحدود تحت الاحتلال، العودة إلى ما يطلق عليه المفاوضات مع العدو المحتل بدون ضمانات كانت مطلباً عربياً وفلسطينياً تم الاصرار عليه لزمن، أو ما سميت الايضاحات التي طرحت كبديل لها بعد التنازل عنها والتي لم تعطى. بمعنى تنازل العرب في هذه الفتوى عن شرط وقف التهويد لما تبقى من الأرض الفلسطينية، أو ما يعرف ب”الاستيطان”… أو إعطاء الجامعة اليوم، التي لم تكن يوماً صاحبة قرار أو دور، عبر قرار هو ليس من حقها، مستغلة مسمى لجنة متابعة لم تتابع مهمتها الوحيدة وهي ترويج “مبادرة عربية” كان العدو قد وئدها في مهدها، وبالتالي دفنت منذ أقل قليلاً من العقد، وبقرار مجلس وزراء خارجيتها هذا، الذي يتراجع متخذوه حتى عن مبادرتهم التي يبعثون اليوم الحياة فجأة في لجنة متابعتها… اعطائها لرام الله الغطاء الذي نشدته للقبول بمقترح تصفوي أمريكي، أو تفويضها بالتفاوض حول ما سيملى عليها تحت سقفه، أي بلا مرجعيات أو ضمانات… وكل هذا بحجة تسهيل “المبادرة” الأمريكية، أو بالأحرى، مقترح تفرض هذه الدولة المعادية للأمة العربية والراعية للاحتلال، والتي شهرت حتى الآن سبعة وثلاثين “فيتو”، أو حق النقض، ضد قضية قضايا هذه الأمة في فلسطين!

الطريف، أن من اتخذوا القرار قد شككوا سلفاً في جدوى ما افتو به بغير حق مسوغينه بزعم “إعطاء الفرصة للمباحثات غير المباشرة في محاولة أخيرة وتسهيلاً لدور الولايات المتحدة”… المفاوضات غير المباشرة التي سوف يهبَّ كل من نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن والمبعوث جورج ميتشل قادماً إلى المنطقة ليحولها لاحقاً، على الأغلب، إلى مباشرة!

لا ندري أي دور ينتظرون ممن دأب عبر تاريخ الصراع على استخدام الفيتو ، كما قلنا، ضد كل أي مقترح أممي يقارب من قريب أو بعيد عدالة القضية العربية، وله من السياسات والتاريخ العدواني ضد العرب ما لا يجادل فيه اثنان في بلادنا، ويكفي القول أنه كان ويظل الحليف والراعي الدائم لعدوهم في فلسطين، والغازي المواصل لراهن الاعتداء المدمر المستمر عليهم الآن في العراق؟!

لكن الأطرف، هو أن السلطة في رام الله، التي لم ترد يوماً دوراً للجامعة، والتي أشهرت في الأشهر الماضية شرطها القائل، لا للمفاوضات بدون الوقف الشامل والكامل للاستيطان، ثم تراجعت فاستبدلته بطلب ضمانات أمريكية، لتتراجع مرة أخرى لاستبدال هذا المستبدل بطلب ايضاحات أمريكية، وحيث لا وقف ولا ضمانات، ولا ايضاحات، لجأت إلى الجامعة التي لا دور ولا قول ولا حق لها لكي تمنحها غطاءً لتراجعها الكامل هذا، مستفيدة من صاحبة كرم في هذا السياق حيث سبق وأن مددت نيابة عن الشعب الفلسطيني لرئيسها المنتهية ولايته وفق القرانين الأوسلوية ذاتها!

لن نتوقف أمام ما يطلقون عليه المفاوضات غير المباشرة، والتي لا نعرف كنهها، هل هي ستدار بوسيط أم ستدور عبر الهاتف أو على صفحات “الفيس بوك”، أم هي فحسب ستفتقد هذه المرة إلى التقاط الصور التذكارية؟!!

كل ما يمكن معرفته فحسب أنها بعض كرم تسووي عربي، أو بالأحرى تصفوي، هو أشبه بالمكافأة لنتنياهو على إتمام تهويده للحرم الإبراهيمي ومسجد بلال، وسيره الحثيث الصريح لفعل المثيل بالحرم القدسي الشريف، وفي خلاصته إعطاء نتنياهو فرصة أربعة أشهر، ليضرب عصفورين بحجرها، هما، تهويد ما تبقى مما لم يهوّد بعد من المحتل من الأرض العربية الفلسطينية، وتمرير مسألة ضم تلك المقدسات الإسلامية لتراثه اليهودي المزعوم، بالإضافة إلى عصفور ثالث هو مواجهة ما يخشاه من ما قد يهدد إسرائيل ولو بشيء من العزلة إثر ما كنا وصفناه في مقال سابق بحفلة القتل الموسادية متعددة الجنسيات، التي اتخذ نتنياهو شخصياً قرارها لترتكبها وحدة “كيدون” في دبي، عندما اغتالت المناضل الفلسطيني محمود المبحوح، بتغطية وتحت ستار من مختلف جوازات السفر الغربية!

… ومن حقنا أن نتسائل، هل هذه المفاوضات، تعيدنا إلى سابق ما سبق غزو العراق، بمعنى هل هي بعض من غطاء مطلوب من العرب في سياق التهيئة لحرب وشيكة أو مضمرة ضد بؤر المقاومة وباقي قلاع الممانعة لديهم؟!

المهم أن أمريكا رحبت بالكرم العربي، ونتنياهو الذي يقول أن “رقصة التانغو يلزمها اثنان في الشرق الأوسط، ولكن يمكن أن يؤديها ثلاثة”، والآن هو في انتظار الراقص الثالث ميتشل، فرحب ب”نضوج العرب”!!!

لسنا في حاجة إلى الكلام عن ما تعنيه فلسطين في ضمير ووجدان الأمة العربية والإسلامية، ولا لكونها بوصلة نهوض العرب وخروجهم من هذا الزمن الرديء المنحدر الذي تعيشه أمتهم، ولا عن الحراك المائر المنتقل رويداً رويداً من تحت سطح الركود الوهمي إلى حيث العيان، وننتقل إلى الحراك الإقليمي والدولي، الذي يعبر عن ما وصفناه سابقاً بالتحولات والمعطيات الاستراتيجية الإقليمية والدولية الجديدة، ونأخذ هنا الأمثلة التالية:

في تقريره أمام لجنة الأمن في الكنيست يحذر رئيس وحدة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية من التحولات والمخاطر الكامنة وراء تعاظم روح المجابهة لدى جبهة المحور المقاوم والممانع في بلادنا والمنطقة… وإسرائيل بكاملها تعرب يومياً، ولأول مرة، عن خوفها من الإقدام على شن حروب درجت على شنها وقامت عليها، لأنها لم تعد تضمن نتائجها، ويكشف جدلها الداخلي الراهن عن تعاظم القلق الوجودي المزمن لديها، وهذا لتعاظم ما يمكن وصفه بتوازن الرعب، أو الردع المقاوم، الذي بدا يتشكل في المنطقة… ولعل هذا الخوف والقلق هو واحد من دوافع كثيرة تتعلق بالاستهدافات المعروفة للاستراتيجية الصهيونية، يتجلى في هذا التسريع المحموم لعملية التهويد الجارية، أو التعويض عن تلك الحروب غير مضمونة النتائج!

… وإقليمياً، نكتفي بالإشارة إلى قول وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو، بأن بلاده تسعى “من أجل وضع استراتيجيات للعلاقة مع كافة الدول خلال الأعوام العشرين المقبلة… سنقيم دارنا بأنفسنا، ولن نقبل هيمنة من خارج المنطقة”… تلى هذا استدعاء أنقرة للسفير التركي في واشنطن للتشاور تعبيراً عن احتجاجها وغضبها، لأن الكونغرس وصف مأساة الأرمن أواخر العهد العثماني ب”الإبادة”!

كما لا ننسى الإشارة إلى آخر تداعيات آخر تجليات التجاذب الخطر، أو هذه المواجهة الإيرانية الغربية المحتدمة حول برنامج طهران النووي، والذي تتراكم فيه النقاط لصالح تمسك العناد الإيراني بحقه المشروع وفق قوانين ومواثيق وكالة الطاقة الدولية، وحيث هبطت مؤشرات حدة التهديدات الغربية لإيران بالويل والثبور إلى مستوى نشدان الحلول إن لم نقل استجدائها.

… ودولياً، تكفينا أيضاً، الإشارة إلى أننا لأول مرة نسمع ضابطاً صينياً كبيراً في جيش التحرير الشعبي، وأستاذ في جامعة الدفاع الصينية، يدعو للإطاحة “ببطل العالم” الأمريكي، ويقول في كتاب جديد له حول “الحلم الصيني”:

“إن هدف الصين الكبير في القرن الواحد والعشرين هو أن تصبح الرقم واحد في العالم… القوة العليا”، وحيث يتحدث عن حتمية الصدام بين بيكين وواشنطن، يقول، إنما “هي منافسة على الزعامة، صراع حول من يسقط ومن يصعد للهيمنة على العالم… على الصين أن تعد نفسها لأن تصبح قبطان السفينة”!

أوليس من مفارقات هذا الانحدار الرسمي العربي، أنه وفي ظل مثل هذه التحولات والمتغيرات الاستراتيجية، على الصعد العربية والإقليمية والدولية، أن تصدر الجامعة، التي يبدو أن مجتمعيها هم في وادٍ آخر، فتواها النقيضة لكل ما تؤمن به الأمة العربية… تسهيلاً لتآمر الولايات المتحدة، أو “بطل العالم”، الذي بدأت فعلاً عملية الإطاحة به كونياً، حتى قبل مطالبة الجنرال الصيني… تآمره لتصفية قضيتهم التي من المفترض أنها المركزية في فلسطين؟!

سؤال مستحق، لكنما قد يكون من العبث وهذا هو راهن الواقع الرسمي العربي، أن يسال عنه الأمين العام لجامعة الدول العربية فور فروغه من قراءة بيان مجلس وزراء خارجيتها في دورته الثالثة والثلاثين بعد المائة… الفتوى!!!

عمل خيري أم تجسس مخابراتي!

10 مارس 2010

“الطيب والجلف والصعلوك”

الطاهر المعز

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2188 )

تقديم

أثناء التدمير الذي تعرض له قطاع غزة، نهاية 2008 وبداية 2009، قال وزير خارجية فرنسا، “برنار كوشنير” ما مفاده : للحكومة الفرنسية عيون وآذان في غزة، تزودها بالأخبار والمعطيات الكافية، رغم الحصار (الذي تشارك فرنسا في تشديده)، وعدم دخول الدبلوماسيين للقطاع المحتل، وأثنى على المنظمات غير الحكومية، الخيرية منها والإنسانية والطبية التي كانت (ولا زالت) مصدرا هاما للأخبار والمعطيات، فهي عبارة عن قاعدة بيانات ضافية… احتجت منظمة طبية فرنسية على تصريح الوزير واعتبرته غير مسؤول “لأنه ينسف مصداقيتها التي اجتهدت لاكتسابها عند الأهالي، ويعرض حياة العاملين في هذه المنظمات للخطر…”.

منطقيا، لا يمكن لأي منظمة إنسانية أو غير حكومية أن تتواجد في أي مكان من العالم (خصوصا في مناطق الحرب والهزات)، دون اتصال دائم بالسفارات، ودون غطاء حكومي، يتدخل عند الضرورة، ويسهل خروج العاملين بها إذا أحسوا بالخطر الخ. في المقابل، لا بد من تقديم خدمات وإرشادات عن طبيعة العمل وفئات السكان “المستفيدة” منه، إضافة إلى تقرير مفصل لكل ممول، على حدة حسب شروطه…برنار كوشنير يعرف عما يتحدث، لأنه أحد مؤسسي منظمة “أطباء بلا حدود” (عام 1971)، وقد كون مجموعة عرفت آنذاك باسم “فرانش دكتورز”. تكونت من أطباء كانوا أجراء في منظمة الصليب الأحمر الدولي، أثناء الحرب الإنفصالية التي قامت في نيجيريا من عام 1967إلى 1970، لكن عدم اتخاذها موقفا علنيا مناهضا للحكومة المركزية، لم يعجبهم، فكونوا مجموعة “مستقلة”.

قاد انفصاليو “بيافرا” الجنرال “أوجوكيو” الذي تزعم جيشا من المرتزقة، بهدف انفصال إلإقليم (في الجنوب، حيث حقول النفط) عن نيجيريا التي كان يرأسها الجنرال “يعقوب غوون”… استعمل الإنفصاليون الدين المسيحي كذريعة، والقبلية (الأثنية) لتاليب المواطنين ضد الحكومة المركزية، وحظوا بمساندة الفاتيكان والكيان الصهيوني والبرتغال الإستعمارية، وجنوب افريقيا العنصرية… كانت شركة “إيلف” الفرنسية تستغل نفط الإقليم، ومولت الإنفصاليين، كما احتضنت مجموعة الأطباء، التي أسست “أطباء بلا حدود” فيما بعد، بحجة “معالجة الجرحى من الجانبين، بحيادية تامة، لأن مهمة الطبيب الأولى هي إنقاذ حياة البشر مهما كانت الأسباب…” كما أعلنت آنذاك، وتحت هذا الغطاء الإنساني تمكنت المجموعة من التنقل واستقصاء الأخبار ومعاينة الوضع على الجانبين، وبذلك لعبت دور الجاسوس الذي لا يطاله التشكيك، خاصة وأنها غلفت لغتها بغلاف إنساني/يساري. “برنار كوشنير” هذا، كثير التعلق بالألقاب والمناصب، واشتهر بعلاقاته الحميمة بالصهاينة والمحافظين الجدد وبمواقفه المساندة للحلف الأطلسي ولاحتلال العراق وتفكيك يوغسلافيا…يبدو أنه كان دائما كذلك، غير أنه عرف كيف يغلف أفكاره وممارساته اليمينية بغلاف يساري/إنساني…

ظهرت المنظمات “غير الحكومية” بعد ذلك بقوة في جنوب افريقيا، أثناء انتفاضة مدينة القصدير “سويتو”، إثر اغتيال المناضل الشاب “ستيف بيكو”، عام 1976، لكن”المؤتمر الوطني الافريقي” عالج الأمر قبل استفحاله، واشترط الإشراف على عمل هذه المنظمات، وخضوعها لرقابته، وإدارتها من قبل مناضليه ومؤسساته… في بداية عقد الثمانينات من القرن العشرين، كان “برنار كوشنير” من مؤسسي منظمة “أطباء العالم” التي انفصلت عن “أطباء بلا حدود”، وتواجدت المنظمة الجديدة في أفغانستان وافريقيا وأمريكا الوسطى والجنوبية، وفي أوروبا الشرقية، وفي كل مكان فيه حروب، وفتحت عيادات لمعالجة الفقراء في داخل فرنسا أيضا. وهي بطبيعة الحال متواجدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 (خاصة بعد أوسلو) وفي العراق المحتل وفي لبنان وفي السودان المهدد بالإحتلال والتفتيت… وكل مكان محتل أو تدور فيه حرب بالوكالة أو فرض عليه حصار أمريكي/أوروبي الخ…

عمل إنساني أم نجسس؟

قبل انهيار الإتحاد السوفياتي، وفي أوج الهجوم الإيديولوجي على الشيوعية والإشتراكية (كفكر وكبديل للرأسمالية)، كان التغلغل الأمريكي في أفغانستان، عن طريق “المجاهدين” على اختلاف مشاربهم (بن لادن ومسعود شاة وحكمتيار والجنرال دستم …)، وكان حضور المنظمات “غير الحكومية” (والكنسية) قويا في روسيا نفسها لمساندة “المنشقين” (ومنهم تشارانسكي الذي أصبح فيما بعد وزيرا في حكومة الكيان الصهيوني)، وفي بولندا، لمساندة شق “ليش فاليزا” في نقابة “سوليدارنوشك” (تضامن)، وهو الشق الرجعي واللبرالي داخلها، إلى أن نصبوه رئيسا ومنحوه جائزة نوبل للسلام… بعد انهيار الإتحاد السوفياتي، تكاثرت المنظمات “الإنسانية”، الأمريكية على وجه الخصوص، في بلدان أوروبا الشرقية، ونشطت كثيرا في يوغسلافيا التي مزقها الحلف الأطلسي (حيث بدأ الحديث عن عسكرة العمل الإنساني)، كما في بلدان البلطيق وأوكرانيا وجورجيا، ونظموا الثورات المضادة، التي أعطوها من الألوان الأزرق والبرتقالي… يقول بعض الأمريكيين الذين شاركوا في تنظيم هذه الثورات المضادة أنهم عملوا لمدة لا تقل عن السنتين في المناطق الفقيرة، وضواحي المدن الكبرى والعواصم، تحت غطاء إنساني، وبثوا المذهب البروتستانتي الإنجيلي، في مناطق لا يتواجد بها إلا الأرثودوكس (لكنهم فقراء)، وفتحوا مراكز للعلاج والتدريس وتوزيع الغذاء والملابس الأمريكية المستعملة الخ، حتى اشتد ساعدهم، ونالوا ثقة المواطنين ( اطعم الفم، تستحي العين)… في أوكرانيا كانت لديهم ميزانية ب65 ألف دولار مخصصة لنقل المواطنين، ليتظاهروا ضد الحكومة التي اعتبرتها أمريكا موالية لروسيا، ولا تخدم مصالحها… فخلقوا بذلك عادات سيئة لدى المواطنين، الذين صرح بعضهم، للصحفيين الأجانب، بمناسبة انتخابات منتصف فبراير 2010، بأنهم لن يحضروا الإجتماعات الإنتخابية ولن يصوتوا إلا لمن يعطيهم “أجرتهم”، ولا يعنيهم لون الفائز ولا برنامجه…حاولت أمريكا وبريطانيا القيام بنفس الشيء في إيران مؤخرا، لكنها فشلت، ربما مؤقتا، في إزاحة الجناح الذي يساند الرئيس الحالي، كما فشلت في كوبا، وفي فنزويلا وبوليفيا، رغم محاولاتها العديدة.

في البلدان المحتلة مثل العراق، تسربت من حين لآخر أخبار عن هوية بعض الرهائن، أو القتلى، إذ تمت تصفية ضباط مخابرات من أسبانيا (قبل انسحاب جيشها) ومن إيطاليا، واحتجز عدد من المتواجدين تحت غطاء العمل الصحفي أو العمل الإنساني، وكانت بعض المؤشرات تدل على قيامهم بمهام أخرى غير معلنة… في أفغانستان، تمت تصفية أمريكيين أو أوروبيين أو كنديين…قدمتهم وسائل الإعلام كمدنيين، يعملون في مجالات لا علاقة لها بالجيش، وظهر فيما بعد أنهم ضباط مخابرات من “سي آي إي” مثلا… في العراق، كان الصحافيون ملازمين لدبابات الجيش الأمريكي، ويرون الحرب من منظارهم، ولم يضمن الجيش الأمريكي سلامة من لم يرافق جنوده من الصحافيين، وقام بتصفية صحافيين عرب وغير عرب… وقع احتجاز صحفيين فرنسيين، في وقت طلبت فيه الحكومة الفرنسية منهم الخروج من العراق، وأعلنت وسائل الإعلام التي يعملون بها أنها لم تكلفهم بمهمة تغطية ما يجري هناك، ومع ذلك فإن التضامن المعلن معهم يتعدى الدفاع عن زملاء المهنة، بل بلغ درجة التجنيد القصوى المشابهة لحالات الطوارئ…

من بين المحتجزين الفرنسيين، كانت صحفية اسمها “فلورانس أوبناس”، تعمل بصحيفة “ليبيراسيون” اليومية الفرنسية، التي أسسها “جون بول سارتر”، مع مجموعة من “يساريين” سابقين (وكانت محسوبة على “اليسارالإجتماعي” قبل أكثر من ثلاثة عقود)، ولم توفدها صحيفتها، بل كانت متواجدة في العراق، لأسباب أخرى، لم يعلن عنها أبدا… تم اختطافها في نواحي بغداد، ومن يوم احتجازها إلى يوم خروجها من العراق، كانت كل نشرات الأخبار، في كل وسائل الإعلام الفرنسية تفتتح بخبر أحتجازها وعدد الأيام التي قضتها رهينة، وكذا فعلت الصحف المكتوبة ومواقع الإنترنت، وأصبح الدفاع عنها عامل “وحدة قومية”… كانت هذه الصحفية تملك شبكة علاقات واسعة جدا، وقامت بتحقيقات صحفية ذات نوعية جيدة، كما اهتمت بوضعية المهاجرين وأبنائهم، والكادحين، والمهمشين والفقراء والفئات المستغلة (بفتح الغين) والمضطهدة والمقموعة، في فرنسا… تضامن معها أثناء احتجازها كثير من الصحفيين والمثقفين العرب، خاصة في المغرب العربي، وقاموا بحملة، ما قاموا بمثلها تنديدا باغتيال زملائهم في العراق أو احتجاز زميلهم (سامي الحاج) في غوانتنامو، أو سجن زميل آخر في أسبانيا، ولا احتجاجا على سجن زملاء عديدين لهم في الوطن العربي الخ…كانت الحملة التي قامت بها الحكومة الفرنسية والصحافيون ومالكوا الصحف ومجلس النواب والبلديات والأحزاب (يمينها ويسارها) كثيفة جدا ومستمرة… بعد إطلاق سراحها وخروجها من العراق، واستجوابها من قبل المخابرات، كالمعتاد، لم تصرح بأي شيء، ولم تعط أي سبب لتواجدها في العراق المحتل، وهي التي لم يعرف عنها اهتمامها بما يجري في هذه المنطقة من العالم، ظاهريا على الأقل، إذ لم تتناول مقالاتها الصحفية العراق أو فلسطين أو لبنان…

بعد غياب طويل، وإثر العدوان الأخير على غزة، ودم شهدائها لم يجف بعد، وفي فترة تكاثرت فيها الدعوات لمقاطعة الكيان الصهيوني، ظهرت السيدة “فلورانس أوبناس” على صفحات الجرائد، تتوسط أحد القادة الصهاينة في فرنسا، ووالد الجندي الصهيوني جلعاد شاليط الذي احتجزته المقاومة، عندما كان يقوم بمهمة عسكرية عدوانية في غزة، وأعلنت عن تأسيس لجنة مساندة له، تناضل من أجل إطلاق سراحه و”تحريره”، تترأسها السيدة “فلورانس أوبناس” بنفسها (وهي التي دافع عنها عرب كثر)، باعتبارها رهينة سابقة… أما اللاجئون والاسرى الفلسطينيون (أكثر من 11 ألف) والخاضعون للإحتلال، فهم من طينة “الأجلاف” العرب الذين احتجزوها، واحتجزوا الجندي الصهيوني، وهما من طينة الأوروبيين “الطيبين”، الذي احتلوا بلادنا وأرضنا، لأن “من واجب الأمم المتحضرة أن تنشر الحضارة والتقدم لدى المجموعات المتخلفة”، كما قال رئيس المجلس الفرنسي، “جول فيري” عام 1881، لتبرير احتلال تونس، وكما قال القائد المؤسس للصهيونية، “ثيودور هرتزل” أن تأسيس دولة اليهود في المشرق العربي هو بمثابة بناء جدار حضاري، غربي، يعزل الهمج العرب (الأجلاف) عن أوروبا المتحضرة…

هل كانت السيدة “فلورانس أوبناس” صهيونية من زمان، أم تم تجنيدها حديثا؟ على أي حال، لقد اختارت الوقت الذي تكاثر فيه نقد “دولة اليهود”، لتعلن عن مساندتها لها…

قبل حوالي 3 سنوات، في التشاد، استغلت “منظمة خيرية” فرنسية (غير معروفة آنذاك) الحملة الإعلامية الأمريكية/الفرنسية ضد حكومة السودان، والتهديدات بالتدخل العسكري، خصوصا في إقليم “دارفور” الغني بالنفط والمعادن، على الحدود التشادية السودانية، لتختطف أكثر من مائة طفل تشادي، بدعوى أنهم أيتام سودانيون، تم اغتيال أولياء أمورهم من قبل “القبائل العربية” المتهمجة (الأجلاف) في دارفور، من الجهة السودانية… وفي الحقيقة فإن هذه “المنظمة الإنسانية، غير الحكومية” كانت تلقت أموالا كثيرة من قبل أناس محرومين من الإنجاب، لتبني هؤلاء الأطفال “المساكين، الأيتام”، كما حظيت بتغطية، ومباركة وزارة الخارجية الفرنسية (برنار كوشنير) والجيش الفرنسي المتواجد في التشاد، والمخابرات الفرنسية…أي أن العملية هي عملية استعلامات، لا علاقة لها بالعواطف النبيلة إزاء الأطفال “اليتامى”، لكنها قدمت للرأي العام على أساس أنها عملية إنسانية، لإنقاذ ضحايا النظام السوداني الهمجي، المهدد بمجلس الأمن وبمحكمة الجنايات الدولية وبانفصال في الجنوب والشمال والغرب، وب”معارضين” اتخذوا من الصهاينة اصدقاء وحلفاء لهم، وفتحوا لهم مكتبا في تل أبيب الخ… كانت العملية إذأ جزءا من السياسة الخارجية الفرنسية الرسمية، وتمت تعبئة الراي العام ووسائل الإعلام للدفاع عن هذا النوع من العمليات المخابراتية، شرط تلافي بعض “الأخطاء”، حتى تظهر كعمليات إنسانية، هدفها إنقاذ الأبرياء من ضحايا العرب الهمج…وتدخلت الدولة الفرنسية بمؤسساتها، ورئيسها ووزير خارجيتها، فضغطت على قضاة التشاد وعلى رئيس دولتهم، لإطلاق سراح من ألقي عليهم القبض، وإعادتهم إلى فرنسا، على متن طائرة خاصة… استعملت فرنسا أيضا “المنظمات غير الحكومية” واستعانت بالصهاينة (مدربي جيش كولومبيا)، لإطلاق سراح “إنغريد بيتنكور” (وريثة الشركة المعولمة “لوريال”)، التي كان يحتجزها ثوار كولومبيا…

وشهد شاهد من أهلها

في الثالث والعشرين من نوفمبر 2009، تم اختطاف رجل فرنسي يدعى “بيير كامات”، في منزل بمدينة “تيدارميني”، شمال شرق مالي، وهي مدينة متوأمة مع المدينة التي ينحدر منها هذا الفرنسي. بعد بضعة أيام تبنت “القاعدة بالمغرب الإسلامي” عملية الإختطاف وطالبت بإطلاق سراح 4 من أعضائها، مسجونين في مالي. قدمت وسائل الإعلام الفرنسية السيد “بيير كامات”، الذي يتردد كثيرا على مالي منذ 1995، بصفته رئيسا للجنة توأمة بين مدينة “جيراردمير” الفرنسية و”تيدارميني” المالية، المتاخمة للصحراء (وقد استقر بها منذ أكثر من سنة)، وهو أيضا مؤسس ورئيس جمعية “إيكار”، التي تسعى لعلاج المالاريا، عن طريق نبتة يزرعها ويقوم برعايتها في منطقة شمال شرقي “مالي”، وهو متقاعد ويبلغ من العمر 61 سنة… تمكن من خلق شبكة واسعة من العلاقات، ويعرف المنطقة بكل دقة، لكثرة ما تجول فيها… يوم 23 فبراير أطلق سراحة، وجاء الرئيس الفرنسي “نيكولا ساركوزي” خصيصا للقائه، بينما كان في زيارة لرواندا، ولم تكن زيارته لمالي في البرنامج. حضر اللقاء وزير الخارجية وكاهية الوزير (كاتب دولة) المكلف بالتعاون الدولي، وعقد الأربعة ندوة صحفية في باماكو، عاصمة مالي… ضغطت فرنسا على حكومة مالي لإطلاق سراح من طالبت بهم “القاعدة” (أصيلي بوركينا فاسو وموريتانيا والجزائر)، ففعلت، مما أغضب الجزائر وموريتانيا اللتان استدعتا سفيريهما في باماكو، خصوصا وأن مالي أعطت تسهيلات للجيش الأمريكي، في إطار “أفريكوم”، مما عمق الخلاف مع الجزائر…لا يهم الحكومة الفرنسية إلا إطلاق سراح مواطنها، حتى لو ثبت أن من طالبت بهم “القاعدة” إرهابيون فعلا…تساءلت بعض مواقع الأنترنت الفرنسية عن حقيقة هذا الرجل الذي ذهب الرئيس الفرنسي للقائه، وحول برنامج زيارته لبلدان أجنبية من أجل لقائه، بحظور وزير الخارجية ونائب وزير التعاون الخارجي… وأشارت بعض الصحف إلى أن العمل الإنساني استعمل كغطاء لنشاط ذي صبغة تجسسية، في منطقة حساسة من مالي، قريبا من الصحراء، تعتبر بمثابة القاعدة الخلفية للجماعات الإسلامية المسلحة الجزائرية، وربما لغيرها أيضا…وهي كذلك منطقة غنية بالمعادن… استشهدت بعض الصحف، وكذلك وكالتا رويترز وأسوشياتد براس، بملخص لإحدى جلسات لجنة الدفاع والشؤون العسكرية بمجلس النواب الفرنسي، يوم 27/01/10، وتحتوي على سؤال وجهه أحد النواب إلى السيد “برنار باجوليت”، منسق الإستعلامات لدى رئاسة الجمهورية، حول ضباط المخابرات الفرنسية المحتجزين في الخارج… تضمنت الإجابة ما مفاده أن عددهم ثمانية: إثنان في أفغانستان، وواحد في الصومال وواحد في مالي (ذكر اسم بيير كامات) وأربعة في السودان… تم تأويل الإجابة على أنهم كلهم جواسيس، وهذا احتمال قريب جدا للواقع، خصوصا وأن المجيب ضابط تجسس محنك، عمل سفيرا في دمشق عام 1986 ، وكان مفاوضا من أجل إطلاق سراح رهائل فرنسيين محتجزين في لبنان، ثم كان سفيرا في بغداد، عند احتجاز 3 صحافيين فرنسيين، على دفعتين (منهم فلورانس أوبناس، التي ورد ذكرها سابقا) كما كان أيضا سفيرا في الجزائر وعمان… وراجت عديد الأخبار عن مصادر “غير مأذونة” تفيد أن جمعية “إيكار”، التي أسسها السيد بيير كامات، مسجلة فعلا منذ 15 سنة، لكن لا نشاط لها ولا أي أثر لجلسة عمومية أو أعضاء، أوتقرير أو موقع أنترنت، ولا أثر لما توصلت إليه من نتائج بخصوص “النبتة السحرية” التي ادعت أنها تقوم بزراعتها لاستخراج عقاقير تعالج المالاريا… فهي مجرد غطاء لاعمال تجسس في منطقة حساسة تتطلب تواجدا مستمرا لجمع الأخبار والمعلومات، وأحسن غطاء هو العمل الإنساني، الخيري الذي لا ينتظر صاحبه “جزاءا ولا شكورا”.

خلاصة

أظهر اغتيال “محمود المبحوح” مؤخرا في دبي، خطورة الكيان الصهيوني والإمبريالية على كل عربي يعارض مخططات الإمبريالية والصهيونية، والقتلة لا يحملون دائما بزة عسكرية ورشاش “عوزي” أو “أم 16″، بل يظهرون أحيانا في شكل شقراء جميلة “مل قلبها ليالي الضباب” (من قصيدة مغربية يغنيها عبد الهادي بالخياط بعنوان القمر الأحمر)، جاءت لتتأمل طلوع وغروب الشمس عندنا، وقد يكون في شكل سائح مسالم، جاء يقضي بضعة أيام مشمسة في بلادنا…أو مستقر فيها بعد سن التقاعد، ويتعلم العربية، “حبا في العرب”، أو موظف في “منظمة غير حكومية”، تساعد الفقراء أوالمرضى أوالنساء أو اللواطين أوالأطفال الخ… فالمغرب وتونس ومصر والأردن، ولبنان (وغيرها) مفتوحة على مصراعيها، وبأسعار زهيدة للسائحين الأوروبيين، وكل الصهاينة جاؤوا إلى فلسطين بجواز أمريكي أو أوروبي، ولهم كلهم جنسية أخرى إلى جانب “الإسرائيلية”، لذا فهم مرحب بهم في البلدان العربية، دون تأشيرة…

أظهرت كذلك بعض الإغتيالات التي حصلت في روما وباريس ولندن، منذ الستينات، تشابك أجهزة المخابرات الصهيونية مع نظيرتها الأوروبية، وأظهرت اغتيالات الكوادر الفلسطينية في لبنان أن المثقفين المعارضين لاغتصاب فلسطين (مثلا)، موجودون على قائمة الإغتيال (قائمة غولدا مائير مثلا)، وعملية جمع المعلومات عنهم (تحركاتهم، عاداتهم، أوقات تنقلاتهم ومسالكها) تتم عن طريق أناس قريبين منهم، لا يرتدون بزة عسكرية ولا يحملون رشاشا… تكاثرت “المنظمات غير الحكومية” في فلسطين المحتلة والعراق المحتل والسودان المهدد… وهي في معظمها (إن لم تكن كلها) مكاتب خلفية لمخابرات بلدانها أو البلدان التي تمولها، والأمثلة التي ذكرناها تعتبر غيضا من فيض، وهي مجرد أمثلة قليلة.

في الجزائر، أثناء سنوات الحرب الأهلية، تكاثر المبشرون الإنجيليون في المناطق المحرومة، (راجع أعلاه ما ذكرناه عن أوكرانيا وجورجيا)، وقاموا بتسهيل الحصول على تأشيرات للعمل أو الدراسة في أمريكا وانجلترا واستراليا وأوروبا، وتقديم منح دراسية وفتحوا مراكز معالجة وأماكن عبادة بروتستانتية، إنجيلية… ولما قننت الدولة (بعد فوات الأوان) أماكن العبادة والترويج للديانات في الفضاء العام، قامت الدنيا ولم تقعد بعد، بتهمة التضييق على الحريات الدينية، الشيء الحاصل فعلا في أوروبا ضد المسلمين، دون أن يحرك أحد ساكنا… وتحرك الفاتيكان بقوة ضد الحكومة الجزائرية، وهو الذي فرط في تراثنا المسيحي العربي في فلسطين، ولم يدافع عن حرية العبادة لغير اليهود (الأغيار) في بيت لحم والقدس…

من حقنا أن نحتاط وأن نطرح التساؤلات المشروعة عن دور هؤلاء “الطيبين” الذين يتوافدون زمن الأزمات لمساعدتنا على تحمل الإحتلال، وإبعادنا عن كل ما يمت بصلة للمقاومة، كيفما كان شكلها: مقاومة مسلحة أو ثقافية أو سياسية الخ. لا يجب أن ننسى دور الأنظمة العربية التي أرادت لنا أن نقدس كل ما يأتي من “المركز”، بما في ذلك الجواسيس، وتسببت في تجويع وإذلال مواطنيها، الذين جاءت المنظمات الحكومية لإطعامهم ومعالجتهم…

ملاحظة: العنوان الفرعي للمقالة “الطيب والجلف والصعلوك”، هو ترجمة لفيلم “وستارن سباقيتي”، أي أفلام رعاة البقر التي أخرجها إيطاليون في السبعينات، وهو من إخراج “سرجيو ليوني”، الذي اشتهرت أفلامه بموسيقاها التصويرية المميزة… الطيب هو الأوروبي الأبيض المتجه نحو الغرب الأمريكي لاستكمال استعمار البلاد، والجلف هو الساكن الأصلي للبلاد أي الهندي المقاوم الدي يحاول عرقلة تقدم قوافل المستعمرين المحتلين لأرضه، والصعلوك هو الذي لا يترك الأمور تسير كما أرادها القائد الإستعماري، بل يعارض قراراته ويفرض عليه معارك جانبية…

رحيل المناضل صالح ابو عيدة

9 مارس 2010

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2187 )

ينعي التيار القومي العربي في فلسطين (تحت التأسيس) احد ابرز مؤسيسيه الرفيق والصديق والاخ المناضل صالح ابو عيدة الذي انتقل الى رحمته تعالى اليوم الاثنين 7-3-2010

التعازي في مسقط رأسه الناقورة - محافظة نابلس

رحم الله الفقيد واسكنه فسيح جناته.

إحتجاج في الجامعة الأمريكية ببيروت على التطبيع

9 مارس 2010

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2187 )

بيروت ـ الإسلام اليوم

أثار صدور كتاب يضم مقالات لستة عشر أكاديميًا إسرائيليًا وثلاثة أكاديميين فلسطينيين موجة من الاستياء والاحتجاج في الجامعة الأمريكية ببيروت، على مستوى الهيكل التعليمي والنوادي الطالبية.

واعتبر المعترضون أن مساهمة الأستاذ المحاضر في الجامعة، الدكتور الفلسطيني ساري حنفي الذي كان بمثابة المحرر الرئيسي للكتاب، إلى جانب آدي أوفير وميخال جيوفاني الأستاذين في جامعة “تل أبيب”، توريطا للجامعة في التطبيع الثقافي والفكري مع إسرائيل.

ومن المقرر أن تعقد عند الخامسة اليوم الثلاثاء جلسة بين عدد من أساتذة الجامعة والدكتور حنفي لمناقشة هذا الموضوع، بموازاة تحرك طالبي احتجاجي، رفضا لزج اسم الجامعة في هذا الكتاب الصادر عن دار “زوون بوك” للنشر في نيويورك.

وقال الدكتور طريف الخالدي: إن عددا من الأساتذة رفعوا عريضة إلى إدارة الجامعة الأميركية تطالبها باتخاذ موقف حاسم مما جرى”، مشيرا إلى أن ما فعله زميلهم يشكّل إساءة لهم وللجامعة وينطوي على مخالفة لقانون المقاطعة الذي ما زال لبنان ملتزما به.

ونبّه إلى أن الكتاب يتضمن مضامين خطيرة، من نوع استبدال مفهوم الاحتلال بمفهوم نظام السيطرة، والإيحاء بأن السلوك العنصري لدولة الاحتلال هو نتاج عدم التواصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، مستخلصا أن الكتاب يوحي في الظاهر بأنه يفنّد الاحتلال ولكنه في الجوهر يغلّفه بغلاف ضبابي مأخوذ من نظريات ما بعد الحداثة.

ومن جانبه اعتبر الدكتور حنفي أن الحملة عليه غير مبررة و أن الإسرائيليين المساهمين في مقالات الكتاب وفي تحريره هم من اليساريين المعارضين للاحتلال.

:::::

“الإسلام اليوم”، 09 مارس 2010

http://www.islamtoday.net/albasheer/artshow-12-129014.htm

ظاهرة اليسار الصوتية

9 مارس 2010

د. إبراهيم حمّامي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2187 )

الجمعة الماضي وعلى الهواء مباشرة أعلن السيد رمزي رباح من الجبهة الديمقراطية أن تنفيذية منظمة التحرير سيكون لها صولة وجولة ضد قرار عباس الدخول في مفاوضات “غير” مباشرة مع الاحتلال. بعد اعلانه هذا قلت وفي البرنامج الذي جمعنا - بانوراما فلسطينية - فضائية الحوار - 05/03/2010 - وبوضوح أنهم - أي اليسار الفلسطيني - ظاهرة صوتية وأنني وبتحدٍ سأذكره وأذكرهم ان احيانا الله سبحانه وتعالى بقرار التنفيذية عند تمريره واعلانه تحديداً من قبل ياسر عبد ربه، وهذا ما كان اليوم من مصادقة أعلن عنها عبد ربه.

بالأمس وفي لقاء آخر مع فضائية تتسمى بفلسطين وفلسطين منها براء قالت السيدة خالدة جرار عضو التشريعي عن الجبهة الشعبية إن “القيادة الفلسطينية” لا تصارح شعبها، ولا تستشيره ولا تخضع لعمل مؤسساتي سليم، حيث خرجت القيادة عن قرارات المجلس المركزي واللجنة التنفيذية ولجأت للحصول على غطاء عربي للولوج في مفاوضات غير مباشرة”، مشيرةً إلى أن عودة سلطة رام الله إلى المسار التفاوضي يعدّ “خضوعاً للضغوطات “الإسرائيلية”، ويشكّل غطاءً عملياً لاستمرار سياسة الاستيطان والتهويد مستنكرة موقف عباس “الذي يسقط خيار المقاومة ويغيبها من أجندته، بل ويذهب لطلب غطاء لمفاوضات غير مباشرة في الوقت الذي يتوجه فيه “رئيس الوزراء” الفلسطيني إلى “هرتسليا” للمشاركة في مؤتمر تتم صياغته من الأمن القومي الإسرائيلي, مضيفة نريد قيادة فلسطينية قادرة على توحيد الشعب الفلسطيني وألا ترتجف عند كل الضغوط”، مشددةّ على ضرورة “محاسبة القيادة الفلسطينية الحالية لقبولها بالعودة للمفاوضات غير المباشرة”.

الجبهة الشعبية وبعد يوم واحد من ذلك التصريح شكلت الغطاء المطلوب لعباس في تلك المفاوضات غير المباشرة بتمرير ما يريد في التنفيذية، رغم ما اُعلن عن اعتراض وتحفظ “البعض”، لأن ما يهم هو صدور القرار بعد بصم الجميع عليه ومنح عباس ما يريد من غطاء، مذكرين في الوقت نفسه بموقف السيدة جرار من الدعوة لعقد جلسة طارئة للتشريعي لمناقشة ما تتعرض له مدينة القدس، وتمسك الجبهة يومها بزعامة وقيادة عباس ورفضها الاجتماع الا بدعوة منه، وهو نفسه من تريد محاسبته بالأمس، ليهرول اليسار الفلسطيني برمته اليوم نحو تنفيذية البصم التابعة لمنظمة التمرير - عفوا التحرير - الفلسطينية.

عند تشكيل حكومة الوحدة الوطنية عقب اتفاق مكة رفض اليسار الانضمام لها لأنها تحترم قرارات منظمة التحرير وقاطعوا تلك الحكومة، لكنهم هم أنفسهم من يبصمون على تلك القرارات ويمررونها ويغطونها ويشاركون فيها، ولا يقاطعون الاجتماعات أو الأشخاص، يرفضون أوسلو وفي نفس الوقت يمنحونها الشرعية عبر المنظمة اياها، لا يُشاركون في حكومة تحترم القرارات ولا تلتزم بها، ويُشاركون في اصدار تلك القرارات ويحمونها!

حزب الشعب الفلسطيني سجل اليوم ملاحظة على القرار بتمرير المفاوضات غير المباشرة، ملاحظته تؤكد أن اتخاذ القرار شأن فلسطيني مع التقدير للأشقاء العرب، مزاودة أخرى لم ترفض القرار بل اعترضت على من يتخذه، بعبارة أخرى مسخرة لتسجيل المواقف، ولاضفاء شرعية زائفة على مواقف عباس المخزية، واظهار أن هناك معارضة، لكنها ليست معارضة للقرار على أي حال، لأن القرار ى رأي لهم فيه إلا “البصم”.

لقد بلغ اليسار الفلسطيني - إلا من رحم ربي - مستوى غير مسبوق من النفاق والمزاودة الوطنية، ليتحول وبجدارة إلى ديكور عباسي بغيض، ليتحول إلى ظاهرة صوتية منكرة، يعتمد عليها عباس ورهطه.

تحدٍ آخر نضيفه لتحدينا للسيد رمزي رباح قبل يومين، لكن هذه المرة لكل اليسار في الداخل الفلسطيني المرتبط “سُرّياً” مع عباس: هل تستطيع أي من فصائل المنظمة اياها - وما اكثرها - أن تعلن وبشكل واضح عن تجميد عضويتها مثلا في تلك المنظمة؟

الاجابة دون شك هي “لا” كبيرة، ربما قالوا وصرحوا وهاجوا وماجوا، لكن في نهاية المطاف سيتم البصم والتصديق والتمرير، لأن الراتب والتمويل هو المتحكم بالقرار، مهما حاولوا أن ينفوا ذلك أو أن يتظاهروا بأنهم شرفاء مكة، ولذلك نتفهم تمسكهم بالتمثيل النسبي الكامل في اي انتخابات قادمة وبنسبة حسم لا تزيد عن 2%، لأن هذا حجمهم وأكثر، ولأنهم يعلمون أن أي نظام انتخابي آخر لن يحصلوا فيه حتى على المقعدين لثلاث فصائل، فقد انكشف أمرهم وفرط عقدهم.

ما نود قوله دون مواربة أنه لولا اليسار وما يُسمى بفصائل المنظمة لما استطاع عباس أو غيره أن يمرر المخازي والجرائم المتكررة، تارة عبر اللجنة التنفيذية، وتارة أخرى عبر المجلس المركزي، والمشترك بين هذا وذاك هو غطاء اليسار والفصائل - اياها.

طبعاً سنجد من يُشمّر عن ساعديه ليهاجم العبد لله وكأنه أس المشكلة، متجاهلين عن عمد واضح أصل الموضوع ولبه، لأنهم ببساطة لا يوجد لديهم ما يردون به، اللهم إلا اجترار “انجازات” الماضي، وتكرار الشعارات “الثورية”، التي تسقط عند أول “بصمة” لصالح عباس في لجنته أو مركزيته.

لا نامت أعين الجبناء

:::::

DrHamami@Hotmail.com

العنف المشروع في الدراما السينمائية

9 مارس 2010

كلاديس مطر

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2187 )

(1)

العنف المشروع في الدراما السينمائية:

تجميل العمى

انتبه العلماء في بداية القرن التاسع عشر الى ظاهرة لم يتبينوا تفسيرا لها الى هذا اليوم[1] وهو “انه اذا وضعت مجموعة متسلسلة من الصور وحركتها بطريقة متتابعة فان الإنسان يراها او يتخيلها تتحرك”. سميت هذه النظرية الشاذة بـ “ثبات النظر”. ومعناها ان العين تبقى على الصورة التي تراها لمدة لا تزيد عن جزء من الثانية حتى بعد اختفاء الصورة. وهذا البقاء للصورة لجزء من الثانية يدعى ” الصورة الايجابية “، وهو مبدأ الصور المتحركة. والمطب الذي وجد العقل نفسه فيه امام هذه الصورة هو انها تتحرك بسرعة و تتوالى بحيث يعجز عن تحليل ما يجري بالضبط، وهكذا فان ابسط شيء ان يعتقد بان الصورة تتحرك.

فلو رأينا مشهدا لرجل يضرب امرأة لمدة 30 ثانية في فيلم، فهذا يعني ان هناك 24 صورة لهذه الحركة في كل ثانية؛ أي أن هناك 720 صورة معكوسة على الشاشة الواحدة تلو الأخرى بواسطة آلة العرض الضوئية، وبين كل صورة وأخرى هناك جزء من الثانية من الظلمة.

فإذا كانت عبارة “صباح الخير” تحتاج من 20 إلى 22 صورة يحرك فيها الممثل شفتيه، فان الصفعة تحتاج الى أكثر بكثير ومع ذلك يطلق على هذه الصورة بلغة تقنية التصوير “الصورة الايجابية”.

لكن الأمر يتجاوز حقا ذلك بكثير فما هو ايجابي تقنيا قد يكون سلبيا ودراميا، وشتان بين ميل التقنية للكمال الفني وبين الميول الخفية للخطاب الدرامي. فالصفعة الناجحة فنيا هي فشل درامي الا اذا كان توظيفها مدروسا، مع أني اشك في إمكانية استخلاص دروس عن مساوئ العنف من خلال مشاهد يتجلى فيها بكل تفاصيله.

لكن الكتاب لهم وجهة نظر أخرى تماما، فتحت عنوان “الدراما الواقعية او الدراما في خدمة الواقع او.. او.. الخ” أعيدت مشاهد العنف بمبالغة أكبر المرة تلو الأخرى بدافع الوعظ، لتتحول الشاشات السينمائية و التلفزيونية الى “مدرسة” حقيقية لهذا العنف. و لا داعي لكي نذكر دور العنف في الدراما السينمائية الأمريكية في الترويج له لدرجة ان بيانات الأمم المتحدة اعترفت بان ثمانين بالمائه من النساء غير الناجيات من العنف يقتلن على أيدي اقرب الناس اليهن، مستلهمين كل ما تبيحه لهم الدراما العنيفة التي تبث حولهم ليل نهار.

والملفت في عنف هذه الأفلام الغربية أن العقدة فيها “تصمم من خلال قالب انتقامي” وهو قالب معروف جدا لمن احترف الكتابة لتلك السينما، حيث يأخذ الشخص القانون بيده ويقرر الانتقام للذين أحبوه من الذين ظلموه او الذين اغتصبوا حقه او بيته.. الخ..

انه عنف باسم القانون وهو الرائج في الأفلام الغربية بشكل كبير لدرجة ظهر البطل القومي فوق ركام هذا النوع القانوني والمشروع من العنف، الأمر الذي يشي بخطورة الدراما على الحس الإنساني للفرد و المجتمع أكان سلبا او إيجابا.

الحق هناك فرق جوهري و كبير بين الكاتب الروائي و”كاتب الشاشة او screenwriter ” فالأخير يجب ان يتمتع بخيال وحس بصري قوي، وان يكون بارعا في صياغة المشاهد المقنعة. فإذا كتب الروائي العبارة التالية “كان احمد يقتل زوجته كل يوم” فإنها قد لا تترك في نفسنا الأثر الذي تتركه صورة الزوجه وهي تتعرض للضرب من قبل زوجها، تارة بالسوط وتارة أخرى بقبضة يده، ومرات برميها بأثاث المنزل وهي تركض من هنا إلى هناك، وتصرخ، والدماء تسيل منها وثيابها مقطعة والدموع تملأ عينيها.

1- حين تعيد الدراما انتاج الهوية

ومشكلة الدراما البصرية هي في كونها قادرة من خلال خطابها على (إنتاج الهوية - هوية الذات والمجتمع - وعلى إعادة إنتاجها من جديد) فروايات القرن الثامن عشر والكتب المسلكية الأخرى - كما ترى الناقدة الأمريكية نانسي ارمسترونغ - هي التي انتجت الفرد الحديث.

“والفرد الحديث هو شخص يُنظر إليه على أن هويته وقيمته تنبعان من المشاعر الشخصية وخصائصها، بدلا من أن تنبعا من مكانة هذه الشخصية داخل الهرم الاجتماعي. ويساند هذا التصور عن الهوية في الوقت الحاضر الأفلام والتلفزيون ودائرة واسعة من الخطابات، حيث تخبرنا السيناريوهات ما يعنيه أن تكون شخصا ؛ رجلا كنت ام امرأة”.[2]

ان الدراما “تتحاور” مع المشاهد بطرق تستدعي كثيرا من التماهي مع شخصياتها واحداثها. والتماهي هو الذي يخلق الهوية ” . اننا “نكون ما نحن عليه عن طريق التماهي مع الأشخاص الذين نقرأ عنهم ونستمع إليهم ونشاهدهم. اننا نتكون من خلالهم كثيرا. وإذا كان المتلقي يتمتع بخصائص الشخصية العنيفة القمعية فانه يكفي ان يرى صفعة حتى تزهر الدنيا حوله ويتسمم الباقي من العالم.

إن آلية التماهي خطيرة جدا بل هي الأخطر على الإطلاق، وهي بين يدي كتابنا ومصورينا وممثلينا مخرجينا السينمائيين، وديعة بحاجة إلى حكمة الدنيا للتعامل معها.

فالهوية التي تتشكل عن طريق التماهي هي هوية مصطنعة بقدر ما لأنها تشكلت انطلاقا من الإبهار الذي تستحضره الكتابة الدرامية للمشهد وللشخصية، وضع المتلقي تحت تأثيرها. ولقد عانت صديقة لي من هذه الورطة، عندما قرأت رواية ولم تشاهد مشهدا تمثيليا. لقد قرأت راوية “احدى عشر دقيقة” لباولو كويلهو بكثير من الاندماج والشغف، وهي رواية تدور حول امرأة تتطور شيئا فشيئا فتصبح عاهرة بدافع الظروف. ولقد كانت الكتابة جيدة والدوافع الدرامية مكتملة والشخصية مرسومة بدقة وجمالية عاليتين، جملت العمى امام ناظريها، لدرجة شعرت بينها وبين نفسها بمبررات هذه المهنة كما قالت لي ضمن سياق معين من الظروف، الأمر الذي أيقظني على خطورة الكلمة مرة ثانية. اذا الهوية التي تتشكل بالتماهي، هي إخفاق بدرجة ما، بل إنها هوية غير مكتملة لا توصل صاحبها الى السعادة التي يصل إليها عندما يكون مستقرا في هوية من صنع خبراته واجتهاداته الفكرية والشخصية الخاصة. وهكذا فان “الانا” الانسانية اليوم لا تتكون بحرية في عالم أصبحت فيه الدراما غير المدروسة جزءا من تصورنا عن العالم بل هي في اغلب الأحيان هذا التصور بالذات. فاذا كان الإعلام المرئي يحدد لنا نمطية اللباس والطعام والاعتبارات الاجتماعية للكثير من الفعاليات الإنسانية، وحتى طريقة الكلام والتوجهات، يمكننا ان نفهم الى أي درجة تحمل هذه الهوية غربة عن “الذات الواعية الحقيقة” للفرد.

هذا هو الفرق بين الكتابة الروائية وتلك المعدة “للشاشة”. وهذا هو الفرق في الأثر الذي تتركه لدى المتلقي او المشاهد.

حتى الإحصائيات المرعبة والدراسات المدججة بالبيانات المخيفة، التي تعدها الامم المتحدة والمنظمات الاهلية.. الخ عن العنف لا تلعب هذا الدور على الإطلاق الذي تلعبه الصورة المتحركة على الشاشة.

واذا وبعد كل هذا الا يجدر بالفنان ان ينتبه لكل كلمة يقولها؟ ولكل فعل يقوم به على الشاشة..؟! أوليس من الضروري ان يكون لهذا الفنان مشروع ثقافي حقا فيتجنب الترويج للعنف والمخدرات والقيم الهشة والحياة المستهترة في افلامه؟!!

2- حين تجمل الدراما العمى

الحق ان الدراما السيئة هي تلك التي تعمد الى “تجميل العمى” أي تجميل دافع العنف وإلباسه مظهرا براقا. ان الدافع هو ما يحرك كل إنسان في هذه الدنيا. فنحن نقوم بكل شيء وبأي شيء بسبب الدافع تجاهه، نأكل لأننا نجوع ونتعلم لأننا بحاجة إلى العلم ونعمل لكي نحيا.. الخ.

فاذا كتبنا عن رجل يمارس العنف تجاه امرأة له علاقة ما بها، فان من ابسط مقومات القصة الروائية او الدرامية السينمائية هو ان نعثر على الدافع او المبرر لذلك، وهكذا تولد “المشروعية” من اب الدافع وأم الفكرة.

لهذا تصور المرأة في الدراما العربية ككائن سطحي، حتى لو قرر الكاتب ان يجعل منها رئيسة حزب او حاكمة. انها راقصة وام هامشية منشغلة بالدعاء للاولاد وخائنة ولاهية ومحرضة على العبث وحائكة الشرك للرجال. انها ضعيفة وهشة في أنوثتها وعدم اكتراثها وجهلها هو المبرر الدرامي للعنف تجاهها.

أيضا هناك أمران آخران تأخذهما الدراما العربية بعين الاعتبار لكونهما الحجج الشرعية الخفية والعلنية لتجميل هذا العمي وهما “رغبات السوق والربح المادي”. والحق ان العلاقة تبادلية بين هذين الحدين، فلا ربح مادي خارج رغبات السوق، وبالعكس نجد أن رغبات السوق هي التي تجلب الربح المادي بحسب نظرية حماة الدراما البصرية المعاصرة.

(2)

العنف المشروع في الدراما السينمائية:

التجليات

يكمن العنف المستتر في أصول وقواعد الحياة الفنية السينمائية. انه يتجلى في:

أولا: حصول الرجل على النصيب الأكبر من الأدوار الرئيسية والمؤثرة وجدانيا.

ثانيا:تشويه صورة المرأة في الدراما، بحيث يأخذ الجنس والإثارة اللفظية والجسدية القسم الأكبر من دورها وحصرها في ادوار الزوجة الخائنة، او تاجرة المخدرات، او فتاة الليل.. الخ وهناك الكثير من الدراسات التي قام بها مركز بحوث الإعلام بجامعة القاهرة، تبين ان 72 % من الشخصيات النسائية السينمائية كانت تحمل ملامح مادية سلبية، كشرب الخمر وتجميل الكبائر واستخدام الألفاظ النابية، ضمن تراكيب ساخرة كوميدية تساعد على رواجها السريع وإظهار مفاتن الجسد بطرق مبالغ فيها، وتجميل السقوط. ان مثل هذا التصوير لكينونة المرأة يعتبر من أكثر أنواع العنف الدرامي المشروع انتشارا وتأثيرا ومشاهدة.

ثالثا: تجنب الدراما السينمائية مناقشة موضوع الشرف بعمق، وهو من المواضيع الأساسية في مجتمعنا العربي الذي يبرر العنف ضد المرأة. فالمعالجة الدرامية لهذا الموضوع لم تستطع ولم ترد حقا ان تفصل بين شرف الرجل وسلوك المراة، لخوفها من أن تفتح الباب على مصراعيه لهز معتقدات المجتمع الدينية والوجدانية، هذه المعتقدات الشفهية في اغلبها والتي لبست ثوب المقدسات مع الوقت.

إن الشرف والكرامة يكمنان بالعمق في احترام قوانين الطبيعة، وليس السخرية منها، وفي تبني موقف شفاف من العالم و الحياة والبشر مجتمعين، وليس في الإسراع بإخفاء ركبة امرأة بانت عن غير قصد.

يبدو ان حقيقة المرأة هي أكثر وجعا من أن تحتملها أية دراما سينمائية.

رابعا:الترويج للنماذج النسائية الهشة والمتداعية في رقتها، باعتبارها نموذجا للأنثى او “للأنوثة” كما يجب ان تكون. ان لقب مثل “سيدة الشاشة العربية” يقابله لقب مضمون “البطل القومي” الذي صورته السينما الغربية. كلاهما نموذج للاحتذاء بشكل او بآخر. انهما ايقونة عصريهما بدرجة امتياز.

لقد حملت الفنانة فاتن حمامة هذا اللقب بجدارة لقدراتها التمثيلية، وهذه حقيقة موضوعية. حملته لانها من رائدات النساء اللواتي واظبن عبر تاريخهن، على تطوير أدائها الدرامي والالتزام بنوعية الأدوار النظيفة والخالية من شوائب الإسفاف الجنسي الجسدي واللفظي، وهذا أمر يحسب لها حقا من ناحية خلو أدوارها من عناصر “رغبات السوق والربح المادي”، لكنها بالمقابل وبما قدمته من ادوار البنت الضعيفة المغلوبة على أمرها التي تتعرض دائما للظلم والعدوان والتجني، ضعضعت من صورة المرأة القوية المقتدرة والحرة، وروجت للهشاشة والرقة السلبيتين والمحرضتين على العنف ضدها. لقد أصبحت هذه الصفات “نموذجا” للمرأة المكتملة الأنوثة، النجمة ولاحقا سيدة الشاشة.

خلال فترة افلام الصبا والشباب لم تلعب فاتن حمامة أفلاما تستحق التوقف او التأمل عندها، واقتصرت الأدوار على شخصية الفتاة المرحة الذكية و الحلوة التي تضفي بهجة على ما حولها، مثل افلام (نور من السماء، الملاك الأبيض، المليونيرة الصغيرة، كانت ملاكاً.. الخ). بعد ذلك دخلت فاتن حمامة مرحلة الأفلام الرومانسية فبرعت في شخصية العاشقة او المحبة التي هي ضحية لأوضاع معيشية واجتماعية خانقة، او تعاني من فوارق طبقية مع من تحب. في هذه المرحلة جسدت فاتن حمامة شخصية ابنة العشرين الرقيقة المغلوبة على أمرها والتي أقصى ما تتطلع إليه هو حبيب تعيش في كنفه كزوج. من بين أفلام تلك المرحلة اذكر (وداعاً ياغرامي، سلوا قلبي، خلود، إرحم دموعي، أيامنا الحلوة، حب ودموع، حتى نلتقي، بين الأطلال.. الخ).

بعد ذلك تخرج فاتن حمامة من ادوار الفتاة - الملاك لتدخل الأدوار البكائية او الكربلائية كما اسميتها، ومرة ثانية تجسد شخصية الفتاة المسكينة التي تصارع أقدارها التي هي عاجزة بسبب هشاشتها وضعف حيلتها عن تجاوزها. حتى الانتصار للخير في آخر الفيلم لا يكون بمجهودها الشخصي وانما في اغلب الوقت بتدخل من العناية الإلهية والصدفة، او لان الخير يجب أن ينتصر في النهاية فينتشلها معه وينتشل الشخصية كلها. ان عدم التدقيق في الأدوار السلبية او السيئة لتلك المرحلة وهي كانت مرحلة انتشار بالنسبة لها، قد فتح الطريق لتشكل صورة او أيقونة الفتاة الهشة المعذبة التي هي أرضية جيدة لتلقي كل أنواع العنف والقمع من “الآخر”. وبالرغم من دور الشريرة في فيلم (لا أنام) والفدائية (الله معنا) والمتحررة ( الطريق المسدود) التي قامت بها لاحقا، الا ان هذه الافلام شكلت حالة استثنائية في حياتها الفنية، مذكرين بالمثل القائل “زهرة لا تصنع ربيعا”.

اما في فترة لاحقة فقد دخلت فاتن حمامة مرحلة الأفلام التي عالجت فيها مشاكل الأسرة المصرية مثل (ست البيت، كل بيت له راجل، إمبراطورية ميم، أريد حلاً). وبالرغم من انها اثارت مواضيع هامة من خلالها، مثل الحرية وقوانين الأحوال الشخصية التي تتعلق بالطلاق، الا انها بقيت ذلك النموذج الهش والضعيف الذي يعاني امام متاريس الاعتبارات الاجتماعية والقانونية والدينية. حتى فيلم (افواه وارانب) الذي اثار ضجة حوله يمكننا ان نرجعه الى قصة حب اربكتها الفوارق الطبقية..

اما الفترة التي بدأت منذ مطلع الستينات و حتى يومنا هذا والتي يمكن ان نطلق عليها مرحلة النضج الفني، فقد بقيت طبيعة فاتن الرقيقة طاغية بشكل او آخر على الشخصيات النسائية التي كانتها. ان تحول فاتن حمامة الى ايقونة في تاريخ السينما المصرية قد روج لنموذجها الرومانسي الرقيق. والحق انها لم تقدم حقا شيئا ذا قمية الى “البنت المصرية” في اتون جهنمها الخاص او في حرملك احلامها. فبالرغم من تاريخها السينمائي الطويل (اكثر من 100 فيلم) تطالعنا الاحصائيات عن ارقام مذهلة عن العنف ضد النساء في منطقتنا العربية. وليست فاتن حمامة بطبيعة الامر مسؤولة عنها و لكن من الخطأ ان يتحول نموذج الفتاة الهشة الضعيفة العاجزة الى ايقونة انثوية او مثال بشكل ما. ان مثل هذه النماذج تماما هي من تتلقى صفعات العنف اليومي المشروع.

اما الفنانة سناء جميل والتي تعتبر ادائيا برأي العديد من النقاد، متفوقة على اغلب فنانات السينما والمسرح، فلم تتحول الى ايقونة او الى سيدة لاي شاشة، فتركيبها الجسدي الميال للخشونة، وابتعاد نمطيتها عن الهشاشة والرقة اقصاها عن الالقاب ربما. كما ان الادوار التي قامت بها عبر تاريخها الطويل والشخصيات التي جسدتها لم تشِ باي ضعف او قلة حيلة، و هكذا فان الراي العام والمجتمع ككل يبدو وكانه قد حسم امره تماما بالنسبة للنموذج الانثوي الامثل: انه النموذج المهيء لنوبات العنف الطارئة والمنظمة المشروعة منها وتلك غير المشروعة. الم يتغزل العرب بالعيون المنكسرة والخفيضة.. الم تكتب القصائد عن حمرة الخجل والحياء من دون مبرر، الم يشيدوا بالمراة “اللا حس او صوت لها”، وتلك “اللي لها تم يأكل ما الها تم يحكي”، أي المراة الصامتة المتحملة !! الم تمدح الأمثال “الدابة السريعة و المرأة المطيعة” ! واذا كيف ستتحول امرأة مثقلة بالموهبة والبعد الثقافي مثل سناء جميل الى سيدة الشاشة او نموذج يحتذى.

لنعترف ان مشكلتنا كعرب، وهو ما يهمنا هنا، وهذا لا ينفي ان مجتمعات اخرى بما فيها تلك التي تدعي الديمقراطية الزائفة، ليست مع بنود القوانين التي تروج وتسهل العنف، وانما مع مفهوم “القانون” بالذات الذي لا يعتبر نابعا حقا من الحالة المثلى للبقاء الانساني. انه كما نستعمله ونتعامل معه اليوم كعرب مفهوم مقدس غير قابل للتطوير او الاجتهاد او لاعادة النظر. انه “ستاتيك” أي شيء من دون كتلة، من دون طول موجة ومن دون زمن، ولا يملك حيزا او موقعا..انه غير متحرك.[3] هذا هو مفهوم الستاتيك وهذا هو تعريف الصفر.

لا يمكن القضاء على العنف ضد المرأة من دون تغييرات جذرية في الوعي الشعبي والجمعي تتجلى في الفعل الواعي وصولاً الى القرار السياسي والارادة السياسية على أعلى مستوى. اما التعبير عن هذه الإرادة، وإدانة هذا العنف فيكون بطرق شتى من بينها “التشريع، وخطط العمل الوطني، وتخصيص الموارد الكافية، وبذل الجهود للتغلب على الإفلات من العقاب، عقاب يشهده الناس، وايجاد بيئة مؤاتيه للأداء الفعال للمنظمات غير الحكومية[4] التي تعمل على هذا الموضوع والتعاون معها”.[5]

على المجتمعات والشعوب بقواها الحية والواعية ان تناضل من أجل حقوقها ومطالبها، ومن هنا يتوجب على الدول والحكومات ان تؤدي واجبها تجاه حقوق الإنسان، وان تنظم علاقات القوى بين المراة والرجل، وكل نظم التبعية الاخرى المرتبطة بها، وان يكون تعاونها علنيا وشفافا مع منظمات المجتمع المدني النابعة من قوى مجتمعاتنا الحقيقية والتي تعبر عن تطلعاتها وزخم نضالاتها بعيداً عن التمويل الاجنبي والاستقواء أو الارتباط به، والتي تعارض هذا العنف، ان تتطلع ولو لمرة واحدة في وجه هذا الكائن الذي اسمه المرأة والذي كان يوما يرف مع كلمة الله فوق المياه الأولى.


[1] الكتابة السينمائية على الطريقة الأمريكية - دراسة مقارنة بقلم جورج دايفيد - منشورات وزارة الثقافة السورية - المؤسسة العامة للسينما - دمشق 2004، ص: 9

[2] النظرية الادبية - جوناثان كالر - ترجمة رشاد عبد القادر ( منشورات وزارة الثقافة السورية - دمشق ) ص: 137

[3] Technical Dictionary by L.R. Hubbard - New Era Publication ApS - Copenhagen, page 405.

[4] انظر ملاحظاتي لاحقاً حول عمل هذه المنظمات.

[5] تقرير الامين العام - دراسة متعمقة بشان جميع اشكال العنف ضد المراة - 2006 ص 31 .

المعركة الدائمة في التاريخ: كيف هُزمت الأنثى وتأسست الذكورية

8 مارس 2010

بمناسبة يوم المرأة العالمي:

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2186 )

ملاحظة:أُقتطعت هذه الصفحات من الفصل الأول وعنوانه: مقاربات نظرية”، من كتابي: “تأنيث المرأة بين النفي والإلغاء: بالمرأة مبتدأ كل نقد وتخطِّي”، الذي سيصدر قريباً..

ارتكز ما كتبه كلود مياسو (أنثروبولوجيست - عالِم الإنسانيات) في بحثه على تفريق ماركس بين الأرض كموضوع عمل وبين الأرض كأداة أنتاج. وحيث أنَّ الثانية هي الحالة المبحوثة ( كما هي في المجتمعات الزراعية ذاتية الاكتفاء) وأن المجتمع، مُسَيْطَرٌ عليه أو سائد فيه انتاج وإعادة إنتاج الشروط المادية لوجود، لأعضاء الجماعة وللمبنى التنظيمي، وعلاقات الانتاج وتنظيم الجماعة كلها تعتمد على التحكم بوسائل إعادة الانتاج (الاكتفاء والمرأة) وليس على وسائل الانتاج[1].

إذن، الأساس هو إعادة الإنتاج بمصدريه الأرض للإكتفاء، والمرأة للناس. ومن هنا نلقي الضوْء على المسألة المركزية في التاريخ، وهي معادلة من شقين: أولوية المرأة والأرض من جهة وسيطرة الرجل عليهما من جهة ثانية، إمتلاك أداة الانتاج الإكتفائي ووسيلة الإنتاج البيولوجي.

لعل الإنتاج، منذ أبسط تجلياته، اي التقاط عشبة بشكل لاإراديّ، او آلي لسد الجوع، هو الحدث المادي الأبرز والأول بما أنه جاء في سياق حرص الإنسان على البقاء حياً لأطول فترة ممكنة، وهو الاشتباك المقاوم الإنساني الأول لقهر الطبيعة في صراع الإنسان مع الطبيعة.

أما أخطر تطورين نجما عنه فهما:

التطور الأول: تخليق الملكية الخاصة اي انحراف قاطرة التاريخ عن العمل والصراع الإنساني الأبدي والطبيعي، صراع الإنسان مع الطبيعة، انحرافها باتجاه صراع الإنسان مع الإنسان، أي نشوء مستويين من الاستغلال:

* المستوى الأول: تحكم الإنسان الذي تمكن من إنتاج أكثر من حاجته، فاستعاض عن ثقافة الإنتاج من أجل الجماعة بما هو جزء من العشيرة بأن حاول حيازته كفائض، وهو ما فتح له مجال تخليق الأسرة النووية الأولى أي التَشارُك من أعلى، تشارُك المُسَيْطِر، مع المرأة. وهذا الانحراف الذي حاول الفكر البرجوازي ردَّهُ دوماً إلى ما أسماه غريزة الملكية الخاصة. وهو في الحقيقة، ليس سوى نتاج تخلف الوعي الشيوعي البدائي والأَوَّلِيّ في مرحلة الوحشية والشيوعية البدائية، أي عجزه عن حَمْلِ التغير الجديد المتمثل في إنتاج فائض عن الحاجة الفردية. هل المشكلة في هذه “الوفرة النسبية” في الإنتاج كِشِيء لاواعٍ ؟ هل الإنتاج هو الذي جر الإنسان إلى الملكية الخاصة؟، أم عجز الوعي نفسه حينها عن توليد آليات مناسبة لتصريف الفائض عن الحاجة؟ ليست المشكلة في إنتاج الفائض أو في الفائض نفسه، المشكلة تكمن في درجة الوعي الإنساني. هل ما زلنا في نفس أُفُقِ التَّخَلُّف أو التشوه/التشويه الفكري، تشوه الوَعْي؟ المقصود، بأنّ عالم اليوم في ظل رأس المال يَعُجُّ بالمنتجات الفائضة إلى درجة أنَّ الأزمة الاقتصادية في المركز خاصة، ومنذ نصف قرن، وهي تتفاقم، هي أزمة في جانب العرض (Supply-Size Crisis)، أزمة فائض، ومع ذلك هناك أزمة جوع، وتشرُّد وخاصة (اليوم) في المركز الإمبريالي الأول، الولايات المتحدة[2].

* المستوى الثاني: اضطراره لتقديم جزء من هذا الفائض للمؤسسة الكهنوتية الدينية العليا التي ظلت لها سيطرتها كقوة روحية حاكمة تعيش من خلال هذه السيطرة على جزء من فائض عمل الإنسان لتأخذه على شكل فدية أو (tribute) لها بما هي المؤسسة التوسطية التي تقدم له تفسيرات ورؤى ورُقى وتقوم بدور العرَّاف بينه وبين الطبيعة التي تتخذ في هذه الحالة حالة الله.

والتطور الثاني: المتمثِّل في هزيمة المرأة تاريخياً على يد الرجل (المؤسسة الطبقية/السياسية) والمؤسسة الدينية، في تسخير العامل المادي[3] المتوفر في فرز ثقافة هيمنة الذكورة والدفاع عنها قبل الحريات والأوطان والحضارة وغيرها، فهي السيطرة اللصيقة بالوجود والحياة اليومية بدءاً من الفراش والمطبخ وحتى عتبة البيت انطلاقا إلى مختلف مستويات الفضاءات. وهي المعركة التي لا تزال دائرة حتى اليوم، حيث تركز الصراع بين الناس من البيت إلى الطبقة إلى الدولة إلى الكرة الأرضية بعمومها.

إذن، أسس هذان التطوران لنسق حياة للبشرية بأسرها. وهو نسق تتابع في الجوهر في مختلف التشكيلات الإجتماعية الإقتصادية، وإنْ تَغَيَّرَ في الشكل والمظهر. انتقل الكهنوت إلى الدولة في العراق القديم، وانتقلت دولة العبودية إلى تفككات الإقطاع، والامبراطوريات الشرقية كالعربية الإسلامية التي سادها نمط الانتاج الخراجي، وانتقلت أوروبا إلى الرأسمالية لتحل الدولة العصرية محل الإقطاعات وهيمنة المَلَكية المطلقة، وانتقلت بعض المجتمعات إلى الاشتراكية المحققة، لكنها تفككت عاجزة عن إحداث الاختراق البشري التاريخي الأهم والأجمل. وفي كافة هذه الانتقالات والتحولات الاقتصادية السياسية الثقافية ظلت الملكية الخاصة سلاحا طبقياً يتمُّ القتال من أجله بالنواجذ، وظلت المرأة الجنس المهزوم الذي لا بد منه كي يأوي إليه المحارب من أجل الملكية الخاصة كي يستريح. لكن المهم أنها “هي” وُجِدَتْ من أجل راحته! نعم، المستويين متكاملين وأحدهما مشروط بالآخر. صحيح أن ترابطهما الشكلي يكون أقل في التشكيلات الإجتماعية الإقتصادية الأكثر تصنيعاً، ولكن ترابطهما الفعلي يغدو مؤدلجاً في عصر رأس المال مثلاً، إلى درجة قد لا يَبِينُ معها أن المرأة مأخوذة بسيف الرجل، بينما هي مأخوذة بخطاب الهيمنة الموظَّف لسيف الرجل!

في اشتراط كل منهما للآخر (حيازة الرجل للملكية الخاصة وحيازته للمرأة كملكية خاصة)، سادت إيديولوجيا:

· تقديس الملكية الخاصة.

· تجنيد الفقراء لحروب الأغنياء باسم القوميةِ والأُمَّةِ والدين، وساد تماثلهم من خطاب أسيادهم.

· أما الهدف فهو الربح /التراكم بأي شكل وبأيِّ ثمن وبأعلى قدر ممكن وبما هو ابعد منه.

· إخضاع نصف المجتمع لنصفه الآخر.

· المنافسة[4] التي هي تصفية واحد للآخر دون مواربة منذ عصر العبودية الأولى إلى عصر العبودية المعولم. في المنافسة يَخْلَعُ الرأسمالي قناعه “الحضاري” ويتحول إلى وحش حقيقي. كيف لا، وهنري فورد الجد كان ينافس الرأسماليين الآخرين بتفجيرهم بالديناميت. ومع ذلك تبقى المنافسة مفخرة إيديولوجيي الملكية الخاصة.

يفتح هذا النقاش على مسألة أوسع هي علاقة المرأة بالأرض، أو بالوطن. تجادل كثرة من المنظمات النسوية بالقول إن الوطن هو للرجل وبالتالي فالدفاع عن الوطن هو مهمة الرجل لأنَّ فيه مصلحته. وبعيداً عن أن العدو لا يفهم هذه اللغة، بل سارع إلى استخدام المرأة لكسر الرجل في الحرب (انظر لاحقاً)، هناك مسألة أهم وهي أن المرأة هي الأقرب إلى الأرض من حيث هما أساس الوجود والإنتاج والاستمرار ما يعني وجوب عدم تساوق المرأة مع احتلال الرجل للأرض لأن تركيز هذا الاحتلال يقود في النهاية إلى احتلال المرأة نفسها.

لقد تتبع ماركس وظيفتين للأرض: الأولى كموضوع عمل والثانية كأداة عمل.

ففي مرحلة تطور بسيط لأدوات الإنتاج، حينما كانت طاقة البشر هي الطاقة الوحيدة المتوفرة وحينما كان صنع الأدوات يتطلب على أساس المقارنة استثمارا ضئيلا للعمل يكفيه الشخص بذاته، فإن استعمال الأرض كموضوع عمل لم يكن ليتجاوز تحصيل الضروريات للحياة بواسطته، كما هو حال الصيد والجمع.

وحينما دخل الإنسان مرحلة أعلى في تطور أدوات الانتاج، كما في الزراعة، فإن الإنسان محفوزاً بتوقع الحصول على عائد أكبر، استثمر عمله في الأرض، حيث أصبحت بناء على ذلك أداة عمل.

الأرض كموضوع عمل هي في حالة كون الانتاج فوري، لحظي ويتم تشارك المنتجين فيه كالصيد. والصيادون طالما يتشاركون في الانتاج الجماعي لا يترتب على ذلك التزامات تبادلية او ولاءات. فالعملية لا يترتب عليها هرمية اجتماعية ولا سلطة مركزية ولا حتى تنظيم أُسرة ممتدة. هذه الوحدة الاجتماعية الأساسية مياوماتية، لكنها غير مستقرة، وليس فيها سوى اهتمام ضئيل لإعادة الانتاج البيولوجي الإجتماعي.

بدوره يربط كلود مياسو “تكون الأسرة بالزراعة حين يبدأ الانسان بزراعة الأرض يتم العمل كفريق يجمعه على الأقل الزراعة وانتظار المحصول وتنظيف الأرض، وهنا تتكون روابط مجتمع المنتجين حيث الكبير فيه ليس مديناً لأيٍّ من الأحياء بل للأسلاف الميتين، بينما كل أعضاء الجماعة مدينين له. هنا يعين الكبير لاستلام وإدارة انتاج شركائه الكبار وبدوره يحاول او يتدبر البذور والغذاء حتى المحصول القادم. هنا يجد المرء بسهولة الأسس المادية والمؤقتة لتكوُّن الأسرة بما هي وحدة انتاج وتماسك والَنَسُب فيها هو الإيديولوجيا، اعطاء الأولوية للعلاقات بين الناس على العلاقات بالأشياء، تواصل الحياة بحيث تخلق ترابط اجتماعي مشخصن، قلق على إعادة الإنتاج، مفاهيم الكبار والصغار، احترام العمر”…ص 100.

والسؤال هنا: هل على أرضية مشاعية الأرض كانت مشاعية الجنس؟ وهل هذه التسمية هي الأصح، أم الأصح مشاعية النساء؟ قد تكون مشاعية النساء متعلقة بطور آخر أعلى، بمعنى اقتراب الإنسان من الملكية الخاصة أو تحديداً هزيمة المرأة على يد الرجل، فبغير هذه الهزيمة لا نستطيع الجزم بأن المشاعية لم تكن متبادلة، وبالتالي، المبادرة أو المبادأة الجنسية من الطرفين.

وقد يجوز لنا الذهاب في الأمر لما هو أبعد من ذلك. فلماذا نربط امتلاك المرأة أو حيازتها بالجنس فقط طالما نحن في مرحلة الملكية الخاصة؟ هنا نعقد اشتباكاً بين ماركس وفرويد. فلماذا لا تكون “حيازة” المرأة بما هي وسيلة إعادة الإنتاج البيولوجي لِرَفْد الرجل بورثة ومساعدين في العملية الإنتاجية بعمومها، فهي التي تنتج المنتجين.

في مساهمة ملموسة لأنثروبولوجيين مثل إيمانويل تيري وموريس جودللير وبيير فيليب ريي، ركز أولئك على قرار الاستعمار الإبقاء على المبنى الاجتماعي للتراكم في المستعمرات، وهو ما اوضحه مياسو في أن هذه العلاقة، تحاول الإمبريالية حصر سكان المستعمرات في إعادة الإنتاج الإنساني الاكتفاء والنساء. وليس في التحكم بوسائل الإنتاج المادي وذلك تسهيلاً لتشغيل قوة عمل رخيصة في المناجم. وهو أيضاً ما يؤكد أن الاستعمار لم يقبل الانتهاء إلى مرحلة أل ما-بعد، أي ما بعد الاستعمار، أو قيام الاستعمار بزرع ألغام فيها، “تلغيمها” بما ينسف استقلالها.

وهذا يتقاطع بالطبع مع احتجاز التطور وإن من مدخل أنثروبولوجي. ولكن دفع هذا التحليل إلى الأمام، يكشف عن أن حصر الاهتمام بالاكتفاء والمرأة هو أمر تكمن فيه ثقافة وإيديولوجيا بطريركية تحصر عالم سيطرة الرجل في المرأة، فلا تعود مجرد أداة انتاج بل ملحقة به، وتصبح إعادة الإنتاج البيولوجي مثابة مصدر دخل حيث يوفر قوة عمل جديدة تدر دخلا، مثل العمال الفلسطينيون في المناطق المحتلة في الخط الأخضر وخاصة قرى الحدود. هذا مثال على دور الاستعمار في الحفاظ على ذكورية المجتمع المستعمَر، وبالطبع رجعيته.

من جهة أُخرى، يختلف التحليل ومن ثم النتائج بين اعتبار أن مؤسسي القرى هم الصيادون، أي ليست القرى من إنشاء المجتمع الزراعي. ففي حالة الصيادين أن يُنسبَ إنشاء القرى للصيادين يعني أنها من تأسيس الرجل! إن الصيد هو في الحقيقة الوسائل العضوية للتشظية الاقتصادية والاجتماعية للجماعة الزراعية. إذا صح التحليل أن القرية نشأت خلال نمط إنتاج الصيد، فما دور المرأة فيها؟

وفي كلا الحالتين، كان نمط الانتاج النَسَبي (القرابي) هو المسيطر على إعادة الإنتاج الإجتماعي فهل يعني هذا أن العامل الاقتصادي ليس المقرر؟

يحاول جودليير حل الموضوع حيث ينسب إلى الرابطة الأُسرية كل من دوري الانتاج والسياسة والإيديولوجيا اي انها تمثل البنيتين التحتية والفوقية، اي تطابق قوى وعلاقات الانتاج (برأيي توحدهما) تطابق الاقتصاد والقرابة. يرى مياسو ان المهم هو السيطرة على المرأة بما هي اداة اعادة الانتاج البيولوجي، وبالتالي تكتمل البنية اي الارض والمرأة.

كارل بولاني بعكس ماركس يركز على التداول وليس على الإنتاج[5]، وبالطبع عجز بولاني، برأي مياسو، عن التقاط علاقتهما العضوية. لكن مياسو لم يناقش فيما إذا توصل بولاني إلى التساؤل: هل تمَّ تبادل المرأة ضمن أولوية التبادل لديه؟. لأن إجابة هذا السؤال تحدد مدى عمق تحليله. لعل عمق تحليل ماركس كامن في أنه تتبع وظيفتين للأرض: كونها “موضوع عمل” و”أداة عمل”، وهذا ما عزز تحليله لأولوية الإنتاج وليس التداول، هذا مع العلم أنّه في الحالتين هناك طبقة مسيطرة، لأنَّ الذي يكشف الاستغلال أو جذر الاستغلال ونسغه التحتي هو الإنتاج وليس التبادل.

فيما يخص الإنتقال إلى النظام الأبوي وخاصة اقترانه بزيادة الإنتاج وبالملكية الخاصة، فالسؤال هو: لماذا تمكن الرجل من هزيمة المرأة هكذا؟ هل كانت المرأة خارج نطاق العملية الإنتاجية قبل ذلك بكثير مما سهل هزيمتها؟ ألم تكن تعمل قبل ذلك؟ وإذا كانت تعمل لماذا هزمت مرة وإلى الأبد، لماذا كانت هزيمتها تحصيل حاصل. ما هو نمط الإنتاج ومن ثم علاقات الإنتاج التي كانت سائدة آنذاك. هذا يفتح نقاشاً على كامل خط الأمومة ومجتمعات الأمومة، ويطرح من جديد مسألة الإختلاف الجسدي الذي كلما كانت وسائل الإنتاج متخلفة أي تحتاج قوة جسدية أكثر كلما كان ذلك لصالح الذكر. وهل يمكن الاستخلاص من هذا أنه كلما تطور العمل وارتقى إلى اعتبار المعلومة / المعرفة قيمة ومن ثم سلطة هو تعزيز لسلطة الرجل؟ وأنه بارتقاء الإنتاج إلى المستوى المعرفي تصبح المساواة ضرورة حتمية؟ وهل يعني هذا أن العمل الجسدي للمرأة يقوي موقفها كي لا يتمكن الرجل من تحويلها الى مجرد وعاء جنسي، لاحظ، يقوي موقفها، ولا ينهي المشكلة، وهذا ما نراه في المجتمعات الفلاحية حيث مشاركة المرأة في العمل الزراعي، ولكن بقيادة الرجل. ولكن، طالما اصبح العمل بمعظمه، وأهمه وأجداهُ، معلوماتياً عقلياً، لماذا لا يتوازى مع ذلك تطور وضع المرأة مساواتياً؟

لنسلم جدلاً أن ابتداء تقسيم العمل الإجتماعي قام على اساس العمر والنوع،؛ العمر مقرون بتطور قوة الإنسان الجسدية، والجنس مقرون بتفارق قوة الجسد على اساس النوع،. ألا يسمح لنا هذا برؤية مرحلة وسطى قبل الهزيمة كان يختلط فيها المنتجون ذكوراً وإناثاً؟ فرُبَّ قائل يقول: ان الإلتقاط كان بمقدور كل من المرأة والرجل. ألم تكن المرأة قادرة، ولو بدرجة اقل على الصيد؟ لذا يبقى السؤال: ما سبب حسم الملكية للرجل، ألا يمكن ان تكون هناك نساء مالكات؟ هناك في التاريخ مرحلة وسطى حيث كان كليهما ينتج مستقلاً عن التبعية للآخر؟ نعم هي قادرة على الصيد وغيره. ليس بعيداً ذلك الوقت الذي كانت المرأة في القرية الفلسطينية المحتلة في خمسينات القرن العشرين تحمل على رأسها حزمة كبيرة من الحطب بحيث كان قليل من الرجال يستطيع حملها. كيف تطورت بنيتها الجسدية لحمل هذا الثقل، وكيف تأنثت بحيث تخشى أي رجل!

سواء كانت هناك مرحلة وسطى، وسواء تمكننا من تحديد دقيق لآليات الهزيمة، ورغم وجود شبه إجماع على ارتباط القمر والزراعة والقرية بالمرأة (رايلي كافلين 2002)، وهذه، تؤيد قدرتها ودورها الإنتاجي، بل التأسيسي في التطور الاجتماعي، فهذه قد تفيد كخلفيات لتقدير دور المرأة، ولكنها جميعاً مقدمات للحد من الذكورة وليس لإلغاء هيمنتها. وهذا ما يهمنا إلقاء الضوء عليه.

وبالمقابل، ” كان ظهور الرموز الذكورية انعكاساً لسلطان الرجال. ومما له دلالة أن المدن قد اعطتنا ملوكنا الأوائل. لقد كان رجال هذه المدن في الحقيقة هم الذين خلقوا النظام الملكي. أما القرى في العصرين الحجري والحديث فلم يكن لها قادة ثابتون دائمون. وبالرغم من أنه في حالة الظروف الطارئة كان يعين بعض الرجال أو ينتخبون لفترة زمنية مؤقتة لشغل المناصب الكبرى، فإن هذه القرى كانت عادة ديمقراطية للغاية[6]“.

وإذا ما صح أن القرية كانت انثوية السيادة، فإن الديمقراطية هي وليدة المرأة، أو هناك ديمقراطية وليدة المرأة قبل الملكية الخاصة! وهذا يسمح لنا القول إن الديمقراطية جرى احتلالها ذكورياً ايضاً وصيغت مع سيطرة الرجل، أو لأجلها تحديداً، ضمن مسار أوصلها إلى ذكورية رأس المال، ديمقراطيتهم! فالدولة حامية الملكية الخاصة. وعدو الدولة هي المرأة، وإذا كان الأمر على هذا النحو، يكون من المفترض بل والضروري أن تكون المرأة عدوة لهذه الدولة و”ديمقراطيتها” حتى اليوم، وهو الأمر الذي يبرر نقدنا للمرأة النسذكورية. لكنها لم تفعل ذلك كما نعرف حتى اليوم! هل هذا جزء او امتداد ضروري للهزيمة الكبرى؟ هذه نظرة تدفع باتجاه تخليد وتبرير عبودية المرأة. ولكن، لو لم تُهزم المرأة، ألم يكن ممكناً للإنسان بناء حضارة؟ هذا يفتح على قراءة في فرويد (لاحقاً).

بدوره، أشار انجلزإلى أن النظام العشائري كان ديمقراطياً، لكن هذه الديمقراطية انحسرت مع تطور نظم الإنتاج وملكية الرجل لوسائل الإنتاج. فهل هذا تأكيد على ميلنا لأمومية الديمقراطية؟

وطالما أن المجتمعات البدائية كانت متحررة جنسياً، فهل يؤكد هذا ارتباط الديمقراطية بالأم، بالمرأة؟ وهل يمكن تجميع هذه الخيوط لتكوين نظرة ما .

يرى انجلز أنَّ من مآثر باخوفن انه أول من اكتشف مرحلة حق الأم. وسلطة المرأة الإقتصادية في العشيرة، تلك السلطة التي أعطتها الأهمية والإحترام الديني. والسؤال هو: ما معنى سلطة المرأة الإقتصادية؟ وإذا كانت لها سلطة إقتصادية، فلماذا تفككت؟ كيف حصل، وتفككت ببساطة أمام سلطة الرجل؟ هذا يعيدنا إلى نقاش مناخات الهزيمة الكبرى.

كما تفيد كثرة من البحوث في المجتمعات المشاعية البدائية بأن المرأة ظلت هي كمرأة أولا وجنس ثانيا مركز كافة تطورات علاقة الجنسين، أي أن البشرية انشغلت بهذه المسألة ولم تحلها حتى الآن. وفي هذا درجة عالية من الدِّقَّة. إنما أود الزعم بأن الأمر فيه الجنس والرغبة، ولكن ليس هو الجنس والرغبة كما يرى فرويد. هناك حاجة الحِمى والاحتماء المعنوي والروحي لدى شريك، أقصد بمعنى النوع وليس الزواج فقط، الذي يُلقي الإنسان لديه بهموم الحياة بدءاً من أصغرها وصولاً إلى حرصه على البقاء والأبدية، علاقة حياة وليست علاقة كسب ونفع فما بالك بعلاقة تنافس التملك والحيازة؟! هل يعني هذا أنَّ مجتمعاً بلا ملكية خاصة أولاً، مُشبعة فيه الحاجات الأساسية بكرامة ثانياً، راقٍ فكرياً ثالثاً، ومتقدم تقنياً رابعاً، يمكنه حلَّ الموضوع أو الإشكالية؟ حتى قبيل الدخول إلى الشيوعية؟ إن قصدية القول إنَّ المجتمع وليس الدولة هي الهامة هنا لخلق تواصل بين الشيوعية البدائية والشيوعية التي يؤسسها الإنسان بوعي، وبالقفز على لغم الدولة بدءاً من دولة حمو رابي وصولا إلى دولة جورج بوش التي تقود حمى الإمبراطورية إلى قص أنيابها.

يبدو أن للحماية والاحتماء، والشعور بالأمان، الحاجة للأمان منذ الإنسان الأول المحتمي من الطبيعة إلى الاحتماء من ارتفاع الأسعار العالمي اليوم، دورها او مساهمتها في العلاقة بين الذكر والأنثى، وهي التي بدأت أخذ مجرى هزيمة المرأة حينما انتقل الإنسان إلى الملكية الخاصة، حيث انتقل احتماء الرجل الروحي عند المرأة، إلى مأ اسماه إنجلز فديتها نفسها للرجل ليحميها من غوائل الرجال الآخرين. والاحتماء هنا لا يشت عن ولا يفتقر إلى جوهر مادي، فالوجود الفيزيائي للإنسان هو أساس الوجود، ومن ثم المصلحة المادية/الجسد والحياة، قبل الملكية الخاصة أسبق منها، وباق بعدها.

والفدية في التاريخ البشري معروفة لدى أمم كثيرة. بدءاً بفتاة النيل التي تتزوج النيل عرفاناً بخيره للجميع، وصولاً إلى فدية المرأة في الهند لنفسها بعد زوجها، بغض النظر عن الجدل في هذا الأمر، وهذه فدية تذهب لما هو ابعد من فرضية إنجلز التي تقترن بالأحياء، وحتى فدية إسماعيل بكبش عرفاناً لله.

لا يمكن قراءة الملكية الخاصة حيث بدأت كما نقرؤها حيث تطورت. فقيام روكفلر بلغم منافسيه في نهايات القرن التاسع عشر، وقيام الرأسمالية الأميركية-البريطانية في حقبة العولمة بذبح شعب العراق باسم دمقرطته، بل من أجل نِفْطِه، لا يمكن مقارنة شدتها وحتى اسباب التمسك بها، بمحاولة الإنسان القديم الإمساك بحيازةٍ ما اتقاءً لغوائل الموت من الندرة. صحيح أنه كان انانياً بحمايته لنفسه فقط، ولكن اساس الحدث هو الضرورة والندرة وليس فلسفة الملكية الخاصة التي كرسها جون لوك.

وجدلنا هنا أساساً بشأن تعديل النزعة واجتثاثها، اي عدم القبول بفرضية غريزة التملك. ومن هنا جواز الاعتقاد بأنَّ الملكية الخاصة هي التي دفعت باتجاه الزواج الأحادي، أي ليست الطبيعة البشرية بل نزعة الملكية الخاصة.

إذا صح تحليل إنجلز أن المرأة فدت نفسها لتحرر نفسها من مشاعية الرجال كي تكتسب الحق في أن تكون زوجة لرجل واحد، (انجلز، أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة، موسكو دار التقدم/ 1975، 50-61) فهذا من جهة يعزز الاعتقاد بان المرأة ليست تلك الغواية والأفعى والعنف الجنسي الذي لا يُحدُّ، ويعني ثانياً انها ليست مسيطرة اقتصادياً، كما انه إن حصل وفدت نفسها فهي قد وضعت نفسها تحت اضطهاد أبدي ربما كالمستجير من الرمضاء بالنارِ. وإذا ما فعلت المرأة هذا الفداء، فهو يعني انها كانت قد أُخضعت وهُزمت قبل هذا القرار، وكانت بدايات الهزيمة في تحويلها إلى أداة جنس وليس إلى شريكة بالاختيار مما يعني أن قرار الفداء جاء بعد هزيمة.

إذا صح هذا، فمعناه ان الزواج الجماعي كان اضطهاداً مفروضاً عليها، فلم يكن ذلك اختياراً، وإن كان الجنس اختياراً، فليس بهذه الجماعية، والمهم أنها ليست شبقة إلى الحد الذي تصل إليه خيالات الذكوريين. وهنا يكون الزواج الأحادي هو تحرير للجسد من الاغتصاب الجنسي الجماعي او المتعدد، ليصبح لفرد محدد، ليس شرطاً أن يسخِّر هو نفسه لها بنفس القدر!

في سياق احتماء المرأة/حمايتها، تبرعها … أين يمكننا وضع او رؤية تقديم الجسد العاري قربانا جنسيا لدى الديانات القديمة: ” …باعتباره أمراً مقدساً … فالبغايا في المعابد القديمة اللواتي كن يقدمن أجسادهن قرباناً من أجل الكهنة حيناً ومن أجل الترويح عن الحجاج حينا آخر، لم يكن الجنس في عقولهن مرتبطاً بالتحريم بقدر ما كان “عملا يعتبر جزءاً من التوليفة الاجتماعية والمعرفية والثقافية لتلك الحضارة … وهكذا ارتفع من موقع الإثم إلى موقع التقديس والقبول. بعد ذلك ، تطور هذا المفهوم أكثر، لتخرج البغي من المعبد وتدخل الى أرفع القصور كمحظية… لقد خرج مفهوم الجنس بمعناه الأكثر روحية من عباءة الإثارة الأدنى مرتبة، لينطلق في افق اكثر فهماً لدوره وخصوصيته ولموقع المرأة كأنثى فيه، وعلى نفس الخط الموازي ، ولكن بشكل معاكس، بدأ الجنس من تقديس المرأة وعبادتها كما هو الحال في البوذية، … لينتهي لاحقاً الى مرتبة اكثر ريبة وتحفظاً عندما اصبح مكانه متدنيا بفعل التصنيف الديني والثقافي للمجتمع[7]“.

حتى هنا، فالمرأة هي الطرف الذي يبحث عن القَبول به! فما يرفعها إلى القصور كمحظية، ليس سوى تقديم الجسد قرباناً سواء للكهنة أو للحجاج، الذين يحجون إلى المعابد. ومن يدري لماذا ؟ لا يكون هؤلاء الحجاج تجاراً، وبالتالي، هي تتقرب من السلطتين الدينية والاقتصادية معاً، وهذا يزيد من خضوعها وإخضاعها. المهم أن جواز سفر البغي “صاحبة الحب الحُرّ” هو السلطات! أما النهاية كما ترى كلاديس مطر، فهي مأسسة السيطرة على المرأة كجسد وكائن ضمن السياق الثقافي والاجتماعي.

إنما يبرزهنا السؤال: هل كان بوسع المرأة ممارسة الحب الأحادي اختياراً، الحب الحر دون الخضوع ل “حرية الحب” اي سماح مؤسسة للحب بأن يُمارَسْ؟ أم أن الرجل استخدم الملكية الخاصة ليحوله إلى زواج؟ ولكن ما هو أساسه؟ هل أساسه هو كونها خارج استقلالية ناتجة عن انعزالها عن دائرة الانتاج؟ ومن هذا نَوَّدُ الوصول أو التوصل إلى: هل يعني هذا أن عالم اليوم يمكنه توفير هذه الحماية للمرأة دون ان تضطر “لأن تفدي” نفسها لرجل واحد الذي اصبح مع الزمن “فارس الأحلام” القادم على صهوة جواد ابيض، أو رجل المال الذي يشتريها بالمال نفسه، أو صاحب القوامة…الخ! وهذا يعني ماذا تختار المرأة لو توفر لها الوضع المثالي أي: 1) زواج من سيَّد، 2) إباحية، 3) انفتاح وخيار حر، أي حب أحادي …؟

لماذا هي المعركة الأطول في التاريخ؟ لأنها لم تنته بعد ولا يوجد ما يوحي بذلك قريباً، ولأن المرأة تقاوم حتى اللحظة بمعزل عن الأدوات والرؤى.

من تأنيث المرأة إلى تفوق الرجل وسيطرته، يمتد الخط الناظم لذلك في نمط الإنتاج السائد، ونمط الإنتاج كمقولة مجردة، ولكنها قوية الحضور والتأثير، تتجلى في تجسدها في مدى -درجة- تطور قوى وعلاقات الإنتاج من جهة، وجدلهما معاً من جهة ثانية وفي النهاية الحيازة وشكل التوزيع. لا شك أن اساس الإشكال كان في الوقوع تحت ضرورة الملكية الخاصة للحفاظ على الحياة، لضمان تلبية الحاجات لأطول وقت ممكن. ولكن هذه الضرورة المادية أخذت أو عكست تجلياتها في خطاب تفاقَم باضطراد حتى العصر الحالي وجوهره تطويع الإنتاج للملكية الخاصة بغض النظر عن الجدل الدائم بين مَنْ الذي يقودُ مَنْ في التحليل الأخير، قوى أم علاقات الإنتاج. وهذا يفتح على سؤال ابعد: ما الأمر الذي يكمن وراء خطاب الملكية الخاصة لا سيما في عصر الوفرة، هل هو تخلف الوعي، والبنية الفكرية، أم المصلحة الفردية في الطبقة، والطبقية عامة؟ وهي المصلحة التي تقع آثارها على المرأة اكثر. ولعل هذا السبب هو نفسه الذي لا يسمح لنا باغتفار إيدولوجيا الملكية الخاصة، التي في عصر الوعي البشري تصبح جريمتها أكثر خطراً.

تجسدت بدايات هزيمة الأم الإقتصادية مع التحول في مبنى القبيلة نفسها، تحول ملكية القطعان من القبيلة إلى الأسرة، من الجماعة إلى الوحدة الأصغر، وزيادة الحيوانات المدجنة وزيادتها بسرعة أعلى من سرعة زيادة أفراد الأسرة، أي تنامٍ في الثروة وتفكك في الجماعة. على ضَوْء هذه التطورات، لفت انجلز إلى بروز الحاجة إلى مزيد من الأفراد للعناية بأمر القطعان، وأصبح ممكناً أن يشغل الأسرى هذا الدور. وقد يعني هذا أن الأسرى اصبحو يُقسمون على الأسر بعد القبيلة كما ملكية القطعان. المهم ان هذه الثروات الجديدة المملوكة من العائلة كانت سببا في تحطيم المجتمع المؤسس على عائلة مكونة من فردين وقبائل منتسبة إلى الأم … حيث كان الأقارب من جهة الأم هم الذين يرثون. وعندما ازدادت الثروة المملوكة من الرجل اعطته وضعا اكثر اهمية من المرأة داخل العائلة. وأصبح يميل إلى توجيه النظام التقليدي للوراثة لمصلحة اولاده. ولكن ذلك كان مستحيلا في ظل الإنتساب للأم. فكان لا بدَّ من تغيير النظام حتى يتمكن من توريث اولاده. هنا ينتهي انجلز للقول: “إن إنهاء الإنتساب للأم كان الهزيمة التاريخية العالمية للجنس النسائي. فقد سيطر الرجل على السلطة في المنزل أيضاً، وقلّ شأن المرأة. وأصبحت عبدة لشهوة الرجل، وآلة لتربية الأطفال[8]“. لكن، بناء على تحليل إنجلز، لماذا كانت القبائل تتصارع، تأسر وتؤسر؟ هل كان الدافع وراء ذلك الندرة، وإشباع الحاجة وبالتالي قرار العدوانية؟ أم أن مرحلة وسيطة بين الملكية الاندماجية الجماعية وبين الملكية الخاصة كانت آنذاك، اي حينما بدأ الصراع بين القبائل،وهو الصراع الذي، حسب إنجلز، كان من نتائجه سيطرة الذكورة لحماية حيازته من التسرب إلى ابناء الأم غير المحصورين في أبٍ واحد يريد الحفاظ على حيازته. هذا يعني بالطبع أن سيطرة الأمومة هي امتداد وهي الحفاظ على العلاقات المشاعية، بينما سيطرة الأب هي بداية الملكية الخاصة.

أما المرحلة الثالثة فهي المرحلة العليا للبربرية، عصر المدنية، حيث ساد الزواج الأحادي، عصر العائلة التي تنجب أطفالا غير مشكوك في أبوتهم كي يرثوا ثروة أبيهم، وفي هذه الأسرة اصبح الزوج هو الذي يحل الرابطة الزوجية وحده[9]. المهم هنا أن الحرص على نقاء الأطفال هو من أجل الحفاظ على الملكية الخاصة بما هي الأهم، وهم وإن حازوها أو ورثوها فذلك كي يقوم الرجل بالمراكمة[10] وراكم يا موسى أنت والأنبياء

(Accumulate Moses you and the profits).

______


[1] From reproduction to Production A Marxist approach to Economic Anthropology, Cluade Meillassoux,

[2] خلال زيارتي للولايات المتحدة في شهر تشرين ثاني (نوفمبر) 2009، استمعت لحديث أشخاص يعملون في قطاع العقارات. يقول أُولئك إنَّ المنازل التي عجز المواطنون الأميركيون في الريف عن دفع أقساطها هي فارغة وتتشابك الأعشاء على أبوابها، وأن سكانها (اصحابها) القدامى يقيمون في خيام أو معسكرات قديمة للجيش.

[3] يعرض الواقع أو العامل المادي دوماً مخارج متنوعة للتعاطي معه من خلالها. فالواقع لا ينحصر لصالح طبقة، ولا يعرض نفسه للإنسان كمغاليق لا يمكن التحكم بها. وعليه، فالصراع الطبقي وتطوراته هي التي تحدد آلية استخدام هذا الواقع.

[4] عملت في برنامج التطوير الصناعي في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالقدس (1991-1993)، وتقدم آنذاك رجل أعمال صغير بطلب شراء مصنع صغير مستعمل من تركيا لتصنيع بضاعة ما. وكان أحد كبار رجال الأعمال عضو في مجلس أمناء القسم ويملك مصنعاً كبيراً لنفس البضاعة والذي حين علم عن طلب الصغير، قال لي: سَأَفْرُمُه! وكان لنا جدل طويل. أما هذا صاحب المفرمة فاصبح وزيراً في سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني! هذه هي المنافسة وهذا مستقبل الأغنياء.

[5] في تشابه في التفارق، ركز أرجيري إيمانويل على البتادل اللامتكافىء (Unequal Exchange)، في حين ركز سمير أمين على التطور اللامتكافئ (Unequal Development).

[6] كافلين رايلي، علاقة القرابة بالمرأة، والمدينة بالرجل في مجلة أمكنة، العدد 4، آب 2002، ص 257

[7] انظر كلاديس مطر، “تأخير الغروب، التقديس والتأثيم، بحث في ازدواجية بنية العقل النسوي العربي”، دار التكوين ، دمشق 2009: 111-12

[8] فريديرك إنجلز، أصل نظم الأسرة والدولة والملكية الخاصة دار الفارابي ،47.

[9] فريديرك إنجلز، أصل نظم الأسرة والدولة والملكية الخاصة دار الفارابي 54. تجدر الإشارة أنّه ليس المقصود هنا التراكم الأولي الذي تحدث عنه ماركس والمرتبط اساساً ببدء هيمنة نمط الانتاج الرأسمالي لا سيما في الحقبة التجارية وخاصة في اسبانيا والربتغال . كان ذلك في نهاية القرن الخامس عشر وما بعد، هذا التراكم هو تحويل النقود إلى راسمال، أما في داخل أوروبا فقد اخذ شكل تحويل الفلاحين قسرا إلى عمالاً، أي فصل المنتجين عن وسائل الإنتاج.

[10] ليس المقصود بالتراكم في تلك المرحلة نفس المعنى المتقدم الذي أسماه ماركس بالتراكم الأولي الذي يرتبط اساساً ببدء هيمنة نمط الانتاج الرأسمالي لا سيما في الحقبة التجارية وخاصة في اسبانيا والبرتغال . كان ذلك في نهاية القرن الخامس عشر وما بعد، هذا التراكم هو تحويل النقود إلى راسمال، أما في داخل أوروبا فقد اخذ شكل تحويل الفلاحين قسرا إلى عمالاً، أي فصل المنتجين عن وسائل الإنتاج.

ديمقراطيون لا يطيقون ندية النساء!

7 مارس 2010

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2185 )

من المسلم به ان تحرر المرأة الكامل مثله مثل الانعتاق الطبقي الابدي لا يتحقق الا بالمجتمعات اللاطبقية ـ المشاعية الذكية ـ حيث التسقيط الكامل لقدسية الملكية الخاصة والعائلة الابوية التي جعلت المرأة تعاني من نوعين تاريخيين ومزدوجين من الاضطهاد الاجتماعي، اضطهاد العائلة الابوبة والاضطهاد الطبقي الشامل والذي يستعبد الطبقات التي لا تملك الا قوة عملها المستغلة لانتاج الخيرات المادية وعبر كل انماط التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية.

الديمقراطية البرجوازية بفكرها الليبرالي التقليدي عملية موضوعية وضرورية باتجاه اطلاق الحريات الفردية التي تصب بمصلحة استغلال كل الطاقات الكامنة بالافراد رجالا ونساءا واطلاق العنان لكل انواع الاستثمار فيها، فالحاجة لايدي عاملة اضافية نتيجة النمو المهول لمجالات العمل من مواضيع ومواد ووسائل انتاج ومن حاجات تغذيها دفع بالمرأة للدخول وبقوة في مجال العمل والانخراط بكل انواعه تقريبا، وهذا ما فرض شروطا ضرورية لتحول دور المرأة من تابع اقتصادي للرجل الى مشارك في اعالة الاسرة الى جانب دورها في الرعاية البيتية، والذي تعزز فيما بعد نتيجة للنضالات المريرة لحركة الطبقة العاملة ونقاباتها في البلدان الراسمالية الى جانب الحركات النسوية وحركات المساواة المدنية والحقوقية التى انتزعت مكاسبا سياسية وقانونية واجتماعية يصعب تصديقها قبل قرن من الان حيث تحققت وبتراكم مكلف، وما زالت تتحقق شروط الانعتاق من الاشكال التقليدية لاستغلال المرأة والرجل معا. حصلت المرأة على حق التصويت في الانتخابات العامة، حقها باجر مدفوع اثناء الولادة، المساواة امام القانون، حقها في التعليم، حقها في الطلاق غير المشروط، حقها بحضانة اطفالها، حقها في الاجر المتساو مع الرجل لقاء نفس العمل، لا قيود على تقلدها اي منصب تحمل مؤهلاته الخ وما زالت هناك بعض الفوارق في بعض مجالات العمل والاجور وايضا فوارق نفسية تفرضها التركة التاريخية والاجواء غير الانسانية للعمل والاستثمار التي تنظر لجسد المرأة كواحد من مجالات الاستثمار الغريزية والتي تصحي الارث التاريخي في العلاقة المشوهة بين الذكر والانثى، والحقيقة انه حتى الرجل نفسه لم يسلم فهو اليوم ايضا مجالا استثماريا مثله مثل النساء، فالمضاجعة بمقابل تمارس كعمل رسمي تتولاه شركات خاصة للرجال والنساء وعلى حد سواء!

يوم الثامن من اذار نفسه اختير كيوم عالمي للمرأة لانه وفي مطلع القرن العشرين خاضت عاملات النسيج في شيكاغو اضرابا عن العمل للمطالبة بحقوقهن بتقليص ساعات العمل التي كانت ضعف الوقت الحاضر، اضافة لتحسين شروطه، وقد كسر الاضراب بقوة الشرطة التي اطلقت النار على المضربات وراح ضحيته عدد منهن!

في بلداننا التي تعشعش في ميادينها البطالة ويستطيل فيها تخلف البنى التحتية للانتاج الاجتماعي الاقتصادي لم تحقق قضية المراة شيئاً يذكر بالمقارنة مع النهضة التي حققتها المراة في البلدان الراسمالية المتطورة، وانما كانت للحداثة أثر جلي على شرائح نخبوية منها فتشكلت جمعيات نسوية ارتبط قيامها بضرورات العلاقات العامة للارستقراطية الحاكمة وحاشيتها ومع ذلك فكانت نماذج المتعلمات والموهوبات تشكل حافزا لاختراق حاجز المحضور، فالصراع بين دعاة تعليم المرأة وسفورها وبين المتزمتين كان جليا، هذا الزهاوي يقول : اسفري فالحجاب يا ابنت فهر داء في الاجتماع وخيم ـ شقيقته كانت تلاقي تشجيعا منه لتنظيم النشاط النسوي الخيري مع نسوة العائلات صاحبة الحضوة، وعمليا ارتبطت قضية توسع نطاق مشاركة المراة في العمل والحياة العامة بواقع نهوض المد الوطني التحرري الذي اجتاح العالم الثالث ومنه العراق بعد الحرب العالمية الثانية والانتصار على النازية.

اما بعد ثورة 14 تموز وقيام النظام الوطني فقد دخلت قضية المراة فضاءا واسعا فيه الكثير من الايجابيات المرتبطة مع النهضة العامة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وقانونيا، فالتنمية الاقتصادية ومحو الامية والتعليم المجاني وصدور قانون تقدمي للاحوال الشخصية وكذلك قانون للعمل، وتشجيع المرأة على تولي المناصب الكبيرة وغيرها من المنجزات التي تواصلت بين مد وجزر حتى حصار العراق وتجويعه وعزله عن العالم ولمدة 12 سنة ومن ثم غزوه واحتلاله حيث جرى تخريب كامل لاغلب تراكمات النمو والمكاسب المتحققة وعلى كل الصعد بحيث مست كل افراد المجتمع العراقي بشكل عام والمرأة العراقية بشكل خاص.

ويكفي ان نعيد ما تذكره المنظمات الدولية عن واقع الحال:

ـ حوالي 4 ملايين ارملة ونفس العدد من الايتام؛

ـ نسبة 32 بالمئة من السكان تحت خط الفقر البطالة تصل لحولي 30 بالمئة؛

ـ الامية رجعت وبقوة وهي بين الاناث اضعاف مضاعفة؛

ـ اكثر من مليون ونصف مهجرة في الداخل والخارج تعاني الامرين حتى تدبر شؤون حياتها؛

ـ التدهور الصحي والتشوهات الخلقية للمواليد الجدد.

العنف ضد المرأة ارتفع لمستويات مخيفة وفي اغلب مناطق العراق في الريف والمدينة على حد سواء في كردستان والبصرة وبغداد ووو ناهيك عن الاضرار الجانبية لتجاوزات قوات الاحتلال والميليشيات الطائفية واعمال الاعتقال والقتل العشوائي والاغتصاب والتعذيب التي لحقت بالاف النساء العراقيات، كما حصل في ابو غريب و جريمة اغتصاب وقتل عبير الجنابي وحرقها مع عائلتها وكما يحصل الان في سجن الكاظمية للنساء وكما حصل مع اطوار بهجت، وما خفي كان اعظم!

كما فشلت العملية السياسية في العراق في مكافحة ومعالجة فسادها واميتها وذلك باعتراف الاصدقاء قبل الاعداء فانها فشلت في معالجة اي من المشاكل الخطيرة التي تعاني منها المرأة العراقية، بل كما ان فسادها يتضخم يوما بعد اخر على الرغم من وجود مفوضية للنزاهة ولجان للرقابة المالية والادارية ووجود لجان متخصصة في البرلمان، فان اوضاع المرأة تزداد سوءا على الرغم من وجود وزارة للمرأة ووزارة لحقوق الانسان ووزارة للمهجرين وعلى الرغم من ان 25 بالمئة من اعضاء البرلمان هم من النساء!

من المعروف انه حتى في موضوعة الكوتا النسوية ووجود وزيرات في الحكومة كان هناك نوع من التماهي مع ما يريدة المحتل الامريكي للظهور بمظهر التمدن والاصلاح الاجتماعي الذي كثيرا ما يلاقي صدا عند الراي العام في الداخل الامريكي والاوروبي والذي يبيض ما امكن من سواد الوجه الذي سببه الاحتلال على سمعة امريكا وفقدان مصداقيتها، وهي على كل حال اكسسوارات لا تؤخر او تقدم في صلب ما يجري مثلها مثل غيرها من الاجراءات الشكلية!

رجالات العملية السياسية قوامون على النساء فيها، ان كن سافرات او محجبات، مثلما القائمين على الاحتلال في العراق هم قوامون على العملية السياسية برجالها ونسائها. المضحك المبكي انه ومع تكرار الدورات الانتخابية اخذ ديمقراطيو العراق الجديد يضيقون ذرعا بهذه النسب والقيود الشكلية على جنس المرشحين، فبعضهم يعتبر ظهور النساء المتواصل امام عدسات التلفزيون والاعلام هو نوع من التبرج غير الحميد، وراح يعمل خلف الكواليس لجعل الكوتا النسوية تجتمع لوحدها، اي تكوين برلمان بغرفتين واحدة للنساء واخرى للرجال وتتبادل الغرفتان النتائج من وراء الحجرات، بعضهم يتحرج من وضع صورة زوجته على البوستر الانتخابي الخاص بها فابتدع بدعة تثير السخرية حيث وضع صورته على البوستر وهو يقول : انتخبوا أم سجاد!!؟

هناك عضوات في البرلمان جادات في ان يفعلن شيء ما مقتنعات به وهن قادرات حتى افضل من بعض الاعضاء من الرجال للتصدي لما هن جادات به ولكنهن يكتشفن ان العملية برمتها مهندسة بحيث لا تستطيع اي واحدة منهن ان تقوم بشيء ذي قيمة في برلمان محصص ومفصص ومخصص بين ممثلي طوائف ومذاهب واعراق وطرق صوفية وعشائر. مثل هكذا برلمان لا يسمح بشيء خارج هذه اللعبة، وعليه فان من يحترم نفسه فيه عليه ان يستقيل اما اذا بقي صامتا كحشر مع الناس عيد فانه سيكون كالساكت عن الحق، وللاسف فان ثقافة الاستقالة وتفضيل المصلحة العامة على الانحيازات الطائفية والعرقية والمصالح الشخصية لا تليق بعد بهكذا عملية سياسية غير ديمقراطية لا بالمعنى البرجوازي ولا بالمعنى الوطني التحرري!

زهور للمرأة العراقية

7 مارس 2010

د. أحمد الخميسي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2185 )

“سقوط بغداد غير لهجتي في كتابة الشعر، فلم أعد أكتب سوى عن الوطن الذي سرق مني في وضح النهار”

الصحفية العراقية الشهيدة أطوار بهجت

يحل عيد المرأة 8 مارس، وما زالت المرأة العراقية تسعى لانتزاع حرية بلادها من الغزو والاحتلال، وتؤكد أنه لا كرامة ولا ديمقراطية ولا عدل ولا إنصاف في ظل الاحتلال الذي ينفي وجوده كل تلك المعاني.

وقد كان للمرأة العراقية دورها الواضح على امتداد تاريخ العراق في المجالين الثقافي والوطني، وبرزت مشاركتها خلال ثورة 1920 على الاستعمار والقتال ضد جيش الاحتلال الإنجليزي، وفي المظاهرات الشعبية 1941، ووقفت المرأة العراقية موقفا مشرفا على امتداد البلاد عام 1948 لإسقاط معاهدة بورتسموث المذلة التي أبرمها الإنجليز مع الحكومة العراقية، وفي انتفاضة نوفمبر 1952 التي تحرك فيها الشعب العراقي بتأثير نجاح ثورة يوليو المصرية، وأخيرا كان دورها البطولي في يوليو 1958 لإسقاط النظام الملكي العميل. وخلال تلك المسيرة الطويلة برزت أسماء لكاتبات وشاعرات تعتز بهن الثقافة العربية مثل أسماء الزهاوي ونازك الملائكة وعائكة الخزرجي وبلقيس حسن وغيرهن، بينما لمعت نساء أخريات في مجالات أخرى كالأستاذة صبيحة الشيخ داود التي كانت أول امرأة عراقية تدخل الجامعة ثم أصبحت بعد تخرجها من كلية الحقوق أول قاضية عربية في العالم العربي كله، ومريم نرمه أول صحفية عراقية تؤسس جريدة عام 1937 باسم فتاة العراق.

وتواصل المرأة العراقية دورها وتواجه بشجاعة القتل والسجن والتعذيب داخل زنزانات الاحتلال وحكومته المحتمية به، وقد أثيرت في مارس 2009 حقيقة وجود أربع آلاف سجينة عراقية شكت 93 % منهن من تعرضهن للإغتصاب في السجون الأمريكية العراقية. وقد أدى الاحتلال الأمريكي ومقابره الجماعية إلي ظهور ثمانية ملايين أرملة عراقية أي نحو 35% من سكان العراق.

وبالرغم من الظروف القاسية التي تعيشها المرأة العراقية فقد حفرت في الذاكرة أسماء نساء عراقيات عالمات، ومثقفات، ومناضلات، مثل عالمة الكيمياء الحيوية ابتسام كمال التي قصف الأمريكيون منزلها في اليوم الثالث للغزو، واخترقت إحدى عشرة شظية بدنها، وأزيلت كليتها اليمنى وثلث كبدها، وكان قصفا متعمدا بالقنابل العنقودية طال الحي السكني لجامعة البصرة بأكملها.

أما الدكتورة هدى عماش الاخصائية في مجال الميكروبيولوجي، وعميدة كلية العلوم بجامعة بغداد، فقد تم اعتقالها مع بداية الغزو الأمريكي دون اتهام محدد أو محاكمة، والسبب الحقيقي لاعتقالها أنها نشرت بحثا علميا عن آثار التلوث الميكروبي والكيميائي الناتجة عن حرب الخليج عام 1997، وبحثا آخر عن آثار التلوث الناجمة عن حرب الخليج في انتشار الأمراض السرطانية في العراق بمؤتمر روما عام 1999، وأكدت في البحثين أن الأسلحة المحرمة دوليا التي استخدمتها أمريكا في حرب الخليج مثل اليورانيوم المشع، كانت السبب في انتشار أمراض السرطان في العراق وحوله.

هناك أيضا وجه آخر لا ينسي للصحفية العراقية أطوار بهجت التي قتلت في 22 فبراير 2006 في مدينة السامراء وهي تقوم بتغطية تلفزيونية لتفجير قبة مرقد الإمام على الهادي، وكانت آخر كلمات حملها الأثير بصوتها هي : “يجب أن نبذل كل جهدنا لإخماد الفتنة الطائفية”. ولم تكن أطوار صحفية فحسب، بل وشاعرة، عملت في مجلات وصحف عراقية عديدة منها “ألف باء” و “الجمهورية”، ثم التحقت بالقناة الفضائية العراقية مقدمة لبرنامج ثقافي. وفي عام 1999 نشرت ديوانها الأول “غواية البنفسج”.وعندما التحقت بالعمل في قناة الجزيرة اعتقلتها القوات الأمريكية فترة، لأن رسائلها كانت تعكس واقع ما يدور في العراق. وفي حوار معها قالت أطوار إنها كانت تكتب من قبل عن الحب فقط لكن : “سقوط بغداد غير لهجتي في كتابة الشعر، فلم أعد أكتب سوى عن الوطن الذي سرق مني في وضح النهار”.. وقالت “إنني بحاجة للعراق لكي أبكي على صدره”! اختفت أطوار ولكن نساء أخريات يواصلن الكفاح من أجل تحرير العراق الذي طالما أحبته وافتدته المرأة العراقية على امتداد تاريخها، مثقفة، وصحفية، وعالمة، وأختا، ووالدة، وحبيبة.

لهذه المرأة المقاتلة المحبة باقة زهور.

:::::

أحمد الخميسي. كاتب مصري

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com

الهيئة الوطنية…حراك شعبي بامتياز

7 مارس 2010

محمد العبد الله

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2185 )

لم يكن يوم 24 شباط/فبراير عادياً كغيره من الأيام. فقد شهدت بيروت، وفي مؤتمر صحفي متميز، بحشده الإعلامي “عشرات المندوبين من الصحافة المقروءة، والفضائيات، ووكالات الأنباء”، بيان الإعلان عن ولادة “الهيئة الوطنية الفلسطينية للدفاع عن الحقوق الثابتة”. أهمية الحدث لم تكن نابعة فقط من رمزية الشخصيات المؤسسة للهيئة، التي اعتلا منصة المؤتمر عدد منهم، بل جاءت مدعومة ومؤيدة، من عشرات الأسماء التي وقعت على دعوة المشاركة في هذا الحراك “أكثر من سبعين شخصية”، وكذلك من خلال الوثائق المتعددة التي لم يكن بيان الافتتاح/الإعلان الذي أعلن الانطلاقة العلنية للتحرك، سوى إيجاز مكثف للرؤية النظرية، التحليلية، التي تعتمدها الهيئة في قراءتها النقدية للحالة السياسية الفلسطينية، ولاستشرافها للمهمات المستقبلية.

لقد تمخضت أكثر من ستة أشهر من الحوارات السياسية والنظرية، بين العشرات من الكفاءات الأكاديمية والإعلامية والمجتمعية عن ولادة الهيئة. إذ لم تكن المداولات والتباينات التي تضمنتها العديد من اللقاءات في أكثر من مكان، خاصة، في تجمعات الفلسطينيين في “فلسطين التاريخية والأردن وسوريا ولبنان و المغتربات”، سوى الحالة الطبيعية التي تدل على حيوية هذا الحراك المجتمعي وأهميته. وكتجسيد عن حالة الغليان الشعبي، المعبر عن الرغبة في الانتقال من حالة الغليان إلى حالة الفعل، في مواجهة اتفاق أوسلو الكارثي وتداعياته “التنسيق الأمني بما يعنيه من ملاحقة واعتقال القوى المناضلة، التخلي عن شعبنا في فلسطين المحتلة عام 1948، وعن عودة اللاجئين، المهجرين من بيوتهم وممتلكاتهم، و…”. ولهذا فإن ما تضمنته “الوثيقة الجامعة، ومشروع الوثيقة السياسية” التي تمحورت حولها المناقشات الواسعة، أنتج أخيراً، التعريف السياسي/التنظيمي للهيئة، والوثيقة التي حملت عنوان (بيان فلسطين). اللذان رسما الطريق، وحددا الأسس التي ستعمل بها لجان وأفراد الهيئة على مدى الثلاثة أشهر القادمة، وصولاً للمؤتمر الموسع الذي سينتخب القيادات المركزية والمحلية، ويصوغ برنامج العمل.

جاء الحراك الشعبي كتعبير عن رفض غالبية أبناء شعبنا وأمتنا لطريق الاستسلام، المسمى “نهج أوسلو”، الذي حوَّل قيادات وكوادر من حركة التحرر إلى عناصر سلطة بوليسية، قمعية، تنفذ مخططات سلطات الاحتلال، وتتماهى مع سياساته الإقتصادية، التي أدت لنشوء شرائح اجتماعية، طفيلية، تقوم بنهب للأموال التي تقدمها الدول المانحة، وتمارس دور الوسيط/الوكيل، عبر ربط الوضع الاقتصادي المهمش، والتابع، بمركزه الصهيوني/الامبريالي. ومن هنا جاء التركيز في وثائق الهيئة على أهمية إعادة انتاج ونشر لثقافة المقاومة، التي تتصدى ليس لقوى الاحتلال الصهيوني، بل ولكل أشكال التبعية والارتهان، التي تتبعها السلطة تحت دعاوي زائفة ومضللة، تحمل عناوين “التنمية والسلام الاقتصادي”. وتتصدى هذه الثقافة لمحاولات تطويع العقل والإرادة تحت مسميات “التطبيع”، التي تنشر سمومها العديد من منظمات “الأنجزة” المشبوهة.

لقد أكدت كل التصريحات والمواقف التي أدلى بها أبرز رموز الهيئة عبر وسائل الإعلام، على الرفض الكامل لسياسة “المفاوضات حياة”، لأن ما جرى طوال الأعوام السابقة، داخل الغرف المغلقة، وعلى طاولة الحوارات خلف جدران الذل والخنوع، بين سلطة الحكم الذاتي المحدود وحكومة العدو الصهيوني، يشير إلى بؤس هذا النهج وعبثيته. ومن هنا جاء التأكيد مراراً على أن هذا الحراك سيناضل من أجل أن ينقل حالة التململ والغليان التي تسود المجتمع الفلسطيني إلى خطة عمل من أجل انبعاث حالة نهوض شاملة. ولهذا أدركت الشخصيات المؤسسة للهيئة على ضرورة إحداث نقلة نوعية في العمل الجماهيري/المجتمعي، يحقق لأوسع كتلة شعبية فلسطينية، الفعل المباشر لكي تحافظ على حقوقها ومطالبها، ولتتصدى لكل محاولات التراجع والتفريط بتلك الحقوق والمطالب. ولتبني في مواجهة ذلك سياسة ثقافية جديدة، تتمسك بالثوابت: ثوابت الأرض، والوطن، وبأن الشعب العربي الفلسطيني، شعب واحد، موحد في تصديه لقضية واحدة ومحددة، هي الاستعمار الإستيطاني، الإحلالي، الذي تجلى في احتلال أرضه عام 1948، وطرد أهلها، ليتوسع عدوانه واحتلاله، ليطال باقي الأرض الفلسطينية عام 1967. وفي تأكيد على صوابية التوجه، أعاد المؤسسون، تمسكهم بمنظمة التحرير الفلسطينية، الإطار الجبهوي والتمثيلي الكفاحي لشعبنا، المستند على مرجعيته، التي تحددت بالميثاق الوطني بمواده الـ33. ولذلك تميز الخطاب السياسي والإعلامي لرموز الهيئة بالوضوح البارز، حينما أعلن تمسكه بالمقاومة، ودعمه وتأييده لكل أشكالها في مواجهة الاحتلال والغزو، لأن المقاومة بالنسبة للشعب الواقع تحت الاحتلال هي واجب، وليست حقاً فقط. ومن هنا أجاب التحرك بشكل واضح على أية تساؤلات ستطرحها قوى “التشكيك والعداء” له، سواء بعبارات التضليل والتنكيل، أو بالإشارة إلى خلفية بعض الرموز السياسية والتنظيمية. لأن قوى وشرائح “الردة والخراب” في مجتمعنا، أدركت منذ اللحظة الأولى معنى هذا الحراك ومضمونه، من حيث عمله على حشد أوسع قاعدة شعبية حول نُخَبه المُبادِرة، لأنها تعكس كل أطياف وألوان العمل السياسي المقاوم، التي جمعتها، ووحدت رؤيتها، الكتلة الواسعة مما يسمى بالمستقلين _ أي غير المنضوين بالفصائل والحركات_ والتي شكلت رموزها البارزة، المادة الصمغية التي جمعت هذا الحراك المتنوع والمشتت.

إن أهمية هذا التحرك الجديد، أنه يعمل على إعادة قضية فلسطين إلى الأمة العربية، ولفضاء الأمة الإسلامية، ولكل قوى التحرر العالمية. لأن قضية فلسطين هي قضية العرب، وليست قضية الفلسطينيين وحدهم. فإقامة الكيان الصهيوني على الأرض العربية في فلسطين، استهدف العرب : أمةً، ثروات، تنمية، ونهضة. ولهذا فإن النضال من أجل حرية فلسطين وعودة شعبها، هو نضال من أجل حرية العرب وكرامتهم.

لقد استقبل المفكرون العرب إعلان الهيئة الوطنية، بكتابات مؤيدة وداعمة، فالدكتور “عبد الستار قاسم” المحاضر في جامعة النجاح بمدينة نابلس المحتلة، يختتم مقاله المنشور حول الهيئة، قائلاً (لا نتوقع المعجزات من المبادرين، لكن الزخم الشعبي وراءهم، وتأييد قطاعات واسعة من الأمة العربية والإسلامية لهم سيصنع بالتأكيد ما نتطلع إليه). وكذلك فعل الكاتب والمفكر “فهمي هويدي” في مقاله المنشور مؤخراً وهو يتحدث عن رسالة الحراك في مصر، وفلسطين “ولادة الهيئة” (الحراك يعد بمنزلة شعاع يلوح من بعيد، يتطلب جهدا لكي يتحول إلى ضوء حقيقي قد يلبي بعض اشواقنا. وكونه كذلك لا ينبغي أن يكون مثبطا للهمم، لأن مجرد إطلاق الشعاع يعني أن جهود التيئيس فشلت في تحقيق مرادها، وأن ثمة نبضا حيا في الأمة يستحق أن نرصده. واذا لم يمثل ذلك الشعاع دعوة لما هو افضل، فانه على الاقل قد يجنبنا ما هو أسوأ وأتعس).