فبراير 2009

إكذوبة إعادة الإعمار: من كان وراء إنشاء لجنة تحرير العراق

28 فبراير 2009

عشتار العراقية
ishtarenana@gmail.com

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1819)

في تشرين الثاني 2002 طلب ستيفن هادلي نائب مسشار الامن القومي الاميركي من بروس جاكسون مدير شركة لوكهيد مارتن حينذاك ان يلتقيه في البيت الابيض. التقيا في مكتب هادلي في الطابق الارضي من الجناح الغربي ليس بعيدا عن مكاتب نائب الرئيس ديك تشيني ومستشارة الامن القومي حينذاك كوندليزا رايس. كان هذا قبل شهور من ظهور وزير الخارجية كولن باول في الامم المتحدة ليكذب بخصوص اسلحة الدمار الشامل العراقية.

لخص هادلي لجاكسون الغرض من المقابلة بقوله “اننا في سبيلنا لاعلان الحرب على العراق ولكن مشكلتنا عدم وجود مبررات” وطلب من جاكسون مساعدته باقامة شيء مثل (لجنة توسيع الناتو) من اجل استنباط مبررات للحرب.

وكان جاكسون قد اقام اللجنة الامريكية للناتو وهي مجموعة ضغط غير حكومية في 1996 ووضع هادلي في هيئة رئاستها. وكان هدف اللجنة واسمها الاصلي (اللجنة الامريكية لتوسيع الناتو) للضغط على قبول عضوية دول الاتحاد السوفيتي سابقا في الناتو بضمنها بولندة وهنغاريا و وجمهورية التشيك.

توكل جاكسون على الشيطان واقام (لجنة تحرير العراق) في 2002. وكان بيان اللجنة في توضيح اهدافها يقول انها اقيمت “لتشجيع السلام الاقليمي والحرية السياسية والامن الدولي باستبدال نظام صدام حسين بحكومة ديمقراطية تحترم حقوق الشعب العراقي وتتوقف عن تهديد الدول” وبدأت جماعة الضغط في الدفع نحو تغيير النظام اي القيام بعمل عسكري لازالة صدام - بالطرق المتعارف عليها في واشنطن من الضغط على اعضاء الكونغرس والعمل مع الاعلام وتوزيع المال. وكان الخطاب يتركز على ان صدام وحش ينتهك حقوق الانسان باستمرار وانه خطر كبير على الشرق الاوسط.

وجاكسون إضافة الى انشائه لجنة تحرير العراق ولجنة توسيع الناتو، يرأس (مشروع الديمقراطيات الانتقالية) وهدفه الاسراع بالاصلاح الديمقراطي في اوربا الشرقية.

علينا ان نفهم الان ان اكبر شركة صانعة للسلاح والطائرات المقاتلة وقاذفات القنابل، والتي لابد أن تذبل وتموت اذا حل السلام في ربوع العالم، هي التي تخطط للحرب على العراق وهي التي تأتي بالذرائع، وهي التي تتحدث عن السلام وعن نشر الديمقراطية.

وهذه هي طريقة واشنطن في ادارة العالم. الكثير من صانعي القرار يعملون في نفس الوقت مع المؤسسات الايديلوجية وشركات الضغط وشركات صناعة السلاح والنفط وغيرها. والصلة قوية جدا بين الضاغطين وشركات السلاح والبنتاغون حتى ان هذا المثلث يسمى في واشنطن (المثلث الحديدي). وعادة يحصل هذا المثلث على مايريده. لماذا ؟ لان مدير شركة السلاح يمكن ان يصبح موظفا في وزارة الدفاع ومن منصبه يستطيع ان يمنح عقودا دسمة لشركته السابقة ويصبح مستقبله بعد الوظيفة الحكومية اكثر اشراقا حيث قد يحصل على منصب اكبر في الشركة التي خدمها و براتب اضخم. والمساعدون السابقون لاعضاء الكونغرس يصبحون ضاغطين برواتب مجزية لشركات استطاعوا ان يساعدوها اثناء عملهم في الحكومة. وهؤلاء الضاغطون يستطيعون توفير رشى كبيرة للاعضاء ومساعديهم في الكونغرس. وهكذا.

بروس جاكسون مثال جيد على هؤلاء. في منصبه كنائب رئيس للتخطيط والاستراتيجية في لوكهيد من 1999 الى 2002 كان يشارك في وضع السياسات الخارجية للحزب الجمهوري.

قبل عمله في لوكهيد كان جاكسون مديرا تنفيذيا في (مشروع القرن الامريكي الجديد) وهو المؤسسة الفكرية التي من رؤسائها ديك تشيني والتي دعت للحرب الوقائية وللاطاحة بصدام حسين.

ماهي العلاقة بين ستيفن هادلي وجاكسون في 2002، حيث كان جاكسون خارج الحكومة وهادلي داخلها ؟ العلاقة هي ان هادلي الرجل الذي يريد الوصول الى مبرر للحرب على العراق كان ايضا وكيلا قانونيا في شركة (شيا وجاردنر Shea &Gardner ) والتي من زبائنها لوكهيد مارتن.

ممن تكونت لجنة تحرير العراق التي شكلت بطلب من البيت الأبيض؟

1- د. مهدي البصام - طبيب عراقي امريكي من لجنة العمل لتحرير العراق (Iraq Liberation Action Committee) وهي لجنة يرأسها واحد اسمه فرانسيس بروك. سأحدثكم عن أخباره بعد قليل. البصام ابن اخت احمد الجلبي.
2- ايفان باي - سيناتور امريكي مؤيد متحمس لاسرائيل. عضو لجنة السلاح في الكونغرس وعضو لجنة صفوة الاستخبارات. لا يملك شركات ولكن زوجته سوزان تجلس في ادارات 14 شركة.
3- باري بليخمان - يهودي - شركة DFI international وهي شركة تقديم حلول وتحليلات امنية
4- اليوت كوهين - يهودي - من اللوبي الصهيوني ومشروع القرن الامريكي الجديد. عمل مستشارا لوزيرة الخارجية الامريكية كوندليزة رايس من 2007 الى 2009
5- توماس داين - يهودي - المدير التنفيذي لاتحاد المجتمع اليهودي في سان فرانسيسكو ومن اللوبي الصهيوني.عمل مديرا لراديو اوربا الحرة ومديرا تنفيذيا للجنة العلاقات الامريكية الاسرائيلية ايباك
6- جنرال متقاعد وين داوننج - شارك في قيادة قوات خاصة لضرب الجيش العراقي من خلف الخطوط عام 1991. مدير شركة SAIC التي تربحت كثيرا من غزو العراق وكان من رجال نيغروبونتي.
7- رند الرحيم فرانكي (ام كريستوفر) عراقية الاصل امريكية الجنسية متزوجة من يهودي - وناضلت كثيرا في الكونغرس والجنزا (المعهد اليهودي للعلاقات العسكرية الامريكية الاسرائيلية) ضد العراق وصاحبة مؤسسة (معهد العراق) التي تمولها منح الحكومة الامريكية. عملت اول سفيرة لحكومة العملاء في واشنطن لفترة محدودة. (اعترض احد القراء على أن زوج رند ليس يهوديا ولكني اعتمدت على أصل اسم عائلة فرانكي وكما يكتب بهذه الصيغة Francke استنادا على المواقع الانترنيتية التي تبحث في اصول العائلات اليهودية والاسماء اليهودية.) واذا كان الرجل قد غير ديانته، فهذا لا يمنع ان كل تعاملات الست رند هي مع يهود متصهينين. ولست على عداء مع اليهود وانما مع المتصهينين منهم.
8- نيوت جنجريتش - عضو كونغرس ومؤلف وصاحب مؤسسة (الحلول الامريكية ) ومع انه اسم عائلته يهودي ولكن ديانته هي المسيحية المتهصينة كما ورد في سيرته.
9- الجنرال المتقاعد بستر غلوسون من القوة الجوية - اشترك في الحرب الاولى على العراق في 1991
10- جيمس هوفا - يهودي على الاكثر - يرأس منظمة International brotherhood of teamsters
11- بروس جاكسون - نائب رئيس شركة لوكهيد مارتن سابقا
12- هاويل جاكسون - استاذ قانون في هارفارد - عمل مستشارا للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي
13- روبرت كيري - عضو كونغرس سابقا - مجرم حرب مسؤول عن مذبحة ثان فونج في 1969 في فيتنام حيث هاجم مع مجموعته قرية وقتل بالسكاكين اطفالا وشيوخا وعجائز. ساعد في كتابة قانون تحرير العراق.
14- جين كيركباترك - سفيرة للامم المتحدة سابقا اثناء حكم ريغان. عضوة في معهد انتربرايز الامريكي - من اشد مؤيدي اسرائيل.، وداعية الى غزو العراق. عينت في هيئة مدراء شركة اتصالات IDT Corp في عام 2004. ماتت في 2006
15- وليام كريستول - يهودي - من المحافظين الجدد ومشروع القرن الامريكي الجديد. صاحب (ويكلي ستاندرد) وهي صحيفة تمولها شركة لوكهيد مارتن.
16- برنارد لويس - يهودي مؤرخ يكتب ضد العرب الاسلام ويعتبره الامريكان افضل مفكر دعا الى تدمير العراق.
17- جوزف ليبرمان - سيناتور امريكي - يهودي متعصب. ومؤيد شديد لاسرائيل ولتدمير العراق.
18- الجنرال المتقاعد باري مكافري- مجرم حرب ارتكب عدة جرائم حرب في حق الجنود العراقيين الاسرى في 1991
19- جون ماكين - عضو الكونغرس الذي ترشح للرئاسة امام اوباما وخسر.
20- ويل مارشال - يهودي - أحد مؤسسي حركة الديمقراطي الجديد وهو رئيس مؤسسة (معهد السياسة التقدمية) مرتبطة بمجلس القيادة الديمقراطي,
21- ريتشارد بيرل - يهودي - مساعد سابق لوزير الدفاع ومن مؤسسي مشروع القرن الامريكي الجديد - رئيس ومدير شركة Hollinger inc وشريك في Trireme Partners ومدير في Autonomy
22- دانيلا بليتكا - يهودية - معهد انتربرايز الامريكي- من كبار مؤيدي الجلبي.
23- راندي شيونمان - يهودي - رئيس اللجنة - مستشار سابق لرامسفيلد ساعد في كتابة قانون تحرير العراق في 1998والذي بموجبه خصص 98 مليون دولار لجماعات المنفى العراقيين., انه الرئيس المؤسس للجنة تحرير العراق.الان يساعد دول الكتلة الشرقية سابقا للحصول على عقود في العراق. ولديه شركة ضغط في واشنطن اسمها اوريون ستراتيجيز Orion Strategies في نفس عنوان مكتب المتحدث باسم المؤتمر الوطني العراقي ولجنة تحرير العراق. من زبائنه رومانيا والتي وقعت عقدا لمدة 9 شهور بمبلغ 175 الف دولار هذه السنة من بين شروط اخرى، يدعو العقد شركة اوريون لاعلاء مصالح رومانيا في اعادة بناء العراق)كما تعمل الشركة مع لاتفيا من اجل ايجاد فرص لها في العراق. ولم يكن احد اشد حماسا من هذا اليهودي لشن الحرب على العراق. وقد كتب بعد اسبوع من احداث 11 ايلول مع محافظين اخرين رسالة الى بوش يدعون فيها الى الاطاحة بصدام حسين.وفي 2002 اصبح اول رئيس للجنة تحرير العراق وقد كسب كبر نجاح في العام الماضي حين صادقت 10 دول اوربية شرقية على الغزو الامريكي.
24- جاري شمت - يهودي - مدير تنفيذي لمشروع القرن الامريكي الجديد. كان من مؤسسي (مشروع المواطنة الجديد) الذي انبثق عنه مشروع القرن الامريكي ا لجديد.
25- جورج شولتز - يهودي - وزير خارجية على عهد ريغان. رئيس شركة بكتل في السبعينات/الثمانينات. شركة بكتل كانت من اوائل الشركات التي تربحت من احتلال العراق. في 1982 كان وزيرا للخارجية وفي نفس الوقت مديرا في شركة بكتل وقد ارسل دونالد رامسفيلد مندوبا عنه باسم الشركة ليقابل الرئيس صدام حسين ويتفاوض معه على قيام شركة بكتل بانشاء انبوب نفط الى العقبة. ورفض الرئيس صدام في حينها هذا العرض.
26- ريتشارد شولتز - يهودي (هل هو قريب جورج شولتز؟) استاذ القانون في كلية فليتشر
27- ستيف سولارتز - يهودي - عضو كونغرس سابق-
28- روث ويدجوود - يهودية - عضو في مجلس العلاقات الخارجية ومعهد الدراسات الاستراتيجية
29- ليون فايزلتير - يهودي - مدير تحرير مجلة (نيو ريبابلك). شديد التعصب ليهوديته ولاسرائيل.
30- كريس وليامز - وصف بانه ذراع رامسفيلد اليمين. حين كان في هيئة السياسة الدفاعية ابان غزو العراق اتهم بالتربح واستغلال النفوذ لأنه كان يعمل ضاغطا لصالح شركات دفاعية كما كان شريكا في شركة جونستون وشركاه والشركة كانت تمثل لوكهيد مارتن، كما ان لها عملاء اخرين هم بوينج ونورثورب غرومان وTRW وكلها من الشركات التي تربحت من العراق. وبعد 2004 حصل على مناصب مهمة في شركات اخرى منها اوغارا جروب وهي شركة لمكافحة الارهاب. وكذلك مجموعة اسبن الاستراتيجية.
31- جيمس وولزي - مدير السي آي اي السابق. احد مؤسسي لجنة تحرير العراق وطالب بتغيير النظام في العراق وكان عضوا في الهيئة الاستشارية للسي آي اي وهيئة السياسة الدفاعية التي كانت تقدم النصح لوزير الدفاع رامسفيلد. ترك السي آي أي في 1995 يعمل في شركتين خاصتين تعملان في العراق وشريك في شركة تستثمر في شركات تقدم خدمات امن ومكافحة الارهاب نائب رئيس شركة بوز الين هاملتون Booz Allen Hamilton وهي شركة استشارية تتربح الان من العراق و كان ضمن مجموعة ضغطت في سبيل غزو العراق ومنهم. وولزي كان اول من اتهم العراق بالضلوع في احداث 11 ايلول. في ايار 2003 وفي مؤتمر في واشنطن تحت عنوان (شركات على الارض: تحدي العمل في اعادة بناء العراق) تحدث وولزي في قضايا سياسية ودبلوماسية قد تؤثر على العملية الاقتصادية واثنى على قرار بوش تحويل عقود البناء الى الشركات الامريكية.وفي مقابلة قال وولزي انه لا يرى صراع مصالح في الدعوة الى غزو العراق والتربح من ذلك. بوز الين عملت مقاولا من الباطن لعقد اتصالات بمقدار 75 مليون دولار. (وهناك عقود اخرى) وهو شريك ايضا في paladin capital group وهي شركة مالية تستثمر في الشركات المكرسة للامن الداخلي وحماية البنى التحتية. كذلك وولزي يعمل مستشارا بأجر في شركة global options وهي شركة لفنجستون صديقه في لجنة تحرير العراق وكان لفنجستون قد كتب في 1993 مقالة في نيوزدي يقول فيها ان على الولايات المتحدة (شن برنامج سري ضخم من اجل ازاحة صدام

32- كارل بلدت - رئيس وزراء السويدي سابقا وحاليا وزير الخارجية.

ماشاء الله ! مع كل هؤلاء اليهود، لاأدري هل كانت هذه لجنة خاصة بالعراق ام بالكنيست الإسرائيلي؟

ومن الذين يخدمون اللجنة ايضا:

1- جولي فنلي صديقة قديمة لجاكسون اصبحت مسؤولة ادارة تمويل لجنة تحرير العراق وكانت تتبوأ مناصب كثيرة في جماعات مرتبطة بالحزب الجمهوري كما خدمت رئيس هيئة المديرين في مشروع جاكسون لنقل الديمقراطية.
2- مارجريت بارتل كانت مسؤولة عن ادارة الاموال الفدرالية المقدمة الى جماعة الجلبي والمؤتمر الوطني العراقي بضمنها التمويلات السابقة لهم. الان ترأس شركة مقرها واشنطن لمساعدة المستثمرين الاجانب في ايجاد شركاء عراقيين. في بداية 2003 اصبحت بارتيل مديرة شركة في فرجينيا اسمها بوكسوود boxwood Inc.

وقد اقيمت الشركة من اجل ان تستلم التمويل للبرنامج الاستخباراتي للمؤتمر الوطني العراقي. واليوم يقول النقاد ان المؤتمر قد زود امريكا بالمعلومات الكاذبة عن اسلحة صدام حسين.وعلاقته باسامة بن لادن. اي ان كل ذلك البرنامج الاستخباري كان كاذبا.

شركة بوكسوود يعمل بها : فرانسيس بروك رئيسا (وهو نفسه رئيس مايسمى لجنة العمل لتحرير العراق التي يعمل فيها المدعو مهدي البسام ) ومارجريت بارتل مديرة وآراس كريم (رجل الجلبي) مديرا.

اقيمت شركة بوكسوود في 16/1/2003 قبل نشوب الحرب، وحلت في 13/5/2003 (بعد انتهاء مهامها) وقامت بارتل بانشاء شركة اخرى في فرجينيا مع بداية الحرب وهي شركة global positioning وحسب بارتل فإن هدف الشركة هو (تعريف العملاء على السوق العراقية ومساعدتهم في ايجاد شركاء عراقيين محتملين، وتحديد لقاءات مع المسؤولين الحكوميين وتوفير دعم على الارض لمصالحهم التجارية). معها في الشرك :

3- ريفا لفنسون (يهودية) من واشنطن واختصاصية علاقات عامة.على علاقات وثيقة مع بارتيل والان تساعد الشركات في فتح ابواب العراق. كانت مديرة في شركة BKSH & Associat شركة استشارات علاقات حكومية انشأتها اكبر وكالة اتصالات في العالم وهي بورسون مارستلر Burson Marsteller
عملت لفنسون مع المؤتمر الوطني العراقي منذ 1999 بعد الحرب ذهبت لتقيم في مقر المؤتمر لادارة برامج لمساعدة الديمقراطية وبناء مجتمع مدني !!

الشيء الذي يثير او لا يثير الدهشة. فليس ثمة شيء يثير الدهشة بعد هذا، ان كلا من :

المؤتمر الوطني العراقي
لجنة العمل من اجل تحرير العراق
لجنة تحرير العراق
شركة بوكسوود
شركة اوريون ستراتيجيز

كلها تقيم في مقر واحد وعنوان واحد في جورجتاون. والمقر يعود لواحد لبناني اسمه محسن أ. خليل له صلة قرابة مع أحمد الجلبي والعنوان هو 3743 WINFIELD LANE NW
WASHINGTON, DC 20007 وخليل هذا يرأس شركة عائلية مع الجلبي اسمها Levantine Holdings مقرها في لوكسمبرغ.

ومن بين الداعين للتدخل العسكري ضد العراق والذين يباشرون اعمالا تجارية في العراق الان. اثنان هما جو اولبو Joe Allbaughالذي ادار حملة الرئيس بوش في 2000 ثم رأس وكالة ادارة الطواريء الفدرالية. ويسمى (قوادالكوارث) لأنه تربح من كارثة العراق ومن كارثة كاترينا.

وادوارد روجرز جونيور Edward Rogers Jr مساعد لبوش الاب والان يساهم في شركتين تتربحان من العراق. شركة روجرز القانونية لديها عقد بمبلغ 262500 دولار لتمثيل الحزب الديمقراطي الكردستاني. والاثنان اولبو وروجرز يديران شركة اسمها New Bridge Strategies وهي شركة استشارية لمساعدة الشركات الكبرى الحصول على فرص في العراق. وروجرز كان يدير سابقا شركة اسمها Barbour Griffith & Rogers اسسها هالي باربور في 1991.

فرانسيس بروك Francis Brooke كان يعمل براتب شهري قدره 19 الف دولار منذ منتصف التسعينات مع مجموعة رندون Rendon Group البريطانية، وهي التي قادت الحملة ضد العراق لحساب وكالة المخابرات المركزية. وكانت مهمته الصاق تهم الفظاعات بصدام حسين. ثم اصبح المساعد الأكبر في واشنطن لاحمد الجلبي. ايضا كان مؤسس ورئيس (لجنة العمل لتحرير العراق).

كان مقر اللجنة في سرداب في مدينة جورجتاون، وكان فرانسيس بروك يعيش هناك ايضا مع زوجته واطفاله.

في اواخر مارس 2003 نشرت صحيفة هاآرتز الاسرائيلية ان بروك قام بدور الوساطة (غير الرسمية) بين الولايات المتحدة وايران. وقد رحبت به ايران بحرارة. وكانت الواجهة لزيارة ايران هو حضور مؤتمر للمعارضة العراقية هناك.

في نيسان 2003 هبط بروك في الناصرية مع أحمد الجلبي، وحين اتهمت امريكا الجلبي في 2004 بأنه يسرب معلومات امريكية سرية الى ايران، وفتشت مقره، وجه نفس الاتهام الى فرانسيس بروك ورفيقتهم مارجريت بارتيل وآراس كريم وبقية العصابة، وكانوا كلهم موجودين في العراق في نفس مقر الجلبي اثناء المداهمة. وقد هرب بعدها آراس ورجعت بارتيل وبروك الى الولايات المتحدة.

كان الرابط بين هؤلاء جميعا

1- ان جميع المجتمعين من انصار اسرائيل.
2- معظم الاعضاء يهود متعصبون او مسيحيون متصهينون
2- مشروع القرن الامريكي الجديد ( المحافظين الجدد) ومعظمهم يهود ايضا
3- أن المشترك بينهم شركة لوكهيد مارتن، اكبر شركة سلاح في العالم والاعضاء اما يرتبطون بها مباشرة او عبر شركات الضغط او السمسرة.
4- احمد الجلبي والمؤتمر الوطني العراقي

وهذا يدلنا على أن من دعا للحرب وخطط لها هي جماعة الضغط الصهيونية في الادارة الامريكية والمجمع الصناعي العسكري.

بالنسبة للعنصرالأول : الصهاينة - نعلم الان ان معظم من خطط ومول ونفذ لحرب العراق هم اليهود وكل الذين جاءوا الى حكم العراق بعد الغزو من الامريكان هم إما يهود او متعاطفين بشدة مع اسرائيل. هذا اضافة الى ارتباطاتهم جميعا بشركات تتربح من الحرب كما بينا وسنبين في مقالات سابقة ولاحقة.

ولكن اليكم بعض التفاصيل الإضافية ربما التي لا يعرفها البعض عن العلاقة مع اسرائيل:

في 24 تموز 1998 ذهب فرانسيس بروك وديفد ورسمر (من المحافظين الجدد كان مستشارا لديك تشيني لشؤون الشرق الاوسط وهو يهودي متعصب لاسرائيل) لمقابلة دور غولد وهو ممثل اسرائيل الدائم لدى الامم المتحدة بأمل ان يجعلا اسرائيل تضغط على الكونغرس الامريكي للموافقة على صرف 10 مليون دولار للمؤتمر الوطني العراقي من اجل المساهمة في الإطاحة بنظام العراق.

شايفين العلاقة؟ ماذا يقول الخبر الصغير ؟ ان اسرائيل (وليس اليهود الامريكان وانما دولة خارجية هي اسرائيل) تستطيع ان تضغط على الكونغرس الأمريكي (والمفروض ان هناك ديمقراطية ولا يضغط على الكونغرس غير الشعب الأمريكي) ثم يفضح الخبر علاقة المؤتمر الوطني باسرائيل. وإن كان هي اصلا مفضوحة من خلال تشكيلة لجنة تحرير العراق. ويروي بروك الواقعة قائلا “ذهبت لاتحدث مع السفير غولد فقط لأقول له اني اعتقد انه من مصلحة اسرائيل ان تساعد شعب العراق تنفيذ هذا الشيء. كانت حجتي الأساسية هي اننا نحتاج الى العون هنا في امريكا للوصول الى تلك النتيجة. ” ويعلق ريتشارد بيرل في حوار مع مجلة يهودية امريكية اسمها (Forward) “ان اسرائيل لم تكرس وقتها او جهدها السياسي والخطابي للتخلص من صدام مثلما فعلت ضد الايرانيين. ان قضية تأييد المعارضة العراقية في الكونغرس ستكون أفضل كثيرا بالدعم الاسرائيلي”

13 ايلول 2001 (يومان بعد واقعة البرجين) : اجتمع اعضاء الجنزا Jinsa وهو المعهد اليهودي لشؤون الامن القومي (في امريكا) وهي مؤسسة بحثية للمحافظين الجدد مكرسة لدعم العلاقات العسكرية الامريكية الاسرائيلية، واصدرت بيانا صحفيا تدعو الى تغيير النظام في العراق. “ردا على هجمات 11 ايلول 2001 تدعو الجنزا الولايات المتحدة لإيقاف كل اشكال شراء النفط العراقي من قبل شركات امريكية بموجب النفط مقابل الغذاء وان تقدم كل الدعم اللازم للمؤتمر الوطني العراقي بضمنه العسكري المباشر، لإحداث تغيير النظام في العراق”. وتعرفون ان اعضاءا من لجنة تحرير العراق هم في نفس الوقت اعضاء في الجنزا، أو لهم
ارتباطات معها. مثل رند الرحيم فرانكي التي كانت تذهب مرارا الى لقاءات في مقر الجنزا لإلقاء خطابات تدعو فيها الى غزو العراق.

والمشترك الثاني هي شركة السلاح لوكهيد مارتن فكما عرفنا الان ان رئيسها سابقا بروس جاكسون هو الذي دعي لتشكيل اللجنة لتبرير تدمير العراق.

عند اقامة اللجنة كان لإعضائها صلات الوصل في الادارة الامريكية وكثير منهم ايضا لهم صلات بلوكهيد. وكان بوش قد عين باول مور Powel A. Moore مساعدا لوزير الدفاع للشؤون التشريعية. و كان هذا قد عمل من 1983 الى 1998 مستشارا ونائب رئيس الشؤون التشريعية في شركة لوكهيد.

وكذلك البرت سمث نائب رئيس لوكهيد لشؤون الانظمة والحل، وقد عين في هيئة العلوم الدفاعية.كما عين بوش مسؤول العمليات في لوكهيد سابقا بيتر تييتس بمنصب نائب وزير الدفاع الجوي ومدير مكتب الاستطلاع القومي حيث يتخذ قرارات بشأن أقمار الاستطلاع وعناصر الدفاع الصاروخي.والوزير السابق للنقل نورمان مينيتا وهو الديمقراطي الوحيد الذي عينه بوش في وزارته كان قد عمل سابقا في لوكهيد، وكذلك عمل وزير البحرية غوردون انجلاند. اما هالي باربور رئيس اللجنة الجمهورية الوطنية قبل ان يصبح حاكم ميسسبي، فقد عمل مع شركة ضاغطة تابعة للوكهيد.

صهر ديك تشيني فيليب ج. بيري كان ضاغطا في لوكهيد وفي نفس الوقت يعمل في شركة محاماة تمثل لوكهيد لدى وزارة الأمن الداخلي الامريكية وقد رشحه بوش ليكون مستشارا عاما لهذه الوزارة. وزوجته اليزابيث تشيني كانت مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الاوسط.

أما لين تشيني زوجة نائب الرئيس ديك تشيني، فقد كانت حتى وصول زوجها الى السلطة تخدم في هيئة مدراء لوكهيد وتستلم حاليا عائدا بشكل نصف مليون من الاسهم والاجور. حتى الرئيس بوش كانت لديه علاقة بلوكهيد حين كان حاكم تكساس فقد حاول ان يعطي لوكهيد عقدا بملايين الدولارات لاصلاح نظام الولاية الاجتماعي.

بعد ان صار رئيسا في 2001 عين رئيس لوكهيد، روبرت ستيفنز للجنة مستقبل الصناعة الفضائية الامريكية. كان مستقبل تلك الصناعة بطبيعة الحال هو بتوسيع الميزانية الدفاعية وزيادة تربح لوكهيد بحرب العراق.

من هو بروس جاكسون ؟ في الثمانينات عمل جاكسون اثناء ادارتي ريغان وبوش الاول لدى وزير الدفاع كاسبار واينبرجر وكذلك مع ريتشارد بيرل وبول وولفوفتز

بعد ذلك عمل جاكسون في اخوان ليهمان وهو بنك استثماري ثم تركه الى مارتن ماريتا وكانت احدى الشركات الدفاعية الكبيرة التي اندمجت بعدذاك مع لوكهيد وصار اسمها لوكهيد مارتن.

يقول جون بايك وهو محلل عسكري ورئيس موقع جلوبال سكيورتي عن لوكهيد مارتن (كانت سابقا شركة طيارات. الان هي شركة حرب. انها صانعة قرار. اي شيء تريده لقتل العدو سوف يبيعونه لك.كما انهم سوف يخبرونك من هو العدو) !!

وستيفين هادلي الذي اشارت اليه صحيفة نيويورك تايمز على انه اكثر اهمية من كل جماعة لوكهيد في البيت الابيض ايام بوش كان هناك لربط كل هذه معا.

في شباط 2003 كتب جاكسون بيانا وقعه 10 وزراء خارجية اوربا الشرقية وهي الدول التي تريد الالتحاق بالناتو وترتبط بمشروع جاكسون لتوسيع الناتو - والاعلان يؤيد غزو العراق والاطاحة بصدام حسين.وكان جاكسون قد حضر حفلة عشاء في السفارة السلوفاكية في واشنطن واخبر الدبلوماسيين الحاضرين بان توقيع البيان سوف يساعدهم على الحصول على الموافقة الامريكية لعضويتهم بالناتو. وبطبيعة الحال سيكونون زبائن جدد لشراء منتجات لوكهيد مارتن.

في مارس 20 عام 2003 بدأت حرب (الصدمة والترويع) على العراق بطائرات اف 117 ستيلث التي تصنعها لوكهيد مارتن، وقد حورت خصيصا لتحمل قنابل زنة 2000 رطل.

ورغم اعتراف هادلي بمسؤوليته في تضمين خطاب بوش 16 كلمة خاطئة حول محاولة العراق شراء يورانيوم من دولة افريقية، فقد رقي الى منصب مستشار الامن القومي بدلا من كوندليزا رايس التي اصبحت وزيرة الخارجية بعد استقالة كولن باول.

في حزيران 2003 انتهت مهام لجنة تحرير العراق واغلقت. ويفسر جاكسون ذلك (لقد ابعدنا رامسفيلد الذي استحوذ على كل شيء. لم ترغب وزارة الدفاع في وجود اخرين. انتزعها رامسفيلد من الخارجية. وكان جاكسون قد حشد اشخاصا لدعم اللجنة مثل فاكلاف هافل من جمهورية التشيك وناتان شارانسكي من اسرائيل وكارل بلدت رئيس وزراء السويد ولكن بوش ورامسفيلد ذهبا في اتجاه اخر. واوضح ستيفن هادلي لجاكسون بان (الارهاب واسلحة الدمار الشامل) هي المبرر الجديد للحرب وليس حقوق الانسان.

بعد الحرب، اصبح راندي شيونمان (رئيس لجنة تحرير العراق) رئيس ميركوري جروب التي تضغط من اجل لوكهيد مارتن وشركات اخرى ثم اقام شركته الخاصة شيونمان وشركاه ثم اوريون ستراتيجيز التي تقدم الاستشارات للشركات والدول الراغبين في العمل في العراق. رند الرحيم عينت سفيرة للعراق في الامم المتحدة في تشرين ثاني 2003.

باول مور مساعد وزير الدفاع ترك الحكومة في 2005 ورغم انه ليس قانونيا ولكنه انضم الى شركة قانونية دولية كبيرة هي McKenna Long & Aldridge وتتخصص بالدفاع والفضاء وتقدم خدمات قانونية لشركات الدفاع والمعلومات مثل لوكهيد وبوينج ونورثروب غرومان وسايك ووكلها شركات تربحت من العراق.

حين كان ادوارد الدريدج وكيل وزارة الدفاع للتكنولوجيا والأمور اللوجستية، كان مسؤولا في تشرين الثاني 2001 عن الموافقة على عقد للوكهيد لصنع طائرة اف 35 وترك الحكومة في 2003 والان هو على قائمة مديري لوكهيد.

في مارس 2005 اشترت لوكهيد مارتي شركة سايتكس Sytex التي توفر (الافراد والحلول التقنية للقيادة الشمالية للبنتاغون والقيادة العسكرية الاستخباراتية والستراتيجية ووزارة الامن الداخلي بحيث اصبحت لوكهيد احدى اكبر مجندين للمحققين في السجون الأمريكية في العراق الذين لا يقعون تحت طائلة المحاسبة.

في مارس 2006 حصلت لوكهيد مارتن على حصة الاسد في عقد بعشرين بليون دولار من الجيش الامريكي لتطوير تقنية لدعم جمع المعلومات والاتصالات والاستطلاع في الحروب. وهذا يعتبر نصرا كبيرا حسب المتحدثة باسم الشركة وهذا يعني المزيد من الحروب والمزيد من الارباح.

بطبيعة الحال،سار الجلبي على نهج الجماعة وأقام عدة شركات باسماء اقاربه وشارك في أخرى، من اجل شفط أموال العراق لحسابه، ولكن لابد أن نفرد له مقالة خاصة لاحقا. ولكن لا بأس أن أذكر هذه الواقعة الصغيرة والتي تبلغ قيمتها 54 مليون دولار فقط. فقد كان للجلبي حصص بأسماء أقربائه في شركة اسمها كارد تيك في لندن وهي شركة متخصصة بالبطاقات المصرفية الآلية.

في يوم 28 أبريل 2005 وهو اليوم الذي نصب فيه نائبا لرئيس الوزراء ووزير النفط وكالة، وقع المصرف التجاري العراقي عقدا ضخما مع شركة كارد تيك وصف بأنه عقد استراتيجي وقد بيعت حصة بشار الجلبي وجعفر أغا (أقرباء الجلبي) في الشركة فيما بعد بمبلغ 54 مليون دولار. طبعا من المهم ان تعرفوا ان مدير “المصرف التجاري العراقي” حسين الأزري، حفيد شقيقة الجلبي، ومدير شركة “كارد تيك” هو جعفر أغا جعفر، ابن أخت الجلبي، الذي يساهم في ملكية الشركة.

شركات الكوارث هذه مثل التنين الاسطوري تقطع له رأسا يطلع له 200 رأس. مثل بلاكووتر التي غيرت اسمها حاليا الى (شركة التدريب الامريكية ) وسوف تعود الى العراق - بعد انهاء عقدها - تحت هذا الاسم الواسع المايع. وإذا كانت الشركات الأمريكية العملاقة التي شاركت في التربح من الحرب معدودة ومعروفة بالاسم، ولكن كلا منها قد تعاقد مع اكثر من 200 شركة (وهذا الرقم ليس جزافا) من الباطن سواء شركات محلية او اقليمية، وهكذا كما يقال (لقمة هنية تكفي ميّة) فقد توزع الدم السائل من كعكة العراق على ألوف الأنياب والأفواه.

**

غدا احدثكم عن الشركة التي تقف وراء براك ابن حسين وكيف ستؤثر على سياسته تجاه إيران !!! وهو استطراد عن موضوعنا الأصلي.

المصدر: عشتار العراقية، فبراير 2009

http://ishtar-enana.blogspot.com/2009/02/blog-post_21.html

مرشح حزب اليسار الألماني يدعو إلى مقاطعة البضائع الإسرائيلية

28 فبراير 2009

مرشح حزب اليسار الألماني لرئاسة البلدية في مدينة دويسبرغ يدعو إلى مقاطعة البضائع الإسرائيلية

اللوبي الإسرائيلي في ألمانيا إستنكرهذا النداء وإتهم المرشح بالعداء للسامية

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1819)

دعى مرشح حزب اليسار الألماني لرئاسة البلدية في مدينة دويسبرغ الألمانية”هيرمان ديركس” في ندوة نظمها حزبه إلى مقاطعة البضائع الإسرائيلية للضغط على إسرائيل من أجل تغيير سياستها العدائية ضد الشعب الفلسطيني حيث قال: “كل شخص منا يستطيع أن يزيد الضغط على إسرائيل إذا قام بمقاطعة بضائعها وهذا سيكون له دورا فعالا في تغيير السياسة الأسرائيلية”. وأكد المرشح بأنه لا زال يصر على كلامه وأن ما قاله يتطابق مع مباديء النداء الذي وجهته الأشتراكية العالمية في هذا الصدد. وتابع قائلا أنا أعلم بشكل جيد من أين أتت المقولة “يا ألمان , لا تشتروا من عند اليهود” وأين هي جذورها التاريخية مشيرا بذلك إلى العصر النازي الألماني حيث كانت آنذاك ترفع شعارات ضد اليهود.

في هذه الندوة تم عرض الفلم الوثائقي “الجدار الحديدي” الذي يظهر معاناة الشعب الفلسطيني من تاريخ النكبة إلى يومنا هذا وقصة الجدار العنصري الذي يلتوي كالأفعى في قلب فلسطين.

رئيس جمعية الصداقة الألمانية الإسرائيلية في مدينة دويسبرغ طالب حزب اليسار باتخاذ الإجراءات اللازمة ضد هذا المرشح وقال: “هل يستطيع حزب اليسارأن يتحمل أعباء هذا المرشح” أما نائبه في الجمعية “فيرنر يورغا” فقد إتهم المرشح هيرمان ديركس بالعداء للسامية.

رئيس الجالية اليهودية في مدينة دويسبرغ عبر عن إمتعاضه على ما قاله مرشح حزب اليسار الألماني وإدعى بأن هذا الحزب يرى فقط الضحايا العربية في هذا الصراع وأنه منحازا إلى الطرف العربي وعلى من يريد أن يحل أزمة من هذا النوع يجب أن يكون حياديا حسب إدعائه. وإدعى كذلك بأن المرشح “هيرمان ديركس” قال هذا الكلام عمدا من أجل أن يرفع بواسطة ذلك أسهمه الإنتخابية.

السيدة “غيرترود نيلس” شاركت في هذه الندوة وكتبت عنها تقول “إن السيد هيرما ن ديركس أثبت شجاعة عالية عندما طالب بما يطالب به كثير من الأوروبيين والأمريكان وكذلك بعض اليهود في العالم ولكن الأصدقاء الغير حقيقيين لإسرائيل لا يريدون أن يسمعوا الحقيقة. لقد خرج كل المشاركين في هذه الندوة بقناعة بأن الإعلام الألماني لا يوصل المعلومات الصحيحة إلى مشاهديه وفي أغلب الأحيان يوصلها بشكل محرف ومسموم”.

جمال قارصلي / نائب ألماني سابق

www.karsli.net 2009 02 26

عروبة ما تبقى من مدينة “القدس” في خطر!

28 فبراير 2009

محمد العبد الله

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1819)

جاءت الإنذارات/الإخطارات الأخيرة التي تسلمها أصحاب المنازل الثمانية والثمانين، سكان حي البستان في منطقة سلوان الموجودة داخل بلدية القدس المحتلة، لتدفع إلى الواجهة معركة صمود أبناء القدس في الدفاع عما تبقى من عروبة مدينتهم، في وجه عمليات تهويدها، المنطلقة من طرد سكانها عبر دفعهم لمغادرة أماكن إقامتهم والإنتقال للسكن في مناطق أخرى. ويتهدد الهدم تلك المنازل بعدما رفضت بلدية القدس المصادقة على الخارطة الهيكلية التي قدمها الأهالي لترخيص بيوتهم المقامة قبل احتلال المدينة في العام 1967. وتعمل بلدية القدس على اخلاء ألف وخمسمائة مواطن مقدسي من بيوتهم في الحي بدعوة أن البناء غير مرخص وأن البيوت أقيمت في منطقة ذات أهمية تاريخية! لأن بلدية القدس، وكما يتضح من مخططات التنظيم الصهيونية، والموضوعة منذ عام 1977 على خطة الهدم والطرد للمواطنين العرب، بهدف ” تأهيل ” المنطقة لمشروع إقامة “مدينة الملك داوود”. الاجراءات التهويدية الحالية هي إعادة احياء جديدة لتلك الخطوات الاحتلالية/الاجلائية التي تعرض لها الحي المذكور منذ عام ألفين، حينما وزعت إدارة البلدية الصهيونية إنذارات الإخلاء على سكان تلك المنازل. وهذا ما أكده “فخري أبو دياب” عضو لجنة الدفاع عن أراضي سلوان ومدير مركز البستان الذي صرح قبل أيام قليلة ” هناك أوامر صدرت بهدم كافة المنازل بحجة عدم الترخيص، لكن التحرك على المستوى الاعلامي والشعبي والرسمي حال دون تنفيذ قرارات الهدم، وطلبت البلدية من السكان تنظيم المنطقة لإصدار تراخيص بناء، وقامت بفرض غرامات على البناء دون ترخيص على السكان”، مضيفاً “الأهالي شرعوا في اجراءات قانونية وهندسية لتنظيم المنطقة، الا أنهم عند استيفاء كافة الشروط، فوجئوا برفض التنظيم من قبل اللجنة اللوائية للتخطيط والبناء”.

إن تنفيذ مخططات الهدم والتهجير تتم بخطوات متسارعة من أجل تحويل القدس لمدينة يهودية كما هو واضح وجلي في تنفيذ المخطط الصهيوني الهادف افراغ القدس الشرقية المحتلة تماماً من العرب حتى عام 2020. وقد قررت حكومة العدو إفراغ المدينة من سكانها العرب بعدما أظهرت العديد من الإحصاءات أن عدد الفلسطينيين في القدس الشرقية يقارب 260 ألف عربي بينما تجاوز عدد اليهود أكثر من 182 الفاً، ولهذا بدأت حكومة العدو، بإقامة الجدار لتتخلص من 100 ألف عربي من أجل إقامة القدس الكبرى بحسب المفهوم الصهيوني، بالإضافة لفرض إجراءات متعددة تخدم تحقيق الهدف الاستراتيجي” تهويد المدينة” من خلال سحب الهويات ورسوم الضرائب الباهظة. ولهذا فالمحاولة الأحدث في مسلسل طرد المواطنين، وهدم بيوتهم، من أجل “إعادة البناء” لمستعمرات جديدة، لتحقيق هيمنة ديمغرافية كاملة للمستعمرين اليهود في ما يعرف “غلاف المدينة” أو “الحوض المقدس”. ولتثبيت ” وقائع جديدة ” على الأرض، لفرضها راهناً ومستقبلاً على الطرف الفلسطيني، على أساس مبدأ الرئيس الأميركي الأسبق” كلينتون” بـ “أن ما لليهود في القدس سيقبى تحت سيطرتهم، وما هو فلسطيني سينتقل للسيادة الفلسطينية”.

وقد حذرت “مؤسسة الأقصى” في تقريرها الاحصائي الصادر مؤخراً، والذي يغطي الانتهاكات التي أقدمت عليها سلطات الاحتلال في القدس والمسجد الأقصى خلال عام 2008 من خطورة الأوضاع التي تتهدد المدينة والمسجد. وفيما يتعلق بعمليات الهدم والتهويد لحي سلوان الكبير، يشير التقرير إلى ” أن سلطات الاحتلال “الإسرائيلي” شرعت بتنفيذ مشروع تهويدي لتطويق حي سلوان المحاذي للجهة الجنوبية للمسجد الأقصى، ويهدف هذا المشروع إلى جعل سلوان مركزا سياحيا تهويديا، ولكي يتسنى لقوات الاحتلال القيام بمخططها فقد أسمته مشروع إقامة البنى التحتية، ولكن الرسوم والمسميات تدل بوضوح على مخططات لتهويد كامل منطقة سلوان، إضافة إلى انتهاك حرمة مقبرة إسلامية تاريخية تم العثور عليها خلال عمليات الحفر عند مدخل حي سلوان في منطقة “وادي حلوة”، حيث تناثرت العظام والجماجم في مساحات واسعة، وقد تم إخفاء معالم هذه المقبرة، وتم كذلك نقل العظام إلى منطقة مجهولة، كما أن الجهات “الإسرائيلية” ما زالت تمارس حفرياتها في المنطقة المذكورة “. ويسلط التقرير المذكور الضوء على بعض جوانب السطو على ملكية المواطنين العرب لبيوتهم وممتلكاتهم، التي تمارسها بلدية الاحتلال “بدأت سلطات الاحتلال “الإسرائيلية” بتسجيل الأملاك والعقارات التي استولى عليها المستوطنون في البلدة القديمة في القدس، من أجل تثبيت ملكيتها لجهات يهودية استيطانية، وتم الكشف عن تسجيل وتثبيت 120 عقاراً للمستوطنين من خلال وثائق مزورة وبصورة غير قانونية، وتنوي سلطات الاحتلال تسجيل ما مساحته 137 دونماً من الأراضي والعقارات في منطقة باب المغاربة والبؤر الاستيطانية داخل البلدة القديمة التي تعود إلى الوقف الإسلامي”.

إن ما يجري للمواطنين العرب في حي البستان، ماهو سوى الحلقة الجديدة في مسلسل التهويد و”الترانسفير” الصهيوني. فقد عانى قبل بضعة سنوات، عرب “الجهالين والكعابنة” سكان الأجزاء الشمالية الشرقية من المدينة من اجراءات الطرد. كما أن ما تتعرض له عشرات العائلات في حي “الشيخ جراح” من مضايقات وتهديدات يومية، يفضح خطة الاستيلاء على المنازل العربية، وما الكارثة التي لحقت بعائلة “الكرد” المقدسية، سوى التعبير الأكثر فاشية، على النهج الذي تمارسه حكومة العدو، في الضفة الفلسطينية المحتلة، كوجه آخر لما تمارسه منذ أكثر من ستة عقود في فلسطين المحتلة منذ عام 1948. فمشروع تهويد الجليل والنقب والتي تسميها المحافل الرسمية الصهيونية تضليلاً “خطط التطوير”، وما يتعرض له المواطنون العرب في عكا ويافا، منذ بضعة أشهر، وما يعانيه هذه الأيام أهلنا في قرى وبلدات المثلث في منطقة وادي عارة، وفي الطيرة وقلنسوة وكفرقاسم، من قوانين تعسفية لهدم بيوتهم، وكذلك مايواجهه أبناء شعبنا في حي “الحليصة” في مدينة حيفا منذ أسبوع، من عمليات ابتزاز وتهديد بالاخلاء، يشير إلى تصعيد جديد بالموقف السياسي الصهيوني من أبناء الشعب العربي الفلسطيني المتشبثين بأرض وطنهم.

في ظل المشهد الكارثي الذي يخيم على الأحياء العربية بمدينة القدس، كما بكل الأراضي الفلسطينينة، فإن أصوات المقدسيين لم تتوقف عن حث “الأشقاء” والأصدقاء لمد يد الدعم لصمودهم. فالسلطة الفلسطينية لا تمتلك غير مناشدة الجلاد بأن يتوقف عن ذبح الضحية، وبالطلب من الرئيس الأمريكي التدخل لوقف ما يحصل!. ناهيك عن عجز جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي عن اتخاذ أي خطوة عملية واحدة لمواجهة مايجري. أما القوى الوطنية الفلسطينية فهي منشغلة هذه الأيام بتحقيق القضايا العالقة “المصالحة والتهدئة وفتح المعابر و…شاليط”. إن ما تتعرض له مدينة القدس وجوارها يتطلب من جميع القوى الوطنية، الرسمية والشعبية، العمل السريع لدعم صمود أهلنا داخل المدينة، بالإعلان عن إنشاء صندوق مالي تشرف على إدارته عناصر مقدسية معروفة بنظافة اليد، وتشكيل لجان متخصصة “قانونية ” بمشاركة قوى عالمية، لدحض المزاعم الصهيونية حول قوانين البناء والتملك وحقيقة المخالفات.

إن جهداً استثنائياً عربياً واسلامياً ودولياً لمواجهة تهويد المدينة، أصبح مهمة وطنية راهنة، وتنفيذها يحتاج لأسلوب جديد في العمل والأدوات لدعم بقاء السكان داخل مدينتهم، وحماية مقدساتهم وممتلكاتهم.

كمال الصليبي: نعم، التوراة جاءت من جزيرة العرب!

26 فبراير 2009

لم يتعب بعد ثلاثين عاماً من الإبحار عكس التيّار

زياد منى

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1817)

إنّه أحد أكبر المؤرّخين العرب الأحياء، وقد ترك على امتداد نصف قرن أبحاثاً ومؤلفات ومراجع أساسيّة لدراسة لبنان والمنطقة. كمال الصليبي يعود إلى دائرة الضوء عشيّة صدور كتابه «حكايات بني إسرائيل: أنبياء وقضاة وملوك» (دار قدمس، دمشق)، ليحكي عن تحوّله من التاريخ إلى دراسة التوراة، ويدافع عن نظريّته التي ما زالت تزعج كثيرين، بعدما وقعت كالصدمة، في حينها، على مرجعيّات أكاديميّة وعلميّة ودينيّة وسياسيّة كثيرة. قلب الصليبي الأفكار السائدة عن الإطار الجغرافي للعهد القديم، مستنداً إلى شغل معمّق على اللغة التوراتيّة التي جاءها من داخل العربيّة.

قبل نحو ثلاثين عاماً، أطلّ المؤرخ اللبناني كمال الصليبي، العالمي الصيت في مجاله، على صفحات مجلة «دير شبيغل» الألمانية، وكانت من أكثر مجلات العالم الغربي وقاراً، ليقترح إعادة النظر في النظرة التقليدية لتاريخ بني إسرائيل (لا اليهود). وقال إنّ هؤلاء لم يقطنوا فلسطين، بل مناطق السراة وتهامة من بلاد عسير، وإنّهم لم يأتوا إليها من مصر ــــ وادي النيل، لأن «مصرايم» التوراة هي قرية مصرمة في جنوب غرب جزيرة العرب، وأورشليم ليست مدينة القدس في فلسطين، وربما ليست مدينة أصلاً، بل إقليم في عسير، يعرف حالياً باسم سراة رجال الحِجر، وشمرون التوراة ليست نابلس، بل مدينة شمران العسيرية، و«قريت أربع» ليست مدينة الخليل، بل القرى الأربع في عسير، ولخيش هي لكثة في منطقة القنفذة… إلخ.

بعض علماء التوراة كانوا جاهزين لهذه النظرية، كما يفضّل كمال الصليبي أن يسميها. إذ إن المجلة الألمانية عرضت مخطوطه على خبراء غربيين بغية التأكد من صحة المنهجية، خوفاً من أن تتورط في فضيحة. إلا أنّ العالم الغربي عموماً لم يقبل بطرحه، ليس من باب النقض العلمي، بل «من منطلق الجهل والعنصرية».

الحديث مع كمال الصليبي، يود المرء أن لا تكون له نهاية. فهو يجذبك بأسلوبه الهادئ المنطقي المتماسك، ونبرة الواثق من نفسه على نحو مطلق. لا يتردد في الإجابة عن أي سؤال، أو توضيح أي معضلة ذات علاقة بالموضوع المطروق. يطيب للمرء الحديث مع كمال الصليبي المؤرخ المتخصص بتاريخ لبنان والعالم العربي عن كل ما يعرفه، لكننا فضّلنا قصر اللقاء على موضوع جغرافيّة التوراة.

بدأنا الحوار معه من النهاية، على أن نختمه بالبدايات. «أين وصلت نظريتي؟ ما زلت على اقتناعاتي التي أطلقتها قبل نحو ثلاثين عاماً. بل إنني تعودتُ الفكرة أكثر من أي وقت مضى، مع أنه لم تجرِ مراجعة علمية لما كتبته، لذا لم أستفد علمياً مما نُشر ضدها إلى الآن. أكثر ما نشر هو تهجُّم على الشخص، وعلى فكرة خروجه على الرأي السائد». قرأنا الكثير مما نُشر عن نظريته، لكننا لم نعثر على جملة تقول: «للأسباب كذا وكذا نعترض على النظرية أو نرفضها. أو هذه النظرية غلط للأسباب الآتية: واحد، اثنان، ثلاثة…».

التشديد لدى المعارضين والنقاد، ونحن نستخدم المصطلَحين بتحفظ شديد، كان على الجانب الجغرافي. لم يقبل كثيرون ما قاله كمال الصليبي في مؤلفاته العديدة عن الموضوع، لكن من دون توضيح اعتراضاتهم على نحو علمي. هو يرى أن التركيز كان على الجغرافيا، لكن الأساس في عمله هو الجانب اللغوي. الجانب الجغرافي تفرّع من التحليل اللغوي للنصوص العبرانية. «أنا أرى أن تسعة أعشار المسألة ليست لها علاقة بالجغرافيا، بل في قراءة صحيحة لما يُسمّى العبرية التوراتية». لذا تراه يشدد: «حتى يتمكن الباحث من فهم دقائق تركيب جملة عبرية ما، عليه أن يكون ملماً بالعربية لأنها اللغة «الساميّة» الوحيدة التي لا تزال حيّة بقواعدها وأدبها وقواميسها. لذا وحتى يثبت المرء خطأ قراءتي اللغوية والنحوية ـــ بمعزل كامل عن الجانب الجغرافي ـــ عليه القول، مثلاً: في الجملة كذا، أنت قلت إن الكلمة كذا مبتدأ، لكن من خلال الإعراب الصحيح هي مضاف، وما أعربته أنت على أنه مضاف إليه هو نعت. هكذا يكون النقاش العلمي الرزين».

مع هذا لم يتمكن «المعارضون» من محاصرة أبحاث الصليبي، إذ أثير حولها اهتمام واسع. يكفي مثلاً أن نتجوّل على الشبكة الافتراضيّة لنكتشف حلقات نقاش متعددة حولها. عندما نشر المؤرّخ اللبناني موضوعته، فوجئ بالأعداد الغفيرة من «الخبراء العرب الذين عقّبوا عليها»، مع أنه لا أحد منهم يمتلك الأدوات العلمية لتقويمها. مع ذلك، يقول كمال الصليبي: «أنا أحترم القارئ العربي كثيراً وأحبّه. صحيح أنّ ثمة من العرب وغير العرب من هاجم النظرية من دون أن يكون لديه أي فكرة عما كتبت، إلا أن القارئ العربي لم يقبل بتلك الأحكام، والإنترنت تشهد على ذلك. الأمر في الغرب مختلف، حيث يبدو أن القارئ الغربي يرى أنه يعرف كل شيء، وأنه ليس في حاجة إلى التعلم من أحد خارج عالمه».

وبمَ تنصح البحاثة العرب الراغبين في استكمال البحث؟ «بتحصيل أدوات البحث العلمي بدلاً من التنظير. أنصحهم بقراءة قاموس وليم جيسينيوس (الباحث في اللغات السامية القديمة) وسعديا الفيومي (مترجم أسفار التوراة إلى العربيّة) ومراجع وأصول من هذا المستوى. على الباحث أن يضع نصب عينيه أنّ الاجتهاد في الموضوع لم يغلق. على الباحث تعلم اللغة العبريّة من أساسها، لا حفظ بضع مفردات، لأن البحث يتطلب أقصى درجات الانضباط والسوية العلمية».

هل يمكن تأسيس «علم توراة عربي»؟ «من الخطأ أن يفكر المرء في «علم عربي» و«علم فرنساوي»، إلخ. العلم يبقى علماً. المشاركة العربية في الأبحاث التوراتية أمر مهم للغاية. ليت هذا يحدث. المشكلة أنّ العرب المسيحيين، على عكس ما كانوا عليه في عصر النهضة، ما عادوا مهتمين بالعلم، بل بأمور أخرى. هذا على عكس ما حدث في القرن التاسع عشر، حين أسهموا في ترجمة التوراة، وهي المسماة الترجمة الأميركية. في ذلك الوقت كان بينهم مَن يعرف اللغات العبرانية والسريانية واليونانية القديمة، من أمثال العلاّمة بطرس البستاني. هو وأمثاله من العلماء العرب المسيحيين لم يُعترف بفضلهم في خصوص ترجمة الكتاب المقدس من لغاته الأصلية. وهناك قصص عديدة عن اشتباكات علمية حصلت بين بطرس البستاني والأميركي فان دايك، حيث كان الأخير يفرض تأويله التقليدي على الترجمة الصحيحة التي أنجزها الأول الذي كان ملتزماً أصول البحث العلمي ومجرداً من الأفكار المسبقة. في نهاية المطاف اضطر فان دايك إلى التوقف عن الاستعانة به، وطلب معونة شيخ دين مسلم من صيدا، هو يوسف الأسير، شرط عدم التدخل في الترجمة، وفقط من باب رأيه في صحّة اللغة، لاعتقاد فان دايك أن اللغة العربية «أبت أن تتنصّر»، وهو مفهوم خاطئ لا يرتكز على أساس».
«عندما طُرحت النظرية على مجلة «دير شبيغل» قيل: «ما فهمُ هذا الشخص بالمادة. إنه عربي مسيحي من شذّاذ الآفاق». والعنصرية يمكن أن تتجلى في تجاهل اللغة العربية ودورها في فهم العبرانية التوراتية فهماً صحيحاً. هذا ما فعله الجيل الأول من علماء التوراة، في مقدمهم جيسينيوس (1786 ــــ 1842) الذي نشر كتابه الأساس في الصرف والنحو العبراني ومعجمه التوراتي في عشرات الطبعات، وقد اعتمد في كلا المؤلفَين على اللغة العربية أساساً، إضافة إلى لغات أخرى. أين علماء التوراة في الغرب منه الآن؟

ونذكّره ببعض الانتقادات التي وجّهت إلى مشروعه. ألم يقل بعضهم: «ما دخل كمال الصليبي، المتخصص بتاريخ لبنان والعرب بالدراسات التوراتية؟»… يجيب: «هذا موقف غير صحي، وسؤال غريب عجيب، ذلك أنني أشتغل في الموضوع منذ ثلاثين عاماً. الرفض ليس قائماً على أسس علمية إطلاقاً. الجانب العنصري في هذا الموقف يرتكز على الاعتراض على أن يكون للعربي مقدرة على فهم نصوص يعدّها بعضهم تراثه الخاص، وأنا أعدّه تراثاً بشرياً وإنسانياً».

هناك تفسير آخر. فوراء تجنّب العلماء الغربيين خوض مناقشة علمية لنظرية كمال الصليبي، أسباب عدّة، ربما كان بعضها سياسياً. «ربما» يقول كمال الصليبي، «لكنني على اقتناع بأن العلماء الغربيين خافوا من الغور في هذه المسألة لأنهم لا يمتلكون المعرفة اللغوية الضرورية لمناقشة فهمي لنصّ توراتي محدد. لذا فضّل معظمهم السكوت، وتجاهل الموضوع تجاهلاً كاملاً. سبب التجاهل إذاً ليس المعرفة الأصح والأدق، بل الجهل. إنهم قادرون على فهم ما قلته وما كتبته، لكنهم غير قادرين على القيام بما قمتُ أنا به. نحن العرب الذين درسنا اللغة التوراتية، نفهمها من الداخل لأن لغتنا الأم هي العربية. كما قلت سابقاًَ، في أيام جيسينيوس كان الاعتماد على العربية مرجعاً لفهم تلك اللغة ونحوها وصرفها، لكن علماء اليوم لا يستخدمون تلك المعاجم والمراجع. الصرف والنحو المطبقان حالياً على «العبرية التوراتية» غلط تماماً. العلماء الغربيون تخلفوا بدلاً من أن يتقدموا في مستوى بحثهم وتفكيرهم. ثمة فقر دم علمي خطير في بعض جوانب معارف «علم التوراة» الحالي، وفي المعارف اللغوية على نحو خاص، لأن معظم الباحثين يجهلون قواعد اللغة التي يتعاملون معها، ولا يمتلكون الإحساس الفطري بها مثلما هو شأن أي باحث عربي. كل مطّلع على المادة يعرف أنّ الأجيال الأولى من علماء التوراة كانت تقرأ وتدرس وتحلّل وتجتهد، أما الأجيال الجديدة فهي تنظِّر فقط».

قد يرى بعضهم أن القول بضرورة إعادة النظر في فهم النصوص، يعني حتميّاً الاعتراف بأن كل ما أُنجز حتّى الآن غلط. لكن أليس القول إنّ أبعاد الموضوعة أكاديمية فقط، تبسيطاً. ألا يعني الإصرار على إعادة قراءة نصوص توراتية محددة المطالبة بإعادة قراءة الكتاب المقدس كله؟ «ممكن» يقول كمال الصليبي، ويضيف: «ربما قرأ المرء نصاً ما على أنه صلاة، فيكتشف في نهاية المطاف أنه قصة غرامية أو حكاية عن جريمة!». هناك بين المعارضين لنظريّته من يرفض الاعتراف بأنّه منذ ألفي عام يتجه في صلواته إلى المكان الخطأ. «وما علاقتي أنا في هذا الالتباس والغلط؟» يردّ كمال الصليبي.

الاعتراض مرتبط بالدفاع عن تراث عريق في قدمه، عمره ألفا عام. هذا يُعدّ مشكلة حقيقية لكثير من الناس. هذا الجانب أثار غضب كثير من العرب المسيحيين المؤمنين. لقد تحدثت مع كثير منهم، وهم أعربوا عن استيائهم الشديد من الموضوعة لأنها تعني في ظنهم أن أساس المسيحية الجغرافي غلط، وهذا أمر يصعب «ابتلاعه». يجيب كمال الصليبي: «ليس بإمكاني تغيير حقائق لإرضاء مفاهيم جغرافية مخطئة. أنا لست مسؤولاً عن هذا. فكل ما فعلته هو تسجيل اقتناعاتي العلمية».

في مقدمة كتابه عن يسوع المسيح، كتب أن إيمانه لم يتأثر بما وصل إليه من اقتناعات جديدة، حرفياً «للعقل ألف عين وللقلب عين واحدة». يعقّب كمال الصليبي بالقول: «أنا مسيحي وتربيتي مسيحية. مسألة إيماني ليست مرتبطة بصحة قصة تاريخية أو طبيعة جغرافيتها. إيماني ينطلق من صورة معنوية لواقع وجودي، أي مصدر لنوع محدّد من القيم التي أتمسّك بها وتمسّك بها من قام بتربيتي، تماماً مثل الموسيقى، فهي تعبير عن وجود لا يستعمل كلمات وصفية. عندما أذهب إلى الكنيسة وأمارس الشركة المقدسة، أو «المناولة»، فذلك يرمز إلى تمسكي بالمبدأ في الإيمان المسيحي الذي يسمّى «الفداء». أمارس هذا الطقس وأشعر براحة نفسية عميقة من دون أن يكون الأمر مرتبطاً بحدث تاريخي. الإيمان ليس أمراً تاريخياً مرتبطاً بحقبة معينة، بل بأمر أزلي. هل الحقيقة الوجودية حصلت في عام صفر أو واحد لميلاد المسيح؟ طبعاً لا».

وكيف تطمئن قراءك المؤمنين، نسأله؟ «إذا كان الإنسان يبني إيمانه على التاريخ، فيمكن أن تتعقد الأمور في وجهه. الإيمان شيء والتاريخ شيء آخر مختلف. التاريخ تسجيل لأحداث أو ما نتصوره من أحداث أو يرجّّح أنه حدث. الدين مرتبط برأي الإنسان في الحياة وما بعد الحياة وعلاقة ذلك بالوجود عموماً. لا يجوز أن يبني المرء إيمانه على التاريخ، لأن ذلك قد يسبب له مشكلات وتعقيدات حقيقية. على المرء أن يفصل بين الاثنين. من غير الممكن بناء الإيمان على التاريخ».

لكن ثمة بعد سياسي للنظرية، أرغبنا ذلك أم رفضناه. «لا علاقة لي بالبعد السياسي» يجيب كمال الصليبي. «أنا لم أكتب أي كلمة سياسية ترتبط بالنظرية، ولم أوصلها في أي وقت إلى أية استنتاجات سياسية». لكن أليس ثمة مَن يفسّر هذه النظرية سياسياً؟ «هو حر، لكن من غير المسموح لأي قارئ أن يستنبط من كتاباتي أمراً لم أنطق به. أما أن أناساً كرهوا هذه النظرية لأنها لا تناسب آراءهم السياسية فهذه مسألة مختلفة وهذه مشكلتهم لا مشكلتي. أنا لم أكتب ما كتبت لأرضي موقفاً سياسيّاً لهذه الفئة أو تلك، أو لأحفز طرف على عمل سياسي محدد. القارئ هو مَن يضفي أبعاداً سياسية على النظرية، إذا شاء على مسؤوليته، لا على مسؤولية صاحب النظرية».

أبدى بعض علماء التوراة اعتراضهم على الموضوعة انطلاقاً من وجود نقوش أشورية تتحدث عن مناحيم وشمرون ويهوذا …إلخ. في الحقيقة، هذه النقوش مقلقة لكل باحث اتخذ موقفاً غير معادٍ من الموضوعة. يجيب كمال الصليبي: «هذه الآثار جميعها عثر عليها في بلاد بابل، لا في فلسطين. إذاً لماذا الافتراض أنّ الأماكن المشار إليها في هذه النقوش هي مواقع فلسطينية؟ لم يعثر على أي أثر من هذا النوع في فلسطين. وأنا مستعد للتراجع علناً عن نظريتي في أي وقت يثبت قطعاً أنّ مثل هذا الأثر وُجد فعلاً في فلسطين.»

لكنّ موقع الآثار غير مهم أو لنقل: إنّه غير أساسي في تقويم المحتوى. «حسناً» يقول كمال الصليبي، «لكن لدي اعتراض جديد بهذا الخصوص، ولا أستبعد أن «تقوم القيامة» عليّ بعد نشر هذا اللقاء والقول: كمال الصليبي لم يكتف بالتعدي على الدراسات التوراتية، بل صار يتعدى على اللغة الأكادية أيضاً. لا بأس، فليقولوا ما أرادوا. أنا لا أعتقد بوجود شيء اسمه لغة أكادية. مشكلة «الأكادية» ـــ وهي اللغة التي كتبها الآشوريون والبابليون في القدم ـــ أنّها لغة «ساميّة» كتبت بأحرف مسمارية موروثة عن اللغة السومرية غير «الساميّة». هذه الأحرف لا تحوي حرف الحاء أو العين، مثلاً، وهي تحوي نوعاً من التحريك على عكس الأبجديات «الساميّة» المكوّنة أساساً من أحرف ساكنة. لذلك، ليس بإمكان المرء كتابة «عرب» بالأحرف المسمارية السومرية، بل عليه كتابة: «أربا»، «أربو»، «أربي»… إلخ، أي بالطريقة التي تفرض الأحرف السومرية نطقها. هذا أنتج لغة عجيبة غريبة سُمِّيت الأكادية، وما هي في الأصل على الأرجح، في ظني، سوى اللغة الآرامية التي برزت مكانها مستقلة عن الأحرف السومرية المشوِّهة لها سابقاً، فور سقوط مملكة بابل في أيدي الفرس عام 539 ق.م.».

نعاجله بالقول: «أستاذ كمال، لقد كسبت بهذا القول مجموعة إضافية من الأعداء»، فيمضي في إيضاح كلامه: «ما أريد قوله هو ضرورة أن يُنظر إلى هذه الفكرة على أنها إمكانية. لا أقول ــــ يجيب الصليبي الآن ــــ إنّها صح أو غلط، لكن من دون أخذ هذه الإمكانية في الاعتبار، كيف يمكن تفسير اختفاء الأكادية بكامل حذافيرها من الاستعمال فور مجيء الفرس إلى المنطقة؟ منذ ذلك الحين لم تكتب كلمة واحدة بالأكادية، وصارت لغة الكتاب الآرامية، والحرف المستعمل هو الآرامي المربع الذي يعرف شعبيًا بأنه «الحرف العبري». كيف يمكن تفسير هذه الظاهرة؟ لقد استخدم الفرس الآرامية لحكم كامل بلاد الشرق ومصر، لا أي لغة أخرى».

وعن كتابه الأخير الذي ستُصدر له «دار قدمس» قريباً ترجمة عربية بعنوان «حكايات بني إسرائيل: أنبياء وقضاة وملوك»، يقول كمال الصليبي: «إنه دراسة لسفرين من التوراة منسوبين إلى النبي صموئيل يحكيان عن الفترة من تاريخ بني إسرائيل التي تحولوا فيها إلى قوم يحكمهم ملوك بدلاً مما كان يسمى قضاة، وهي مرتبة تقع بين زعماء عشائر ورجال دين. اخترت هذا النص لأن فهمه صعب للغاية ولأنه معروف أن الطريق التي انتقل بها من جيل إلى آخر تم العبث فيه». وكل ذلك مثبت بعناية في الكتاب.

مجال كمال الصليبي البحثي هو تاريخ لبنان والعالم العربي، فكيف انتقل إلى ذلك المجال الجديد؟ «هذا التوسّع إلى مجال جغرافيا التوراة كان محض مصادفة. البداية كانت في صيف عام 1974، حين فكرت في أن أحفز طلابي، وأكثرهم آنذاك لم يكونوا من دارسي التاريخ بل الهندسة. من منطلق ظني أن معظمهم سوف يعملون في إحدى دول جزيرة العرب ــــ السعودية، الإمارات، الكويت، الخ ــــ ارتأيت أنّ تعليمهم تاريخ الجزيرة يفيدهم في حياتهم المهنية والاجتماعية في أمكنة عملهم ووجودهم مستقبلاً. وإذا أحبّ بعضهم يوماً استطلاع أمكنة في جزيرة العرب، ومشاهدة ما تحويه من آثار، تكون لديهم خلفية. وقتها لم يوجد كتاب أعتمده في التدريس عن تاريخ الجزيرة، فقمت أنا بتأليف كتاب عن المادة، وضعته الموسوعة البريطانية لاحقاً ضمن المؤلفات المرجعية للموضوع. دعيت وقتذاك لحضور مؤتمر دولي عن جزيرة العرب في مدينة الرياض، فحصل نقاش في هذا المؤتمر عن أصل اسم «حضرموت». وسأل عالم يمني اسمه هادون العطاس عن معنى الاسم، معترضاً على القول السائد بأنه نحتٌ من لفظتي «حاضرة الموت»، بينما المنطقة المعروفة بحضرموت هي منطقة زراعية خصبة نسبياً مقارنةً بما حولها من مناطق صحراوية. أبديت هنا اجتهادي قائلاً إن أصل الكلمة ليس «حَضْرَمَوْتْ» بل «حَضْرَمُوتْ» على وزن «عنكبوت»، كما يقول ياقوت الحموي في مؤلفه «معجم البلدان». واسم «حَضْرَمُوتْ» في نظري هو جمع مؤنث سالم على النمط الكنعاني. فإذا أردنا معرفة اشتقاق الاسم علينا معرفة معنى الكلمة «حضرمة». فلو أنّ صيغة الجمع الحالية لهذا الاسم عربية، لكتبت «حضرمات» لا «حضرموت». لكن في اللغة «الكنعانية» تكون صيغة جمع المؤنث السالم «حضرموت»، مثل «بيروت»، ما يعني أن اللغة الكنعانية كانت محكية يوماً ما في تلك المنطقة من الجزيرة العربية.

هادون العطاس شكرني على اجتهادي، وبدا مقتنعاً به. وبعد ذلك، التقيت العلاّمة السعودي عبد الله بن خميس الذي كان في السابق رئيس شرطة أو قوى أمنية في إحدى مقاطعات السعودية. أبلغني أنه ترك لي في الفندق «معجم اليمامة» الذي هو من تأليفه. عندما قلبت في المعجم، عثرت على اسم وادي اسمه «خضرمات» يقع في شمال الربع الخالي، وهو اسم عربي وبصيغة الجمع لكلمة خضرمة، أي واحة. وإلى الجنوب من رمال الربع الخالي يقع الوادي المسمى «حضرموت». وهذا هو الاسم نفسه لكنْ بصيغة كنعانية. إذاً، اسم «حضرموت» يعني «واحات». هذه كانت البداية.

هذا الموضوع أثارني وقررت وقتها أن أتفحص أسماء الأمكنة في جزيرة العرب، ومحاولة التعرف إلى أصولها اللغوية، ومن ذلك التوصل إلى معرفة اللغات التي كانت مستعملة قديماً في مختلف مناطقها. آنذاك اكتشفت أسماء «توراتية» كثيرة في منطقة محددة من جنوب غرب جزيرة العرب».

بالمناسبة، في القرن التاسع عشر، كان ثمة عالمٌ شهيرٌ اسمه فستنفلد، على ما أذكر، انطلق من شمال غرب جزيرة العرب إلى جنوبها للتحقق من جغرافيتها، وباحثاً بالتحديد عن جذور الأسماء التي ترد في الكتابات الإغريقية عن تلك البلاد. كان يبحث في أصل الاسم «البحر الأحمر» ومملكة حِميَر أيضاً الذي بدا له أنه مرتبط بمملكة أدوم التي ورد اسمها في التوراة مراراً، ويعني اسمها بالعربية «أحمر» وبالإغريقية: «إرتريا». التقى في طريقه بحاخام عربي متجهاً إلى اليمن، فعبّر له عن دهشته للعثور على أسماء «عبرانية» كثيرة في جنوب غرب جزيرة العرب، وأبدى ملاحظة أن «أرض التوراة» ربما امتدت إلى تلك المناطق أيضاً!

المصدر: “الاخبار” اللبنانية

عدد الاثنين ٢٣ شباط ٢٠٠٩

http://www.al-akhbar.com/ar/node/120090

حرب “صليبية ـ فرنجة” ضد الحماية: من العشرين للسبع الكبار!

26 فبراير 2009

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1817)

عقد مؤخراً مؤتمر للدول السبع الكبار في روما ضم وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لهذه الدول. واللافت أن هذا المؤتمر استثنى الدول الأخرى التي شاركت في مؤتمر العشرين في البرازيل في نوفمبر من العام الماضي، والتي اعتبرت من الشركاء في مسؤولية مواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية.

وربما اللافت أكثر تغييب روسيا عن نادي السبع الكبار، حيث تم “إلحاقها” بهذا المنتدى خلال فترة يلتسين، رغم أن الاقتصاد الروسي كان متدهوراً، وجرى استثناؤها في هذه الفترة مع انها شهدت في العقد الأخير صعودا اقتصاديا، وصعود دورها السياسي القطبي، في فترتي بوتين وميدييديف حيث لم يتراجع نموها الاقتصادي عن 6%. ويمكن طرح التساؤل نفسه عن مختلف بقية دول العشرين الصين، البرازيل، السعودية، الهند…الخ.

ما تهيىء للمراقب أن لقاء نوفمير قد أرسى قاعدة جديدة لطبقة حاكمة عالمية وبالتالي اصبحت عضوية الكبار عشرين أو أكثر. لكن هذا لم يحصل. وعدم الحصول يكشف عن مسألة هامة هي أن بلدان المركز الرأسمالي المتقدم، وهذه المرة الكلاسيكي، بينها من المصالح ما يدفعها للعمل الاقتصادي على محورين:

□ الأول: اعتبار نفسها واقتصاداتها هي مركز النظام، وبالتالي الحفاظ على سياسات اقتصادية (ما فوق-امبريالية كما قال كاوتسكي منذ قرن) هو ضرورة لها

□ والثاني: تطويع الاقتصادات التي تقترب من مستوى المركز كي تكون رصيداً احتياطياً لها عند الأزمات. بمعنى أن دول المركز لم تتخلى عن قرار ودور الهيمنة.

في تغطية لهذا المؤتمر نشرت صحيفة وول ستريت مؤخراً مقالة عنوانها: الدول السبع الكبار التي اجتمعت في إيطاليا: ” نحتاج لحرب فرنجة (صليبية) جديدة ضد الحماية”.

فعلى أية أرضية جاء هذا الموضوع؟ ومن هو الطرف أو من هي الدول التي تلجأ للحماية، ومن هي الدول التي تنزعج من الحماية، وقبل كل هذا ما هي الحماية في الاقتصاد السياسي الكلاسيكي؟

بدأ جدل الحماية والانفتاح الاقتصادي مع انتقال أوروبا الغربية من الاقطاع إلى الرأسمالية، وبشكل خاص مع بروز مدرسة الاقتصاد السياسي الكلاسيكي على يد آدم سميث وبعده ديفيد ريكاردو، هذا إذا لم نتحدث عن المدرسة الفيزيوقراطية الفرنسية صاحبة شعار: “دعه يعمل دعه يمر”.

ملخص القول هو أن الدول الأوروبية المبكرة إلى الرسملة والتصنيع هي التي رفعت شعار حرية المتاجرة بين الدول، ذلك لسبب اساس هو أن لديها ما تبيعه، ولذا، فهي تطالب بإزاحة اية قيود أو عراقيل أمام انسياب السلع إلى البلدان الأخرى. وهو الانسياب الذي إذا ما عُرقل يتم اللجوء إلى تسييره بالحرب الاستعمارية سواء بين المستعمِرين انفسهم كمتنافسين أو ضد المستعمرات.

ولكن شعار حرية المتاجرة الدولية كان يترافق في الدولة القومية مع مسألة خطيرة ومناقضة وهي حماية الاقتصاد القومي. ومن هنا يتضح النفاق والتلاعب في السياسات الاقتصادية للدول التي تنتج سلعاً للتصدير، بمعنى أنها تعظ بالحرية دولياً، وتمارس الحماية قومياً.

لذا، قال كل من وزير التجارة الإيطالي أدولفو يوسرو: ” إن مخاطر الحماية تطال التجارة الحرة، وعلينا تحريك قوى صليبية- “إفرنج” حقيقية لوقف ذلك” قال هذا وإلى جانبه المدير العام لمنظمة التجارة العالمية .

كان حديث الرجلين هذا على هامش مؤتمر وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية للسبع الكبار في إيطاليا وهو اجتماع مخصص أساساً لتوفير التدابير اللازمة للحيلولة دون أن يؤثر التأميم الاقتصادي على الاقتصاد العالمي. وبدوره قال باسكال لامي، لا بد من ان تختتم دورة الدوحة لحرية التجارة بالتذكير والتنبيه بأن العالم يمر بأزمة ركود. وأضاف بأن من المهم معرفة اين تقف الإدارة الأميركية الجديدة من مسألة التجارة الدولية، فهم لم يُبرزوا بطاقاتهم بعد بهذا الشأن. وهذا الحديث مقصود به “ترتيب” البيت الداخلي لبلدان المركز المتقدم.

لذا، وفي هذا الصدد يتعرض وزير الخزينة الأميركي تيموثي جيثنر لنقد من نظرائه الأوروبيين بسبب شعار التحفيز الذي يرفعونه في الإدارة الجديدة وهو : “إشتري منتجات الولايات المتحدةBy US “، فالأوروبيون يريدون مطالبته بأن يبدي التزامه بأحكام منظمة التجارة العالمية.

كما تتعرض الحكومة الفرنسية بقيادة ساركوزي كذلك لنقد من دول الاتحاد الأوروبي لأن هذه الحكومة وضعت خطة إنقاذ لشركات السيارات الفرنسية لمواجهة التدهور الاقتصادي الحاصل.

أما أكثر الدول خشية من الحماية فهي ألمانيا واليابان وإيطاليا لأن اقتصاداتها تعتمد لدرجة كبيرة على التصدير.

لعل من السذاجة بمكان أن نعتقد بانحصار القلق لدى السبع الكبار في العلاقات ما بينهم. صحيح أن التبادل البيني للسبع هؤلاء يصل إلى 75% من مجمل متاجراتهم. لكن هذا لا يمنعهم من شهوة التجارة المربحة مع بقية بلدان العالم. يكفي أن يشير المرء إلى إلى تاريخ طويل من التبادل اللامتكافىء بين المركز والمحيط الذي عالجه إرجيري إيمانويل منذ ستين عاماً، والذي عوَّض بلدان المركز في فترة الاستقلالات الشكلية عما فقدته في فترة الاستعمار المباشر. وتصبح الشهوة أعلى كلما غاص الاقتصاد العالمي في الركود أكثر لا سيما أن الأزمة الحالية بدأت في المركز نفسه.

لذا، أصدر هؤلاء في نهاية اجتماعهم قبل ايام او وضعوا معاييراً صارمة لحماية الأسواق المالية، لا سيما في فترة تذوب فيها الوظائف بأعداد هائلة ويتبع هذا بالطبع تقلص في الانتاج وهو نابع من ضعف الاستهلاك. ويكفي في هذا الصدد الإشارة إلى أن مبيعات السيارات في بريطاينا هبطت عام 2008 بنسبة 60 بالمئة، وأن معظم الشركات الأوروبية قامت إما بتقليص عدد العمال أو بتقليص الأجور تلافيا للطرد النهائي او بالإجرائين معاً، وان البطالة (حسب السجل الرسمي) في الولايات المتحدة وصلت 8,5% وأن شركة ساب السويدية تطالب الحكومة بإنقاذها وهي فرع لشركة جنرال موتورز الأميركية. كما لا يخفي قادة السبع الكبار اقتناعهم بأن التدهور سوف يستمر طوال عام 2009.

ومن جهة ثانية، وكعلاج للأزمة المالية يركز هؤلاء على ضرورة توفير التسهيلات للمواطنين للحصول على التسهيلات المالية باعتبار هذا الوصول هو محفز للاستهلاك. لكنهم في الوقت نفسه، قلقون من قرارات تقود ولو تدريجياً إلى درجة ما من تأميم البنوك. وحصول التأميم الجزئي أو الكلي سوف يزيد من الضوابط على أسواق المال وبالتالي يقلل التسهيلات المفتوحة للمواطنين، وهي نفسها التي قادت إلى الأزمة الأميركية المالية ومنها إلى العالم.

تضمن البيان الختامي للاجتماع شن حملة شديدة ضد الحماية، مؤكداً على أن اية معايير حمائية قد تؤخذ اليوم سيتم الندم عليه لاحقاً. ومما ورد فيه:

“إنها سياسات شعبوية -هي عادة - لا تعدو كونها ضربا من التسلية المؤقتة لقصيري النظر، وهي تلبي الطلب قصير الأمد ايضاً، حين يطبق في بلد محدد.”

لذا وجه المجتمعون نقدا إلى الديمقراطيين في الكونجرس الذين يعظون الأميركيين بشراء منتجات أميركية، وإلى نظرائهم في كندا، وإلى نقابتين عماليتين كنديتين. وجادل هؤلاء بأن الدروس المستفادة من فترة الكساد تشير إلى أن التاريخ الحديث قد أكد بأن الحمائية هي سياسة مضادة للإنتاجية المطلوبة لانتعاش إقتصادي مستدام. ودعوا إلى مقاومة لإغراء سياسات الحماية.

ولعل أوضح ما تضمنه البيان الختامي القول:

” إن نظام تجارة واستثمار عالميين، أمر لا بد منه للازدهار العالمي، وإن السبع الكبار يؤكدون التزامهم بوضع معاير تتجنب الحماية، والتي تؤدي بدورها الى مفاقمة الهبوط الاقتصادي وتلتزم بعدم وضع حواجز جديدة وأن تعمل باتجاه الوصول إلى نتائج طموحة في دورة الدوحة”.

كما رحب المؤتمرون باية مبادرة من الصين لإنعاش الاقتصاد العالمي، لكنهم استثنوها كما اشرنا أعلاه. واختتم المؤتمر بتاكيدات من الوزير الأميركي بأن خطة الإنعاش التي وضعها أوباما لن تؤثر على التزام الولايات المتحدة بحرية التجارة.

ولكن، لماذا استعمل المؤتمرون كلمة “فرنجة-صليبية”؟ هل كان ذلك بهدف البلاغة، هل هي “زلَّة” لسان؟ أم أن لها بعداً خاصة بالبلدان العربية مما يجعل استخدام هذا المصطلح مناسباً لطبيعة شهوة بلدان المركز لثروات الآخرين. هذا ما ستبينه الأيام القادمة، فما يكون في كواليس الاستكبار الغربي، لا يلبث أن يطفو على السطح.

ما بعد الانتخابات - آفاق التسوية…!

24 فبراير 2009

نواف الزرو

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1815)

قد تجمع التحليلات والتساؤلات المختلفة في اعقاب نتائج الانتخابات البرلمانية الاسرائيلية الاخيرة على الاهتمام بالقادم في المشهد السياسي الاسرائيلي، ما بعد تشكيل الحكومة القادمة برئاسة نتنياهو، وربما يتساءل الجميع:

- فما الاجندة السياسية المحتملة للحكومة القادمة…؟!.

- وما الافق السياسي المحتمل لاي تسوية سياسية في الملفات الفلسطينية…؟!

- وهل نحن يا ترى بانتظار تسوية ام بانتظار المزيد من الحروب والمحارق…؟!.

مفيد هنا ان نتذكر اننا امام ثلاثي من تفريخات حزب الليكود اصلا، فليفني انشقت مع شارون، ونتنياهو بقي في قيادة الليكود، فضلا عن ان ليبرمان ايضا من تفريخات حركة “كهانا” وكذلك من الليكود حيث عمل سابقا مديرا لمكتب نتنياهو عندما كان ريسا للوزراء.

الكاتب آري شبيط يؤكد هذه الحقيقة في هآرتس/ 12/2/2009 قائلا:”الحملة الانتخابية ادت الى منظومة سلطوية غير مسبوقة تترأسها ثلاثة احزاب من خريجي الليكود، منظومة سلطوية من دون اليسار”.

وان تحدثنا عن الجنرال باراك قائد المحرقة الاخيرة ضد غزة الى جانب ليفني واولمرت، فاننا نصبح في مواجهة اربعة يقودون الاحزاب الاسرائيلية الرئيسية الاربعة، وكلهم يتبنون عمليا الاجندات السياسية والاستراتيجية ذاتها، والقواسم المشتركة بينهم كثيرة جدا خاصة تجاه القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني.

وفي مسالة افق التسوية، كان مسؤولون فلسطينيون قالوا “أن المفاوضات أمامها مستقبل أسود حال تشكيل الحكومة من قبل نتانياهو”، وحسب أبو علاء-احمد قريع- ف: “ان ليفني اقرب في مواقفها السياسية للسلطة الفلسطينية”…!

المحلل الاسرائيلي جدعون ليفي كتب في هآرتس تحت عنوان منافسة المتطرفين” يقول:المرشحون الرئيسيون الثلاثة لرئاسة الوزراء هم شخصيات متطرفة، تسيبي لفني وايهود باراك توجها للحرب في غزة ولذلك ليس لهما مثيل في التطرف، اما بنيامين نتنياهو فأشد منهما تطرفا في الخطاب فقط، والاعتقاد بان لفني وباراك “معتدلين” في مواجهة نتنياهو “المتطرف” فهذه مجرد خدعة، فكاديما والعمل حزبا الوسط واليسار، جرا اسرائيل الى حربين فظيعتين خلال عامين، ونتنياهو لم يخرج بعد ولو لحرب واحدة، صحيح انه يتحدث بصورة اكثر تطرفا من الاثنين الآخرين، الا انه اكتفى بالكلام حتى الان، بينما تصرف “المعتدلون” بتطرف وجبروت “.

ويقول المحلل الوف بن في هارتس11 / 2 / 2009 تحت عنوان:” هذا وقت التمازج”(بعد نتائج الانتخابات):” ان الاستخلاص الذين يترتب على نتائج العملية الانتخابية هو ان على كاديما وحزب العمل ان يمتزجا موحدين صفوفهما في قائمة برلمانية واحدة، فليس هناك فرق ايديولوجي بين العمل وكاديما بحيث يمكنه ان يكون عقبة كأداء لا يمكن تجاوزها على طريق الامتزاج بين الطرفين، كلاهما يجمعان بين الاعتدال السياسي والحزم الامني “.

وفي صدد التطرف اليميني في المزاج الاسرائيلي العام كتب آفي شلون في صحيفة”اسرائيل اليوم 12/2/2009″ يقول:”ان السبب الجوهري الرئيس لاخفاق العمل كامن في الواقع بالذات: من اجل الدقة، لا يوجد الان اي امكان لتسوية سلمية مع الفلسطينيين”.

وتحت عنوان:”الخروج الاسرائيلي من صدمة 1977″ يعزز الكاتب -ابيرما غولان(هارتس-2009/2/11) ما ذهب اليه ليفي وبن قائلا:” ادعاءات تسيبي ليفني بان التقسيم القديم بين يمين ويسار قد مات صحيحة جزئيا فقط، فليفني قصدت الانقسام بين الحمائم والصقور، وقد كانت محقة في ذلك بالتحديد، لان الجميع اصبحوا صقورا متشددين (وهي قد تكون حمامة في ريش صقر او بالعكس) ولكن من كافة النواحي الاخرى الشائعة والمعتادة في العالم، يمكن القول ان كاديما هو يمين معتدل، والليكود يمين غير معتدل و”اسرائيل بيتنا” يمين متطرف”.

وعن نجاح ليفني على نتنياهو خلص المحلل الاسرائيلي عكيفا إلدار في صحيفة “هآرتس-11/2/2009 إلى القول “أن “الكود” السري لكاديما يكمن في المعادلة التي وضعها” رؤوبين إدلر” وقادت شارون وأولمرت إلى السلطة، ووصلت إلى ليفني، ومفادها “أقتل أكثر ما يمكن العرب وتحدث أكثر ما يمكن عن السلام”.

ويبدو ان هذا الكود المجازري المسلح بالايديولوجيا ينتقل لديهم من جيل الى جيل ومن قائد الى قائد، ومن حزب الى آخر…!

لذلك لا غرابة ولا مبالغة في الاستخلاص بان من يتبنى مثل هذا”الكود” ليس مؤهلا بالتاكيد لقيادة اي مفاوضات سياسية تسووية وليس مؤهلا للتوقيع على اي انساحب حقيقي من الاراضي المحتلة…!

وبالتاكيد فان ترجمة هذا” الكود” الى الارض عبر الاجتياحات والاغتيالات والمجازر الجماعية من شانها ان تنسف من الاساس اي احتمالية لاي تسوية سياسية..!

الى ذلك- فكل من كان ضالعا في الحرب العدوانية المحارقية على غزة-مثل ليفني -لا يمكنه ان يتحدث عن السلام، فعندما يشنون مثل هذه الحرب/المحرقة ويقترفتون مثل جرائم الحرب التي تابعناها على مدار الساعة ضد اطفال ونساء وشيوخ اهلنا في غزة، فان هذا يحمل اجندة ايديولوجية واضحة، وهذا يعني انهم لا ينوون عقد السلام، وانما يريدون فقط تكريس وتخليد الحروب وزراعة الكراهية والخوف والاستيطان…!

كما ان من يصدر تعليماته باطلاق قذائف الفوسفور الابيض على السكان المدنيين وتدمير اكثر من خمسة وعشرين الف منزل ومحو البنى التحتية الخدماتية للناس، بالتاكيد لا يعتزم ان يتحدث في اليوم التالي عن حل الدولتين، اللتان تعيشان بسلام الى جانب بعضهما البعض….!

فهم لن يغيروا “كودهم”: “قتل اكثر ما يمكن من العرب والحديث اكثر ما يمكن عن السلام”…!

nawafzaru@yahoo.com

في انتظار قمّة الدول العشرين!

24 فبراير 2009

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1815)

إذا كان النظام الرسمي العربي لا يستطيع أن يرى، أو لا يريد أن يرى، فلقد صار مؤكّدا أنّ تغييراً تاريخياً عظيماً طرأ على العلاقات الدولية، وأنّ المركزية الاحتكارية الأوروبية/الأميركية، بوجهها الاقتصادي، لم تعد سيّدة الموقف الدولي بصلاحيات مطلقة، فهاهي الدول الثرية الربوية السبع في نهاية اجتماعاتها التي عقدتها في روما لمعالجة الأزمة الدولية: “ترجئ كلّ شيء إلى وقت لاحق”! أي إلى اجتماع القمّة الاقتصادية للدول العشرين المزمع انعقاده في الثاني من نيسان/إبريل المقبل! (الصحف - 14/2/2009).

لقد أعرب جوليانو نوسي، الأستاذ في معهد االبوليتكنيك، عن اقتناعه بعدم فاعلية مؤتمر روما، فبيانه الختامي، كما قال، ليس عملياً، وما تضمّنه أقرب إلى “المبادئ العامة”! وقد أضاف نوسي أنّ القمة المنتظرة لمجموعة العشرين، التي تضمّ الدول الناشئة أو الناهضة وضمنها الدول السبع، هي الأهمّ بكثير، لأنّ الدول السبع لا تستطيع حلّ الأزمة بمفردها! وقد شاركه رأيه عدد من الاقتصاديين البارزين الذين ساهموا في أعمال مؤتمر روما، غير أنّ النظام الرسمي العربي لا يبدو مقتنعاً، وسوف تذهب أهمّ وأكبر دوله النفطية إلى قمة العشرين منحازة مسبقاً إلى الدول السبع الاحتكارية وليس إلى الدول الثلاث عشرة الناهضة، وسوف يدعم حضورها الدول السبع، بفضل صناديقها المالية السيادية (الكاش!) التي لا تملك غيرها من وسائل القوة، وبما أنّ هذه الصناديق مرتبطة ارتباطاً لا ينفصم بالمصارف والأسواق الأوروبية/الأميركية فإنّ الدولة العربية، التي جيء بها إلى القمة، سوف تتصرّف على هذا الأساس، رابطة قراراتها ومواقفها ومصيرها بالأوروبيين والأميركيين، متجاهلة شاءت أم أبت ما يرتكبه هؤلاء من جرائم فظيعة ضدّ بلادنا وثرواتنا وأمتنا، ناهيكم عمّا يرتكبونه بحقّ العالم أجمع!

إنّ وزراء المالية وحكّام المصارف المركزية لكلّ من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا واليابان، الذين أنهوا اجتماعاتهم في روما، تعهّدوا في صدر بيانهم الختامي بتثبيت استقرار الاقتصاد العالمي وأسواقه المالية، وعدم الانسياق للإجراءات الحمائية: “بانغلاق الدولة على نفسها وتحصين اقتصادها في مواجهة الركود”! وإنّ أغرب ما في هذا التعهّد أنّ المقصود به هو الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، وليس الصين بالدرجة الأولى! فالميول الحمائية تظهر بوضوح في واشنطن وباريس، وهي موجودة عند بقية الدول السبع، التي لم يتورّع قادتها عبر التاريخ عن طعن بعضهم في الظهر، خلافاً لما يتفقون عليه داخل حلفهم التاريخي وفي مؤتمراتهم العظيمة! وبالفعل، عبّر وزير المالية الألماني شتاينبروك عن قلقه من غدر حلفائه، حين قال أنّه حصل على وعد من نظيره الأميركي تيموثي جيتنر بأن لا تعزل الولايات المتحدة نفسها عن قواعد المنافسة الدولية في ما يتعلّق بسياستها التجارية! ففي الولايات المتحدة تتردّد اليوم في كلّ مكان عبارة: “اشتر المنتجات الأميركية”! وذلك في سياق الخطة الجديدة التي الموضوعة لاستنهاض الاقتصاد الأميركي الكابي، والغريب في الأمر أنّ توجّه هذه الخطة يتعارض تماماً مع ما تطلبه واشنطن من غيرها، وهو عدم اللجوء للإجراءات الحمائية، فهي تريد السوق الدولية حرّة أمام بضائعها من دون أن تتقيّد بالمثل، حيث توجهاتها واضحة الحمائية!

لقد أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما أنّه سيصادق على خطة إنعاش للاقتصاد، في احتفال يقام في دنفر/ولاية كولورادو بتاريخ 17/2/2009، وتقوم خطة الإنعاش على رصد مبلغ 787 مليار دولار أقرّها مجلسا النواب والشيوخ، غير أنّ الأزمة تبدو أعظم بكثير، وأنّها أشبه بالثقب الفضائي الأسود الذي يبتلع كلّ شيء ببساطة وبلمح البصر، ففي الوقت الذي أعلن فيه الرئيس عن خطّته كانت إدارة شركة “جنرال موتورز” العملاقة تعلن عن أنّها تدرس خيار إشهار إفلاسها وتأسيس شركة جديدة! إنّ إدارة هذه الشركة، كما ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” تتطلع إلى إعادة هيكلة شركتها كما وعدت الحكومة كي تحصل على قروض اتحادية قيمتها حوالي أربعة مليارات دولار، بل هي تطلب أكثر من هذا المبلغ بكثير تفادياً لإشهار إفلاسها! أي أنّ على دافعي الضرائب والعمال والموظفين الأميركيين أن يتحمّلوا أعباء خسائر الشركة سواء أعلنت إفلاسها وسرّحتهم أم لم تعلنه بفضل أموالهم!

إنّ عالم المال والأعمال في مجموعة الدول السبع المتحالفة الثرية هو عالم الاحتيال والغدر حتى في علاقاته الداخلية، فليس ثمّة رحمة أو شفقة بصدد من هو أدنى موقعاً عندما تتطلب المصالح نهبه أو شطبه، غير أنّ المدهش هو إعراب هذه المجموعة، بعد اجتماعها في روما، عن “ارتياحها” لإجراءات الصين الداخلية التي تساهم في التخفيف من حدّة الأزمة العالمية! إنّها الإجراءات التي يطالبون بها غيرهم قبل أن يتخذوها ويلتزموا بها هم أنفسهم! لقد كانوا دائماً يوجّهون النقد الشديد لسياسة بكين الاقتصادية والمالية، أمّا الآن فقد تراجعت واشنطن عن قول ما اعتادت قوله، وعبّر وزير المالية الأميركي الجديد عن “ارتياحه” للإجراءات التي اتخذتها الصين على صعيد الميزانية، فهي “لم تعد تتلاعب في تحديد سعر صرف عملتها”! والوزير الأميركي الجديد يرى أنّ “وضعاً متوتّراً بين الصين والولايات المتحدة سيكون له أثر خطير على الأسواق الدولية”! ويرى أنّه، كي لا يحدث ذلك، “ينبغي على بكين الاستمرار بصورة أساسية في شراء سندات الخزينة الأميركية”!

في شهر نيسان/إبريل القادم، في قمة الدول العشرين التي أصبحت هي المرجعية الأولى كما يبدو، سوف يظهر أكثر مدى التغيير الذي طرأ على العلاقات الدولية على حساب المركزية الأوروبية الأميركية الظالمة، وسوف تعبّر كلّ دولة عن أثر هذا التغيير بإظهار مقدار تقدّمها واستقلالها، أمّا النظام الرسمي العربي فسوف يعبّر، للأسف الشديد، عن مدى التزامه بالنظام الدولي المتقهقر ومدى ولائه لرموزه!

Ns_shamali@yahoo.com

هكذا تفهم الحروب وهكذا تنتهي

24 فبراير 2009

مازن كم الماز

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1815)

ليست الحروب مجرد نتيجة للجشع، بل هي أكثر أشكال التعبير عن هذا الجشع دموية وأكثرها صراحة و تطرفا في عدائها للإنسان. الحرب هي أكثر أشكال ممارسة الحياة سخفا وغرابة ولا عقلانية وجنونا، إنها أكثر حالة عبثية اخترعها الإنسان ومارسها حتى اليوم، لكنها طالما ادعت وتدعي أنها ابنة شرعية للعقل، للوطن، للرغبة السامية في التضحية بالنفس والغيرية، وليست للجشع أو للعبث.

كانت الحرب العالمية الأولى أكبر مذبحة في التاريخ حتى ذلك اليوم قادت إليها الحكومات البرجوازية الأوروبية “الوطنية” شعوبها على وقع طبول الدعاية الوطنية. لكن هذه المذبحة كشفت بشكل فاجر عن حقيقة العقلانية البرجوازية، كان حجم المجزرة هائلا بسبب التكنولوجيا المتطورة للمدافع والرشاشات التي زودت بها الصناعة البرجوازية الرجال على جانبي الخندق، كانت هذه هي الإضافة الخاصة للبرجوازية لملاحم القرون المنصرمة…كان الرد على كل هذا الموت المجاني بالكامل في حروب التكنولوجيا العقلانية ساخرا بالضرورة، مفعما بالعبثية التي أخذت تنضح من كل صوب.

بدأت القصة بالدادائية ثم بالسوريالية، رفض لكل شيء، رفض غاضب معاد للفن و للسياسة بشكلها السائد، يسخر من كل شيء “عظيم و جدي”، ربما كان رفضا بلا شواطئ، لكنه كان رفضاً أو هدماً بغرض إقامة بناء مختلف، آخر، أقل إثارة للسخرية و الموت على الأقل. لكن كانت هناك ردود أخرى، ردود كانت قادرة على أن تحتفظ بعقلانية الأصل بل و تطورها في اتجاهات مختلفة، أو في اتجاهين مختلفين كي نكون أكثر دقة:

ـ من جهة كانت الماركسية قد بدأت تشهد صعودا جماهيريا كبيرا بعد الحرب بين الجماهير التي فاجأها حجم الخراب الذي انتهت إليه الكارثة.. وكابنة شرعية لفكر الأنوار البرجوازي العقلاني، كانت الماركسية تدعو نفسها اشتراكية علمية، وانتهت أخيرا إلى الستالينية في روسيا وإلى تمددها أوروبيا وعالميا من ثم مع نهاية المذبحة العالمية الثانية.

ـ على الجهة المقابلة كانت العقلانية البرجوازية تحاول إعادة تأسيس شرعيتها اعتمادا على العلم “البرجوازي”، كانت حلقة فيينا تدفع نحو تأسيس الوضعية المنطقية، معتمدة على الأعمال الأولى للودفيغ فيغينشتاين، معلنة أنها بذلك تعمل على إخضاع المعرفة الإنسانية للأسس العلمية والمنطقية باستخدام لغة العلم المعيارية الوحيدة كلغة للفلسفة.

كانت قصة صعود التجريبية أو الوضعية المنطقية في أمريكا الإمبريالية قصة سياسية بامتياز: هاجر إليها بعض الوضعيين المنطقيين هربا من الاضطهاد النازي فقط ليصبحوا هتافين ومصفقين للوضع السائد في بلادهم الجديدة، و مقدمين لها مبررات جديدة لسياساتها..وعندما انتقل تمويل التجارب العلمية وإدارتها من الشركات الكبرى إلى شركات الصناعة العسكرية تحديدا كان هؤلاء الوضعيون يعلنون هذا “العلم” الخاضع للشركات الكبرى قيمة أساسية و اجتماعية وفكرية وحيدة.

دافع تحالف البراغماتية مع الوضعية المنطقية، الذي سيطر على الفكر الأمريكي حتى السبعينيات من القرن العشرين، عن شكل سائد من “الطبيعية” الذي استخدم لأغراض عنصرية ومحافظة وكضد للمساواة، واستخدم كمبرر لسيطرة الشركات الكبرى على إنتاج العلم وتسخيره لخدمتها*..انتهت العقلانية البرجوازية لعصر الأنوار إلى إنتاج القوتين السياستين و الفكريتين الأكبر في الحرب العالمية الثانية و ما تلاها من حرب باردة، اللتين أصرت كل منهما على التصاقها بالعلم و أنها نتاج مباشر له، وكان استخدام كل منهما للعلم يمثل امتدادا لاستخدام الحكومات البرجوازية الوطنية له في المذبحة الأولى، كان سباق التسلح والتنافس في اختراع وتخزين ما سمي بأسلحة الدمار الشامل أي الأسلحة القادرة على تدمير كل البشرية هو الذروة الحقيقية لهذه العلموية المكرسة للدفاع عن القوى التسلطية. كان هذا ذروة “العقلانية”، قمة جنونها وعبثها، قمة غرورها واستعدادها للمضي في صراعاتها حتى النهاية، نهاية البشرية، دون تردد. وحده سقوط العملاق السوفيتي وضع حدا للجنون الذي وصل مع ريغان إلى درجات غير مسبوقة ربما منذ أيام جنكيز خان..مثل بوش قمة أخرى أكثر سخفا وغباءا وضحالة لكن من حظ البشرية أنه كان يكتفي بمحاربة طواحين الهواء “فاقتصرت” الخسائر على مليون عراقي وعدد آخر غير محدد من الأفغان.. أنجبت حروب الغرب الاستعمارية وابنته غير الشرعية إسرائيل، في عمق عقولنا ووجودنا، أنجبت الضدين مرة أخرى: ضد نخبوي علموي لدرجة أنه لا يكتفي بالصمت على المذابح التي يقوم بها الغربي المستعمر “العقلاني”، بل ويهلل لها ويعتبرها خلاصا من كل آثار التخلف والتأخر “اللاعقلاني” الشرقية بامتياز، وضد لاعقلاني شعبوي يرفض تلك العقلانية القاتلة لكن دون أن يتمتع بروح السخرية وبالرغبة في الهدم التي رافقت الحركات اللاعقلانية أو حتى المضادة للعقل التي ظهرت عادة بعد الحروب الكبرى، لاعقلاني بمعنى أنه ذا فهم أصولي للحقيقة و الهوية. وهو يشكل ضدا لا يقل رغبة في القتل واحتقاره للإنسان، إنسانه بدرجة لا تقل عن الآخر، من خصمه العقلاني الغربي… هذا ليس دليلا على نقص في روح السخرية والعبث لدينا، بقدر ما يشير إلى تواطؤ رهيب شنيع وفاجر ضد الإنسان في منطقتنا، في مجتمعاتنا..بقدر ما يدل على حالة رهيبة تتناقض تماما مع الحديث الدارج عن الإنسان، وحتى عن حقوقه، من احتقار الإنسان و تمجيد كل ما يحط منه، بل و تمجيد قتله علانية، هذا يعني شيئا واحدا، خاصة أمام مجازر كالتي جرت مؤخرا في غزة مثلا، أن الصمت هو أكثر من تبرير للقتل، إنه مشاركة كاملة في القتل، أن لا مساومة مع أي تبرير للموت و القهر..هذا الإنسان المحشور من جديد في المنتصف، المسلوب حتى من قدرته على السخرية من كل هذا العبث المميت بأوامر و فتاوى مختلفة، يملك مبدئيا الغضب، الرفض، الهدم، كرد مباشر على موته المجاني، على قهره غير المحدود، بينما يمكننا الحكم بموضوعية أنه لا يستطيع تحمل كل هذه القذارة بل و ينخرط في تمجيدها، كما كان يفعل محازبو الستالينية أو الإمبريالية في الحرب الباردة، إلا بشر بلغوا مرحلة البلادة، بشر يحملون إيديولوجيا “أكبر” من كل البشر، لا يبصرون إلا السادة، سادتهم، الذين يرونهم فوق البشر، أكبر من كل البشر.

* How positivism made pact with post-war social sciences in America, Philip Miroski. From //alileo.fcien.edu.uy/individualismo.htm

يا عمال العراق صلوا على النبي وال بيته!

24 فبراير 2009

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1815)

الشاعر والمناضل احمد فؤاد نجم فكك الشعار الماركسي المعروف ياعمال العالم اتحدوا والذي ما زال تاجا يزهو على راس اول بيان برنامجي تثويري علمي وعملي للطبقة العاملة في العالم ” البيان الشيوعي ” ثم دمج صدره بعجز مستعار من ديباجة الدعوة الاسلامية المشهورة للصلاة على النبي، فكانت النتيجة مضحكة ومدهشة ” يا عمال العالم صلوا على النبي ” ربما اراد نجم بذلك ان يرمي حجرا كاريكتيريا لا يؤذي احدا من الطرفين باتجاهات مختلفة، منها ان الاسلاميين والشيوعيين لا يلتقون ايديولوجيا مهما امتدت خطوطهما الى جانب بعضها لانها خطوط متوازية، وان التقت فمعنى ذلك ان هناك شيئا ما قد حصل في استقامة خط احديهما نحو الاخر، وواضح من معنى التوليفة ـ النكتة ـ التي صاغها نجم، ان النداء ما زال ينادي بذات المنادى عليه الماركسي يا عمال العالم، ولكن منطوق النداء، العجز يفضح الانحراف، صلوا على النبي، هناك من يؤول المعطى فيقول : ان الاتحاد هو صنو الصلاة على النبي، فانك تقول دائما للذي لا يصغي او لا يعي الموقف صلي على النبي، اي تعال الى كلمة سواء، والسؤال هنا نصلي على النبي من اجل ماذا ؟ اذا كنا نريد ثوابا في الاخرة فالامر لا يتطلب الوحدة من اجل الحصول عليه، ولكن ان نصلي عليه بمعنى ان نترك نضالنا اليومي لانتزاع حقوقنا ونتبع طريق الاخوان في الدعوة فهذا عين الانحراف، الا اذا كان المعنى يقصد ياعمال العالم صلوا على النبي وتعالوا نتوحد على طريقة ماركس…!

ربما يقول قائل ان نكتة نجم ابسط من ذلك بكثير لانه رواها بطريقة بريئة : اراد بعض الشيوعيين والاسلاميين ان يخرجوا بمظاهرة واحدة وبشعارات واحدة وبحسن نية توصلوا الى هذا الدمج الشعاري الذي لا يرمي الى حرف مسار احدهما باتجاه الاخر وانما مد لجسور الرفقة الممكنة دون اجتثاث، والشعار متجانس من حيث منطقه البسيط. نعم ربما هذا استنتاج صحيح ايضا. ما يهمني هنا ليست توليفة نكتة احمد فؤاد نجم وانما حالة التردي التي يعيشها اليسار العربي عموما ومنه العراقي طبعا بحيث غابت ريادته وقيادته للجماهير وانزوى في الزوايا وكانه خردة لماكنة كانت يوما ما عملاقة، وصار مجرد ذكريات او شيء يشغل حيزا من الفراغ لكنه لا يتفاعل معه جدليا، حتى باتت نخبه الرسمية اما تحت اجنحة الانظمة الامنية والبوليسية، او سجينة ادمنت الدوران حول نفسها، او ارتضت لنفسها دورا يحدده لها الاخرون حتى ولو كانوا من الاسلاميين الطائفيين!

تطبيقات عراقية

اولا ـ مشاركة حزب ” الطبقة العاملة العراقية ” وبحماسة في مجلس للحكم بصيغة تحاصصية بين الطوائف والاثنيات العراقية، وكان حساب الحزب ضمن النسبة الشيعية، والعملية كلها تحت رعاية ووصاية مندوب الامبراطور الامبريالي العالمي الامريكي المحتل للعراق بول بريمر!

ثانيا ـ تملق حزب ” الطبقة العاملة العراقية ” وذيليته للاحزاب الطائفية في الجنوب، حتى انه تغاضى وتوارى وما زال عن انتقاد ممارساتها المشينة، ثم يبتعد عن الانظار كي لا يحرجه احد بخزرة تهيض مضاجعه، ويصمت حتى على تجاوزاتها ضد منتسبيه واغتيالهم او حرق مقراتهم!

ثالثا ـ وضع الحزب ومنظماته في شمال العراق تحت تصرف قيادات الاحزاب العنصرية هناك ـ اوك وحدك ـ والتماهي مع سياساتها وتحالفاتها وتطلعاتها المشروعة وغير المشروعة، وكان لتقسيم الحزب بين عراقي واخر كردستاني ومنذ عام 1993، اثره البالغ في تعميق سياسته الذيلية للاحزاب القومية العشائرية الكردية، وكان هذا التقسيم اسفين تحريفي لا يمت للشيوعية بصلة وهو مستوحى من مناخات ياعمال كردستان انفصلوا، انه طعنة نجلاء في صميم وحدة الطبقة العاملة العراقية ومصائرها!

رابعا ـ انغماس قيادة الحزب حتى اذنيها في الفساد والافساد الجاري من خلال مسؤليتها المباشرة وغير المباشرة في البرلمان والحكومة والوظائف العامة وعلى ذات القواعد التحاصصية!

خامسا ـ الانعزال عن العمل النقابي وعن متطلبات النضال المهني والمطلبي، وتجاهل النضالات العمالية والاضرابات والاعتصامات التي حدثت في السليمانية والبصرة وغيرها، اضافة الى اتباع سياسة الا موقف ـ او مانريد انزعل احد ـ اي انهم يريدون مراضاة الحكومة واحزابها المتنفذة حفاظا على مكاسب الصفوة القيادية!

سادسا ـ نزعة التعالي والترفع عن معايشة هموم الفئات المسحوقة والمطحونة في العراق، ويبدو ان قيادة الحزب راضية عن نفسها وما حققته لها وبالتالي فهي ليست بحاجة لمعمعة التغلغل الجماهيري وتقديم التضحيات الميدانية بالتنافس مع الاخرين، او بنصرة المظلومين على الظالمين، بل ان اغلبها يقيم موسميا في العراق لان معظم عائلاتهم ما زالت تعيش في بلدان اللجوء الاوروبية، اي ان هناك متغيرات نوعية في ماهيات الكادر القيادي، منها ضعف روابط الانتماء والمعايشة واعتبار فترة التواجد داخل العراق نوع من انواع الاستثمار المربح وخاصة في شمال العراق حيث الامتيازات والرواتب الاضافية!

سابعا ـ مجاراة المد الديني والطائفي المتخلف، من خلال التشجيع على المداومة في التردد على الجوامع والحسينيات والمواكب والزيارات، والانقطاع عن التثقيف بالفكر الشيوعي والاشتراكي، ووسائل اعلام الحزب خير شاهد على ذلك، الحرص على مجاملة قادة الاحزاب الدينية، والظهور في وسائل اعلامها بدون ملامح سياسية متميزة تذكر، مما يساعد على طغيان فورة تلك الاحزاب، واستخدام نفس مصطلحات وتقييمات وتشبيهات الاحزاب الدينية، حتى ان الكثير منهم اخذ يقلدهم بالاكسسوارات وذلك بوضع محابس الفضة باصابع يديه وبحمل السبح الى غير ذلك، وبعضهم يفعل ذلك نهارا ويسكر ليلا، كواحدة من مظاهر النفاق والزيف!

وختاما ليس بالغريب لو جرى تداول شعار ياعمال العراق صلوا على النبي وال بيته كبديل فعلي عن شعار حزب الطبقة العاملة العراقية والعالمية الخالد، ياعمال العالم اتحدوا!

عن الاقتصاد العراقي وعماده الرئيسي

23 فبراير 2009

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1814)

في العام 2003، عندما انطلق الأميركيون يقرعون طبول الحرب ويعدّون العدّة لاحتلال العراق، ويتذرّعون بأسباب لا يبرّر أيّ منها التدخّل في شؤون العراق ولو سياسياً، كانت الغنيمة الدسمة الكبرى التي يمنّون أنفسهم بسلبها ونهبها هي النفط العراقي الذي يشكّل ثاني أكبر احتياطي في العالم، وكانوا يعتقدون أنّ الطريق ممهّدة أمامهم تماماً لتحقيق هذا الهدف من دون جهود أو تكاليف تستحقّ الذكر، وأنّهم بحصولهم على هذه الغنيمة وعلى العراق كلّه سوف يضمنون رفاههم وتفوّقهم وسيطرتهم على الأوضاع الدولية لعشرات تالية من السنين، فشركاتهم النفطية سوف تبقى في موقع الإمبراطور العالمي، وبلادهم سوف تبقى في موقع الصدارة العالمية!

لقد أعدّت الحكومة النفطية الأميركية السابقة العدّة مسبقاً، قبل احتلال العراق، لرفع إنتاج النفط العراقي، المتدنّي بسبب الحصار الطويل، من حوالي مليون ومائة ألف برميل في اليوم تقريباً إلى حوالي ثلاثة ملايين برميل خلال العام الأول أو الثاني من الاحتلال، ثمّ إلى ستة، فثمانية فأكثر وأكثر خلال عشر سنوات، بعد أن يطوروا الحقول المنتجة ويؤهّلوا غير المنتجة، ويطلقوا حقولاً جديدة على أوسع نطاق تليق بمخزون هائل يقدّر بأكثر من أربعمائة مليار برميل، وبالطبع ركنوا إلى الحقول العراقية التي سوف تتكفّل بتمويل نفسها من نفسها، وسوف تفيض على الأميركيين بعائداتها الهائلة، وتكون قاعدة انطلاقهم للسيطرة على مجمل منطقة ما بين قزوين والأطلسي، غير أنّ مشاريعهم انهارت منذ البداية بفضل صمود الشعب العراقي، ليجدوا أنفسهم بعد خمس سنوات في وضع كارثي حقاً، حيث نفقات الحرب كانت سبباً رئيسياً في هذه الأزمة الخطيرة، المالية/الاقتصادية، التي تعصف اليوم بالولايات المتحدة خاصة وبالعالم عامة!

لقد ترتب على إخفاق الولايات المتحدة في حربها ضدّ العراق، إضافة إلى الخسائر المالية الحربية الخرافية، وإضافة إلى القتلى والمصابين الأميركيين بعشرات الألوف، تدهور الأوضاع المعيشية داخلها على أوسع نطاق، وها هي آخر التقارير تتحدّث عن ثلاثة ملايين وستمائة ألف أميركي فقدوا وظائفهم خلال العام الماضي! لقد فقد مليون ونصف وظائفهم خلال الأشهر الثلاثة الماضية فقط، وفقد ستمائة ألف وظائفهم خلال شهر كانون الثاني/يناير الماضي فقط، الأمر الذي جعل الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما يصرخ: “إنّها أنباء مفجعة”! غير أنّ التوقعات الأميركية المتشائمة، إنّما المنطقية، لا تقف عند هذا الحدّ وتقول أنّ عدد العاطلين عن العمل يمكن أن يبلغ واحد إلى سبعة من مجمل العاملين! ولا يحدث هذا من دون أساس، بل في وقت يعترف فيه المسؤولون الأميركيون أنّ الاقتصاد الأميركي دخل في حالة كساد أكيد، من دون أن يتجرّأ أحد منهم على إعطاء تقدير واثق عن مسارات الأزمة ومضاعفاتها ومدّتها!

إنّ الأزمة الكبرى التي تعصف بالولايات المتحدة، بما ترتّب عليها حكماً من امتدادات ومضاعفات دولية، هي أزمة وثيقة الصلة بالإخفاقات العسكرية الأميركية في العراق، وبالفشل في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للحرب، ومن أبرزها السيطرة على قطاع النفط العراقي والتحكّم بمخزونه وكميات إنتاجه، حيث نجح العراقيون في حرمان العدو من قطف إحدى أهمّ ثمرات عدوانه وهي النفط، وإذا كان صحيحاً أنّ أسباب الأزمة موجودة قبل الحرب العراقية فإنه لمن المؤكّد أنّ هذه الحرب هي التي فجّرتها دفعة واحدة، بهذه السرعة الهائلة وبهذا العمق والشمول، فقد ردّ العراقيون كيد العدوّ إلى نحره وإن بثمن باهظ جدّاً!

غير أنّ أحد الكتّاب العرب يرى وراء انكماش قطاع النفط العراقي (الانكماش الذي أذلّ الأميركيين) منظمات الإرهاب والجريمة من العراقيين، ولا يشير بحرف واحد إلى الاحتلال، فكأنّما احتلال العراق والاستيلاء على نفطه أمر طبيعي ينبغي أن يتحقق وينجح لا يستحقّ مجرّد الإشارة إليه (صحيفة”الحياة” - 8/2/2009- وليد خدوري) فصناعة النفط العراقية سوف تبقى في النفق المظلم من التخبط والفوضى - كما يشرح الكاتب- على رغم خروجها من كهف التفجيرات والإرهاب وتهجير الخبراء! أي أنّ حرمان المحتل من السيطرة على النفط العراقي كان عملاً إجرامياً! ويطمئننا الكاتب إلى أنّ الإنتاج ارتفع مؤخّراً إلى مليونين ونصف المليون برميل يومياً، الأمر الذي سيعطيه دوراً أساسياً “في حال استقرار الوضع السياسي (بوجود الأميركيين طبعاً!) والحدّ من التخريب والفساد”!

إنّ النفط هو العماد الرئيس للاقتصاد العراقي - يقول خدّوري - وقد تراجع هذا القطاع بل تعرّض للتدمير منذ عام 2003، وما حلّ به ليس إلاّ جزءاً مما أصابه عموماً من إرهاب، وهجرة للخبراء، وتدمير للمنشآت .. الخ! لا إشارة أبداً إلى المحتلّين الذين دمّروا العراق بمجمله وأهلكوا مئات الآلاف وهجّروا الملايين من أبنائه! والمجرم هو المقاومة والمقاومة وحدها! أمّا الآن فقد بدأت الأمور تتغيّر - يقول الكاتب- “مع الاستقرار النسبي للوضع الأمني”! أي مع تقلّص عمليات المقاومة طبعاً! ولا ضير في استمرار الاحتلال، ولا إشارة إلى وجوده، فكأنّما هو مكوّن من أجسام روحانية، نورانية، لا تأكل ولا تشرب ولا يشعر بوجودها أحد! ثمّ ينطلق الكاتب يحدّثنا بحماسة واضحة عن نشاطات وزارة النفط العراقية، التي طرحت على الشركات العالمية أنواعاً متعدّدة من العقود والاتفاقات، محذّراً من الخلافات بين الوزارة والمؤسسات السياسية، ومن استمرار تجميد “قانون النفط والغاز”، ومن تأخّر إعادة تشكيل “شركة النفط الوطنية”! أي أنّ العراق يستطيع أن يكون في أفضل أحواله تحت الاحتلال وبعد توقف عمليات المقاومة التي توصف دائماً بأنها عمليات تخريبية إرهابية!

وهكذا فإنّ بيننا ومنّا من هم أكثر حرصاً على الأميركيين من الأميركيين أنفسهم، ومن لا يوافق أبداً على خروجهم من العراق حتى لو رغبوا هم في ذلك، ومن يأسى أشدّ الأسى لأزمتهم الكبرى ويحقد أشدّ الحقد على المقاومة العراقية التي تسبّبت في ذلك!

لقد كان العراق قبل الاحتلال يملك من الإمكانات والخيارات الاقتصادية ما يجعل النفط فرعاً من فروع الاقتصاد وليس عماده الرئيسي، غير أنّ الأعداء وبعض الأشقاء تعاونوا لتجريده من تلك الإمكانات والخيارات، وحالوا دون ارتقائه إلى مستوى الدول المستقلة، وقد ردّ العراق الصاع صاعين لأعدائه، فكانت النتيجة المتاحة والضرورية هي تدمير اقتصاد العدو مثلما دمّر اقتصاد العراق ولعلّ العراق ينجح في أقرب وقت باسترداد وتعويض جميع ما خسره وما فاته، وعلى وجه الخصوص عدم بقاء النفط عماداً رئيسياً للاقتصاد العراقي (كما هو حال غيره ممن تآمروا عليه!) بل مجرّد فرع من فروعه!

ns_shamali@yahoo.com