يسار شيوعي أم يسار وطني

12 مارس 2010

كاظم محمد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2190 )

الماضي البعيد والقريب، يؤكد وبكل حراكه السياسي والاجتماعي على وجود حركة شيوعية عراقية عريقة بتأريخها النضالي وبحضورها الوطني، وبتميزها في خلق وترسيخ تقاليد كفاحية تربت عليها فئات شعبية واسعة، لا زالت اجيال منها تحتضن في ذاكرتها وفي حسها هذه التقاليد، وتتمثل في سلوكها القيم الفكرية والاجتماعية التي تدفعها بأستمرار لملامسة قضايا الوطن ومحنته، وتجعلها منحازة وبكل وضوح لهموم المواطن وتطلعاته، وخاصة في هذا الظرف التاريخي الذي لم يشهده الوطن العراقي في تاريخه القديم والحديث.

هذه الاجيال نفسها تشهد اليوم حالة حركتها الشيوعية في الانحسار والتشتت، وقسم كبير منها يقف حائرآ عاطفيا وفكريا وسياسيا بين خطابين، خطاب قيادة الحزب الشيوعي العراقي الحالية، وخطاب واقع الحالة الوطنية والاجتماعية والسياسية التي يشهدها العراق بعد الغزو والاحتلال، والذي ينقض التوجهات الفكرية واالسياسية لدعاة االشيوعية وحاملي رايات حزبها والمتاجرين بتأريخها وبدماء شهدائها.

ومما كرس ويكرس هذه الحيرة والحيادية عند البعض، واليأس والتشاؤم والانسحاب عند البعض الاخر، هو حجم التعقيد الهائل الذي شهده ويشهده الوضع الميداني والسياسي في العراق، خاصة خلال الحصار وعملية التحضيرلغزو العراق وما تلاها من احداث معروفة، حيث وقف الكثير من الشيوعيين العراقيين عاجزين امام امتحان فكري وسياسي يتعلق باساسيات المنهج الماركسي في مسألة الموقف الوطني من الغزو والاحتلال.

الحالة الوطنية

فمنذ احتلال العراق عام 2003، دخلت البلاد في حالة شديدة القسوة، توجت اكثر من ثلاثة عشر عاما من الحصار والحرب المتواصلة، التي اثرت تاثيرا عميقا في المجتمع العراقي، وغيبته عن الحياة الطبيعية باتجاهاتها الثقافية والمعيشية، وجعلت المواطن يلهث وراء تأمين لقمة عيشه ومتطلبات الحياة اليومية، ودفع الشعب العراقي ضريبة الدم بمئات الالاف من اطفاله ورجاله ونسائه، واصبحت قصص الماسي الاجتماعية هي السائدة، وحكايات القتل اليومي والتهجير وافراغ مؤسسات الدولة المهشمة من خبراتها وكوادرها، هي الفعل السائد مع محاصرة الوطنيين وارهابهم واغتيالهم، لتكريس السياسات الجديدة (لمحرري) العراق اجتماعيا وثقافيا، وضرب أية امكانية نهوض وطني حقيقي يتجاوز احزاب الاحتلال واجندتها.

حيث كان الاحتلال واحزابه من العراقيين وما زالوا، يريدون انتاج وصياغة حالة (دولة) منبثقة من تطبيقهم النموذج الامثل لفوضتهم الخلاقة عند غزوهم للعراق، في تحطيم الدولة العراقية وتفكيك جغرافية ارضه، وتصديع مجتمعه وكسر اواصر وحدته الوطنية، وتعريض كل التراث الانساني والثقافي وذاكرة تاريخه التي تمتد لألاف السنين الى النهب والسرقة الرخيصة، وبنفس الوقت تطبيق مخطط ذي اهداف محددة، باطلاق ايادي ميليشات احزابهم ودوائر مخابراتهم وشركاتهم الامنية في اشاعة ثقافة القتل والاجرام والفساد، وتشريد الملايين الى الخارج واجبار ملايين اخرى على تموضع مناطقي جديد، مع هندسة مخابراتية لإرهاب منظم يطالُ ارواح المواطنين وعقولهم ويخلط الحابل بالنابل عبر شيطنة المقاومة الوطنية العراقية والقوى المناهضة للاحتلال والرافضة لنتائجه وافرازاته، إذ سُخرت لهذا الغرض إمكانيات هائلة وماكينة اعلامية ضخمة، عراقية وعربية وعالمية، واستخدمت فيها الاماكن الدينية لتكريس خطاب سياسي استعار من قاموس المذهبية والطائفية اسوأ عبارات الكراهية والاستعداء ومن قاموس السياسة أتعس مصطلحات التضليل والاستغباء، مترافقآ بحملة دعائيةواقلام صفراء واصوات نابحة، مهمتها التضليل والتأليب وشحن النفوس، ومقرونة بسياساتٍ يومية لحكومة الاحتلال في ايصال عقل المواطن الى حالة من الاستلاب والشللوالتسليم بما هو قادم.

أن الأفخاخ التي نصبت لشعبنا ووطننا، قد اوقعت الكثيرين في مصائدها وشباكها، والتي كان هدفها ولا زال ترويض الناس وتهيئتهم لهذا القادم من المخططات التي تبغي تكريس التحاصص وصولاً الى التقسيم والقضاء على أي من مقومات التنظيم الشعبي الوطني المناهض للأحتلال وحكومته وعمليته السياسية، خاصة بعد ان انقشع الضباب عن ديمقراطية الغزو والاحتلال، وانكشف زيف هامش الحرية بتدجين الحياة السياسية ومسخها، لتتحول الكثير من الدكاكين الحزبية التي فتحت والصحف التي اصدرت إلى أُطر تزويقية تعتاش على ما تمنحه لها ادارة الاحتلال واحزابه الطائفية والانفصالية من الاموال المسروقة من شعبنا، خدمةً لأهداف الاحتلال ومتطلبات مشروعه، ولأضعاف قدرة شعبنا بطبقاته وفئاته المختلفة، لسلاحهافي التنظيم والمواجهة.

ان ولادة حركة وطنية جديدة كان ضرورة حتمية لمخاض طبيعة الظرف التاريخي وتعقيداته، وان نضوجها وتبلورها مرتبط بنضوج عناصر هذه الحركة من التيارات الاجتماعية والوطنية، وما اليسار الجديد إلا احد اشكالها، رغم ان ولادته بأطر وبحركة سياسية ليس بديهيا، ومن الصعوبة ان يتخذ شكلا او اطارا إلا من خلال تكامل بعض العوامل ومؤثراتها في ولادة هذه الحركة اليسارية او تلك، فالمحرك الاساسي لهذه الولادة بأشكالها المتعددة سياسياً وبعفويتها احيانا، هي المتغيرات وطبيعتها ودرجة مساسها لحياة الناس، درجة مساسها للاكثرية الشعبية ونوعية المخاطر التي تستشعرها في تهديد وتقويض طموحاتها ورغبتها في الحياة الامنة الكريمة، وفي تهديد وجودها الوطني وانتزاع عناصر استمرارية هذا الوجود، في ظل اشكال جديدة من الصراع بين الوطني بحدوده الجغرافية وبين الوحش الامبريالي القادم بعسكره وقيمه وثقافته وشركاته العملاقة، بين الوطني الذي يرفض التدخل والوصاية بإشاعة ( الديمقراطية) وتعليم الشعوب الف باء الحياة السياسية، ووقف ضد استبدال الاستبداد الداخلي بالغزو والاحتلال، وبين اليمين العولمي المحافظ واتباعه من الطائفيين والعنصريين والعشائريين ومن اصطف معهم من دعاة الشيوعية والليبراليين الجدد، في تحالف استهدف تكبيل الحركة الاجتماعية وضرب الخيار الشعبي قبل نضوجه، لصياغة حالة تلبي المصالح الامبريالية الانانية والرجعية للمحتل والتابعين له.

ان الوضع الوطني، وطبيعة المتغيرات في الساحة الاجتماعية والسياسية، والخيبة واليأس الذي اصاب شرائح وفئات شعبية واسعة مما كان يسمى بالمعارضة العراقية، فرضت وتفرض على الوطنيين العراقيين وخاصة الشيوعيين منهم، الذين نأوا بنفسهم عن نهج القيادة (الشيوعية) الخادم لأجندة الاحتلال والاحزاب الطائفية والعشائرية، النظر برؤية جديدة ومختلفة عن ما ساد الساحة السياسية وعناصرها في العقود الاخيرة، وتشذيب هذه الرؤية من تأثيرات المراكز الاممية وترسباتها، ومن تعقيدات حالة الاحتراب السياسي الوطني وافرازاتها، وما تركته في العقول والنفوس، مما يعيق الحاجة الفكرية والسياسية للرؤية الجديدة والمختلفة في تناول الوضع الوطني وتأثير المتغيرات على آليات حراكه الاجتماعي والسياسي.

ان التخلي عن التصنيفات الموروثة لعقليات قيادية تمت ادانة سلوكها ونهجها، اصبح مهمة اساسية لأستيعاب نوعية المتغيرات الحاصلة، وتأثيرها على مزاج ونفسية الشرائح الاجتماعية، التي ليست لم تُعد تميل الى الخطاب السياسي الحزبي التقليدي فحسب، بل فقدت جمهرة واسعة منها ثقتها بجدوى العمل المنظم، واهتزت عندها القيم الوطنية والاجتماعية، وطغت عليها ثقافة الأفساد المتعمد من الاحتلال واحزابه، وتنتشر بين اوساط شعبية منها روح النفعية والانانية، أضافة إلى اشاعة جو التدين المزيف من خلال شعائر ومناسبات يتم تسخيرها لصالح اجندة الطائفيين ومراميهم السياسية.

نحن امام متغير عراقي مرتبط اشد الارتباط بالمتغير الدولي والاقليمي الذي فرضته رأسمالية الغرب المتصهين، وخاصة الولايات المتحدة الامريكية، رغم فشلها في مفاصل حيوية منه، إلا انها حققت نجاحا نسبياً في العراق، أعتمد ولا يزال على ضعف التنظيم الشعبي الوطني المقاوم والمناهض والعابر لخطوط الوهم الطائفية والعرقية التي خلقها الاحتلال واحزابه. وإذ يرتبط هذا الضعف بحجم التدمير وقساوة الضربات العسكرية التي تتعرض لها الحواضن الشعبية، وعمليات القتل والارهاب والاعتقال ضد الوطنيين من ابناء شعبنا، فأنه من الجهة الاخرى يرتبط بطبيعة القيادات والمجاميع والفصائل والشخصيات الوطنية المناهضة للاحتلال وحكوماته، وبمختلف توجهاتها، والتي لا زال بعضها قاصرآ عن إدراك الاهمية الحاسمة لقيام جبهة الشعب الوطنية في قيادة الكفاح التحرري لشعبنا، ويساهم عبر سياسات ومواقف انانية في عرقلة وتأخيرقيام التحالف الوطني الواسع.

وهنا إذ يتحمل اليسار الشيوعي الوطني قسطه في هذا القصور، فأن عددآ ليس بالقليل من مجاميعه وعناصره، لا زالت في حالة من التمترس الفكري والسياسي الممزوج بعنعات وبصمات شخصية، لا تخرج عن دائرة ترسبات النمطية المدرسية للاطر الحزبية المريضة، والتي أضعفت البصيرة الفكرية في النقد والتحليل والتقييم، وبالتالي محاولة الاجابة على السؤال التقليدي، ما العمل؟، ازاء الظرف التاريخي المحرج الذي يمر به الشعب العراقي.

إن حاجات شعبنا وقضيته الوطنية، تستدعي وبقوة من الشيوعيين الوطنيين تجاوز الامتحان الفكري والسياسي لمتغيرات حادة، فرضت وقائع واصطفافات، لا يمكن إلا أخذها بنظر الاعتبار، وفق قراءة جديدة تستند إلى بصيرة نقدية وتقييمية، تستهدف متغيرات الواقع السياسي المفروض ما بعد الاحتلال، وتأثيراته العميقة والخطرة على الحالة الاقتصادية للفئات الشعبية الواسعة وطبيعة مواقعها ومواقفها الاجتماعية ودورها في الاصطفافات الجارية، خاصة بعد ان فقدت ومنذ سنين طويلة ادواتها السياسية المنظمة بانتقال قيادة (الحزب الشيوعي العراقي) الى الضفة الاخرى بتحالفها مع النقيض الطبقي والوطني، وفقدانها لصفة اليسار، لتصطف إلى جانب اليمين الرجعي الاجتماعي بسياساتها المتخادمة مع الاحتلال.

أن واقع المجاميع الشيوعية العراقية الحالي، وارتباطآ بنوعية الظرف التاريخي ومتغيراته، وطبيعة التعقيد الذي رافق بروزها، هي غير مهيئة لبناء يسار شيوعي، على اساس وحدة العمل والتنظيم، رغم إدعاء بعضها ذلك، مع عدم قدرة البعض الاخر على هضم متغيرات الواقع الاجتماعي وتعقيداته في الأصرار على خطاب سياسي وفكري ونظري لا يلامس أرض هذا الواقع، ويضع نفسه في موضع التميز الأرادوي، الذي يٌرضي نفوس اصحابه.

الحاجة الوطنية وارتباطاً بظرفها التاريخي، تتطلب من الشيوعيين الوطنيين الاقتراب أكثر من عناصراليسارالاجتماعي الرافض للاحتلال وافرازاته، والأنخراط الجدي في السعي لقيام أطار يساري وطني يضم عناصر اليسار الاجتماعي بمختلف مشاربه. فليس ان الفكر الثوري لا يمكن أعتباره حكراً على الفكر الشيوعي فحسب، وإنما ليس من الصحيح أيضآ وصف اليسار بمدى التصاقه واعلانه التمسك بالمنهج الفلسفي والاقتصادي للماركسية، والامثلة التاريخية كثيرة لطلائع اليسار الاجتماعي الذين قادوا كفاح مجتمعاتهم الوطنية في التحرر والبناء، وفي صياغة التحول المتجذر لصالح الطبقات الشعبية ومستقبلها.

أن إنعاش اليسار الشيوعي الوطني وتشذيب خصائله، وتجاوزه لحالة الجزر، وخلق الظروف المؤاتية لحالة التحول المتجذر في أعادة بناء الاداة الطبفية، يرتبط بقدرة شخوصه ومجاميعه، الفكرية والعملية على المساهمة المؤثرة في إصطفاف اليسار الوطني المنظم والمؤطر، كقوة وطنية واسعة، ومن مختلف التيارات الاجتماعية، والذي سيدفع بأتجاه إنضاج وبروز حركة وطنية واضحة المعالم، تبني في سياق كفاحها اليومي جبهة الشعب المتحدة من أجل التحرير والبناء.

لذلك فأن دعوات بناء يسار شيوعي، لا تجد صداها السياسي الضروري، وتظلُ مبتسرة في سياق المتغيرات والأصطفافات الاجتماعية الوطنية، وفي ظل تبعات انهيار حصون الشيوعية، والردة التي اصابت قيادات واحزاب شيوعية عريقة، في الفكر والممارسة، وتحولها الى جانب اليمين العولمي، وفي ظل امبريالية راس المال الفاشي، الذي كرس بنهجه المعروف في الهيمنة والاحتلال استقطابات واضحة، لا تدع إلا خيار بناء اليسارالاجتماعي والسياسي الواسع لمواجهته.

لقد لفظت فئات شعبية وقطاعات عريضة من النخب المثقفة (يسارها) السابق، بقيادته ونهجه، لكنها لم تلفظ وطنيتها وقيمها الفكرية، ولا زال العديد من طلائعها يسعون في داخل العراق وخارجه للملمة وبناء حركة يسار وطني تستند إلى أوسع تمثيل اجتماعي، له المصلحة الحقيقية في هذا المنعطف التاريخي من الكفاح الوطني والطبقي. والذي من خلاله تُمتحن حنكة الطلائع السياسية، اشخاصا وجماعات في ترشيد الكفاح اليومي والتحرك المتواضع في صياغة الشعارات والبرامج التي تكتل حولها حاملي رايات النضال الوطني والمطلبي.

من الطبيعي ان تجد بعض فصائل (اليسارالشيوعي العربي) نفسها في حالة من ضعف التأثير والجزر الجماهيري، خاصة بعد ان تلبرنت، وتبنت قياداتها فكر ونهج المحافظين الجدد، راس حربة الامبريالية العالمية، وانسلخت عن منبعها الوطني واصطفت الى جانب مافيات السياسة والطفيليين وخدم الشركات الراسمالية العملاقة، وتنكرت لمبادئها وارتدت عن اهدافها، لتجد نفسها اليوم تابعاً ذليلاً او متخادماً رخيصاً، تقف الى يمين الحركة الاجتماعية، يصعب عليها التخلي عن الامتيازات الوظيفية والرواتب الضخمة والمقاولات الثقافية والمالية.

ان واقع اليسارالعربي لا ينفصل عن قراءة واقع الحركات الوطنية ومكوناتها، التي تعرضت لتخريب مقصود والى ارهاب وقمع، استهدف استبدال هوياتها الوطنية بهويات طائفية ومناطقية وعرقية، والذي إرتبط بأجندة المشروع الاستعماري الجديد بتغيير عناوين الصراع في منطقتنا خدمة لأهدافه في بناء نظام أقليمي خاضع وتابع للمصالح الاستراتيجية لراس المال الغربي وممهدا الطريق لتأمين الحزام الامني، الذي لا تعرف حدوده لدولة الكيان الصهيوني وطموحاتها التوسعية.

ان إنعاش اليسارالعربي، يستدعي قوى فكرية وسياسية جديدة قادرة على استيعاب طبيعة جدل العلاقة التصادمي بين مجتمعاتها الوطنية ونظام الإعاقة الخارجي، بين تداعيات العولمة الامبريالية والمتغيرات الاجتماعية، بين نظام الاستبداد الداخلي وموضوعية علاقته بنهج وتوجهات اقطاب العالم الراسمالي. ان هذه القوى مدعوة لتوسيع افق نظرتها الاجتماعية وتعميقها سياسيا، عبر رعاية نهج فكري وعملي، يتخلى عن الحساسية المفرطة تجاه الخطاب القومي والديني، وقادر على التعامل مع اليسار القومي والليبرالي الوطني واليسار الاسلامي الديمقراطي المتجذر ومع اليساريين المستقلين، لبناء يسار وطني، فعال في مشاركته الوطنية والطبقية، يشتق برنامجه من اصول تعقيدات وضعه الوطني ومتطلباته الاجتماعية والسياسية.

لمن صوت الامريكان في الانتخابات العراقية؟

12 مارس 2010

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2190 )

ليس من السهل الاجابة على السؤال خاصة اذا عرفنا ان التصويت الامريكي لن يكون خاضعا للعبة صناديق مفوضية الانتخابات ولا للاجراءات التي قامت بها هيئة المساءلة والعدالة ولا لتعقيدات العد والفرز المملة ولا للتجاذبات المارثونية والتي قد تستغرق اشهرا طويلة حتى يتم التوافق فيها على شكل الحكومة القادمة. يمكننا الاستعانة بمثال التصويت الامريكي في الانتخابات الافغانية كدليل وقرين لما يجري في العراق اخذين بنظر الاعتبار الفوارق بين الحالتين، لقد اجلوا انتخابات البرلمان الافغاني انتظارا لتسويات قادمة مع اطراف مهمة بدون توافقها لا يكون الانسحاب الامريكي من افغانستان موفقا وتم تبرير ذاك التأجيل بعدم توفر الاموال الازمة لتمويل العملية الانتخابية، اما الانتخابات الرئاسية فارادوها أن بطريقة التنافس على تنفيذ الاجندة الاصلاحية التي بدونها لا يمكن تخفيض سقف الخسائر المادية والبشرية للقوات المشاركة في حرب افغانستان. وفعلا كان التنافس شديدا بين عبدالله عبد الله وحامد قرضاي وكل منهم قدم ما عنده وحاول ان يقنع الجميع بصلاحيته لاصلاح ما يمكن اصلاحه، اضافة الى اظهار جديته على تنفيذ الاستراتيجية الجديدة الداعية للمصالحة الوطنية وتحديدا مع طالبان والحزب الاسلامي والعمل على اشراكهم بالحكم وتصفية القضايا العالقة بما فيها مسألة العلاقة بالقاعدة، وكان الامريكان غير متشائمين من التجاذبات التي وصلت حد المقاطعة بين طرفي المنافسة الانتخابية على منصب الرئاسة في افغانستان، بل اعتبروها تجليا من تجليات التحول الديمقراطي الذي يسلط الاضواء على الصورة الجديدة لافغانستان المتحولة للديمقراطية بفضل الحرب الامريكية، التصويت الامريكي يتسع ليشمل الحالة كلها باتجاه ينسجم مع الهدف الاشمل، فالعملية السياسية افغانية كانت ام عراقية هي بيت للطاعة من خلاله فقط يمكن التأهل للعب الادوار اما خارجه فلن يكون هناك غير المتمردين، وهؤلاء خارج نطاق التغطية الامريكية التي لن تنجز مهمتها الا بانجاز صيغة ما لحسم موقفهم، اما مع او ضد، وللحالتين هناك توجه وسياسة وعمليات!

المقاومة الافغانية ـ طالبان والحزب الاسلامي بقيادة حكمتيار ـ يرفضون الاعتراف بقرضاي ويرفضون بيت الطاعة الامريكي ويقاتلون من اجل فرض عملية سياسية معاكسة عنوانها الاساس هو طرد الوجود الاجنبي من البلاد، وما زال الصراع سجالا بين الطرفين. في العراق ايضا كل الائتلافات والكيانات الداخلة في بيت الطاعة الامريكي ـ العملية السياسية ـ كلها من طينة قرضاي وبرلمانه مضافا لها حالة مميزة هي الصحوات ـ السنية وربما الشيعية لاحقا ـ وهنا تجري محاولة لتعميم تجربة الصحوات على افغانستان لاضعاف حواضن المقاومة فيها كما الحال في العراق والذي نجحوا فيه وبحدود ساهمت بمنحهم فرص اكبر للمناورة ومنها الانسحاب الثقيل والظاهر مع الابقاء على النفوذ والوصاية غير الظاهرة، المقاومة العراقية كيفت نفسها بسياسة معاكسة تستثمر بها الغياب المتدرج للتواجد الثقيل لجحافل المحتلين وسيرها باتجاه خلق صحوات معاكسة حتى في بيت الطاعة نفسه وهذا ما سنلحظ تداعياته الملموسة بعد الانسحاب الامريكي المعلن في ايلول القادم!

ذات القوى والائتلافات وما فرخته من كتل جديدة ـ الائتلاف الشيعي والسني والكردي والليبرالي التابع واليساري الانتهازي + الصحوات ـ هي ذاتها بلحمها وشحمها من تتنافس على حصة الاسد في العملية برمتها اليوم، انهم انفسهم من جاء مع المحتل ومن اشترك بالانتخابات الاولى ومن كان واجهة للحكم منذ مجلسه الاول وحتى حكومة المالكي. فالائتلاف الوطني مكون من جماعة الحكيم والجلبي والفضيلة وبقايا التيار الصدري مع تطعيم باجنحة من الصحوات، وتحالف دولة القانون مكون من حزب الدعوة والمستقلين المطعمين بالصحوات. اما تحالف العراقية ـ علاوي والهاشمي والمطلك فهوخليط عابر للطائفية والقومية وفيه مسامات قابلة للتحول ولكنها اسيرة لذات التوجهات التي يفرضها بيت الطاعة الامريكي، والتحالف الكردي ـ البارزاني والطالباني والشيوعيين الاكراد ـ هو ذاته لكنه هذه المرة يدخل بعد ان فرخ تيارا منافسا له ـ قائمة التغيير ـ وهو ومع ايجابية كسر القاعدة لكنه ايضا ابن بار لبيت الطاعة الامريكي، الحزب الاسلامي العربي والاسلاميين الاكراد جميعا يتنافسون على توزيع الوظائف في البيت الكبير. وهنا لا غرابة بان يصوت الامريكان للجميع وكل بحسب دوره وثقله، حتى التنافس الايراني والارتباطات المباشرة لبعضهم باجندتها فان الامريكان لا يعتبرونها خطا احمرا ما دامت لا تهيض هذه الاطراف للخروج على بيت الطاعة. وهنا قد يقول قائل ان الانسحاب الامريكي وما سيرافقه من تغول ايراني داخل العراق قد يؤدي لخروج قوي على بيت الطاعة الامريكي فكيف يستقيم الامر؟

نقول ان الامريكان قد اسسوا لبيت طاعة في العراق الخروج عليه سيؤدي حتما لتقسيمه وان حصل فانه يقرب هدفا امريكيا كان بعيدا وان لم يحصل فسيبقى وضع العراق بحاجة دائمة لضمانات امريكية تكفل استمراره على ما هو عليه، وبالتزامن مع النهج الامريكي لاحتواء ايران فان التمدد الايراني جنوب العراق في حالة انشطاره العملي الى ثلاثة كيانات سيكون وبالا على ايران ذاتها اي سيجعلها بتصادم مباشر مع العراقيين، وهذا ما لا يضر بالامريكان خاصة وانهم يكونوا قد سحبوا قطعاتهم الثقيلة التي تهدد ايران بالنيل منها في اي مواجهة محتملة، هذا الوضع سيوفر للامريكان قدرة اكبر على التحرك من بعيد وهي الحاضرة حتى لو ابتعدت باتجاه العراق وايران معا!

الانتخابات العراقية مثل نظيرتها الافغانية تتميز بفقدان تأثيرها الفعلي على المواطن المصوت فيها. فحدود الانتخاب محصورة بطاعتها، وليس مهما لدى القائمين عليها ان تكون نسب المشاركة 20 بالمئة او 40 بالمئة، المهم ان تجري العملية وتحسب الاوراق بمعزل عن النسبة والتناسب ويمكن تعديل النسب امام الاعلام بعد الرجوع الى توافقات ذات القوى المتنافسة. ليس مهما فيها وجود احصاء سكاني يقدم البيانات الضرورية والمعتمدة والتي على اساسها تحسب اعداد الذين يحق لهم التصويت ومن ثم نسب الاصوات الازمة للمقعد الواحد وتحديد اعداد المقاعد وتوزع الميزانيات الانمائية وايضا الاحاطة بحركة التغير الديموغرافي واتجاهاته ـ النمو، الهجرة، الكثافة، الاحتياجات،الكفاءات النوعية في الداخل والخارج. ليس مهما لاصحاب الشأن في العملية السياسية الدائرة حول نفسها في العراق ان ينظم عمل الاحزاب والتي تعتبر مصانع لانتاج المرشحين قانونا على اساسه يمكن التفريق بين الاحزاب والمافيات ـ لا يرخص لحزب ما الا اذا استوفى الشروط التنظيمية والبرنامجية والمالية المتوافقة مع دستور البلاد ـ ليس مهما لديهم ان يغيب عن تشكيل مفوضية الانتخابات الاسس المهنية والمستقلة فعلا وتحت اشراف وطني ودولي حقيقي، غياب كل هذه المفقودات النوعية سيعطينا بالنتيجة حالة فوضوية فيها تجاوزات على ابسط المباديء الاولية في اي نظام يدعي الدستورية والبرلمانية ناهيك عن نظام يدعي الديمقراطية، ومن الطبيعي والمنطقي ان لا يتوفر قانون انتخابي نزيه حتى لو جرى تبنيه بالتوافق السياسي والبرلماني لان فاقد الشيء لا يعطيه، فالقوى المتوافقة طائفيا وعرقيا ومناطقيا تنسف باحقية تمثيلها للمكونات جوهر فكرة المواطنة التي يقوم عليها اي نظام ديمقراطي حقيقي، اي ان قانون الانتخابات هو تحصيل حاصل لكل المواد الاولية اعلاه ودونها لا يمكن ان يكون نزيها مهما كان محاطا بتوافقات الفرقاء، انه مجرد منظم توافقي لعملية مشبعة بالفساد والتزوير والحصص والغنائم!

الامريكان ومنذ البداية كان لهم القول الفصل وهم من وضع اسس الحالة التي تمر بها البلاد، كان تدخلهم وما يزال حاسما وحتى النخاع في تواصل البناء على ما اقاموه وفي حالات التعطل والتنافر فانهم يجهدون للتسكينات والضغط باتجاه الهروب الى الامام، قانون ادارة الدولة المعد سلفا في واشنطن كان الاب الروحي للدستور الذي جرى فبركة الاستفتاء عليه وفي ظروف شاذة اراد الامريكان ان تكون دافعا لتمريره السريع، ومنذ ايام مجلس الحكم وهكذا دواليك حتى الان!

لا مفاجئات دراماتيكية ستنتجها الانتخابات البرلمانية في العراق والتي ينتظر الاعلان النهائي عن نتائجها التي ستعزز ما هو سائد ومن دون الخروج على اصول اللعبة ذاتها فالتوقعات الفعلية لطبيعة التشكيل البرلماني والحكومي القادمين تشير الى تقدم المالكي وعلاوي وانحسار تحالف الحكيم وجبهة الوفاق وحصول قائمة التغيير الكردية على حصة من نصيب التحالف الكردستاني. وهذا يعني ايضا عدم قدرة اي طرف لوحده من تشكيل حكومة لوحده اي ستتكرر دورة التوافق السابقة ضمن سلسلة متوالية تفرضها الاسس التي قامت عليها العملية السياسية ذاتها، التغييرات استبدالية لذات الوجوه او ظلها، ويشاع بان المالكي يستعد لتقديم مرشح بديل عنه ويمثله في ان واحد هذا اذا تعسر ترشيح نفسه لرئاسة الوزارة ثانية، السيد جعفر محمد باقر الصدر، نجل باقر الصدر مؤسس حزب الدعوة ليستطيع من خلاله ابتزاز الائتلاف الوطني الذي يقوده الحكيم وكذلك التيار الصدري، وبذلك سيكون بمقدور قائمة دولة القانون تشكيل حكومة بدعم من الائتلاف الوطني وبعض الكتل الصغيرة ومن دون الحاجة الى مشاركة الاكراد او علاوي، هذا على الرغم من امكانيات التوافق مع الاكراد ومن دون حتمية اشراكهم في المناصب الحكومية!

من كل الذي تقدم نستطيع القول بان الامريكان قد صوتوا فعلا لصالح استمرار ما صنعوه ويصنعوه للعراق ومستقبله!

لماذا يعشق المثقفون هذه “الديمقراطية “؟

12 مارس 2010

د. أحمد الخميسي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2190 )

ترددت كثيرا في أن أكتب في موضوع د. البرادعي وترشيح البعض له رئيسا، بل إني تجنبت هذه الكتابة عن عمد منذ أن طرحت القضية التي ما زالت على رأس أولويات حركة النخبة السياسية لأتفادي المنطق السخيف الذي يقول بأنك إن لم تكن مع البرادعي فأنت مع الحكومة.

من حق البرادعي بالطبع مثل أي مواطن مصري أن يرشح نفسه لأي منصب، لكن السؤال يتعلق بمدى صلاحيته وبوجود برنامج محدد سياسي واقتصادي لديه خارج إطار العبارات العامة التي أطلقها البرادعي عن نزاهة الانتخابات وتعديل الدستور والحكم الرشيد.

تاريخ البرادعي هو تاريخ شخصية دبلوماسية شغلت منصبا رفيعا، وخلال ذلك صرح مرة واحدة بأنه ليس في برنامج إيران النووي ما يستحق التدخل، وردت كونداليزا رايس في حينه بأن البرادعي مجرد موظف في هيئة عامة وليس له أن يتدخل في السياسة وأن عليه أن يعرف حدوده. وأدهش البرادعي الجميع حين لم يعقب ولم يقدم استقالته، وهو موقفه ذاته عند غزو العراق بينما توفرت لديه معلومات بحكم منصبه بأن العراق لا يمتلك أسلحة دمار.

وحين تصب كل أقوال البرادعي في اتجاه تعديل الدستور، ونزاهة الانتخابات، فإنه يصب جهده في الاتجاه ذاته الذي تقنعنا به أمريكا من أن أساس مشاكلنا كلها ومصدر فرحتنا كلها هي ” الديمقراطية ” الشكلية، وليس غياب العدل الاجتماعي والفقر والأمية ووقف التنمية الصناعية والزراعية، والأخذ بالخصصة عمال على بطال. والمكتسبات الديمقراطية بالغة الأهمية لكن في إطار السعي للتنمية والخلاص من هيمنة صندوقي النقد والبنك الدولي، وإلا صارت ” ديمقراطية ” كتلك التي في العراق، أي تحت وطأة الدبابات صاحبة الصوت الأعلى في أي انتخابات. والعجيب ألا تجد حركة النخبة السياسية بين صفوفها شخصية واحدة تتفق عليها فرقها وأحزابها بعد ربع القرن من الصحف والمقرات والعمل العلني.

والعجيب ألا تجد النخبة ” المعارضة ” برنامجا لخلاص مصر من مشكلاتها إلا برنامج الثورة البرتقالية التى تغطي السماء بالألوان وتترك الواقع دون تغيير. المؤسف أيضا أن تقارن النخبة بين السيء والأسوأ، كمن يقارن بين الموت بالرصاص أو بحبل ناعم، ثم يلح في إقناعك بفائدة ” الحبل “!

يعد البرادعي في معظم التصورات بشأنه بالديمقراطية ويضيف إن ما يسعى إليه هو دولة تقوم على “الحداثة والاعتدال والحكم الرشيد”. أما برنامجه الاقتصادي والسياسي فهو البرنامج ذاته الذي افتقر في ظله تسعة وعشرون مليون مواطن مصري يعيشون تحت خط الفقر. قل لهولاء إننا سنرشح شخصية تأتيكم بالحداثة! وتشير الأرقام الحكومية الرسمية إلي أن هناك نحو 14 مليوناً من الشباب والفتيات أدركتهم العنوسة لاستحالة توفير مسكن، وأن نسبة حالات الطلاق بلغت أربعين بالمئة معظمها تحت ضغط المعاناة الاقتصادية، وأن نحو عشرين مليون فلاح يزرعون ثمانية مليون فدان يعانون من الجوع والاهمال. قل لكل أولئك إننا نحتشد لنأتي لكم ” بالحداثة ” وليس ببرنامج تنمية اقتصادية وعدالة اجتماعية، واسمع ماالذي سيقولونه لك. المعطيات كثيرة وكلها تشير إلي ضرورة العثور على مخرج لكن ليس بالثورة البرتقالية. هل هي مصادفة أن يكتب ديفيد شنيكر بمجلة فوربس الأمريكية عن البرادعي بصفته ” أمل على ضفاف النيل ” ؟. وأن يصرح مسئول بالخارجية الأمريكية بأن واشنطن ترغب في “ظهور عملية سياسية تنافسية في مصر” ؟.

نحن أيضا مع العملية التنافسية لكن ليس فقط من أجل مجرد ” تنافسية ” تكرس الأوضاع نفسها. لكن نخبة المثقفين تقيم المهرجانات لأنها تعشق هذه ” الديمقراطية ” التي يمكنك في ظلها أن تفتح فمك لتقول ما تشاء دون أن تجد طعاما تحشو به فمك أو مسكنا او علاجا أو تعليما. ي

عشق المثقفون هذه ” الديمقراطية ” لأن معظم صناعتهم ” الكلام ” والكلام يحتاج إلي صحف وأجور ومقالات وقنوات مرئية وسجالات، فمن كل ذلك تتشكل مصادر دخل خاصة مع دعم المؤسسات الأمريكية المالي لما يسمى المنظمات الخاصة. وهذه “الديمقراطية ” هي خبز عدد كبير من المثقفين. أما غالبية الشعب المصري فإنها لا تستطيع أن تصبح كتابا وصحفيين ومؤسسي جماعات نوعية، ولهذا فإن تلك الغالبية تبحث عن حل آخر - خارج أطراف المعادلة - لمشكلاتها الكبيرة الحقيقية المؤلمة.

:::::

أحمد الخميسي. كاتب مصري

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com

المعقول واللامعقول في ديمقراطية البغال والصخول

11 مارس 2010

علي الصراف

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2189 )

قال لصاحبه: أليس من المعقول لبعض الوطنيين ان ينخرطوا في “العملية السياسية” لعلهم يتمكنون من التسلل الى النظام، فيساعدون المقاومة على قلبه من الداخل؟ ثم أليس من المعقول ان تجد الخبرات والأيدي الوطنية سبيلا للعودة الى مؤسسة الدولة، بعد سنوات من الحرمان، لعلهم يخدمون، من مواقعهم، مشروعا وطنيا يطرد عملاء طهران وواشنطن؟ ثم أليس من المعقول أن تنحني للعاصفة حتى تمر، وانت ترى ان هؤلاء يملون إرادتهم بالقتل والاعتقالات وأعمال القهر والتعذيب؟ ثم ألا يبدو الموقف المناهض للانتخابات متطرفا و.. “انعزاليا” عندما ترى ربما ملايين الناخبين يذهبون الى صناديق الاقتراع ليقترعوا بالفعل، كائنا من كان الذي ينتخبون؟ ألا يبدو الأمر وكأنه تصويت ضد المعارضين؟ ثم أليس من المعقول أن نبحث عن سبيل لتشكيل قوة سياسية وطنية تُوقف المشاريع والسياسات اللاوطنية التي ينتهجها العملاء والمأجورون لصالح الإحتلالين؟ ثم ألا ترى إن من المعقول أن يحاول بعض المرشحين تقديم بعض الخدمات لمناطقهم التي تواجه الفقر والحرمان؟ وإذا كنت لا تشك بوطنيتي، فما الذي سيتغير بي إذا قررت الترشيح، مدعوما من طرف أو أكثر من أطراف المقاومة؟ أليس من المعقول أن ننظر الى الأمور و”نحسبها” بالعقل؟

قال: معقول لو كان “المعقول” هو أصل العلاقة بين الاحتلال والديمقراطية. ومعقول لو كان “العقل” هو القاعدة التي يقيم عليها المتورطون بعملية النصب (الديمقراطي) نظامهم السياسي. ومعقول لو كان المعقول هو أساس المنافسة بين المتنافسين، ولكن أما وانها ديمقراطية لصوص وقتلة وعملاء ومأجورين فالأمر مختلف. ثم، وأما وانها ديمقراطية بغال وصخول، فاللامعقول هو وحده المعقول.

أولا، انت ترى على الفور ان “الاحتلال والديمقراطية” مفهومان لا يجلس أحدهما على الآخر. للإحتلال (أيا كان، إيرانيا او أميركيا) اجندته ومصالحه وهذه لا تتوافق مع المصالح الوطنية التي يمكن للديمقراطية ان تطلب الدفاع عنها. الاحتلال يسخر من السيادة ويهينها، والديمقراطية لا تقبل بسيادة مُهانة. والاحتلال يريد ان ينهب. فكم يبقى من الديمقراطية مع النهب؟ والاحتلال يريد ان يحول البلاد الى قاعدة لشركاته، والديمقراطية تتطلب الدفاع عن المصالح الوطنية. وقس على ذلك ما شاء لك القياس. فهل من المعقول ان يقبل الاحتلال بأن تأتي الديمقراطية بما لا يخدم مصالحه؟ وإذا تعارضت المصالح الوطنية مع مصالح الإحتلال، فهل سيتصرف الاحتلال (دفاعا عن نفسه ومصالحه) بـ”المعقول”؟!

الأدلة المادية، المتاحة امامك من أعمال الاحتلال، ماذا تقول؟ هل كان قتل اكثر من مليون ونصف المليون إنسان عملا من أعمال “المعقول”؟

ثانيا، تعال نحسبها بالأرقام والحقائق التي تشكل أساس الفرق بين المعقول واللامعقول: لقد قامت هذه “الديمقراطية” على أساس تهجير 5 ملايين انسان. لكي يضمن عملاء الاحتلال نصيبهم من القسمة، فانهم عمدوا الى إحداث خلل سكاني هائل. هذا الخلل هو بحد ذاته جريمة تسمى (وفقا للتوصفات القانونية الدولية) “تطهيرا عرقيا”. وانت تعرف انه على شيء أقل بكثير مما حصل في العراق تجري اليوم محاكمة رادوفان كراديتش زعيم صرب البوسنة. وعلى عدد اقل من الضحايا حوكم سلوبودان ميلوفيتش رئيس صربيا السابق.

فما هو المعقول في التعامل مع جريمة أدت الى أعمال “تطهير عرقي” وانشاء معازل بالكونكريت المسلح بين الأحياء والمدن؟

هل ننخرط في “عمليتها السياسية” لنزكيها ونزكي نتائجها؟ أم نقول لعنة الله على كل ما أتى بها، ولعنة الله على كل متورط فيها يريد ان يتخذ من مزعم “الوطنية” غطاءً لكي يغمس يده في “الكعكة”؟

والقسمة إذا كانت من الأساس ضيزى، فما هو “المكسب” الذي تنتظره منها؟

هل سيعطونك لكي تبني مدرسة، في وطن يتهدم؟

إذا كان المحلي لا يعلو على الوطني، فهل من المعقول ان تبيع العراق لكي تبني مدرسة في بلد صار برمته دارا للمحرومين والضحايا والأيتام.

ثم، لقد قامت هذه الديمقراطية على أساس “محاصصات” طائفية. النتيجة الأولى من هذه المحاصصة هي انه لم يعد هناك “شعب عراقي”. هذا المفهوم اختفى (أو يراد له أن يختفي) لصالح مفهوم جديد: سنة وشيعة وأكراد. وهكذا فإذا كنت تدخل في اللعبة، من الأساس، على هذا اللامعقول، فكيف تريد ان تخرج منها بنتيجة وطنية؟

وعندما تكون المقدمات قذرة، فماذا ستكون النتائج؟

ثم، لقد اتيح للأحزاب الطائفية (ونحن نعرفها ونعرف قيادتها بالتفاصيل) ان تستولي على مليارات الدولارات من أموال العراق لكي تذهب لتشتري ضمائر من لا ضمائر لهم. فألفت لنفسها مليشيات من الرعاع الذين يتسابقون (من اجل القليل) على القتل وارتكاب أبشع الانتهاكات، تحميهم آلة الإحتلال، وجهاز دولة يقوم برمته على مراعاة المصالح والامتيازات الطائفية. فكيف لي ولك ان نخرج من بيئة الفساد هذه بأي فرصة لمنافسة نزيهة وعلى قواعد متساوية؟

يقول تقرير نشرته صحيفة “النهار” (07/10/2009) بناء على احصاءات رسمية: ان هناك مليون ارملة (وزارة المرأة العراقية 2008) وأربعة ملايين طفل يتيم (اذا كان معدل العائلة العراقية من 4 الى 6 اطفال بحسب تقديرات وزارة التخطيط) ومليونين وخمسمائة الف شهيد (حسب احصاءات وزارة الصحة العراقية والطب العدلي حتى شهر كانون الاول-ديسمبر 2008)، وثمانمائة ألف مغيَّب (حسب إحصاءات الدعاوى المسجلة لدى وزارة الداخلية العراقية حتى كانون الاول-ديسمير 2008) وأربعة وثلاثين ألف سجين في معتقلات قوات الاحتلال وسجون الدولة وإقليم كردستان، وذلك وفقاً لإحصاءات مراصد حقوق الانسان. وتعترف القوات الاميركية رسمياً بوجود اثني عشر الف سجين لديها. اضافة الى أربعة ملايين وخمسمائة الف مهجر الى خارج العراق (حسب احصاءات المتقدمين الى جوازات فئة ج لدى مديرية الجوازات العراقية حتى نهاية كانون الاول-ديسمبر 2008) ومليونين وخمسمائة الف مهجر في الداخل (حسب احصاءات وزارة الهجرة والمهاجرين والمهجرين العراقية).

هذه هي نتائج “العملية السياسية” التي اقامها الاحتلال، فأيهما معقول: ان ننخرط فيها لنزكيها، ام نرفضها ونلعن كل الذين يتسترون على جرائمها؟

ولكي أزيدك من البركة حبة، فقد تناولت الاحصاءات الرسمية جوانب أخرى، فسجلت الآتي (اقتباسا من التقرير نفسه):

“ـ 76000 حالة ايدز، بعدما كان العدد الاجمالي للمصابين بهذا المرض قبل الاحتلال 114 وفقاً للاحصاءات الصادرة عن وزارة الصحة العراقية.

ـ ثلاث حالات طلاق من أصل اربع حالات زواج بعد الاحتلال، بحسب احصاءات وزارة العدل.

ـ 40% من الشعب العراقي هو تحت خط الفقر (وزارة حقوق الانسان العراقية).

أما على مستوى التربية والتعليم والأحزاب وهيئات المجتمع المدني والميليشيات والشركات الأمنية ووسائل الاعلام في قطاعات الصحافة والتلفزيون والاذاعة، وشبكات الاتصالات والهيكليات الادارية والمالية للدولة، فيشير التقرير الى:

ـ انحدار التعليم الجامعي والأساسي (منظمة الأونيسكو).

ـ عشرات آلاف الشهادات المزورة لمسؤولين وضباط ومديرين عامين وكادرات حزبية تشغل مناصب قيادية في الدولة. (احصاءات موثقة في هيئة النزاهة العراقية).

ـ سيطرة التخلف على المجتمع العراقي بعدما كان العراق الدولة الأولى في العالم التي محت الأمية بالكامل (1977) بحسب منظمة الاونيسكو.

ـ 550 كياناً سياسياً (احصاءات مفوضية الانتخابات العراقية).

ـ 11400 هيئة مجتمع مدني (وزارتا الداخلية والعمل والشؤون الاجتماعية) (جلها تم تشكليه للفوز بحصة من أموال الفساد، ليصبح “المجتمع المدني” شريكا للاحتلال، وجزءا من عملية النصب وتحويله الى ظاهرة عامة).

ـ 126 شركة امنية تديرها أجهزة المخابرات الاجنبية (مسجلة في وزارة الداخلية العراقية).

ـ 43 ميليشيا مسلحة تابعة للاحزاب (مسجلة في وزارتي الدفاع والداخلية - لجنة دمج الميليشيات).

ـ 220 صحيفة ومجلة تمولها اجهزة المخابرات الاجنبية (نقابة الصحافيين العراقيين).

ـ 45 قناة تلفزيونية تمولها اجهزة المخابرات الاجنبية (ادارة القمر الصناعي نايلسات وعربسات).

ـ 67 محطة راديو تمولها اجهزة المخابرات العراقية (هيئة الاعلام والترددات العراقية).

ـ 4 شبكات للاتصالات اللاسلكية قيمة كل شبكة 12 مليار دولار يملكها مسؤولون وقادة احزاب وهي شركات (كورك)، و(آسيا) و(زين) و(أثير).

ـ أكثر من 11400 مقر لاحزاب السلطة بشكل رسمي او غير رسمي، ويتمثل الشكل غير الرسمي في شركات وهمية او جمعيات خيرية تستخدم للتغطية والتمويه. وهذه المقار هي في الغالب ابنية للدولة، او اخرى تم الاستيلاء عليها من اصحابها الشرعيين بعد تهجيرهم او تصفيتهم، او مؤجرة ببدلات تدفع من ميزانية الدولة. (انتهى الاقتباس).

فأين تريد ان تضع رأسك بين هذه “الرؤوس”؟ وما هو “المعقول الذي يمكن ان يُسفر عنه مسرح اللامعقول الذي يلعب فيه عملاء الاحتلالين وأتباعهم من المأجورين أدوار البطولة بلا منازع؟

هل ارتكب النازيون في أي بلد اجتاحوه فظائع وانتهاكات وقذارات أكثر من هذه؟

فهل كان من المعقول التصالح مع النازيين وقبول عمليتهم السياسية؟ هل كان يجب على الفرنسيين ان يقبلوا حكومة الجنرال فيشي التي اقامها الاحتلال؟

وهل تتغير الفظائع عندما تسميها “ديمقراطية”؟

وهل يتغير اللصوص، إذا لبسوا ربطة عنق وبدلة (ومحبس)؟

وهل يصبح القاتل شيئا آخر في عين المقتول؟

ثالثا، لقد تبنى بعض الوطنيين، او أشباه الوطنيين بالأحرى، نظرية “الدخول في العملية” فما حصدوا؟ خذ نموذج محمد الحبوبي (الشخصية المستقلة الذي فازت قائمته بالانتخابات المحلية في محافظة كربلاء) فالى أين انتهى؟ والى أين انتهى صالح المطلك، هذا الصنيعة المبتذل الذي صادق على كل مطالب الإحتلال واتفاقياته؟

حتى هؤلاء لم يبق لهم مكان، رغم انهم عملاء (بالأعمال) على حد سواء. ورغم انهم شركاء في الجريمة على حد سواء أيضا. سوى انهم (بالأقوال) يظهرون بمظهر الوطنيين. وهو ما لا يروق لأبطال مسلسل الديمقراطية الطائفيين، فلفظوهم لفظ النواة خارج اللعبة.

اللعبة لعبة بغال يركبها المحتلون. وقد تسمح لبعض الصخول بان يؤدّوا دور الكومبارس، إلا ان مسرح الطائفية لن يسمح لهم بانتاج مسرحية “وطنية” حتى ولو كانوا من أشد المتواطئين.

ورابعا، والله ما عندي مانع أن نرشحك لتكون نائبا. ولكن أليس مطلوبا منا أن ندفع لدعايتك الانتخابية؟ ألن تحتاج الى “بوسترات” نضع عليها صورك؟ وهل تعتقد انهم يغفلون عمن يقف وراءك؟ وهم لا يغفلون، لكنهم سوف يسمحون لك بالمضي قدما، مؤقتا على الأقل (قبل ان تلحق بالحبوبي والملطك). ولكن هل تعرف لماذا؟ أولا، لانك تلعب في ملعبهم (وها انت خاسر سلفا). وثانيا، لكي يقولوا لك: شوف، حصلنا على أصوات أكثر منك. وهو ما يعني ان الصوت الوطني الذي تمثله غير ذي قيمة في الواقع!، وثالثا، عندما يرون انك لا تلعب كما يريدون، فما الذي سيكلفهم أن يطردوك؟ وما الذي سيمنعهم من اتهامك بالإرهاب؟ بل وما الذي سيحول بينهم وبين قتلك؟

ثم، دع عنك التزوير. فهذا أهون الشرور. ففي لعبة يُقتل ويُهجّر ويُجوّع فيها الملايين، يُصبح التزوير نعمة من الله! ومن هذه “النعمة” يخرج “الملايين” (كما ستبيع وكالات وأبواق الاحتلال المعلنة والمستترة بضاعتها على الأغبياء وعلى الراغبين بأن يكونوا أغبياء) رافعين أصابعهم الملطخة بالحبر البنفسجي ليقولوا انهم انتخبوا… ديمقراطية لصوص ونصابين ومجرمين.

هل تريد ان تعرف كم “بطانية” يساوي الصوت؟

الجياع، هل تعرف ماذا يقولون؟

إذا كان اللصوص سيفوزون بها ومن دونها، فالبطّانية خيرٌ من سواها، والله عالم بالمتقين.

التقية وممارسة الظاهر هي التي تجبر الكثيرين على الذهاب الى صناديق الاقتراع، إتقاء لشر الظهور بمظهر غير المحتاج الى بطانية!

فأنت أمام رعاع وجلاوزة، إذا رفضت بطانيتهم، فماذا تريد أن تقول؟!

على الفور، سيعرفونك. وعلى الفور ستقول لهم من أنت. وعلى الفور ستقول لهم انك، إذ ترفض بطانيتهم، فلأنك ترفض عمائمهم وبطانتهم.

فخذها، وإذهب للتصويت!

الانتخاب، اتقاءً للشرور، هو بالأحرى أبو التزوير. فالملايين ذهبوا بأنفسهم بالفعل، إنما ليدلوا بأصوات مزورة، في صناديق مزورة، في مسرحية تزوير شاملة للإرادة والهوية، في وطن كله منهوب وممزق ومشلول.

في مسرح جريمة كهذا، قل لي: ما هو المعقول أكثر، الالتحاق بالعملية السياسية أم الالتحاق بالمقاومة؟

جاوب، وأرجوك، خليّك معقول!

مفاوضات ترحيلية…هناك مقاومة والسباق معها

11 مارس 2010

د. عادل سمارة ـ رام الله المحتلة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2189 )

لم أكد أتبينُ صوتَها عبر الهاتف:

- هل سمعت الخبر؟

- لا

- نشرت صحيفة هآرتس الالكترونية اليوم أن الكيان الصهيوني قرر بناء خمسين ألف وحدة سكنية جديدة.

- قالوا أمس ألف أو ألف وخمسمائة.

- لا، بل خمسينَ ألفاً!

آه يا سيدتي، هذا عصر الفظائع. لم يبق من العمر إلا القليل، ومن السلاح سوى القلم وسيكسرونه. لكن، لن ينكسر العزم.

ما الذي يمكن أن يشغلَكَ عن التفكير في غير هذا الخبر؟ كنت اقرأ في الصوفية ل “هادي العلوي”. تكسر الفهم، وزاغ التفكير أساساً.

كأنهم يشرحون لنا، يسهلون علينا أن نفهمهم، ولكننا لا نريد.

يقولون بوضوح الوقاحة: كل شيء هنا لنا!

فما معنى هذا؟ هل في هذا حد أدنى من اللُبس؟ وهل يوحي بالتفاوض عن بعد أو قرب؟ أو بالروموت كنترول!

يا إلهي؟ متى نفهم؟ ومتى يفهم الحكام العرب؟

من شأن خبر كهذا أن يُخرب أكثر من قنبلة نووية صغيرة، حتى لو كان كاذباً. ولكن لماذا؟

لأنه يأتي في لحظات قرار التفاوض الفلسطيني والعربي الرسميين، وليس فقط لأنه قرار استيطاني. يكررون لنا ما قاله وزير خارجية قطر قبل عشر سنوات: يا فلسطينيين لا مجال لكم إلا أن تنتظروا إحسان أميركا. هل عرف التاريخ قدرة كهذه على استثارة الهمم؟ أهكذا كان وامعتصماه؟

حينما نفكر نحن، مجرد تفكير في التفاوض فنحن نمدهم بقوة معنوية بأن الأرض لهم! وبتدمير نفسي لشعبنا وامتنا.

والأرض لنا، ولكي نثبت ذلك علينا ألا نفاوض.

مفاوضات إلى جانب الاستيطان تعني أن يفكر الضعاف منا بالرحيل. الرحيل الناعم، الانزياح الذاتي.[1] ما الذي يمنع مواطن عادي قلق على حياته من هذا التفكير حين يرى كل دول العرب إلا واحدة توافق على التفاوض غير المباشر. فبأي شيء سيؤمن. ما الذي يقنع مواطناً محلياً أو مغترباً بالاستثمار هنا والمفاوض ينظر إلى جريدة هآرتس ويقرأ الخبر ويقول: الحياة مفاوضات. لا يا سيدي الحياة مقاومة وعندهم الحياة استيطان! العدو يبني عشرات آلاف الوحدات السكنية ورئيس الوزراء الفلسطيني يقول قبل يومين إن النمو الاقتصادي في أراضي السلطة الفلسطينية 7% بالمائة والعام القادم سيكون 10%. يا إلهي، إذن هنا الصين الشعبية، ورفات ماو تسي تونغ!

أصدر التجمع الشعبي لمناهضة التطبيع والمنتدى العربي عريضة عنوانها: الأصل المقاومة وليس التفاوض وعريضة تحدد موقفا من التطبيع.[2] وكنا نرد على عريضة تطالب بالتفاوض بضمانات أميركية، أي عريضة تطبيعية. الذين وقعوا على الاعتماد على عواطف أميركا أكثر من الذين وقعوا على عريضتنا؟ فمن المخطئ؟! الذين مع التفاوض المهرول أكثر! هل أصبح التطبيع هو الأصل؟

وها هو العدو يوقت إعلان الاستيطان الهائل وجون بايدن باشا في رام الله. فأية ضمانات هذه؟ هل يعتقد من لا يوقع هكذا عرائض ماذا يفعل؟ هو ببساطة يعتبر الوطن للعدو ونحن بدو طارئين. هو المثل إذن أيها الناس:

أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخصم جرَّاها ويختصمُ

لن تنام عينك يا سيدي!!

هل يدري الذين يلهثون وراء بعض المال، من سلطة التفاوض أنهم بهذا يقنعوها أن هذا الشعب لا يستحق أفضل من هكذا سلطة وهكذا أداء ؟

رحم الله عبد الوهاب البياتي الذي كتب:

مثلي ومثلك يحفرون قبورهم عبر الجدار

مثلي ومثلك مقبلون على انتظار من لا يعود،

…والتافهون يساومون

على رفات نسر صغير

سماه بائعه ضمير!

ولكن هناك مقاومة

حتى وهم يدهنون المشهد بالأسود لا بد للنور أن يتسرب وينبلج. طبعا لا بد أن يقوموا بإخراج للمشهد يدفع الحديد إلى التراخي. أليس هذا عصر الرخاوة ومجدها؟! من ينكر أن أميركا تقوم بترقيع وضعها المالي في وول ستريت ووضعها العسكري في قندهار وتكريت، ترقعه عبر استعادة سيطرتها على الوطن العربي.

إن التحالف الثلاثي للقرن الحادي والعشرين (المركز الإمبريالي، والكمبرادور العربي والكيان الصهيوني) في سباق مع قوى المقاومة والممانعة. هم قلقون أكثر منا رغم المظهر الأنيق لكلينتون وبايدن، وبعض العربان.

هو مؤشر بسيط على حركة التاريخ، أليس كل شيء تاريخاني؟ عام 1948 احتلوا وطناً، وعام 2006 هربوا من جنوب لبنان.

سيدتي لا تبكي.

سنظل نغني للبطولة

ونشد من همم الرجال

والناس أيضا.


[1] كتبت في مجلة “كنعان”، العدد 94، كانون ثان 1999، مقالة بعنوان “الاستيطان: من الطرد للإزاحة فالانزياح الذاتي”، ص ص 87 ـ 101. إلتقيت في ورشة في سلطة النقد الفلسطينية قبل عشر سنوات في نقاش حضره المرحوم د. حيدر عبد الشافي و د. حنان عشراوي، ورغم تباعد المعتقد والسياسة بيني وبينهما أعربا عن الإعجاب بالمقال….ولكنهما استمرا في خطهما!!!

[2] طالع نص العريضة وقائمة الموقعين عليها على الرابط التالي في موقع “كنعان”:

http://kanaanonline.org/ebulletin-ar/?p=2636

الجامعة العربية ولجنة متابعتها…فتوى بغير حق وبما ليس من حقها!

10 مارس 2010

عبد اللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2188 )

من مفارقات هذا الزمن العربي الرديء، أن تصدر مواقف عربية رسمية توحي بإجماع العرب على ما يجسّد نقيضاً يعلموا متخذوه قبل من اتخذ باسمهم أنه نقيض لموقفين شعبيين، أولهما، تمسك كتلة الأمة بما اصطلح على تسميته بالثوابت القومية، أو تلك المسلمات التي لا زالت محل إجماع الأمة العربية، أو تلك التي تنسجم مع حقيقة مواقف الشارع العربي، وهي المتعلقة تحديداً بما، أيضاً اصطلح على تسميته لزمن ليس بالقليل، بالصراع العربي الصهيوني، الذي تحول في الخطاب الرسمي إلى النزاع العربي الإسرائيلي، ليغدو مؤخراً ما يصفونه بالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، وقد يصبح ذات يوم عند البعض، أو هو كاد، لاسيما إن استمر مثل هذا السائد الراهن، بالخلاف الفلسطيني الإسرائيلي!

وثانيهما، هذا الحراك الشعبي العربي، الذي لم يعد يمور فحسب تحت سطح الركود العام المتبدي، أو تحجبه حالة الانحدار الرسمي المستشرية، وإنما غدت ملامحه تطفوا عبر اشتداد عود المقاومات وتجذّر مواقف الممانعات عربياً وإسلامياً، وفائض المباركة الجماهيرية البادية لارهاصاته التي بدأت تلوح.

ولا تكتفي مثل هذه المواقف الرسمية عند مثل هذا الحد، بل هي أيضاً تعد نقيضاً موغلاً في لامعقوليته لمستجد المواقف الإقليمية والدولية التي تعكس حراكاً كونياً بادياً، ينبئ بتحولات استراتيجية ملموسة، تبشر بمتغيرات وتؤشرعلى معطيات سوف تفعل عقابيلها في السائد الراهن على الصعيدين الإقليمي والدولي فعلها.

آخر مثل هذه المفارقات، فتوى مجلس وزراء جامعة الدول العربية، الملتئم في دورته الثالثة والثلاثين بعد المائة، التي يسجل أنه قد عارضتها دولة عضو واحدة هي سوريا وتحفظت عليها، وأجمع عليها من تبقى من الأعضاء، والتي أباحت لسلطة الحكم الذاتي الاداري المحدود تحت الاحتلال، العودة إلى ما يطلق عليه المفاوضات مع العدو المحتل بدون ضمانات كانت مطلباً عربياً وفلسطينياً تم الاصرار عليه لزمن، أو ما سميت الايضاحات التي طرحت كبديل لها بعد التنازل عنها والتي لم تعطى. بمعنى تنازل العرب في هذه الفتوى عن شرط وقف التهويد لما تبقى من الأرض الفلسطينية، أو ما يعرف ب”الاستيطان”… أو إعطاء الجامعة اليوم، التي لم تكن يوماً صاحبة قرار أو دور، عبر قرار هو ليس من حقها، مستغلة مسمى لجنة متابعة لم تتابع مهمتها الوحيدة وهي ترويج “مبادرة عربية” كان العدو قد وئدها في مهدها، وبالتالي دفنت منذ أقل قليلاً من العقد، وبقرار مجلس وزراء خارجيتها هذا، الذي يتراجع متخذوه حتى عن مبادرتهم التي يبعثون اليوم الحياة فجأة في لجنة متابعتها… اعطائها لرام الله الغطاء الذي نشدته للقبول بمقترح تصفوي أمريكي، أو تفويضها بالتفاوض حول ما سيملى عليها تحت سقفه، أي بلا مرجعيات أو ضمانات… وكل هذا بحجة تسهيل “المبادرة” الأمريكية، أو بالأحرى، مقترح تفرض هذه الدولة المعادية للأمة العربية والراعية للاحتلال، والتي شهرت حتى الآن سبعة وثلاثين “فيتو”، أو حق النقض، ضد قضية قضايا هذه الأمة في فلسطين!

الطريف، أن من اتخذوا القرار قد شككوا سلفاً في جدوى ما افتو به بغير حق مسوغينه بزعم “إعطاء الفرصة للمباحثات غير المباشرة في محاولة أخيرة وتسهيلاً لدور الولايات المتحدة”… المفاوضات غير المباشرة التي سوف يهبَّ كل من نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن والمبعوث جورج ميتشل قادماً إلى المنطقة ليحولها لاحقاً، على الأغلب، إلى مباشرة!

لا ندري أي دور ينتظرون ممن دأب عبر تاريخ الصراع على استخدام الفيتو ، كما قلنا، ضد كل أي مقترح أممي يقارب من قريب أو بعيد عدالة القضية العربية، وله من السياسات والتاريخ العدواني ضد العرب ما لا يجادل فيه اثنان في بلادنا، ويكفي القول أنه كان ويظل الحليف والراعي الدائم لعدوهم في فلسطين، والغازي المواصل لراهن الاعتداء المدمر المستمر عليهم الآن في العراق؟!

لكن الأطرف، هو أن السلطة في رام الله، التي لم ترد يوماً دوراً للجامعة، والتي أشهرت في الأشهر الماضية شرطها القائل، لا للمفاوضات بدون الوقف الشامل والكامل للاستيطان، ثم تراجعت فاستبدلته بطلب ضمانات أمريكية، لتتراجع مرة أخرى لاستبدال هذا المستبدل بطلب ايضاحات أمريكية، وحيث لا وقف ولا ضمانات، ولا ايضاحات، لجأت إلى الجامعة التي لا دور ولا قول ولا حق لها لكي تمنحها غطاءً لتراجعها الكامل هذا، مستفيدة من صاحبة كرم في هذا السياق حيث سبق وأن مددت نيابة عن الشعب الفلسطيني لرئيسها المنتهية ولايته وفق القرانين الأوسلوية ذاتها!

لن نتوقف أمام ما يطلقون عليه المفاوضات غير المباشرة، والتي لا نعرف كنهها، هل هي ستدار بوسيط أم ستدور عبر الهاتف أو على صفحات “الفيس بوك”، أم هي فحسب ستفتقد هذه المرة إلى التقاط الصور التذكارية؟!!

كل ما يمكن معرفته فحسب أنها بعض كرم تسووي عربي، أو بالأحرى تصفوي، هو أشبه بالمكافأة لنتنياهو على إتمام تهويده للحرم الإبراهيمي ومسجد بلال، وسيره الحثيث الصريح لفعل المثيل بالحرم القدسي الشريف، وفي خلاصته إعطاء نتنياهو فرصة أربعة أشهر، ليضرب عصفورين بحجرها، هما، تهويد ما تبقى مما لم يهوّد بعد من المحتل من الأرض العربية الفلسطينية، وتمرير مسألة ضم تلك المقدسات الإسلامية لتراثه اليهودي المزعوم، بالإضافة إلى عصفور ثالث هو مواجهة ما يخشاه من ما قد يهدد إسرائيل ولو بشيء من العزلة إثر ما كنا وصفناه في مقال سابق بحفلة القتل الموسادية متعددة الجنسيات، التي اتخذ نتنياهو شخصياً قرارها لترتكبها وحدة “كيدون” في دبي، عندما اغتالت المناضل الفلسطيني محمود المبحوح، بتغطية وتحت ستار من مختلف جوازات السفر الغربية!

… ومن حقنا أن نتسائل، هل هذه المفاوضات، تعيدنا إلى سابق ما سبق غزو العراق، بمعنى هل هي بعض من غطاء مطلوب من العرب في سياق التهيئة لحرب وشيكة أو مضمرة ضد بؤر المقاومة وباقي قلاع الممانعة لديهم؟!

المهم أن أمريكا رحبت بالكرم العربي، ونتنياهو الذي يقول أن “رقصة التانغو يلزمها اثنان في الشرق الأوسط، ولكن يمكن أن يؤديها ثلاثة”، والآن هو في انتظار الراقص الثالث ميتشل، فرحب ب”نضوج العرب”!!!

لسنا في حاجة إلى الكلام عن ما تعنيه فلسطين في ضمير ووجدان الأمة العربية والإسلامية، ولا لكونها بوصلة نهوض العرب وخروجهم من هذا الزمن الرديء المنحدر الذي تعيشه أمتهم، ولا عن الحراك المائر المنتقل رويداً رويداً من تحت سطح الركود الوهمي إلى حيث العيان، وننتقل إلى الحراك الإقليمي والدولي، الذي يعبر عن ما وصفناه سابقاً بالتحولات والمعطيات الاستراتيجية الإقليمية والدولية الجديدة، ونأخذ هنا الأمثلة التالية:

في تقريره أمام لجنة الأمن في الكنيست يحذر رئيس وحدة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية من التحولات والمخاطر الكامنة وراء تعاظم روح المجابهة لدى جبهة المحور المقاوم والممانع في بلادنا والمنطقة… وإسرائيل بكاملها تعرب يومياً، ولأول مرة، عن خوفها من الإقدام على شن حروب درجت على شنها وقامت عليها، لأنها لم تعد تضمن نتائجها، ويكشف جدلها الداخلي الراهن عن تعاظم القلق الوجودي المزمن لديها، وهذا لتعاظم ما يمكن وصفه بتوازن الرعب، أو الردع المقاوم، الذي بدا يتشكل في المنطقة… ولعل هذا الخوف والقلق هو واحد من دوافع كثيرة تتعلق بالاستهدافات المعروفة للاستراتيجية الصهيونية، يتجلى في هذا التسريع المحموم لعملية التهويد الجارية، أو التعويض عن تلك الحروب غير مضمونة النتائج!

… وإقليمياً، نكتفي بالإشارة إلى قول وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو، بأن بلاده تسعى “من أجل وضع استراتيجيات للعلاقة مع كافة الدول خلال الأعوام العشرين المقبلة… سنقيم دارنا بأنفسنا، ولن نقبل هيمنة من خارج المنطقة”… تلى هذا استدعاء أنقرة للسفير التركي في واشنطن للتشاور تعبيراً عن احتجاجها وغضبها، لأن الكونغرس وصف مأساة الأرمن أواخر العهد العثماني ب”الإبادة”!

كما لا ننسى الإشارة إلى آخر تداعيات آخر تجليات التجاذب الخطر، أو هذه المواجهة الإيرانية الغربية المحتدمة حول برنامج طهران النووي، والذي تتراكم فيه النقاط لصالح تمسك العناد الإيراني بحقه المشروع وفق قوانين ومواثيق وكالة الطاقة الدولية، وحيث هبطت مؤشرات حدة التهديدات الغربية لإيران بالويل والثبور إلى مستوى نشدان الحلول إن لم نقل استجدائها.

… ودولياً، تكفينا أيضاً، الإشارة إلى أننا لأول مرة نسمع ضابطاً صينياً كبيراً في جيش التحرير الشعبي، وأستاذ في جامعة الدفاع الصينية، يدعو للإطاحة “ببطل العالم” الأمريكي، ويقول في كتاب جديد له حول “الحلم الصيني”:

“إن هدف الصين الكبير في القرن الواحد والعشرين هو أن تصبح الرقم واحد في العالم… القوة العليا”، وحيث يتحدث عن حتمية الصدام بين بيكين وواشنطن، يقول، إنما “هي منافسة على الزعامة، صراع حول من يسقط ومن يصعد للهيمنة على العالم… على الصين أن تعد نفسها لأن تصبح قبطان السفينة”!

أوليس من مفارقات هذا الانحدار الرسمي العربي، أنه وفي ظل مثل هذه التحولات والمتغيرات الاستراتيجية، على الصعد العربية والإقليمية والدولية، أن تصدر الجامعة، التي يبدو أن مجتمعيها هم في وادٍ آخر، فتواها النقيضة لكل ما تؤمن به الأمة العربية… تسهيلاً لتآمر الولايات المتحدة، أو “بطل العالم”، الذي بدأت فعلاً عملية الإطاحة به كونياً، حتى قبل مطالبة الجنرال الصيني… تآمره لتصفية قضيتهم التي من المفترض أنها المركزية في فلسطين؟!

سؤال مستحق، لكنما قد يكون من العبث وهذا هو راهن الواقع الرسمي العربي، أن يسال عنه الأمين العام لجامعة الدول العربية فور فروغه من قراءة بيان مجلس وزراء خارجيتها في دورته الثالثة والثلاثين بعد المائة… الفتوى!!!

عمل خيري أم تجسس مخابراتي!

10 مارس 2010

“الطيب والجلف والصعلوك”

الطاهر المعز

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2188 )

تقديم

أثناء التدمير الذي تعرض له قطاع غزة، نهاية 2008 وبداية 2009، قال وزير خارجية فرنسا، “برنار كوشنير” ما مفاده : للحكومة الفرنسية عيون وآذان في غزة، تزودها بالأخبار والمعطيات الكافية، رغم الحصار (الذي تشارك فرنسا في تشديده)، وعدم دخول الدبلوماسيين للقطاع المحتل، وأثنى على المنظمات غير الحكومية، الخيرية منها والإنسانية والطبية التي كانت (ولا زالت) مصدرا هاما للأخبار والمعطيات، فهي عبارة عن قاعدة بيانات ضافية… احتجت منظمة طبية فرنسية على تصريح الوزير واعتبرته غير مسؤول “لأنه ينسف مصداقيتها التي اجتهدت لاكتسابها عند الأهالي، ويعرض حياة العاملين في هذه المنظمات للخطر…”.

منطقيا، لا يمكن لأي منظمة إنسانية أو غير حكومية أن تتواجد في أي مكان من العالم (خصوصا في مناطق الحرب والهزات)، دون اتصال دائم بالسفارات، ودون غطاء حكومي، يتدخل عند الضرورة، ويسهل خروج العاملين بها إذا أحسوا بالخطر الخ. في المقابل، لا بد من تقديم خدمات وإرشادات عن طبيعة العمل وفئات السكان “المستفيدة” منه، إضافة إلى تقرير مفصل لكل ممول، على حدة حسب شروطه…برنار كوشنير يعرف عما يتحدث، لأنه أحد مؤسسي منظمة “أطباء بلا حدود” (عام 1971)، وقد كون مجموعة عرفت آنذاك باسم “فرانش دكتورز”. تكونت من أطباء كانوا أجراء في منظمة الصليب الأحمر الدولي، أثناء الحرب الإنفصالية التي قامت في نيجيريا من عام 1967إلى 1970، لكن عدم اتخاذها موقفا علنيا مناهضا للحكومة المركزية، لم يعجبهم، فكونوا مجموعة “مستقلة”.

قاد انفصاليو “بيافرا” الجنرال “أوجوكيو” الذي تزعم جيشا من المرتزقة، بهدف انفصال إلإقليم (في الجنوب، حيث حقول النفط) عن نيجيريا التي كان يرأسها الجنرال “يعقوب غوون”… استعمل الإنفصاليون الدين المسيحي كذريعة، والقبلية (الأثنية) لتاليب المواطنين ضد الحكومة المركزية، وحظوا بمساندة الفاتيكان والكيان الصهيوني والبرتغال الإستعمارية، وجنوب افريقيا العنصرية… كانت شركة “إيلف” الفرنسية تستغل نفط الإقليم، ومولت الإنفصاليين، كما احتضنت مجموعة الأطباء، التي أسست “أطباء بلا حدود” فيما بعد، بحجة “معالجة الجرحى من الجانبين، بحيادية تامة، لأن مهمة الطبيب الأولى هي إنقاذ حياة البشر مهما كانت الأسباب…” كما أعلنت آنذاك، وتحت هذا الغطاء الإنساني تمكنت المجموعة من التنقل واستقصاء الأخبار ومعاينة الوضع على الجانبين، وبذلك لعبت دور الجاسوس الذي لا يطاله التشكيك، خاصة وأنها غلفت لغتها بغلاف إنساني/يساري. “برنار كوشنير” هذا، كثير التعلق بالألقاب والمناصب، واشتهر بعلاقاته الحميمة بالصهاينة والمحافظين الجدد وبمواقفه المساندة للحلف الأطلسي ولاحتلال العراق وتفكيك يوغسلافيا…يبدو أنه كان دائما كذلك، غير أنه عرف كيف يغلف أفكاره وممارساته اليمينية بغلاف يساري/إنساني…

ظهرت المنظمات “غير الحكومية” بعد ذلك بقوة في جنوب افريقيا، أثناء انتفاضة مدينة القصدير “سويتو”، إثر اغتيال المناضل الشاب “ستيف بيكو”، عام 1976، لكن”المؤتمر الوطني الافريقي” عالج الأمر قبل استفحاله، واشترط الإشراف على عمل هذه المنظمات، وخضوعها لرقابته، وإدارتها من قبل مناضليه ومؤسساته… في بداية عقد الثمانينات من القرن العشرين، كان “برنار كوشنير” من مؤسسي منظمة “أطباء العالم” التي انفصلت عن “أطباء بلا حدود”، وتواجدت المنظمة الجديدة في أفغانستان وافريقيا وأمريكا الوسطى والجنوبية، وفي أوروبا الشرقية، وفي كل مكان فيه حروب، وفتحت عيادات لمعالجة الفقراء في داخل فرنسا أيضا. وهي بطبيعة الحال متواجدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 (خاصة بعد أوسلو) وفي العراق المحتل وفي لبنان وفي السودان المهدد بالإحتلال والتفتيت… وكل مكان محتل أو تدور فيه حرب بالوكالة أو فرض عليه حصار أمريكي/أوروبي الخ…

عمل إنساني أم نجسس؟

قبل انهيار الإتحاد السوفياتي، وفي أوج الهجوم الإيديولوجي على الشيوعية والإشتراكية (كفكر وكبديل للرأسمالية)، كان التغلغل الأمريكي في أفغانستان، عن طريق “المجاهدين” على اختلاف مشاربهم (بن لادن ومسعود شاة وحكمتيار والجنرال دستم …)، وكان حضور المنظمات “غير الحكومية” (والكنسية) قويا في روسيا نفسها لمساندة “المنشقين” (ومنهم تشارانسكي الذي أصبح فيما بعد وزيرا في حكومة الكيان الصهيوني)، وفي بولندا، لمساندة شق “ليش فاليزا” في نقابة “سوليدارنوشك” (تضامن)، وهو الشق الرجعي واللبرالي داخلها، إلى أن نصبوه رئيسا ومنحوه جائزة نوبل للسلام… بعد انهيار الإتحاد السوفياتي، تكاثرت المنظمات “الإنسانية”، الأمريكية على وجه الخصوص، في بلدان أوروبا الشرقية، ونشطت كثيرا في يوغسلافيا التي مزقها الحلف الأطلسي (حيث بدأ الحديث عن عسكرة العمل الإنساني)، كما في بلدان البلطيق وأوكرانيا وجورجيا، ونظموا الثورات المضادة، التي أعطوها من الألوان الأزرق والبرتقالي… يقول بعض الأمريكيين الذين شاركوا في تنظيم هذه الثورات المضادة أنهم عملوا لمدة لا تقل عن السنتين في المناطق الفقيرة، وضواحي المدن الكبرى والعواصم، تحت غطاء إنساني، وبثوا المذهب البروتستانتي الإنجيلي، في مناطق لا يتواجد بها إلا الأرثودوكس (لكنهم فقراء)، وفتحوا مراكز للعلاج والتدريس وتوزيع الغذاء والملابس الأمريكية المستعملة الخ، حتى اشتد ساعدهم، ونالوا ثقة المواطنين ( اطعم الفم، تستحي العين)… في أوكرانيا كانت لديهم ميزانية ب65 ألف دولار مخصصة لنقل المواطنين، ليتظاهروا ضد الحكومة التي اعتبرتها أمريكا موالية لروسيا، ولا تخدم مصالحها… فخلقوا بذلك عادات سيئة لدى المواطنين، الذين صرح بعضهم، للصحفيين الأجانب، بمناسبة انتخابات منتصف فبراير 2010، بأنهم لن يحضروا الإجتماعات الإنتخابية ولن يصوتوا إلا لمن يعطيهم “أجرتهم”، ولا يعنيهم لون الفائز ولا برنامجه…حاولت أمريكا وبريطانيا القيام بنفس الشيء في إيران مؤخرا، لكنها فشلت، ربما مؤقتا، في إزاحة الجناح الذي يساند الرئيس الحالي، كما فشلت في كوبا، وفي فنزويلا وبوليفيا، رغم محاولاتها العديدة.

في البلدان المحتلة مثل العراق، تسربت من حين لآخر أخبار عن هوية بعض الرهائن، أو القتلى، إذ تمت تصفية ضباط مخابرات من أسبانيا (قبل انسحاب جيشها) ومن إيطاليا، واحتجز عدد من المتواجدين تحت غطاء العمل الصحفي أو العمل الإنساني، وكانت بعض المؤشرات تدل على قيامهم بمهام أخرى غير معلنة… في أفغانستان، تمت تصفية أمريكيين أو أوروبيين أو كنديين…قدمتهم وسائل الإعلام كمدنيين، يعملون في مجالات لا علاقة لها بالجيش، وظهر فيما بعد أنهم ضباط مخابرات من “سي آي إي” مثلا… في العراق، كان الصحافيون ملازمين لدبابات الجيش الأمريكي، ويرون الحرب من منظارهم، ولم يضمن الجيش الأمريكي سلامة من لم يرافق جنوده من الصحافيين، وقام بتصفية صحافيين عرب وغير عرب… وقع احتجاز صحفيين فرنسيين، في وقت طلبت فيه الحكومة الفرنسية منهم الخروج من العراق، وأعلنت وسائل الإعلام التي يعملون بها أنها لم تكلفهم بمهمة تغطية ما يجري هناك، ومع ذلك فإن التضامن المعلن معهم يتعدى الدفاع عن زملاء المهنة، بل بلغ درجة التجنيد القصوى المشابهة لحالات الطوارئ…

من بين المحتجزين الفرنسيين، كانت صحفية اسمها “فلورانس أوبناس”، تعمل بصحيفة “ليبيراسيون” اليومية الفرنسية، التي أسسها “جون بول سارتر”، مع مجموعة من “يساريين” سابقين (وكانت محسوبة على “اليسارالإجتماعي” قبل أكثر من ثلاثة عقود)، ولم توفدها صحيفتها، بل كانت متواجدة في العراق، لأسباب أخرى، لم يعلن عنها أبدا… تم اختطافها في نواحي بغداد، ومن يوم احتجازها إلى يوم خروجها من العراق، كانت كل نشرات الأخبار، في كل وسائل الإعلام الفرنسية تفتتح بخبر أحتجازها وعدد الأيام التي قضتها رهينة، وكذا فعلت الصحف المكتوبة ومواقع الإنترنت، وأصبح الدفاع عنها عامل “وحدة قومية”… كانت هذه الصحفية تملك شبكة علاقات واسعة جدا، وقامت بتحقيقات صحفية ذات نوعية جيدة، كما اهتمت بوضعية المهاجرين وأبنائهم، والكادحين، والمهمشين والفقراء والفئات المستغلة (بفتح الغين) والمضطهدة والمقموعة، في فرنسا… تضامن معها أثناء احتجازها كثير من الصحفيين والمثقفين العرب، خاصة في المغرب العربي، وقاموا بحملة، ما قاموا بمثلها تنديدا باغتيال زملائهم في العراق أو احتجاز زميلهم (سامي الحاج) في غوانتنامو، أو سجن زميل آخر في أسبانيا، ولا احتجاجا على سجن زملاء عديدين لهم في الوطن العربي الخ…كانت الحملة التي قامت بها الحكومة الفرنسية والصحافيون ومالكوا الصحف ومجلس النواب والبلديات والأحزاب (يمينها ويسارها) كثيفة جدا ومستمرة… بعد إطلاق سراحها وخروجها من العراق، واستجوابها من قبل المخابرات، كالمعتاد، لم تصرح بأي شيء، ولم تعط أي سبب لتواجدها في العراق المحتل، وهي التي لم يعرف عنها اهتمامها بما يجري في هذه المنطقة من العالم، ظاهريا على الأقل، إذ لم تتناول مقالاتها الصحفية العراق أو فلسطين أو لبنان…

بعد غياب طويل، وإثر العدوان الأخير على غزة، ودم شهدائها لم يجف بعد، وفي فترة تكاثرت فيها الدعوات لمقاطعة الكيان الصهيوني، ظهرت السيدة “فلورانس أوبناس” على صفحات الجرائد، تتوسط أحد القادة الصهاينة في فرنسا، ووالد الجندي الصهيوني جلعاد شاليط الذي احتجزته المقاومة، عندما كان يقوم بمهمة عسكرية عدوانية في غزة، وأعلنت عن تأسيس لجنة مساندة له، تناضل من أجل إطلاق سراحه و”تحريره”، تترأسها السيدة “فلورانس أوبناس” بنفسها (وهي التي دافع عنها عرب كثر)، باعتبارها رهينة سابقة… أما اللاجئون والاسرى الفلسطينيون (أكثر من 11 ألف) والخاضعون للإحتلال، فهم من طينة “الأجلاف” العرب الذين احتجزوها، واحتجزوا الجندي الصهيوني، وهما من طينة الأوروبيين “الطيبين”، الذي احتلوا بلادنا وأرضنا، لأن “من واجب الأمم المتحضرة أن تنشر الحضارة والتقدم لدى المجموعات المتخلفة”، كما قال رئيس المجلس الفرنسي، “جول فيري” عام 1881، لتبرير احتلال تونس، وكما قال القائد المؤسس للصهيونية، “ثيودور هرتزل” أن تأسيس دولة اليهود في المشرق العربي هو بمثابة بناء جدار حضاري، غربي، يعزل الهمج العرب (الأجلاف) عن أوروبا المتحضرة…

هل كانت السيدة “فلورانس أوبناس” صهيونية من زمان، أم تم تجنيدها حديثا؟ على أي حال، لقد اختارت الوقت الذي تكاثر فيه نقد “دولة اليهود”، لتعلن عن مساندتها لها…

قبل حوالي 3 سنوات، في التشاد، استغلت “منظمة خيرية” فرنسية (غير معروفة آنذاك) الحملة الإعلامية الأمريكية/الفرنسية ضد حكومة السودان، والتهديدات بالتدخل العسكري، خصوصا في إقليم “دارفور” الغني بالنفط والمعادن، على الحدود التشادية السودانية، لتختطف أكثر من مائة طفل تشادي، بدعوى أنهم أيتام سودانيون، تم اغتيال أولياء أمورهم من قبل “القبائل العربية” المتهمجة (الأجلاف) في دارفور، من الجهة السودانية… وفي الحقيقة فإن هذه “المنظمة الإنسانية، غير الحكومية” كانت تلقت أموالا كثيرة من قبل أناس محرومين من الإنجاب، لتبني هؤلاء الأطفال “المساكين، الأيتام”، كما حظيت بتغطية، ومباركة وزارة الخارجية الفرنسية (برنار كوشنير) والجيش الفرنسي المتواجد في التشاد، والمخابرات الفرنسية…أي أن العملية هي عملية استعلامات، لا علاقة لها بالعواطف النبيلة إزاء الأطفال “اليتامى”، لكنها قدمت للرأي العام على أساس أنها عملية إنسانية، لإنقاذ ضحايا النظام السوداني الهمجي، المهدد بمجلس الأمن وبمحكمة الجنايات الدولية وبانفصال في الجنوب والشمال والغرب، وب”معارضين” اتخذوا من الصهاينة اصدقاء وحلفاء لهم، وفتحوا لهم مكتبا في تل أبيب الخ… كانت العملية إذأ جزءا من السياسة الخارجية الفرنسية الرسمية، وتمت تعبئة الراي العام ووسائل الإعلام للدفاع عن هذا النوع من العمليات المخابراتية، شرط تلافي بعض “الأخطاء”، حتى تظهر كعمليات إنسانية، هدفها إنقاذ الأبرياء من ضحايا العرب الهمج…وتدخلت الدولة الفرنسية بمؤسساتها، ورئيسها ووزير خارجيتها، فضغطت على قضاة التشاد وعلى رئيس دولتهم، لإطلاق سراح من ألقي عليهم القبض، وإعادتهم إلى فرنسا، على متن طائرة خاصة… استعملت فرنسا أيضا “المنظمات غير الحكومية” واستعانت بالصهاينة (مدربي جيش كولومبيا)، لإطلاق سراح “إنغريد بيتنكور” (وريثة الشركة المعولمة “لوريال”)، التي كان يحتجزها ثوار كولومبيا…

وشهد شاهد من أهلها

في الثالث والعشرين من نوفمبر 2009، تم اختطاف رجل فرنسي يدعى “بيير كامات”، في منزل بمدينة “تيدارميني”، شمال شرق مالي، وهي مدينة متوأمة مع المدينة التي ينحدر منها هذا الفرنسي. بعد بضعة أيام تبنت “القاعدة بالمغرب الإسلامي” عملية الإختطاف وطالبت بإطلاق سراح 4 من أعضائها، مسجونين في مالي. قدمت وسائل الإعلام الفرنسية السيد “بيير كامات”، الذي يتردد كثيرا على مالي منذ 1995، بصفته رئيسا للجنة توأمة بين مدينة “جيراردمير” الفرنسية و”تيدارميني” المالية، المتاخمة للصحراء (وقد استقر بها منذ أكثر من سنة)، وهو أيضا مؤسس ورئيس جمعية “إيكار”، التي تسعى لعلاج المالاريا، عن طريق نبتة يزرعها ويقوم برعايتها في منطقة شمال شرقي “مالي”، وهو متقاعد ويبلغ من العمر 61 سنة… تمكن من خلق شبكة واسعة من العلاقات، ويعرف المنطقة بكل دقة، لكثرة ما تجول فيها… يوم 23 فبراير أطلق سراحة، وجاء الرئيس الفرنسي “نيكولا ساركوزي” خصيصا للقائه، بينما كان في زيارة لرواندا، ولم تكن زيارته لمالي في البرنامج. حضر اللقاء وزير الخارجية وكاهية الوزير (كاتب دولة) المكلف بالتعاون الدولي، وعقد الأربعة ندوة صحفية في باماكو، عاصمة مالي… ضغطت فرنسا على حكومة مالي لإطلاق سراح من طالبت بهم “القاعدة” (أصيلي بوركينا فاسو وموريتانيا والجزائر)، ففعلت، مما أغضب الجزائر وموريتانيا اللتان استدعتا سفيريهما في باماكو، خصوصا وأن مالي أعطت تسهيلات للجيش الأمريكي، في إطار “أفريكوم”، مما عمق الخلاف مع الجزائر…لا يهم الحكومة الفرنسية إلا إطلاق سراح مواطنها، حتى لو ثبت أن من طالبت بهم “القاعدة” إرهابيون فعلا…تساءلت بعض مواقع الأنترنت الفرنسية عن حقيقة هذا الرجل الذي ذهب الرئيس الفرنسي للقائه، وحول برنامج زيارته لبلدان أجنبية من أجل لقائه، بحظور وزير الخارجية ونائب وزير التعاون الخارجي… وأشارت بعض الصحف إلى أن العمل الإنساني استعمل كغطاء لنشاط ذي صبغة تجسسية، في منطقة حساسة من مالي، قريبا من الصحراء، تعتبر بمثابة القاعدة الخلفية للجماعات الإسلامية المسلحة الجزائرية، وربما لغيرها أيضا…وهي كذلك منطقة غنية بالمعادن… استشهدت بعض الصحف، وكذلك وكالتا رويترز وأسوشياتد براس، بملخص لإحدى جلسات لجنة الدفاع والشؤون العسكرية بمجلس النواب الفرنسي، يوم 27/01/10، وتحتوي على سؤال وجهه أحد النواب إلى السيد “برنار باجوليت”، منسق الإستعلامات لدى رئاسة الجمهورية، حول ضباط المخابرات الفرنسية المحتجزين في الخارج… تضمنت الإجابة ما مفاده أن عددهم ثمانية: إثنان في أفغانستان، وواحد في الصومال وواحد في مالي (ذكر اسم بيير كامات) وأربعة في السودان… تم تأويل الإجابة على أنهم كلهم جواسيس، وهذا احتمال قريب جدا للواقع، خصوصا وأن المجيب ضابط تجسس محنك، عمل سفيرا في دمشق عام 1986 ، وكان مفاوضا من أجل إطلاق سراح رهائل فرنسيين محتجزين في لبنان، ثم كان سفيرا في بغداد، عند احتجاز 3 صحافيين فرنسيين، على دفعتين (منهم فلورانس أوبناس، التي ورد ذكرها سابقا) كما كان أيضا سفيرا في الجزائر وعمان… وراجت عديد الأخبار عن مصادر “غير مأذونة” تفيد أن جمعية “إيكار”، التي أسسها السيد بيير كامات، مسجلة فعلا منذ 15 سنة، لكن لا نشاط لها ولا أي أثر لجلسة عمومية أو أعضاء، أوتقرير أو موقع أنترنت، ولا أثر لما توصلت إليه من نتائج بخصوص “النبتة السحرية” التي ادعت أنها تقوم بزراعتها لاستخراج عقاقير تعالج المالاريا… فهي مجرد غطاء لاعمال تجسس في منطقة حساسة تتطلب تواجدا مستمرا لجمع الأخبار والمعلومات، وأحسن غطاء هو العمل الإنساني، الخيري الذي لا ينتظر صاحبه “جزاءا ولا شكورا”.

خلاصة

أظهر اغتيال “محمود المبحوح” مؤخرا في دبي، خطورة الكيان الصهيوني والإمبريالية على كل عربي يعارض مخططات الإمبريالية والصهيونية، والقتلة لا يحملون دائما بزة عسكرية ورشاش “عوزي” أو “أم 16″، بل يظهرون أحيانا في شكل شقراء جميلة “مل قلبها ليالي الضباب” (من قصيدة مغربية يغنيها عبد الهادي بالخياط بعنوان القمر الأحمر)، جاءت لتتأمل طلوع وغروب الشمس عندنا، وقد يكون في شكل سائح مسالم، جاء يقضي بضعة أيام مشمسة في بلادنا…أو مستقر فيها بعد سن التقاعد، ويتعلم العربية، “حبا في العرب”، أو موظف في “منظمة غير حكومية”، تساعد الفقراء أوالمرضى أوالنساء أو اللواطين أوالأطفال الخ… فالمغرب وتونس ومصر والأردن، ولبنان (وغيرها) مفتوحة على مصراعيها، وبأسعار زهيدة للسائحين الأوروبيين، وكل الصهاينة جاؤوا إلى فلسطين بجواز أمريكي أو أوروبي، ولهم كلهم جنسية أخرى إلى جانب “الإسرائيلية”، لذا فهم مرحب بهم في البلدان العربية، دون تأشيرة…

أظهرت كذلك بعض الإغتيالات التي حصلت في روما وباريس ولندن، منذ الستينات، تشابك أجهزة المخابرات الصهيونية مع نظيرتها الأوروبية، وأظهرت اغتيالات الكوادر الفلسطينية في لبنان أن المثقفين المعارضين لاغتصاب فلسطين (مثلا)، موجودون على قائمة الإغتيال (قائمة غولدا مائير مثلا)، وعملية جمع المعلومات عنهم (تحركاتهم، عاداتهم، أوقات تنقلاتهم ومسالكها) تتم عن طريق أناس قريبين منهم، لا يرتدون بزة عسكرية ولا يحملون رشاشا… تكاثرت “المنظمات غير الحكومية” في فلسطين المحتلة والعراق المحتل والسودان المهدد… وهي في معظمها (إن لم تكن كلها) مكاتب خلفية لمخابرات بلدانها أو البلدان التي تمولها، والأمثلة التي ذكرناها تعتبر غيضا من فيض، وهي مجرد أمثلة قليلة.

في الجزائر، أثناء سنوات الحرب الأهلية، تكاثر المبشرون الإنجيليون في المناطق المحرومة، (راجع أعلاه ما ذكرناه عن أوكرانيا وجورجيا)، وقاموا بتسهيل الحصول على تأشيرات للعمل أو الدراسة في أمريكا وانجلترا واستراليا وأوروبا، وتقديم منح دراسية وفتحوا مراكز معالجة وأماكن عبادة بروتستانتية، إنجيلية… ولما قننت الدولة (بعد فوات الأوان) أماكن العبادة والترويج للديانات في الفضاء العام، قامت الدنيا ولم تقعد بعد، بتهمة التضييق على الحريات الدينية، الشيء الحاصل فعلا في أوروبا ضد المسلمين، دون أن يحرك أحد ساكنا… وتحرك الفاتيكان بقوة ضد الحكومة الجزائرية، وهو الذي فرط في تراثنا المسيحي العربي في فلسطين، ولم يدافع عن حرية العبادة لغير اليهود (الأغيار) في بيت لحم والقدس…

من حقنا أن نحتاط وأن نطرح التساؤلات المشروعة عن دور هؤلاء “الطيبين” الذين يتوافدون زمن الأزمات لمساعدتنا على تحمل الإحتلال، وإبعادنا عن كل ما يمت بصلة للمقاومة، كيفما كان شكلها: مقاومة مسلحة أو ثقافية أو سياسية الخ. لا يجب أن ننسى دور الأنظمة العربية التي أرادت لنا أن نقدس كل ما يأتي من “المركز”، بما في ذلك الجواسيس، وتسببت في تجويع وإذلال مواطنيها، الذين جاءت المنظمات الحكومية لإطعامهم ومعالجتهم…

ملاحظة: العنوان الفرعي للمقالة “الطيب والجلف والصعلوك”، هو ترجمة لفيلم “وستارن سباقيتي”، أي أفلام رعاة البقر التي أخرجها إيطاليون في السبعينات، وهو من إخراج “سرجيو ليوني”، الذي اشتهرت أفلامه بموسيقاها التصويرية المميزة… الطيب هو الأوروبي الأبيض المتجه نحو الغرب الأمريكي لاستكمال استعمار البلاد، والجلف هو الساكن الأصلي للبلاد أي الهندي المقاوم الدي يحاول عرقلة تقدم قوافل المستعمرين المحتلين لأرضه، والصعلوك هو الذي لا يترك الأمور تسير كما أرادها القائد الإستعماري، بل يعارض قراراته ويفرض عليه معارك جانبية…

رحيل المناضل صالح ابو عيدة

9 مارس 2010

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2187 )

ينعي التيار القومي العربي في فلسطين (تحت التأسيس) احد ابرز مؤسيسيه الرفيق والصديق والاخ المناضل صالح ابو عيدة الذي انتقل الى رحمته تعالى اليوم الاثنين 7-3-2010

التعازي في مسقط رأسه الناقورة - محافظة نابلس

رحم الله الفقيد واسكنه فسيح جناته.

إحتجاج في الجامعة الأمريكية ببيروت على التطبيع

9 مارس 2010

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2187 )

بيروت ـ الإسلام اليوم

أثار صدور كتاب يضم مقالات لستة عشر أكاديميًا إسرائيليًا وثلاثة أكاديميين فلسطينيين موجة من الاستياء والاحتجاج في الجامعة الأمريكية ببيروت، على مستوى الهيكل التعليمي والنوادي الطالبية.

واعتبر المعترضون أن مساهمة الأستاذ المحاضر في الجامعة، الدكتور الفلسطيني ساري حنفي الذي كان بمثابة المحرر الرئيسي للكتاب، إلى جانب آدي أوفير وميخال جيوفاني الأستاذين في جامعة “تل أبيب”، توريطا للجامعة في التطبيع الثقافي والفكري مع إسرائيل.

ومن المقرر أن تعقد عند الخامسة اليوم الثلاثاء جلسة بين عدد من أساتذة الجامعة والدكتور حنفي لمناقشة هذا الموضوع، بموازاة تحرك طالبي احتجاجي، رفضا لزج اسم الجامعة في هذا الكتاب الصادر عن دار “زوون بوك” للنشر في نيويورك.

وقال الدكتور طريف الخالدي: إن عددا من الأساتذة رفعوا عريضة إلى إدارة الجامعة الأميركية تطالبها باتخاذ موقف حاسم مما جرى”، مشيرا إلى أن ما فعله زميلهم يشكّل إساءة لهم وللجامعة وينطوي على مخالفة لقانون المقاطعة الذي ما زال لبنان ملتزما به.

ونبّه إلى أن الكتاب يتضمن مضامين خطيرة، من نوع استبدال مفهوم الاحتلال بمفهوم نظام السيطرة، والإيحاء بأن السلوك العنصري لدولة الاحتلال هو نتاج عدم التواصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، مستخلصا أن الكتاب يوحي في الظاهر بأنه يفنّد الاحتلال ولكنه في الجوهر يغلّفه بغلاف ضبابي مأخوذ من نظريات ما بعد الحداثة.

ومن جانبه اعتبر الدكتور حنفي أن الحملة عليه غير مبررة و أن الإسرائيليين المساهمين في مقالات الكتاب وفي تحريره هم من اليساريين المعارضين للاحتلال.

:::::

“الإسلام اليوم”، 09 مارس 2010

http://www.islamtoday.net/albasheer/artshow-12-129014.htm

ظاهرة اليسار الصوتية

9 مارس 2010

د. إبراهيم حمّامي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2187 )

الجمعة الماضي وعلى الهواء مباشرة أعلن السيد رمزي رباح من الجبهة الديمقراطية أن تنفيذية منظمة التحرير سيكون لها صولة وجولة ضد قرار عباس الدخول في مفاوضات “غير” مباشرة مع الاحتلال. بعد اعلانه هذا قلت وفي البرنامج الذي جمعنا - بانوراما فلسطينية - فضائية الحوار - 05/03/2010 - وبوضوح أنهم - أي اليسار الفلسطيني - ظاهرة صوتية وأنني وبتحدٍ سأذكره وأذكرهم ان احيانا الله سبحانه وتعالى بقرار التنفيذية عند تمريره واعلانه تحديداً من قبل ياسر عبد ربه، وهذا ما كان اليوم من مصادقة أعلن عنها عبد ربه.

بالأمس وفي لقاء آخر مع فضائية تتسمى بفلسطين وفلسطين منها براء قالت السيدة خالدة جرار عضو التشريعي عن الجبهة الشعبية إن “القيادة الفلسطينية” لا تصارح شعبها، ولا تستشيره ولا تخضع لعمل مؤسساتي سليم، حيث خرجت القيادة عن قرارات المجلس المركزي واللجنة التنفيذية ولجأت للحصول على غطاء عربي للولوج في مفاوضات غير مباشرة”، مشيرةً إلى أن عودة سلطة رام الله إلى المسار التفاوضي يعدّ “خضوعاً للضغوطات “الإسرائيلية”، ويشكّل غطاءً عملياً لاستمرار سياسة الاستيطان والتهويد مستنكرة موقف عباس “الذي يسقط خيار المقاومة ويغيبها من أجندته، بل ويذهب لطلب غطاء لمفاوضات غير مباشرة في الوقت الذي يتوجه فيه “رئيس الوزراء” الفلسطيني إلى “هرتسليا” للمشاركة في مؤتمر تتم صياغته من الأمن القومي الإسرائيلي, مضيفة نريد قيادة فلسطينية قادرة على توحيد الشعب الفلسطيني وألا ترتجف عند كل الضغوط”، مشددةّ على ضرورة “محاسبة القيادة الفلسطينية الحالية لقبولها بالعودة للمفاوضات غير المباشرة”.

الجبهة الشعبية وبعد يوم واحد من ذلك التصريح شكلت الغطاء المطلوب لعباس في تلك المفاوضات غير المباشرة بتمرير ما يريد في التنفيذية، رغم ما اُعلن عن اعتراض وتحفظ “البعض”، لأن ما يهم هو صدور القرار بعد بصم الجميع عليه ومنح عباس ما يريد من غطاء، مذكرين في الوقت نفسه بموقف السيدة جرار من الدعوة لعقد جلسة طارئة للتشريعي لمناقشة ما تتعرض له مدينة القدس، وتمسك الجبهة يومها بزعامة وقيادة عباس ورفضها الاجتماع الا بدعوة منه، وهو نفسه من تريد محاسبته بالأمس، ليهرول اليسار الفلسطيني برمته اليوم نحو تنفيذية البصم التابعة لمنظمة التمرير - عفوا التحرير - الفلسطينية.

عند تشكيل حكومة الوحدة الوطنية عقب اتفاق مكة رفض اليسار الانضمام لها لأنها تحترم قرارات منظمة التحرير وقاطعوا تلك الحكومة، لكنهم هم أنفسهم من يبصمون على تلك القرارات ويمررونها ويغطونها ويشاركون فيها، ولا يقاطعون الاجتماعات أو الأشخاص، يرفضون أوسلو وفي نفس الوقت يمنحونها الشرعية عبر المنظمة اياها، لا يُشاركون في حكومة تحترم القرارات ولا تلتزم بها، ويُشاركون في اصدار تلك القرارات ويحمونها!

حزب الشعب الفلسطيني سجل اليوم ملاحظة على القرار بتمرير المفاوضات غير المباشرة، ملاحظته تؤكد أن اتخاذ القرار شأن فلسطيني مع التقدير للأشقاء العرب، مزاودة أخرى لم ترفض القرار بل اعترضت على من يتخذه، بعبارة أخرى مسخرة لتسجيل المواقف، ولاضفاء شرعية زائفة على مواقف عباس المخزية، واظهار أن هناك معارضة، لكنها ليست معارضة للقرار على أي حال، لأن القرار ى رأي لهم فيه إلا “البصم”.

لقد بلغ اليسار الفلسطيني - إلا من رحم ربي - مستوى غير مسبوق من النفاق والمزاودة الوطنية، ليتحول وبجدارة إلى ديكور عباسي بغيض، ليتحول إلى ظاهرة صوتية منكرة، يعتمد عليها عباس ورهطه.

تحدٍ آخر نضيفه لتحدينا للسيد رمزي رباح قبل يومين، لكن هذه المرة لكل اليسار في الداخل الفلسطيني المرتبط “سُرّياً” مع عباس: هل تستطيع أي من فصائل المنظمة اياها - وما اكثرها - أن تعلن وبشكل واضح عن تجميد عضويتها مثلا في تلك المنظمة؟

الاجابة دون شك هي “لا” كبيرة، ربما قالوا وصرحوا وهاجوا وماجوا، لكن في نهاية المطاف سيتم البصم والتصديق والتمرير، لأن الراتب والتمويل هو المتحكم بالقرار، مهما حاولوا أن ينفوا ذلك أو أن يتظاهروا بأنهم شرفاء مكة، ولذلك نتفهم تمسكهم بالتمثيل النسبي الكامل في اي انتخابات قادمة وبنسبة حسم لا تزيد عن 2%، لأن هذا حجمهم وأكثر، ولأنهم يعلمون أن أي نظام انتخابي آخر لن يحصلوا فيه حتى على المقعدين لثلاث فصائل، فقد انكشف أمرهم وفرط عقدهم.

ما نود قوله دون مواربة أنه لولا اليسار وما يُسمى بفصائل المنظمة لما استطاع عباس أو غيره أن يمرر المخازي والجرائم المتكررة، تارة عبر اللجنة التنفيذية، وتارة أخرى عبر المجلس المركزي، والمشترك بين هذا وذاك هو غطاء اليسار والفصائل - اياها.

طبعاً سنجد من يُشمّر عن ساعديه ليهاجم العبد لله وكأنه أس المشكلة، متجاهلين عن عمد واضح أصل الموضوع ولبه، لأنهم ببساطة لا يوجد لديهم ما يردون به، اللهم إلا اجترار “انجازات” الماضي، وتكرار الشعارات “الثورية”، التي تسقط عند أول “بصمة” لصالح عباس في لجنته أو مركزيته.

لا نامت أعين الجبناء

:::::

DrHamami@Hotmail.com