مارس 2009

ندوة حول المسؤولية المجتمعية

31 مارس 2009

خليل نخلة وعادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1849)

عُقدت في البيرة ـ الضفة الغربية المحتلة بتاريخ 26 آذار 2009 ندوة حول موضوع “المسؤولية المجتمعية”، شارك فيها الدكتور خليل نخلة، الباحث في شؤون التنمية، وجهاد الوزير، محافظ سلطة النقد.

ونقدم في هذه النشرة:

ملاحظات من مداخلة الدكتور خليل نخلة قدمها لتحفيز النقاش حول هذا الموضع الهام.

مقالة عادل سمارة في تقييم تلك الندوة: رأس المال الخاص/التابع/الكمبرادوري … ليس تنمويا.

( *** )

ملاحظات من مداخلة الدكتور خليل نخلة

سأركز على أربعة مفاهيم والعلاقات بينها، ومن ثم سأتطرق لبعض الإستنتاجات والنماذج العملية:

1) مفهوم المسؤولية المجتمعية (تحت الإحتلال)

ضرورة إعادة إبراز بعض المبادئ الأساسية:

□ التكافل المجتمعي

□ التفاوت في توفر المصادر والموارد المالية وإمكانية السيطرة عليها

□ دور الإحتلال في تعظيم الفجوة بين الذين يتحكمون في تلك الموارد والذين يخصلون على المهارات الضرورية للوصول إلى تلك الموارد

□ دور الدعم الخارجي(ما يسمى بالدول المانحة) في زيادة الفجوة بين الغني والفقير في المجتمع

□ مسؤولية أعضاء ومؤسسات المجتمع التي تملك وتتحكم في هذه الموارد في المساهمة الفعلية (وليس الرمزية فقط) في تنمية المجتمع، وبالأساس في تمكين الطاقات البشرية من تطوير نفسها والحرص على الحفاظ عليها كجزء منتج من هذا المجتمع

□ الهجرة إلى خارج البلد، في هذه الفترة بالذات، تعمل ضد التمكين الجتمعي.

2) مفهوم التنمية

بإختصار وبدون تنظير: التنمية كما أفهما أنا من هذا المنظور هي تمكين الناس وتعزيز صمودهم على أرضهم لمقاومة الإحتلال والإنعتاق من “الحالة الكولونيالية” المفروضة عليهم. وهذا يتم من خلال توفير الوسائل الضرورية للإنتاج، بدءا بالإنتاج الزراعي من وعلى الأرض، والإنتاج الصناعي، إلخ. التركيز هنا على الإنتاج وليس الإستهلاك المستميت!

3) مفهوم المساءلة المجتمعية

هذا المفهوم ذو شقين: الشق الأول هو مساءلة الناس للشركات والمؤسسات الإقتصادية التي تجني أرباحا من الإستثمار في هذا الجزء من الوطن، بالإستكانة لمتطلبات إتفاقيات أوسلو، حول كيفية إعادة وتدوير الإستفادة من هذه الأرباح. أما الشق الثاني فهو مساءلة الشركات ذاتها للناس المستفيدين من إعادة تدوير الأرباح لكيفية الإستفادة من هذه الإستثمارات ، إلخ.

4) مفهوم “راس المال الوطني”

هذا المفهوم هو خدعة وتلاعب في الألفاظ! لا يوجد شيء كهذا: المصطلح يشير هنا إلى رأس المال الفلسطيني لتمييزه من رأس المال المصري أو الأردني أو السعودي، ولا يحمل في طياته بالضرورة قيمة وطنية تحررية مناضلة. في جميع الحالات يتبع رأس المال هذا مواصفات ومنظومة رأس المال العالمي: السعي لتعظيم الربح، بغض النظر عن الوسائل المستعملة لتحقيق ذلك ، وعدم المغامرة في الإستثمار في المجالات غير مضمونة الربح، والمحاولة للإستئثار بمناخات الإستثمار، إلخ، مما يتطلب إستغلال الأيدي العاملة، وعدم المشاركة في الأرباح، والإستعداد للتعاون مع جميع الفئات والقوى التي قد تعظم إحتمالات الربح، بما فيها قوى الإحتلال والقوى الداعمة له، التي نسعى للإنعتاق منها …

تركيزنا يجب أن يكون على تطوير مفهوم “رأس المال الملتزم”، أو إذا صح التعبير، ” رأس المال المقاوم”-بالرغم من التناقض المنطوي في مثل هذا الجمع!

بعض الإستنتاجات

سأركز هنا، كنموذج، على تطوير العنصر البشري لكوننا نردد دائما على المستوى الرسمي الشعار القائل بأن “العنصر البشري هو رافعة رئيسية للتنمية المستدامة”!

التركيز هنا على قطاع التعليم العالي

لا يوجد أي مبرر اليوم لجامعاتنا أن تلهث يوميا وشهريا وراء مصادر لدفع رواتب المدرسين والأساتذة والباحثين (إذا وجدوا!)، ولدينا عديد من الأثرياء الفلسطينيين في الداخل والخارج الذين بمقدورهم أن يتبنوا، كل على حدة، جامعة من جامعات فلسطين العامة، ويؤسسوا لها وقفية تضمن إستمراريتها إلى الأبد، وتضمن الإستثمار الفعلي في الأبحاث العلمية الضرورية.

أبدأ هنا، ولكن هذا النموج ينسحب على عدة قطاعات.

المطلوب هو ليس المساهمة الرمزية الدعائية والشكلية-كمبيوتر هنا، ومركز “أي تي” هناك، ومكتبة في مكان ثالث، إلخ. هذه مبادرات جيدة ولكن غير كافية، ولا تفي بتطبيق مبدأ “المسؤولية المجتمعية”، كما جاء أعلاه.

( *** )

رأس المال الخاص/التابع/الكمبرادوري…ليس تنمويا

والحكم الذاتي لا يمكنه التنمية حتى لو اراد

عادل سمارة

عزيزي: خليل نخلة،

استمعت لحديثك وحديث السيد جهاد الوزير، وإن كنت ألتقي معك لدرجة كبيرة، في ما طرحت، أكثر مما ألتقي مع حديث الأستاذ جهاد الوزير، الذي تحدث عن أمور تقنية أكثر منها تنموية. ورغم أن عنوان اللقاء كان عن القطاع الخاص ودوره المجتمعي، إلا أن أحداً لم يتحدث عنه، وبالتالي كان حديث السيد جهاد الوزير مثابة حديث السلطة عن أمور تتعلق بالبنوك.

وكنت أود المشاركة في النقاش ورفعت يدي مبكراً، لكن مدير الجلسة كان أكثر فصاحة مني واحتراماً للأعراف، فقد بدأ بزعماء منظمات الأنجزة، ومن ثم وزراء الحكم الذاتي ثم ممثلي شركة الاتصالات الفلسطينية ولاحقا أحد رجال البنك العربي، لا بل إن أحد وزراء الحكم الذاتي (وزير سابق) قدم محاضرة كاملة أخذت من الوقت أكثر من حديثك أنت ـ رغم كونك متحدثاً رئيسياً ـ وصال وجال في ما ابتعد عن الموضوع! يبدو أن هيبة السلطة حالت دون تجرؤ المدير على إيقاف الرجل! وتحت ضغط الوقت فهمت أن دوري سيأتي بعد انتهاء الندوة. فقلت لنفسي أما والأمر على هذا النحو فلا بأس من الكتابة في النشرة الإلكترونية حيث لا حاجة لرفع اليد طويلاً ولا لإعطاء مدير النقاش فرصة قمع مواطن (بلا وظيفة) طالما زمن الحديث بحجم المنصب حتى لو سلطة تحت الاحتلال. ناهيك أن عدد قراء “كنعان” أكثر بما لا يُقاس.

لو أردت إجمال حديث السيد جهاد الوزير لقلت أحببت فيه عدم مديح السلطة، مع انه رئيس سلطة النقد في مناطق الحكم الذاتي. صحيح أن الرجل لم ينقد السلطة، وهذا أمر مفهوم، ولكن هناك آخرون ينقدون السلطة ويجلدونها وهم أنفسهم من فعلوا ما يجلدون السلطة بشأنه. ربما حصر الرجل حديثه في الجانب التقني وكأنما يقول للناس، لا توجد لدينا سيادة، فاعفوني من العنتريات.

أما حديث صديقي خليل، فكان نقدياً وتقنياً معاً، وكان في التنمية وموجباتها ومستحقاتها. لكن المهم أن خليل قدم مفاتيح نقدية كثيرة منهجياً وحتى ميدانياً ومقاوماتياً. لكن ما فاجأني أن المداخِلين بعدهما، لم يتحدثوا عن هذه المفاتيح، (اللهم إلا إذا تحدث أحد بعد خروجي وقد مضى على الندوة ساعة ونصف).

لست هنا بصدد إعادة ما قيل، لكنني أود الإشارة إلى الأمور التالية:

أولاً:آن الأوان لنا نحن الفلسطينيين أن نواجه أنفسنا بوضوح حتى في تعريف أنفسنا. فقد استخدم كثيرون من المتحدثين كلمة فلسطين بقصد الضفة والقطاع، واعتقد أن هذا أمر خطير لأنه يعني بالضرورة أن المحتل عام 1967 وكافة المستوطنات في الضفة الغربية وعلى حدود القطاع وحتى آخر بيت أُغتصب في سلوان (من ضواحي القدس) هي إسرائيل! علينا تعديل انفسنا أو كما قال الشاعر الإيراني حافظ الشيرازي: إذا نظرت إلى المرآة ورايت قبح وجهك، فلا تكسر المرآة بل عدِّل وجهك.

ثانياً:ذكرت أعلاه الحكم الذاتي والسيادة ليس بقصد السخرية ولكن لأن النقاش كان في التنمية (ما طرحه خليل على الأقل) مما أوجب القطع بأن التنمية في ظل الاحتلال مستحيلة، وأعتقد أن ما هو ممكن هو التنمية بالحماية الشعبية اي بعيداً عن السلطة. كنت سأقول ان التنمية لا يمكن ان تكون فردية أو شركاتية أو قطاعية أو طبقية، بل شاملة، قبل أن تكون مستدامة، ولا تستديم إلا إذا كانت شاملة، ولذا، لا توجد في المناطق المحتلة تنمية بقرار ذاتي سلطوي تحديداَ. بل إن مؤسسات سلطة الحكم الذاتي على تكاثرها تخلو من مؤسسة هي عماد التنمية إن كان ذلك سهلا تجاه العدو أو مقبولا عن الكمبرادور، وأقصد مؤسسة تخطيط وتنمية. كان هذا حلم صديقي د. مفيد قسوم الذي جاء إلى البلاد حالماً بهذا فطاردته وطردته مؤسسات أكاديمية وترجماتية وما لبث إن عاد إلى أميركا لاجئاً.

ورغم أن عنوان دعوة الندوة عن القطاع الخاص ودوره المجتمعي إلا أن أحداً لم يأت ليتحدث عن هذا القطاع المدلل. فهو قطاع أوصى به البنك الدولي أكثر مما أوصى الرسول بالجار! وقد أوضح خليل نخلة أن تسمية راس المال الوطني ليست دقيقة بل ليست صحيحة! وهذا أمر في غاية الأهمية لأن راس المال لا يتبرع بالعمل في مناطق الخطر قط إلا إذا كان احتمال الربح خيالياً. وهذا ما يحصل أحياناً في الأرض المحتلة. فأرباح شركة أو مجموعة الاتصالات هائلة، تتقاضى من أعلى إن لم نقل أعلى رسوم خدمات هاتف في العالم من شعب هو الأفقر! وقد حظيت الشركة في الجلسة بمتحدثتين من بناتها تحدثتا مدائح للشركة وليس قراءة علمية اقتصادية لدور القطاع الخاص. ووزعتا كراساً جميل الطباعة مفروز الألوان دعاية للشركة، وأين في جلسة للنقد!!!

كنت سأقول إن ما أعرفه أن شركة الاتصالات الفلسطينية بدأت بامتياز من شركة بيزك الصهيونية. ولا أعتقد أنها تجاوزت هذا الارتباط[1].

تحدث السيد جهاد الوزير عن افتتاح مكتب تظلُّمات، وهذا أمر جيد، وكنت سوف اسأل: هل يمكننا التظلُّم من الفاسدين الذين سرقوا أموال الشعب وبالتالي جلبهم للمحاسبة؟ وهل يمكننا التظلم من رجال أعمال فلسطينيين هم الذين أخذوا امتياز شركاتهم برسوم ضئيلة بمعنى إعادة تقدير هذه الرسوم ووضع ما يتم استخلاصه لصندوق تشغيل يكون اساساً لقطاع عام؟ أم عفى الله عما مضى. الله يعفو، لكن نحن بشر!

وكنت سوف اسأل: أليس من حق شعبنا أن يتظلَّم من رجال الأعمال الذين شكلوا منذ عامين وأكثر مجلس أعمال مشترك إسرائيلي فلسطيني، اي شراكة مع العدو[2]! فهل هذه الخدمة المجتمعية لراس المال الذي يستغل المواطنين ويطبِّع مع العدو!

تحدث السيد جهاد الوزير عن أن البنوك كثيراً ما أصابت المواطنين بإجحافات في الماضي، وأن سلطة النقد تحاسب الآن على الإجحافات، وهذا جميل، فهل كانت إدارات البنوك تجهل ما تفعل في السابق؟ بالطبع لا. فلماذا لا تُحاسب بأثر رجعي؟

كنت سوف اسأل: إذا كان الحديث عن التنمية جدياً لدى السلطة الفلسطينية، فلماذا لا يتم تكوين قطاع عام، فهو على الأقل اقرب إلى التنمية من القطاع الخاص، الذي هو نقيضها. بالطبع هناك من يخلطون بين القطاع الحكومي كوظائف الوزارات وبين القطاع العام.

لقد ذهب خليل نخلة بعيداً في حديثه عن راس المال مطالباً إياه بأن يكون مقاوِماً، وكنت سوف اسأل: هل كبار الراسماليين المحليين الذين تشاركوا مع راس المال الإسرائيلي يمارسون بذلك المقاومة؟ أم أن خليل نخلة في واد وهؤلاء في وديان أخرى، والناس نيام!

وهل راس المال المحلي الذي اقام مؤتمر بيت لحم للاستثمار كاستعراض شكلاني، وجلب أثرياء عرباً، هو راسمال وسلطة مقاومة، أم راس تطبيعي. إذا كانت هذه مقاومة فما اسهلها وما أكثر دفئها في هذا الشتاء!

لقد ركز خليل نخلة على وجوب قيام راس المال بالاستثمار في الصناعة والزراعة، أي وجوب أن يكون رأس المال هذا إنتاجياً. فهل هذا متوفر، بالطبع لا.

ملاحظة:

حين خروجي تحدث معي السيد صبري صيدم:

قال: قرأت مقالتك عن القدس عاصمة الثقافة العربية، وأعتقد أن فيها تجنِّ.

قلت: ربما يا سيدي، ولكن لا استطيع أن افهم ان أمة من 300 مليون عاصمتها تحت الاحتلال وتحتفل بهذه العاصمة! لا يمكنني تفهم مجيء اي عربي مختوم بخاتم الاحتلال لأن هذا اعتبار الكيان كدولة عربية.

قال: الحديث يطول في هذه الأمور.

قلت : لا باس، سلامات.


[1] ربما كتبتها سابقا، فقد عُرض عليّ عام 1991، اي بعد تدمير العراق وبعد مؤتمر مدريد أن اعمل مديرا لمركز دراسات الجدوى لشركة الاتصالات الفلسطينية هذه وكان ذلك في مقهى النوتردام على الحد الفاصل بين قدسينا (الشرقية والغربية) بحضور الاستاذ روميل سوداح استاذ الاقتصاد بجامعة بيت لحم، ورفضت لأن هذه الشركة ستكون بامتياز من بيزك الإسرائيلية. ولمعرفة اسماء من أرادوا ذلك يمكن استئمان صدقية الاستاذ روميل.

[2] حول هذه الفئة أنظر مجلة “كنعان” العدد 130 كانو أول 2006 ، مقالة عادل سمارة “ليس اقتصادهم بالمعجزة وليس اقتصادنا بعاجز”، ص 52، والمقال من ص 42 إلى 56. وكذلك ملاحظة 15 في المقال نفسه.

وكتاب “الاقتصاد السياسي للصهيونية من المعجزة الى الوظيفية”، عادل سمارة 2008 ص 180، منشورات مركز المشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية ، رام الله.

معركة الكـرامـة…مـا ينبغـي استعـادتـه

30 مارس 2009

بسام الهلسه

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1848)

* إذا كان لنا الآن، وبعد كل السنوات التي مرت على معركة “الكرامة” (في 21/3/1968م)، ان نستعيد الدروس التي قدمتها فإننا نؤشر على الآتي:

* لم تكن الهزيمة الكارثية التي حلت بالأمة العربية (في حرب حزيران- يونيو 1967م) قدراً محتوماً نهائياً ينبغي الامتثال له ولنتائجه؛ بل فعل بشري يمكن -ويجب- تغييره خصوصاً إذا ما تذكرنا أن عوامل ذاتية عربية كانت هي السبب في الهزيمة، وليست “عبقرية” العدو ولا “تفوقه” المزعومين. وهذا الإدراك ذو أهمية عربية حالية راهنة أكثر بكثير مما كان عليه غداة هزيمة حزيران.

فالعوامل الذاتية العربية، وبخاصة: الإرادة الصادقة، والاستعداد الجاد، والتنسيق العربي البيني، لا زالت هي الغائب المسبب لبقاء الاحتلال والغطرسة الإسرائيلية. وهي عوامل ينسحب تأثيرها على الدول والأراضي العربية الأخرى المحتلة أو المهددة.

* إن تفوّق العدو التسليحي، ليس كافياً لتقرير نتيجة المعركة -أو الحرب- إذا ما أُحسن توظيف عناصر القوة العربية العديدة واخراجها من حالة وطور “الكمون” إلى حالة وطور الظهور و”الفعل”.

ونؤكد هنا على عنصر التفوق المعنوي للعربي المؤمن بصحة وعدالة قضيته واستعداده العالي للبذل والتضحية في سبيل انتصارها. إلى جانب العناصر الأخرى الضرورية: امتلاك مهارات القتال اللازمة، ووضع الاستراتيجيات العسكرية الملائمة لكل مرحلة وظرف.

ومع توفر التأييد الشعبي، فإن التفوق في السلاح -أو حتى في العدد المشترك فعلياً في القتال- لا يعنيان أبداً ضمان النصر لمن يمتلكهما. ويعرف كل من قرأ تاريخ الحروب والمعارك -ومنها معركة الكرامة- هذه الحقيقة.

* قدمت معركة الكرامة نموذجاً ينبغي احتذاؤه وتعميمه عربياً في مواجهة الغزاة المحتلين. أعني التنسيق والتكامل بين القوات المسلحة النظامية، ومنظمات المقاومة المقاتلة لتحقيق الأهداف الوطنية والقومية المحددة، إضافة إلى التنسيق والتعاون بين الجيوش والقوى المسلحة العربية على جبهات متعددة كما جرى في حرب تشرين الأول- أكتوبر 1973م.

هذا التنسيق والتكامل وتوزيع الأدوار مطلوب ليس في وقت القتال فحسب، بل في كل الأوقات لضمان أفضل توظيف للقوى، ولضمان عدم الاحتكاك والصدام فيما بينها.

وكما نذكر جرى تطبيق ناجح لهذا النموذج خلال حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية (1969م-1970م) بالتنسيق بين الجيش المصري والفدائيين العاملين في سيناء المحتلة.

وكذلك خلال معارك تحرير لبنان من القوات الإسرائيلية والأطلسية (1983م-1985م) بالتنسيق بين الجيش السوري والقوى الوطنية اللبنانية، والمنظمات الفدائية الفلسطينية. ثم التعاون (رغم محدوديته) بين الجيش والمقاومة اللبنانيين خلال معارك التحرير والمواجهة اللاحقة.

في كل هذه الحالات تم تحقيق نتائج جيدة لصالح العرب. فيما كان غياب التنسيق والدعم والتكامل (لأسباب سياسية بالدرجة الأولى كما هو معروف) عامل اضعاف للقوى العربية كما حدث خلال اجتياح لبنان في صيف 1982م، وخلال الانتفاضتين الفلسطنيتين، وخلال العدوان الأخير على غزة. حيث لم يكتفى بتركها تقاتل وحدها بل جرى الاسهام في حصارها. ولو تم دعمها لأمكن تحقيق نتائج متقدمة في تسريع هزيمة العدو ودحره.

* إذ بيَّنت معركة الكرامة أن الخلل لا يمكن في الجندي العربي ولا في الإنسان العربي (الفدائي والمقاوم) المستعد لقتال العدو، فإنها قد سلطت الأضواء الكاشفة على مكمن الخلل ومنبعه:

الإرادة، والسياسة، والقرار…

وإلى هذا ينبغي أن يتوجه السؤال والبحث والنقد.

alhalaseh@gmail.com

في القدس “عاصمة للثقافة العربية”… أسئلة تغني عن الأجوبة!

30 مارس 2009

عبد اللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1848)

تأتي الأسئلة أولاً فتتلوها الأجوبة، من هنا فالأسئلة أحياناً أهم، وربما أصعب، و أحياناً تغني عن أجوبتها. فأنت إن وفقت في طرح سؤال حتام سيقودك تساؤلك إلى جواب أو هذا هو ما يترتب على الأغلب.

في الأسئلة التي طرحتها شعائرية احتفالية القدس عاصمة للثقافة العربية هذا العام، وهذا العام تحديداً، ما يمكن وضعها في خانة الأسئلة التي تغني عن أجوبتها، بل والتي تفضحها سلفاً، والأمرَّ من ما فضحته، مثلاً:

وأية قدس يحتفلون بتنصيبها عاصمة للثقافة العربية؟

أهي المحتلة منذ ما قبل ستين حولاً، أم المحتل مما تبقى منها منذ ما قبل اثنتين وأربعين سنة؟!

أقبل شبه التهويد الكامل لها الذي شارف على الإتمام، أم بعده الذي لا تنقصه إلا استكمال قوائم هدم ما تبقى من بيوت المرابطين من أهلها المقدسيين، وطرد من لا زال لم يطرد منهم بعد؟!

القدس التي لا زالت هي أولى القبلتين، وفيها ثالث الحرمين الشريفين، أم هذه التي ستطيح الحفريات بأقصاها، وتستبدل قبة صخرتها بالهيكل الثالث، أو هذا المبيّت المزعوم الذي قد أتموا بالفعل بناء انموذجه في غربها منذ سنوات؟!

أو ليس هم، ونعني المحتفين بعاصمة محرمة عليهم، يحتفلون اليوم سلفاً بعبرنتها، أو التسليم بمسيرة هذه العملية التي شارفت أمام أعينهم على النجوز؟!

وعليه، أوليس من الواقعية، والصراحة، والشجاعة، والصدق مع النفس، تعديل هذا الشعار الاحتفالي العتيد ليغدو” القدس المحتلة عاصمة للثقافة العربية”… أو إن شئنا الدقة أكثر، والابتعاد عن خداع الذات… أوليس الحري بنا أن نعدله ليغدو “القدس المهوّدة عاصمة لثقافة الإنهزامية العربية”؟!

وقد لا ينقطع حبل تساؤلاتنا المرّة هذه حول المغتصبة المحتفى بها إلى أن يدفعنا بؤس الحال إلى حيث نصل إلى أمرّها، وهو، ومتى تغدو في أدبياتنا… صحفنا، وكتبنا، وفضائياتنا، وخطابنا الرسمي، قبل الثقافي أو بعده، “أورشليم”، أو حتى “أورشلايم”، كما حدث وأن حلت إسرائيل المعترف بها بديلاً عن الكيان الصهيوني قبل الاعتراف، في هذه الأدبيات، وغدت ضيفة مسطّرة بالعربي الفصيح على صفحة خارطة الوطن العربي، الذي أصبح الشرق الأوسط وشمال إفريقيا… مسطرة عليها بدلاً من فلسطين، ويومياً تطل علينا بوقاحة عبر شاشات بعض فضائياتنا؟!

… قبل أقل من عام استمعت لشاعر من رام الله يتلو قصيدته التي مطلعها كان: على بوابة أوشليم…!

* * *

قلنا، وأية قدس عندهم هذه التي يحتفلون اليوم بتسميتها عاصمة للثقافة العربية، والآن يجيء دور وأية ثقافة يعنون؟!

لعله هنا، وكما قالت العرب، خرط القتاد! فأول الأسئلة التي دائماً تداهمنا عندما نسمع مثل هذا المصطلح يسحبنا إلى حيث نقع في متاهة من التصنيفات حيث لكل فئة أو فريق أو شريحة أو سياسة… وهكذا، وما يهمنا هنا ما نحن بصدده، ثقافته، ولكل ثقافة مثقفها.

مثلاً: أهي ثقافة المواجهة أم الهزيمة؟ الصمود أم الاستسلام؟ المقاومة أم المساومة؟ الممانعة أم “الاعتدال”؟ العناد والتمسك بالحقوق أم التفريط بها؟ رفض الجريمة الدائمة التي تجسدت اغتصاباً لقطعة من قلب الأمة منذ ستين عاماً أم القبول بأمرها الواقع و التطبيع معه؟!

… ونأتي إلى المثقف، وحيث قلنا أن الثقافة ثقافات فالمثقف بالضرورة بمثل تعددها، أي أنه كما قلنا آنفاً، لكل ثقافة مثقفها، وهنا أيضاً نضرب الأمثلة الأسئلة:

أمثقفو، يا وحدنا، و”القرار الوطني المستقل” عن الأمة وليس عن الأعداء، أم أخدوعة شعار “سلطة وطنية على كل شبر محرر” كبداية للتنازل عن ثمانين في المائة من الوطن والمساومة على ما تبقى منه كأراض متنازع عليها؟ أو اجتراع شرك برنامج النقاط العشر، وأكذوبة “وثيقة الاستقلال” في وقت تكاد الأمة جميعها تفقد استقلالها، والتي كانت مجرد محطة ممهدة باتجاه “سلطة” بلا سلطة تحت الاحتلال، تنوب عنه في بعض أعمال البلدية لا جميعها، وتحوله عملياً إلى احتلال سبعة نجوم معفى من الكلفة المترتبة عليه تجاه من يحتله… سلطة حوّلت المناضلين إلى متقاعدين، وتنوب عن المحتل في مطاردة من يقاومه، أو تغدو على أرض الواقع أداة له تسهم في تعزيز أمنه؟!!

واستطراداً، أمثقفو أوسلو، الإعتراف بالعدو، دولتين تعيشان جنباً إلى جنب، أو هما كما تقول الحكاية الشعبية “في ثباتٍ و نبات وتنجبان أولاداً و بنات”!، واحدتهما قائمة ونووية، والأخرى مفترضة وهمية وواقعاً في حكم المستحيلة، فلسفة موهوميها هي “إنقاذ ما يمكن إنقاذه”، وصولاً إلى “ليس بالإمكان” كمقدمة إلى ولا حتى “أحسن مما كان”؟!

أمثقفو، التطبيع، واستمراء الدونية، وفلسفة الخنوع والخضوع والتبعية، و”تحقير العمليات الإستشهادية، والسخرية من أنفة وكبرياء ما يصفونها ب”اللغة الخشبية”، بمعنى ازدراءهم للغة العنفوان القومي المعبرة عن رفض المهانة و منطق الإنهزامية؟!

أم هم هؤلاء الذين صعدوا على ظهر الثورة الفلسطينية المعاصرة إبان مرحلة المد… و”سنّوا عظامي سنّوها سيوف”… ولم يحملوها يوماً أو تتصاعد على ظهورهم… أو الذين كانوا أبداً سباقين في الحداء لقوافل زمن الصعود، وأول الهابطين و المنظرين للانحدار في زمن الهبوط ومفلسفيه؟!

أم من ندعوهم ويدعون أنفسهم الليبراليون الجدد، وبلغة أخرى، متصهيني لغة الضاد، حاصدي الجوائز أو مدللي بلاط مؤسسات ال”إن جي أوس”، و نجوم شاشات الفضائيات الأشبه بملاهٍ ليلية تقتحم ثقافتها الهابطة المستلبة عنوة وبلا استئذان بيوتنا وتستبيح عقولنا وتثلم وجداننا؟!

أم هل هم مبررو الحصارات، وتحديداً الحصارات العربية منها، وبالتالي المحارق والمذابح التي يرتكبها العدو، والبوم الناعق على أطلال كرامة أمة، وهشيم إرادة سياسية بدت البائدة بفضلهم، ومزق أوطان ذبيحة نازفة أيامها حتى الثمالة… في فلسطين والعراق والصومال، والآن السودان، وما يتبع؟!

* * *

قد تستهوينا تقليعة خلع صفة “عاصمة الثقافة” هذه على ما نشاء من عواصم ومدن، وجرياً مع مغري ما يستهوينا، قد يصبح لنا حق استبدال “الثقافة هذه بصفة أو ميزة أخرى نراها أنسب، وقد نكون هنا أكثر حرصاً على الدقة أو نتحرى الصدق، ونزعم الموضوعية، فنقول مثلاً، فلسطينياً:

غزة عاصمة للصمود ومواجهة المحارق والخنق بالحصار، ونعني الحصار العربي الداعم للمعادي الغربي… ونستطرد: ورام الله، عاصمة الوهم وخرافة الدويلة الأوسلوية الموهومة، ومحج إملاءات المانحين، ومسرى رسل الرباعية… وبيت لحم، العاصمة الإحتفالية لبيع هذه الأوهام والخرافات، والأحلام الإقتصادية… والخليل، عاصمة لصولات وجولات الحراديم و تنفيس الأحقاد المعتقة الأسطورية والتلمودية… وأم الفحم، عاصمة الترانسفير المستقبلية… وهكذا، وما أكثر مثل هذه العواصم الفلسطينية… ونكتفي حتى لا نصل إلى العربية!!!

من مفارقة احتفالية “القدس عاصمة للثقافة العربية” هذه أنها معزوفة محببة ولا أحلى تنتحل اسم مدينة ولا كل المدن، لكنما في زمن يعيش مفارقتين، لا ندري كم تعني المحتفلين:

إسرائيلية تخبرنا بتتويج نتنياهو زعيماً أوحداُ لليمين واليسار الإسرائيلي على السواء وما بينهما، وتسنمه سدة القرار التهويدي في حكومة لكافة صنوف الصهاينة تنطق وتعمل باسمهم جميعاً وتمثلهم كلهم ومرآة لمجتمعهم، وتقوم على أربع: الترانسفيري ليبرمان، الذي جاء لفلسطين من حيث كان يعمل حارساً لملهى ليلي في مولدافيا، وزيراً للخارجية، والحاخام المغالي في عنصريته عباديا يوسف، واصف العرب بالأفاعي، عبر ممثله ايلي يشاي للداخلية، والدموي باراك قاتل الفلسطينيين بيديه و ليس عبر الأوامر وزيراً للحرب، وشيخهم جميعاً، الذي جاء إلى السياسة من عالم الإعلانات، رافض التسوية جملة وتفصيلاً دونما إعلان رئيساً!

… وأخرى عربية، يلخصها لنا خبر لم يعد مثله في حكم المستهجن المستغرب عندنا يقول:

إنه تم إحباط عملية تهريب ضخمة عبر الأنفاق على الحدود المصرية مع غزة المحاصرة، ومصادرة الممنوعات المهربة من البضائع مصرية المنشأ… وهي:

560 رأساً من الأغنام، و 48 قارورة غاز، و 4 أطنان من الإسمنت… الخبر أغفل دور خبراء مكافحة التهريب أو نصف الأنفاق وأجهزتهم المتطورة الأجانب، الأمريكان و الألمان و الفرنسيين!!!

وعود على بدء، نختتم أسئلة أثارتها حكاية “القدس عاصمة للثقافة العربية” بسؤال يلخص ما سبقه:

ترى، عن أية ثقافة يتحدثون، وماذا بقي من عاصمتها… أوليس الأولى بهم وبالقدس أن تغدو عندهم عاصمة للمقاومة العربية”؟!!

إنتظار

30 مارس 2009

قصة قصيرة

د. أحمد الخميسي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1848)

لم يعد أحد يذكر كيف أو متى بالضبط بدأ ذلك ؟ حكايات كثيرة ترددت فيما بعد، أما الحقيقة فلا يعلمها أحد، لأن للحقيقة عشرات أو مئات الأعين، واستخلاصها صعب. قال البعض إن رجلا نحيفا يناهز الخمسين خرج ذات صباح من منزله بشبرا بقميص مفتوح وبيده حقيبة سفرمتوسطة، سار مسافة في اتجاه الميدان نحو محلات السمك، وتوقف هناك بالحقيبة بذقن نابتة ووجه شارد يزر عينيه متلفتا بتعب يمينا ويسارا. وأخيرا مضى بتنهيدة إذعان إلي الرصيف فأنزل الحقيبة وجلس. ظل جالسا حتى أعتمت وأخذت المحلات حوله تطفئ أنوارها وتغلق أبوابها بالتدريج. حينئذ دنا منه صاحب مخبز وسأله بفضول عن سر جلسته هنا طيلة اليوم ؟. فغمغم تائها ” أنتظر”. ألح الرجل بمزيد من الفضول ” خيرا.. ماذا تنتظر؟ “. حاول أن يتذكر أو يعرف ما الذي كان ينتظره طيلة اليوم ثم رفع رأسه قائلا ” أنتظر وخلاص “، ثم أطرق برأسه بين يديه وأضاف ” نعم ” بصوت خفيض.

على مدى يومين لاحظ سكان البيوت المجاورة وجوده، وقال أحدهم لزوجته وهما واقفان في شرفة يرسلان نظرة إلي الرجل : ” لابد أن أولاد الحرام سرقوا محفظته “. في اليوم الرابع أمر صاحب المخبز أن يخرجوا له ثلاثة أرغفة كل صباح، وتبعه صاحب محل الكشري بطبق في الظهيرة، ثم أخذ يتلقى بواقي سمك وسلاطة زبائن مطعم آخر على امتداد اليوم.

رمضان الطويل الشهير في المنطقة بالصايع، لأنه يدعي أنه قادر على إصلاح أي شيء من شاشة تلفزيون أو فرامل السيارات إلي تسليك الأحواض المسدودة، لاحظ في ذهابه ومجيئه الرجل الجالس في صمت، وحدق في صحون الطعام، مرة والثانية، ولبد للرجل، قبع بالقرب منه على الرصيف، مثل الكابوريا، ركبتاه بارزتان في الهواء ويداه تبلغان كل ما يلوح أمامه في الفراغ، يحشو فمه بقطعة سمك أو حفنة أرز ويقول لمن يستفسر عن الرجل الجالس الصامت ” هذا حبيبي.. بركة “. أما الرجل فلم يكن يعير اهتماما لشيء حتى للأوراق النقدية القليلة التي يسقطها له عابرون، كان يتلفت حوله فقط، ينهض من وقت لآخر إلي حافة الرصيف،يضيق عينيه متطلعا بعيدا، ويرجع إلي مكانه متنهدا.

على صيحات رمضان ” حبيبي يا بركة ” جاءت أم محمد في جلباب أسود قصيرة نحيفة كبوصة، تجر بدن ابنها العملاق الغائب عن وعيه، مددت بدن الولد على الأرض ثم تربعت قربه وجعلت رأسه بوجهه الشاب النضر مغلق العينين على فخذها، وراحت تمسح على جبينه طيلة الوقت وهي تزفر ” الفرج “.

عندما طال بقاء الأربعة على الرصيف ضاق أحد أصحاب المحلات بالمشهد وقال في اليوم الخامس إنها ” غرزة ” فتحرك الرجل بحقيبته إلي الرصيف المقابل ومن خلفه رمضان وأم محمد يجرجران بدن الولد العملاق، وهناك نزلوا تحت جذع شجرة ضخم مبتور، وثبت رمضان ما بين أعلى الجذع وجدار خرابة خلفهم كرتونة طويلة، فصارت مظلة يقف تحتها ويصفق بكفيه صائحا في الرائح والقادم” الفرج”.

بعض سكان المنطقة كان يتمهل أثناء مروره أمام الأربعة ويسأل من باب الدهشة أو السخرية عما يفعله الرجل هنا؟ وما الذي ينتظره ؟. رمضان الذي لا يتوقف عن الكلام عادة، كان يلزم الصمت ناظرا هو الآخر إلي الرجل باستفسار، أما الرجل فيتلمس حقيبته ويقول بنبرة حائرة ” أنتظر “.

اليوم،ساعة الظهيرة، توقف أمامهم عامل مفصول حديثا بعينين حمراوين وشعر قليل هائش، دخل تحت المظلة وسأل عن الحكاية بالتفصيل، فرك عينيه ثم واصل طريقه إلي بيته. وقبيل الثانية فجرا أيقظته كوابيس من نومه، ووجد نفسه جائعا فدخل إلي المطبخ وهو يفكر أنه هو الآخر ينتظر شيئا ما، قد لا يعرفه لكنه ينتظر، قلب الفكرة في رأسه، ثم خرج من بيته مع النور الذي انتشر في السماء واتجه إلي الرجل ومكث قربه ولم يفارقه.

تجاوز عدد الجالسين على الرصيف عشرين شخصا، بعد أن انضمت إليهم أم فؤاد المجنونة التي تسأل طيلة الوقت برقبة مذعورة ” أين فؤاد “؟ وفي مساء اليوم السابع لاحت عربة شرطة على رأس الشارع، واقتربت من الحشد الصغير ولفظت من جوفها كومة جنود فرقوا بعصيهم الثلة فتناثر أفرادها وقوفا في منتصف الشارع يحملون أشياءهم وهم يسترقون النظر إلي الرجل الذي وقف هو الآخر شاردا لحظات، سار بعدها ببطء صوب نفق غير بعيد، ومن خلفه مضى موكب بشري يجرجر بقج الملابس ومواقد الشاي والمواعين والأغطية وبدن الولد بملامحه النضرة وعينيه المغمضتين.

اخترق الموكب النفق زاحفا، يدب في صمت، بأمل، نحو المجهول. من دبدبة الأقدام وصداها المتخبط كنشيد في بطن النفق أحس رمضان الصايع أحس بالأسى، وأن المسألة لا يمكن أن تكون صحون الطعام التي تأتيه من دون جهد، وشعر لأول مرة في حياته بأن شيئا ما لابد أن يقع، تتبدل بعده حياة الجميع.

بعيدا عن القاهرة على أطراف الطريق الزراعي استراح الجميع في أرض خلاء فسيحة، ورقدوا في أماكنهم كيفما اتفق، وفي الصباح تأملوا المكان حولهم واستقروا فيه. ثلاث ليال امتد حبل الحكايات بينهم، ودفق كل منهم قصته للآخرين مرة كالوجع، ومرة كالأمنية، مرة في حكاية آروى التي حاولت الانتحار، ومرة في حكاية بكر الذي واصل تعليمه، حكايات كثيرة صغيرة تبادلوها وهم ينشرون ملابسهم على حبال بين الأشجار، أو وهم يطهون الطعام، وأطفال البعض منهم يزحفون بين أقدامهم. فيما ندر كانت تنشب بينهم شجارات عنيفة بسبب مزحة، أو ماعون وضعه أحدهم في مكان ولم يجده، وسرعان ما يهدأ الشجار. البعض كانوا ينسحب عائدا إلي المدينة، لكن صفوف الوافدين كانت تواصل تدفقها، أناس من كل ناحية، يأتون، يضعون حقائبهم، ويقصون حكاياتهم، وأخبار المليارات التي تسرق هناك، والحرائق المدبرة التي تلتهم الوثائق والتاريخ والمباني العريقة،العبارات التي تغرق في البحر بمن فيها، والجميلات اللواتي يقتلهن رجال الأعمال العشاق لحظة الغضب، القطارات المغلقة على الموت، وانفجارات المظاليم في قرع الطبول الأعمى. وحينما تتراخي أذرعهم بجوارهم ولا يعود لديهم ما يقصونه يقف رمضان الطويل ضاربا بمغارف كفيه في الهواء صائحا ” الفرج “.

يوما بعد آخر بزغت في الأرض أعشاب ذات رائحة حلوة مرة، أمسك سويلم الفلاح بواحدة منها وقربها من أنفه وقال : عتر، ويوما بعد آخر عبدت أقدام تلك الكتلة البشرية المتنامية طرقا ضيقة بين الأعشاب، وأصبح من الصعب على عابر يتطلع إليهم من بعيد أن يميزهم عن غيرهم أو أن يرى في الليل سقف الأمنيات الصغيرة المشتبكة فوقهم كفروع شجر تندى من تنفسهم.

عصر اليوم تلبدت السماء بالسحب ثم أخذت ترعد وتصب سيول أمطار غزيرة لم تتوقف إلا آخر الليل. وعلى ضوء الفجر الشاحب شاهدوا برك المياه الصغيرة الراقدة تروي الأرض، وامتلأ الجو برائحة الأعشاب الرطبة، ولاحت وجوه البعض غارقة في مرارة عميقة، وارتفعت درجة حرارة بدن العملاق، فدثروه ببطانية انتزعها رمضان من أحدهم. وساد الصمت بينهم حتى انتشل فكري التمرجي قدمه من بركة ماء، وتساءل بيأس عن جدوى ومعنى وجودهم هنا ؟. لم ينطق أحد بكلمة، كانوا جميعا يفكرون فيما قاله فكري. وفي صمت نهضت من مكانها مدرسة شابة نحيفة وشاحبة للغاية كانت تعتصر بيدها كتابا طيلة الوقت، وبحركة عصبية غطت رأسها بوشاح وسعلت ملتفتة إلي أحدهم، فوقف شاب كان قد تعرف بها هنا ولازمها حتى ظن الجميع أنهما سيحتفلان بعرسهما عما قريب. تجنب الشاب النظر إلي عيون الآخرين ولحق بها وهي تبتعد بساقين مرتعشتين. وشملت إبراهيم العامل المفصول رعدة، فاتجه إلي مرتفع، ووقف مبتلا منفعلا يخاطب الجمع المستنزف ” كان كل منا ينتظر وحده، لكننا الآن معا قوة من الآمال، وقوة من اليأس الصلب، ومن بقائنا معا سنتعرف على وجه العالم الجديد، سنتعرف إلي ملامحه حين يخرج إلي النور، كما تعرف الأم طفلها فقط عندما تراه “.

الرجل الذي لم يعرف أحد اسمه، ولا قصته، نهض من مكانه، ومد بصره مأخوذا بموج رؤوس البشر وهو يهتز في حقول بلا نهاية، فانحنى على الأرض ببطء وتناول فرع شجرة اتجه به إلي المرتفع وغرسه في الطين ثم عقد علي طرفه خرقة صغيرة تطلع الحشد الصامت إليها وهي ترفرف بتراخ، ثم وهي تخفق في الريح بكل قوتها، علما على الطين الذي يختلج في انتظار.

أحمد الخميسي. كاتب مصري

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com

حوار الفصائل في البحث عن مخرج

30 مارس 2009

محمد العبد الله

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1848)

عشرة أيام من التفاوض والسجال دار بين مندوبي الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية، وبمشاركة بعض الشخصيات “المنتقاة” من خارج الإطار التنظيمي للقوى، والقريبة لحد التماثل، في بعض الأسماء، مع سياسات سلطة رام الله.

العشرة أيام التي مرت على المتحاورين في جولة الحوار الثانية داخل مبنى المخابرات المصرية، لم تكن شبيهة بالأيام العشرة التي كتب عنها الأمريكي “جون ريد” رائعته عن الثورة البلشفية الروسية. فبعيداً عن القوالب الجاهزة التي وضعت فيها نجاحات واخفاقات اللقاءات بين قطبي الحوار و”الواقع”، المتفق عليها مع طاقم المخابرات المصرية المشارك في كل لجنة، ظهرت نقاط الخلاف في لجان الحكومة و المنظمة والإنتخابات والأمن، بمعنى أن أبرز القضايا المطروحة للنقاش مازالت تدور في حلقاتها المعروفة، المثقوبة، والمفرغة من المخارج الواضحة.

لن أكرر ما كتبته في مقالات سابقة حول لجان الحوار، والمنظمة والمرجعية، والبرنامج الوطني الكفاحي لحركة التحرر الوطنية الفلسطينية، التي هي _ للتذكير أيضاً _ جزء مهم من حركة النضال القومي التحرري للأمة العربية، وركن أساسي من المقاومة الأممية للهيمنة الإمبريالية العالمية. لكن اللافت للنظر، أن اللجان، وأعضاء لجنة التوجيه العليا ينتظرون، الموعد الجديد الذي ستحدده إدارة المخابرات المصرية، للعودة إلى القاهرة في بداية الشهر القادم، بعد أن عاد “عمر سليمان” من واشنطن، التي زارها ملتمساً الموافقة على تشكيل حكومة ” تحترم ولا تلتزم “! بالاتفاقيات التي وقعت عليها “قيادة” المنظمة مع حكومة العدو، ومع الأطراف الدولية. إذ لم تنتظر قيادة المخابرات عودة سليمان من رحلته، فبادرت لإبلاغ رؤوساء الوفود أن بإمكانهم العودة لمناقشة قياداتهم ومرجعياتهم بالتطورات، في محاولة للوصول لحلحلة العقد _ كما تراها واشنطن وبالتالي مصر _ لإخراج الإتفاق للنور، في بداية ابريل /نيسان، بعد أن تعثر الوصول إلى نتائج حاسمة قبل انعقاد قمة الدوحة العربية.

إن مأزق المتحاورين في القاهرة يكمن في اختلاف رؤية كل طرف/اتجاه/اصطاف، للبرنامج السياسي الذي يجب أن تلتزم به قوى الحركة الوطنية الفلسطينية. بل إن التناقض ظهر واضحاً داخل أحد الإتجاهات، المسماة “قوى اليسار”. فقد ظهر الخلاف جلياً وواضحاً أثناء الحوارات الداخلية للقوى المؤتلفة بإطاره، حول قرارات الشرعية الدولية، والإعتراف بكيان العدو الإرهابي، التي ستحدد مع محاور أخرى برنامج الحكومة العتيدة. فما بين الموافقة الكاملة “حزب الشعب” والرفض الكامل “الجبهة الشعبية” تراوحت مواقف “الجبهة الديمقراطية”، مما كشف وبوضوح عن مكامن الخلل الأساسية في صيغ الاصطفافات القائمة، وهو ما يعكس بالضرورة دور بعض القوى المشاركة في إعادة إنتاج مواقف أحد القطبين، ولكن بإسم “الفصيل”، على اعتبار أن ذلك يزيد من صوابية و”شعبية” الموقف، الذي فرضته قرارات المشرف على الحوار، وقيادة سلطة رام الله المحتلة، بالجلوس على مقاعد طاولة المناقشات، ليس لفاعليته الراهنة، بل لانحيازه السياسي، وهذا ماكشفته النقاشات التي دارت حول نسبة الحسم في الإنتخابات القادمة، التي ستسلط الضوء على حقيقة الوجود الجماهيري للعديد من الفصائل، التي يعيش قسم منها على “تراثه” الكفاحي في مواجهة العدو. رغم يقيننا الكامل من أن انتخابات تتم في ظل الاحتلال، ومحكومة بإتفاق أوسلو، لن تحقق لشعبنا كرامته وسيادته، المهدورة في معازل الإعتقال الجماعي.

على الرغم من تعارض التصريحات التي عبّر من خلالها كل تنظيم، ومتحدث، عن الأسباب التي عرقلت التوافقات، فإن ما يمكن التأكيد عليه في هذا المجال، هو أن الأساس في الاختلافات القائمة تتمحور/تنطلق من طبيعة رؤية كل طرف لماهية ومضمون ووظيفة منظمة التحرير. ففي ظل هيمنة ومصادرة “السلطة” الناتجة عن اتفاق إعلان المبادىء في أوسلو، لدور المنظمة، وبروز التناقض ما بين “شكلية” المنظمة بوضعها الراهن، وسطوة و”تغول” السلطة، المستندة، بل والمستقوية بدور ما يسمى اللجنة التنفيذية للمنظمة، تزداد الهوة مابين المشككين بتلك اللجنة، الفاقدة لشرعيتها، الناتجة عن فقدانها للنصاب القانوني بسبب غياب ثلث أعضائها البالغ عددهم ثمانية عشر عضواً. فقد توفي خمسة منهم، واستقال السادس، ويمتنع أحد مؤسسيها، وأبرز قادة حركة فتح “فاروق القدومي” عن حضور اجتماعاتها التي تجري في ظل الإحتلال. ولهذا فإن ما تبثه الكاميرات عن ذلك الحشد من الحضور في الاجتماعات، ليس سوى مشاركة من مندوبي الفصائل، ومسؤولي السلطة!.

واللافت لنظر المتابعين للحوارات، كان الحضور المقصود لتلك الأعداد من “المستقلين”!. جميعهم كان من الضفة وغزة، ومعظمهم يمثل رؤى سياسية/اقتصادية مرتبطة بالمركز الإمبريالي. وقد تنادى بعضهم قبل أشهر لتشكيل “منتديات ومبادرات” للوحدة الوطنية، تستند على برنامج الحد الأدنى، الذي لا يتصادم مع المحتل، بمقدار ما يروم بعينيه وعقله لـ” الآخر”؟. إن هذه التشكيلة، ذات “اللون الواحد” مما يسمون أنفسهم بالمستقلين، تنسجم في توجهاتها مع الموقف السياسي لسلطة رام الله المحتلة، مع حرصها “شطارتها” على إبراز تمايزها النقدي “الهادىء” لبعض الممارسات. وهنا لابد من سؤال قوى المقاومة التي حضرت الحوارات عن “تمريرها” لحضور هذه التشكيلة، وعدم طرحها لأسماء العديد من الشخصيات الوطنية المستقلة في الأردن وسوريا ولبنان ودول المهجر، الملتزمة بالمقاومة، وبرؤية نقدية جذرية للواقع الراهن.

إن الحديث عن ربط “الإعمار” بالإعلان عن برنامج حكومة “وحدة أو توافق وطني، وبالوقائع ستكون حكومة “توافق دولي!” تتوزعها مجدداً المحاصصة الفصائلية، المطعمة بما يسمى المستقلين، وتمارس بأشكال متفاوتة، الإعتراف بحكومة العدو، يعني بالفم الملآن، التفريط بـ”إعمار” وتحصين الإنسان العربي الفلسطيني، بحقيقة مقاومته للإحتلال، واصراره على تحرير وطنه. إن الضغط على الضحية للإعتراف بـ”عدالة” جلادها، وتنازلها عن حقها بالحياة فوق أرضها، بذات الوقت الذي يندفع فيه العدو، السفاح، القاتل، لنكران وجودها، يعتبر تفريطاً بكل الحقوق والتضحيات.

لن يجد المتحاورون في استجابتهم لراعي الحوار، والأطراف الإقليمية والدولية، باب النجاة، بل إن بوابة العبور الوحيدة نحو شعبهم الموحد، ووطنهم المحرر، هي بدء حوارهم الداخلي الوطني عبر التمسك ببرنامج المقاومة، وبوحدة أداة الصراع مع العدو، بدون “رعايات”، هدفها تدجين الحركة الوطنية، وإعادة “تأهيلها” لتستوعب “حقائق” العصر!.

الأقاليم: من تفكيك الدولة.. إلى تفكيك الوطن

29 مارس 2009

موفق محادين

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1847)

طرحت فكرة الأقاليم، أول مرة، في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، وقد لخصتها دراسة للدكتور سفيان التل، صدرت عن المنظمة العربية للعلوم الادارية عام 1981 تحت عنوان “التخطيط الإقليمي والتجربة الأردنية” وتضمنت الفكرة تقسيم الأردن إلى اربعة أقاليم: إقليم إربد وعهد بدراسته إلى لجنة أردنية ـ يابانية، وعمان وعهد بدراسته إلى لجنة أردنية ـ امريكية، والجنوب (معان ـ العقبة) وعهد بدراسته إلى لجنة أردنية ـ المانية والكرك وكان قيد الاعداد.

وقد أكدت دراسة الدكتور التل الذي كان أحد اعضاء اللجنة الرئيسية، على ضرورة واهمية علاقة التخطيط الإقليمي بالعربي كما اظهرت الطابع الاداري والتنموي للفكرة.

لكن المشروع آخذ بعداً مختلفاً تماماً بعد معاهدة وادي عربة وتحول من مشروع أردني لتنمية المحافظات إلى واحد من استحقاقات المعاهدة ومحاولات العدو الصهيوني تحويل المشروع إلى ملاقط إقليمية مع كل الشرق العربي بالاضافة لتمرير الترانسفير الناعم، كما اعلنت ذلك جريدة الاسبوع الأردنية الصادرة بتاريخ 16/11/1995، والتي كان يرأس تحريرها الكاتب الصحفي جهاد المومني حيث تحدثت الصحيفة عن مشروع لتقسيم الأردن إلى عدة أقاليم وبحيث يساهم ربط إقليم الوسط بالضفة الغربية (في التوطين) كما يساهم ربط إقليم الجنوب بإيلات ووادي عربة في بناء اطار إقليمي مشترك مع “اسرائيل”.

وكذلك إقليم الشمال الذي يربط اسرائيل مع العراق (خط النفط) ومع سورية (خط المياه)…

وتحت تأثيرات المعطيات الإقليمية والدولية التي رافقت حصار العراق والعدوان عليه، وكذلك صعود حركة حماس في الضفة الغربية وقطاع غزة وتعثر اوسلو ثم الحملة الدولية التي اخترعتها الادارة الامريكية تحت شعار مكافحة الارهاب… الخ، تراجع مشروع الأقاليم مؤقتاً قبل ان يظهر مجدداً بعد احتلال العراق وازمة أوسلو، حيث اعادت تصريحات رسمية على مستوى عال المشروع إلى دائرة الاهتمام (بترا 27/1/2005، والصحافة اليومية 6/2/2005، 8/10/2008، 19/10/2008، 3/3/2009) وتم تشكيل (لجنة ملكية) لمتابعته وترجمته مؤلفة من 12 شخص برئاسة زيد الرفاعي وعضوية رؤساء حكومات سابقين بينهم عبد الرؤوف الروابدة وعبد السلام المجالي وفايز الطراونة ووزراء ومسؤولين آخرين.. منهم عقل بلتاجي وممدوح العبادي.

ولم يختلف التصور الجديد للجنة الملكية كثيراً عن التصور الذي سبق لجريدة الاسبوع ان نشرته، فقد تضمن تقسيم الأردن إلى ثلاثة أقاليم بالاضافة للمناطق الخاصة مثل البتراء والعقبة:-

- إقليم الشمال(اليرموك) ويضم محافظات إربد والمفرق وعجلون وجرش.

- إقليم الوسط(رغدان) ويضم مادبا والبلقاء والزرقاء وضواحي عمان(لم تحسم أمانة عمان حتى الآن).

- إقليم الجنوب (مؤتة) ويضم الكرك والطفيلة ومعان.

ويتكون المجلس المحلي المفترض للإقليم بالانتخاب من 10 ممثلين عن كل محافظة واثنين بالتعيين بينهما امرأة.

وذلك بالاضافة لمجلس مفوضي الأقاليم برئاسة رئيس الحكومة كما يضم وزراء الداخلية والعمل والبلديات والتخطيط.. ويرتبط مفوض كل إقليم برئيس الحكومة ويكون برتبة وزير ويعين بإرادة ملكية (العرب اليوم 8/11/2008).

ومن اللافت للانتباه هنا ان نظام التقسيمات الإدارية رقم 31 لسنة 1995، المادة (2) قد قسم المملكة إلى 12 محافظة لو دققنا فيها مجدداً لوجدنا ان كل إقليم من الأقاليم الثلاث الجديدة المقترحة يتضمن اربع محافظات (إربد، جرش، عجلون، المفرق) شمالاً (والكرك، الطفيلة، معان، العقبة) جنوباً بالاضافة للعاصمة والبلقاء والزرقاء ومادبا في الوسط.

ولم يخلو المشروع من ملاحظات من داخل الوسط الحكومي والرسمي نفسه كما عكستها تقارير وتحقيقات ومقالات صحفية لاحظت ذلك( ما كتبته رنا الصباغ في العرب اليوم تاريخ 18/12/2005 وما كتبه الصحفي رداد القلاب في العرب اليوم أيضًا تاريخ (8/11/2008 و 5/3/2009) بالاضافة للمخاوف التي آثارها فهد الخيطان في الجريدة نفسها ثلاث مرات: 7/1/2008 و 9/11/2008 و 20/11/2008 ورنا الصباغ (العرب اليوم 18/12/2005) ورولا الحروب(الانباط 12/3/2009) وسعد حتر (السجل 12/3/2009).

وقد تركزت المخاوف المذكورة كما مخاوف أوساط حكومية أيضًا على تحويل المشروع من لا مركزية ادارية لانصاف وخدمة المحافظات تنموياً وادارياً إلى مشروع يساعد على تفكيك الدولة وتعريض وحدتها (مع الايام) للخطر (عبد الكريم ملاحمة وزير سابق).

أما مفهوم الإقليم في مشاريع وزارة الداخلية (سمير الحباشنة 2004) وعيد الفايز (2006) فيركز، من جهة، على المحافظة كوحدة تنموية، ويتحدث من جهة ثانية كما مشروع اللجنة الملكية عن إقليم لعدة محافظات، له مجلس محلي منتخب بواقع عشرة أعضاء من كل محافظة (المادة 4) من المشروع الاصلي، ويقوم مجلس الإقليم بوضع أسس الاستثمار والرسوم المحلية واقرار الخطط الاقتصادية (المادة 8).

وبالاضافة لتركيزه على المحافظة كوحدة تنموية وكذلك تساؤلاته الوجيهة عن صلاحية حل المجلس المحلي للإقليم (المادة 4) فان الملاحظات الأخرى، ملاحظات غير جوهرية، مثل شروط الترشيح لعضوية المجلس(المادة 14) وإغفال وجود مدراء عامين لدوائر الاشغال العامة والدفاع المدني (المادة 7).

أما الأهم من كل ذلك فهو تقاطع المشروعين في نقل صلاحيات الوزراء إلى المحافظين ومفوضي الأقاليم ومراجعة نحو تسعين تشريعاً معظمها سيادية مثل:-

1- قانون الاحوال المدنية رقم 9 لسنة 2001.

2- قانون الإقامة رقم 4 لسنة 1973.

3- قانون ايجار الاموال غير المنقولة وبيعها لغير الأردنيين رقم 47 لسنة 2006.

4- قانون تصرف الاشخاص المعنويين في الاموال المنقولة وغير المنقولة لسنة 1953 أو تعديلاته وما يتضمنه من تملك او بيع الشركات الاجنبية للعقارات في المملكة.

5- قانون الاستملاك وتعديلاته رقم 22 لسنة 1987.

6- قانون الزراعة المؤقت رقم 44 لسنة 2004 وما يتضمنه من اصدار رخص الاستيراد والتصدير ومدخلات الانتاج الزراعي الخاصة بالإقليم.

7- قانون الاستثمار المؤقت رقم 68 لسنة 2003.

8- قانون مؤسسة المناطق الحرة وتعديلاته رقم 32 لسنة 1984.

9- قانون السياحة وتعديلاته رقم 20 لسنة 1987.

10- قانون التربية والتعليم وتعديلاته رقم 3 لسنة 1994.

11- قانون الاسلحة النارية رقم 34 لسنة 1973.

12- تعليمات وانظمة الاسلحة النارية رقم 75 و58.

13- تعليمات ترخيص شركات الامن والحماية.

14- تعليمات تنظيم الملاهي العمومية لسنة 1996.

فماذا تعني التعديلات المطلوبة من اللجنة الملكية ومن مشروع الداخلية على القوانين والانظمة والتعليمات المذكورة وغيرها كما سنرى، سوى تحويل الأردن إلى ملاقط إقليمية تدمج دولة العدو الصهيوني مع البلدان العربية المشرقية عبر سلسلة من المشاريع والبنى الإقليمية التحتية، بالاضافة لتوفير الترانسفير الناعم مع ازدياد القلق الصهيوني من القنبلة الفلسطينية الديموغرافية…

ماذا يعني منح صلاحيات التجنيس والاحوال المدنية غير تغطية وظيفة الترانسفير عند إقليم الوسط مثلاً المصمم، كما يبدو لعلاقة عرضية مع الضفة الغربية.. وماذا تعني صلاحيات مجالس الأقاليم حول الاستثمار وتأجير الاراضي والاستملاك غير تغطية مشاريع البنية التحتية المشتركة مع العدو.. وماذا تعني تعليمات تنظيم الملاهي الليلية سوى تغطية وتحويل إقليم الجنوب وخاصة العقبة ووادي عربة إلى صالونات كازينو للسياحة الخليجية..وهكذا..

وبالتدقيق في كل التشريعات المطروحة للتعديل، نلاحظ انها جميعاً ذات صلة قوية بالبعد الإقليمي في معظم المواد التي تضمنتها معاهدة وادي عربة، كما سنرى، ومن ذلك مثلاً المادة 13 حول التعاون الإقليمي في النقل والطرق، والمادة 17 في التعاون السياحي والمواد 7 و 19 و 20 و21 التي تنظم المشاريع الاقتصادية المشتركة ..الخ.

من تفكيك الدولة إلى تفكيك الوطن

1- خلفية المشروع واستحقاقاته: خصخصة ـ لامركزية ـ هويات قاتلة

في الخلفية الدولية للمشروع نلاحظ انه لا يقتصر على الأردن وحده، فهو جزء من استحقاقات تحولات دولية ابتدأت من حيث انتهى تعدد المراكز العالمية (خلال حقبة الثورة الرأسمالية الصناعية الأوروبية) ونظام القطبين أيضًا بعد الانهيار السوفياتي لصالح مركز امبراطوري واحد هو المركز الأمريكي، وقد ترافق ذلك مع تحول الرأسمالية الصناعية إلى رأسمالية مالية، حيث سادت أوهام واسعة عند المحافظين الجدد بإنتاج روما جديدة وامبراطورية رومانية جديدة ولكن بأيديولوجيا يهودية، هذه المرة وليس بأيديولوجيا مسيحية.

وبتعبير المفكر اليسار العالمي (المصري) سمير أمين دخل العالم (مؤقتاً) ثنائية المركز والمحيط…

وقد عبرت أوهام المحافظين الجدد عن نفسها بتخيل مريض للعالم (مجرد ولايات رومانية تابعة تفتقر إلى قرارات السيادة بشأن الحرب والسلم والاقتصادات الكبرى.

وقد سعت هذه السياسة الرعناء المذكورة إلى تغليف شكفلها الامبريالي المتوحش الجديد بالمفهوم الدارج (العولمة) وما يستدعيه من خلط بين ثورة الاتصالات وسيولة أسواق الرساميل والبضائع وقوة العمل وبين إطلاق استراتيجية تفكيك عالمية، تحول الدول القومية والوطنية، كما تشكلت خلال حقبة الثورة الصناعية الاوروبية إلى شكل من الدول الشرطية ـ الجابية في الحقبة الامبريالية الأمريكية، وبما قاد إلى تصنيفات القاموس الأمريكي نفسه: الدول الفاشلة (التي لا تلبي الحاجات الأساسية للمواطنين بفضل سياسات البنك الدولي ورفع الدعم الحكومي للسلع والخدمات الأساسية) ثم الدولة المتهاوية التي تفتقد إلى السيطرة المركزية وتذكرنا بدورة الدول المنهار في الفلسفة الاغريقية..

أما الأدوات والذرائع التي استخدمها المحافظون الجدد لإطلاق استراتيجية التفكيك المذكورة، فأخطرها الأدوات التالية التي خرجت من وزارات التخطيط في البلدان المستهدفة حيث ترافق اسم هذه الوزارات والقائمين عليها مع الاجندة الأمريكية وخاصة وكالة التنمية الامريكية ( U. S. Aid) والبنك وصندوق النقد الدوليين:-

1- فتحت شعار الإصلاح الاقتصادي تم تفكيك القطاع العام لصالح خصخصة في خدمة المافيات المالية وليس من أجل وتائر تنمية أوسع وقد تولى ذلك رجال البنك الدولي ووكالة التنمية الأمريكية.

2- وتحت شعار الاصلاح السياسي تم تفكيك الروابط المركزية الأخرى للدول المستهدفة وذلك تحت شعار اللامركزية الإدارية.

3-وتحت شعار الإصلاح الاجتماعي، وفي مفارقة لاحظها من قبل المفكر العالمي غوندر فرانك والمفكر اليسار اللبناني، مهدي عامل، فإنه بقدر ما جرى دمج اقتصادات دول المحيط بالنظام الرأسمالي العالمي، بقدر ما تم إعادة إنتاج ما أسماه الروائي اللبناني، أمين معلوف، بالهويات القاتلة، أي الهويات الجهوية والطائفية ما قبل الرأسمالية.. ولم تخلو هذه المحاولات من إقحام الثقافات الشفهية والفرعية في هذا الهدف الشيطاني.

هذا على صعيد الاطار الدولي العام، أما على صعيد الشرق الأوسط، فلاحظنا كيف تصرف العدو الصهيوني بالمنطق الأمريكي نفسه.

فمقابل روما عالمية جديدة وولايات رومانية تابعة لها، رسم العدو لنفسه في مؤتمرات هرتسليا المتعاقبة استراتيجية مماثلة في الشرق الأوسط، سرعان ما تضاءلت تحت فشله أمام حزب الله ومعسكر الممانعة العربي والإقليمي ابتداءاً بالمقاومة العراقية وانتهاءاً بالمقاومة الفلسطينية، فراح يفكر في استراتيجية البنيلوكس الثلاثي: كونفدرالية كانتونات أردنية ـ فلسطينية ضمن تقسيم عمل إقليمي مركز (تل أبيب).

وقد كان العدو محكوماً في منطقه المذكور كما جاء في مؤتمرات هرتسليا إلى الاعتبارات التالية:-

1- القلق من استنفاذ دوره الوظيفي التقليدي، والبحث عن دور جديد.

2- القلق مما اعتبره لغماً فلسطينياً ديموغرافياً برسم الانفجار.

3- القلق مما انتهت اليه تجربة شبيهة هي تجربة النظام العنصري الاستيطاني في جنوب افريقيا.

ولذلك راح العدو يفكر في اختراع شكل جديد لأمنه يتجاوز الأمن السياسي والعسكري المباشر والاتفاقيات والمعاهدات الموقعة مع انظمة قد تتغير أو تضعف إلى أمن موضوعي، يسمح في الوقت نفسه بتصدير القلق الديموغرافي الفلسطيني إلى الأردن كما يسمح بتحويل الأردن والسلطة الفلسطينية إلى ملاقط إقليمية مع المحيط العربي، وذلك، كما سنرى عبر شكل من كونفدرالية لسلطتين أردنية وفلسطينية وليس لدولتين، ولسكان وليس لمواطنين ضمن البنيلوكس الثلاثي.

وهو ما يجعلنا نستنتج عند دراسة مشروع الأقاليم والتمعن فيه، أن هذا المشروع ولد عملياً مع معاهدة وادي عربة وما أكدت عليه من توطين اللاجئين (المادة 8) الذي ينسجم مع إقليم الوسط، كما سنرى، بالاضافة إلى بقية مواد وملاحق المعاهدة التي تتجاوز تنظيم العلاقة بين دولتين إلى التأسيس لبنية إقليمية تحتية مشتركة لإطار إقليمي واحد، وهو ما ورد أيضًا في الأوراق الأردنية المقدمة إلى القمة الاقتصادية الإقليمية في الدار البيضاء 1994.

وقد مرت هذه الاستراتيجية فيما يخص الأردن بمرحلتين:-

- تفكيك الدولة عبر الخصخصة وهدم قاعدتها الاقتصادية (القطاع العام) وقاعدتها الاجتماعية (الطبقة الوسطى) عبر الصوت الواحد ورفع الدعم الحكومي، عن السلع والخدمات الأساسية بالاضافة لتحويل الارض من قيمة وطنية إلى قيمة عقارية.

- تفكيك الوطن عبر مشروع الأقاليم وكان للعدو من وراء هذه المشاريع أكثر من هدف:-

1- هدف التخلص من القنبلة الديموغرافية الفلسطينية عبر الترانسفير الناعم مع الأردن وخاصة عبر إقليم الوسط كما سنرى.

2- تحويل الأردن إلى ملاقط إقليمية تدمج العدو في المنطقة من موقع المركز المسيطر على محيط من الكانتونات المبعثرة في الضفتين على شكل سلطتين بدون سيادة في الواقع.

وبالعودة إلى المرحلة الاولى وهي تفكيك الدولة مقدمة لتفكيك الوطن، فالأردن دولة وظيفية مركبة عوضت قانون الاندماج المدني الداخلي بروابط سياسية ـ ادارية ـ أمنية خارجية أبرزها:-

أولاً: القطاع العام ببعده الاقتصادي كبديل لغياب برجوازية وسوق على المستوى الوطني، وببعده الاجتماعي (الطبقة الوسطى) فهنا الدولة هي التي أسست المجتمع وليس العكس كما يفترض في الدول الطبيعية.

ثانياً: الجيش،

وثالثاً : الارض، ولذلك كان من أبرز استحقاقات معاهدة وادي عربة تفكيك الروابط المركزية الثلاث وتحويل الأردن من دولة إلى سلطة، وقطع تطور المجتمع نحو المواطنة والعودة به إلى عناصره البدائية كسكان، وتراجع اهمية الجيش المرادف للدولة لصالح الأمن المرادف للسلطة، وتحويل الارض من قيمة لمواطنين منتجين إلى استثمارات عقارية، فكانت النتيجة انه مقابل ثلاثية الدولة ـ الجيش ـ المواطنون، الارض، حلت ثلاثية أخرى ذات صلة باستحقاقات المعاهدة “اسرائيلياً” هي ثلاثية السلطة ـ الامن ـ السكان. وبالاحرى ثلاثية البزنس، مكافحة الارهاب والبورصات العقارية.

فالبزنس وخاصة رجالات البنك الدولي الذين تكفلوا بتفكيك القطاع العام بذريعة تحويل الأردن إلى سنغافورة الشرق الأوسط، هم حليف طبقي موضوعي للعدو، كما ان اضعاف الجيش كمؤسسة قتالية لصالح الأمن حول الأردن إلى شريك مع “اسرائيل” فيما يسمى مكافحة الارهاب.

اما مشروع تصفية الارض كمكون وطني من مكونات إقليم الدولة فيعود إلى المعركة التي فتحتها اكثر من حكومة مع الفقراء الذين يقيمون عليها (حكومة بدران ووزير داخليته عرار مع بني حسن 1983) ثم قيام وزارة الداخلية في عهد عرار بمسح جيولوجي لاراضي شرق السكة تمهيداً لتحويلها إلى مناطق للاستثمار (الرأي 21/8/1984).

وهو ما تابعه وزير الزراعة (الحمود) في عهد حكومد زيد الرفاعي بوضع نظام جديد لافراز الاراضي وتأجيرها وبيعها للشركات (الرأي 21/2/1987).

ثم جاء الغاء قانون بيع العقار للعدو رقم 30 لسنة 1973 بعد المعاهدة ثم قانون المناطق التنموية الخاصة (المادة 5) التي تسمح للمطور بامتلاك هذه الأراضي.

ويمكن ان نضيف هنا عدة قضايا ذات صلة هي:-

أولاً: ما عرف بقضية البورصات العالمية التي ادت ان لم نقل استهدفت قيام الاف الأردنيين ببيع اراضيهم وتحويلها إلى اسهم مغفلين في هذه البورصة حيث ساهمت تصريحات وزير العدل، ايمن عودة بخلق أوهام عند كثيرين عندما اكد ان حكومة الذهبي بصدد اعداد مسودة مشروع قانون لتنظيم عمل هذه البورصات (العرب اليوم 28/7/2008 فايق حجازين).

وهي ثانياً: وضع مرافق الدولة برسم البيع كما حدث هضبة دابوق والمرفقات المقامة عليها وقبلها معسكرات الجيش في الزرقاء.

وهي ثالثاً: تقليص مساحات الارض الزراعية لصالح توسيع المحميات الطبيعية.

وهي رابعاً: التحضير للتخلي عن الزراعة في المدى البعيد وفق ما جاء في تقرير اللجنة الملكية لاستراتيجية المياه الصفحات 3-5 من الفصل الخامس من التقرير الذي يشرف عليه: رائد ابو السعود ومزاحم المحيسن وخالد الايراني وماهر مطالقة.

ويلاحظ في كل ذلك ثلاثة روائح مشبوهة:-

- رائحة التوطين.

- رائحة الاستثمارات.

- رائحة الاحتياجات الإقليمية ـ الامنية والاقتصادية مع العدو وخاصة في المناطق الغورية.

هذا عن مرحلة تفكيك الدولة وتحويلها إلى سلطة حليفة للعدو بادوات طبقية جديدة من رجالات البنك الدولي، وبشعارات سياسية جديدة (مكافحة الارهاب) اما عن المرحلة الثانية وهي تفكيك الوطن فأداتها، مشروع الأقاليم وذلك وصولاً لاقامة كونفدرالية كانتونات أردنية ـ فلسطينية ضمن البنيلوكس الثلاثي مع (اسرائيل) وبما يسمح بتجاوز (اسرائيل)لخطر القنبلة الديموغرافية الفلسطينية وتمرير الترانسفير الناعم عبر إقليم (الوسط ـ الضفة الغربية) كما يسمح لها من جهة ثانية بتحويل الأردن عبر الأقاليم الأخرى إلى ملاقط إقليمية مع سورية والعراق والسعودية والشرق العربي عموماً..

وكما سبق، فالكونفدرالية المقصودة، ليست كونفدرالية بين دولتين تتمتعان بأية سيادة حقيقية(دولتان لمواطنين على أرض وطنية) بل كونفدرالية بين سلطتين لسكان على ارض تتصرف دولة العدو الصهيوني كما لو انها ارضها التاريخية التي يعيش عليها سكان عرب..

وهذا يؤكد اننا لسنا بانتظار ارتقاء السلطة الفلسطينية إلى دولة بل انحدار الدولة الأردنية إلى شكل من سلطة الحكم الذاتي حيث القرارات السيادية الكبرى لشؤون الحرب والسلم خارج اي من هاتين السلطتين.

وحيث ان المطلوب هو ان لا يبقى الأردن وطناً سياسياً لاحد لا للاردنيين ولا للفلسطينيين، من خلال الغاء هويته كدولة والغاء هويته الاجتماعية كمجتمع لمواطنين اردنيين او فلسطينيين.. وبعثرته على شكل جغرافيا وكانتونات أقاليم لسكان متناثرين لا يملكون موضوعياً الشروط الموضوعية لاية وحدة اجتماعية مركزية، لا أردنية ولا فلسطينية.

مشروع الأقاليم: الآليات والاستحقاقات

1- التوطين الناعم/ الموضوعي وإقليم الوسط خصوصاً

اذا كان إقليم الوسط، مكرساً لاقامة علاقات مع الضفة الغربية، فذلك لتمرير الترانسفير الناعم.

وهو توطين تدريجي وناعم وكامل للفلسطينيين في الأردن بدون ان تترتب عليه أية (مخاطر) على “اسرائيل” من قيام كيان سياسي بديل مما (يتطلب صهيونياً) اعادة انتاج الأردن وتحويله من دولة جغرافيا سياسية إلى نظام أمني بجغرافيا غير سياسية داخل المجال الحيوي “الاسرائيلي”، وكذلك قطع التطور المدني المركزي فيه وضرب الشروط الموضوعية لقيام مجتمع المواطنين واستبدالها بشكل من المجاميع السكانية.

وبالاضافة للمقدمات المبكرة ابتداءاً من مشاريع وادي الأردن: جوردون كلاب 1950 وجونستون ودالاس 1955، فان هذه الاستراتيجية ظلت ثابتة عند العدو الصهيوني حيث اخذت عدة خيارات، من الكونفدرالية إلى الفدرالية، وخاصة في تقارير مؤتمر هرتسليا (ميزان المناعة، الأمن القومي) الاول 2001 (البحث عن مخرج للفلسطينيين شرق النهر) والخامس 2004 الذي ناقش ثلاث خيارات: الفدرالية الثنائية والفدرالية الثلاثية مع “اسرائيل” واتحاد كانتونات اردني ـ فلسطيني. وقد كرر هذه السيناريوهات الصحافي الصهيوني غي ياخور في يديعوت احرونوت (عدد 23/9/2004).

وثمة اوساط صهيونية اخرى تتحدث عن خيارات اخطر من ذلك بما فيها تفكيك الأردن مقدمة لتصفية القضية الفلسطينية نهائياً فيه، مثل زعماء موليدت (المجد 13/5/2002) إلى زعماء الليكود من جابوتنسكي إلى شارون (العرب اليوم 18/4/2001) إلى ليفني (الغد 15/12/2008) … بل ان زعماء (عماليين) مثل باراك تبنوا هذا الخيار (السبيل عدد 364) بالاضافة لتصريحات بيريز الدائمة حول التوطين الناعم انطلاقاً من (التعاون الاقتصادي).

والاسوأ من كل ذلك المواقف الأردنية الرسمية نفسها، سواءً عبر تفكيك القطاع العام (الرابط المركزي لوحدة الدولة) وقبلها مشاريع مثل التطوير الحضري ومثل ما نصت عليه معاهدة وادي عربة صراحة في المادة 8 التي تدعو جهاراً نهاراً لتوطين اللاجئين بل ان رئيس الوزراء الأردن الاسبق علي ابو الراغب لم يجد في الحديث عن الترانسفير ما يقلقه (بترا 1/11/2002).

ومثل ذلك تأييد مسؤولين اردنيين لوثيقة جنيف ومباحثات البحر الميت بين ياسر عبد ربه ويوسي بيلين التي شطبت حق العودة نهائياً… ومن هؤلاء مروان المعشر في تصريحه لصحيفة يديعوت احرونوت (الاسرائيلية) تاريخ 12/10/2002 وتصريح اسمى خضر الناطق الرسمي باسم الحكومة (بترا والعرب اليوم 3/12/2003).

وفضلاً عن ذلك ليس صعباً ملاحظة أكثر من ظاهرة في هذا السياق، ابتداءاً بنظام افراز الاراضي وتوسيع حدود أمانة عمان ومشروع المدنية السكنية قرب عمان التي تتسع لمليون مواطن (الخيطان العرب اليوم 8/5/2008) وتطوير المفرق (منبر الأمة 13/10/2008) ومشروع ممر السلام (التنموي) وهو مجمع صناعي زراعي مركزه أريحا ويحظى بدعم البنك الدولي واليابان العرب اليوم (13/12/2008).

وهناك تساؤلات عن علاقة مطار الشونة الزراعي بذلك فمقابل دفاع وزراء المياه (رائد ابو السعود) والاشغال (علاء بطاينة) والزراعة (سعيد المصري) والنقل (سهل المجالي) عن المطار اظهرت تحقيقات ومقالات صحفية عدم الجدوى الاقتصادية للمطار مما يؤكد ما سبق وقيل عن علاقة المشروع بتصدير خضروات “اسرائيلية” ـ فلسطينية في اريحا (السجل 12/3/2009).

ومشروع مدن الزرقاء الجديدة على انقاض معسكرات الجيش وانتهاءاً بحجم الاستثمار العقاري الجنوني والذي اقترب حتى في سنة الازمة المالية (2008) من الـ 6 مليارات دينار حسب تقرير دائرة الاراضي والمساحة (العرب اليوم 12/2/2009)، مقابل مليار عام 2004 (العرب اليوم 31/1/2005).

2- البعد الإقليمي وخاصة إقليم الشمال والجنوب

بالاضافة للبعد التوطيني المذكور في سيناريوهات العدو لتفكيك الأردن وموقع إقليم الوسط، في هذه السيناريوهات، يولي العدو اهمية كبرى لبعد آخر هو البعد الإقليمي وموقعه داخل إقليم تحت سيطرته.

وهو ما يلاحظ في مواد المعاهدة والأوراق (الأردنية والاسرائيلية) المقدمة إلى مؤتمر الدار البيضاء عام 1994 وفي تقارير معهد هرتسليا ودراسة روبرت ساتلوف، مدير معهد واشنطن (الضفة الشرقية متاعب ومشكلات)1990.

فبالرغم مما يقال عن (ركود) الوظيفة الإقليمية التاريخية لهذا العدو في ضوء الحضور العسكري الامريكي المباشر وصعود قوى إقليمية جديدة مثل تركيا وايران، الا ان العدو نجح، كما يبدو، في تأمين شروط سياسية واقتصادية لمجال حيوي محدد يمتد من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية للاردن ويسعى من خلال ذلك إلى اعادة انتاج نفسه كمركز إقليمي لمجمل الشرق العربي وخاصة بعد تحطيم العراق بالعدوان الامريكي وبعد استيعاب مصر في كامب ديفيد..

وتظهر ملامح هذه الاستراتيجية الصهيونية فيما نشهده اليوم من شبكات تحتية واسعة تتعدى فلسطين والأردن إلى الاطراف العربية الاخرى وتؤمن للعدو الغطاء الدولي الذي يحتاجه لتمويل مشاريع إقليمية هي في الحقيقة مشاريع صهيونية او تخدم التمدد الصهيوني الإقليمي مثل قناة البحرين والطرق الكبرى وسكة الحديد.

وفيما يخص الأردن، تحديداً، يمكن ملاحظة هذه الاستراتيجية الصهيونية في سعي العدو لتغيير بنية الدولة ووظيفتها، من جهة، وفي عشرات المؤشرات والمعطيات والخطوات التي تبدو ترجمة لهذه الاستراتيجية وعلى رأسها، كما سنرى، مشروع الأقاليم، من جهة ثانية.

فعلى صعيد الهدف الأول للعدو، وهو تغيير بنية الدولة والكيان معاً، يلاحظ ان ثمة سيناريو يعيد انتاج الأردن على نحو ما كان عليه قبل الامارة 1921، ولكن باستحقاقات جديدة.

فقد مر الأردن قبل اعلان الامارة 1921 بنظامين اداريين مرتبطين بسورية:-

الأول: نظام عثماني مرتبط بولاية دمشق في إطار تقسيم عرضي مع فلسطين شمال الأردن مع شمال فلسطين، ووسط الأردن مع وسط فلسطين، وجنوب الأردن مع جنوب فلسطين.

والثاني: حسب القرار 22 (15/9/1919) لمجلس المديرين السوري في حكومة فيصل وبموجبه تم تقسيم سورية إلى 8 ألوية ثلاثة منها في الأردن تذكرنا بالأقاليم المقترحة: لواء الكرك ويضم الجنوب ولواء البلقاء ويضم السلط وعمان ومادبا ولواء حورن ويضم الشمال ومركزه درعا (ص85 سليمان الموسى تاريخ الأردن: القرن العشرين).

وبعد احتلال سورية من قبل الفرنسيين اثر معركة ميسلون (24/7/1920) انفجرت الألوية الأردنية إلى ثلاثة حكومات محلية (تذكرنا بالأقاليم أيضًا) وكان ذلك في آب من عام 1920 هي حكومة عجلون التي حضرت لمؤتمر ام قيس بحضور الميجر البريطاني سومرست ممثلاً لهربرت صموئيل، وحكومة السلط بحضور صموئيل نفسه، وحكومة الكرك بحضور الضابط كنغليك ممثلاً لـ صموئيل (ص 104ـ 121 الموسى) لكن الأردن سرعان ما تحول من حكومات عرضية واصلة في اطار سورية الطبيعية إلى سلطة طولانية عازلة وفق استحقاق وعد بلفور باقامة دولة يهودية طولانية على امتداد الساحل الفلسطيني.

وبعد توقيع معاهدة وادي عربة وكذلك اتفاقية اوسلو مع السلطة الفلسطينية ثمة سيناريو صهيوني لتفكيك الأردن واعادة انتاجه كما كان قبل الامارة: مناطق عرضية واصلة مع فلسطين بدلاً من دولة عمودية فاصلة، ولكن هذه المرة في اطار “اسرائيل الكبرى” وتل أبيب وليس مع سورية الكبرى وولاية دمشق.

وهو ما يجعلنا نقرأ مشروع الأقاليم في ضوء ذلك كمناطق عرضية واصلة لكل منها وظيفة “اسرائيلية”، سواء إقليم الشمال مع العراق (خط النفط) او إقليم الوسط مع الضفة الغربية (مشروع التوطين) او مشروع الجنوب (ريفيرا البحر الاحمر والسياحة والاسمدة..) وكذلك مشروع قناة البحرين…

وليس صعباً في ضوء هذا الاستنتاج تقصي كل ذلك في المظاهر التالية:-

1- كما مر سبق تركيز معظم مواد وملاحق معاهدة وادي عربة على المشاريع والتعاون الإقليمي في مجالات المياه والطاقة والطرق والاسواق وغيرها وهو ما ينسجم مع الصلاحيات المقترحة لمفوضي الأقاليم.

2- سيطرة قاموس المفاهيم والآليات والاطر الإقليمية على كل الاوراق الأردنية التي قدمت إلى المؤتمر الاقتصادي للشرق الاوسط وشمال افريقيا في الدار البيضاء عام 1994 فلم تتحدث ورقة واحدة عن مشروع اردني بدون ربطه بالمشاريع الإقليمية مع “اسرائيل” والمنطقة.

وبامكان من يعود إلى هذه الاوراق كما نشرتها جريدة “الاسواق” الأردنية في ملف خاص بتاريخ 31/10/1994 ان يجد أيضًا أساساً لكل المشاريع الأردنية (والاسرائيلية) والفلسطينية اللاحقة من قناة البحرين إلى سكة الحديد إلى مشاريع الطرق والمناطق الحرة والبنوك الإقليمية.

وبالتفصيل حول الارواق المذكورة:- في الاقتصاد عموماً حديث عن تنمية إقليمية لكل المنطقة واعتبار ذلك، كما اراد بيريز، مقدمة للسلام الشامل وليس العكس (الرفع قبل الدفع) بلغة الكباريتي، رئيس الوزراء الاسبق ومن ذلك أيضًا ورقة زياد فريز (مفهوم إقليمي للتنمية البشرية) وورقة باسل جردانة حول التعاون الإقليمي في السياحة والتجارة والمصارف بما في ذلك انشاء بنك إقليمي، واوراق اخرى تتحدث عن التعاون الاكاديمي والجامعي والصحي وعن ممرات سلام اقتصادي (اثمرت كما يبدو عن مشروع اريحا)… وبتفاصيل اخرى تنقلنا إلى تأسيس هذه الاوراق لمشروع الأقاليم، نلاحظ ما يلي:-

فيما يخص إقليم الشمال، يحتل خط كركوك ـ حيفا النفطي اهمية بالغة (الوطن العربي 31/3/2007) وجريدة الوحدة (27/8/2003). حيث نقرأ عن اهتمام امريكي ـ صهيوني مع البلدان العربية (الصديقة لاعادة احياء هذا الخط.

ويلاحظ أيضًا، اهتماماً مماثلاً باحياء سكة حديد الحجاز طولاً وعرضاً ابتداءاً من هذا الإقليم (هآرتس “الاسرائيلية” 6/6/2006).

من يراهن على المالكي ولماذا؟

28 مارس 2009

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1846)

هل لأن المالكي طرح ولاول مرة، ومن موقع السلطة دعواته للمصالحة المشروطة مع اطراف بعثية؟

او لانه اخذ يدرك وعن تجربة بان ما يسمى بالعملية السياسية الجارية، هي عملية كسيحة ومشوهة، وان مواصلة سيرها سيؤدي حتما لتكسيح العراق وتقسيمه، حتى راح يعلن ودون تحفظ بانها هي المسؤولة عن هذا الاذى والانحدار الشامل الذي يشهده العراق؟

ام لانه أكد على اهمية وضرورة الانسحاب الامريكي، وان العراقيين جاهزون لتولي المسؤولية كاملة؟

او بسبب حديثه عن الحاجة لقيام عراق قوي بجيشه وحكومته المركزية، وبالتالي فانه يريد احداث تغييرات جوهرية في الدستور؟

ام لانه يركز على عروبة العراق من خلال تبريزه لدور العشائر العربية في الجنوب والوسط والموصل؟

او لانه يعمل على التصدي للتجاوزات الفضة لحزبي البرزاني والطالباني التي تريد تقسيم العراق والحاق الاذى باهله؟

ام لانه تميز عن حليفه حزب الحكيم برفضه لفدرالية الجنوب وموازنة العلاقة الحميمة مع ايران؟ او لانه قاد الصولات لكبح جماح فوضى الميليشيات والعصابات والمافيات؟

اسئلة عديدة لا يمكن الاجابة عنها دون متابعة مسار المالكي نفسه ومنذ 9 نيسان 2003 وحتى الان. وعلى قولة اهل العراق ـ شيء لا يشبه شيء ـ فالرجل كان متحمسا لفكرة الاجتثاث التي نقلها احمد الجلبي من ضمن ما نقله من افكار مستوردة اصلا من لجنة تحرير العراق، الي كان مقرها واشنطن والمكونة من فطاحل رجال الكونغرس والمال والاعمال الامريكان المرتبطين باللوبي الصهيوني الامريكي، والتي اقترحت ايضا اقصاء وحل الجيش العراقي، وكان ابرز العراقيين المعتمدين لديها هم احمد الجلبي، وكنعان مكية، ورند رحيم، وحتى قبل تولي المالكي منصبه الحالي كان هو المسؤول الاول عن اللجنة الاجتثاثية في البرلمان العراقي، وهو في مقدمة الذين كانوا قد افشلوا مؤتمر القاهرة للمصالحة الوطنية! وكان لا يختلف عن اقرانه في مواقفهم من الدستور وتمريره، وفي دفاعهم المستميت عن العملية السياسية، وهو كان من المؤيدين لحل الجيش العراقي، ولم يطرح كلمة واحدة بحق التصرفات المشينة للبيشمركة واحتلالهم لكركوك والموصل وديالى بل لم نسمع عنه مثلا انه عارض استخدامهم من قبل الامريكان في معارك الفلوجة والرمادي والموصل وحتى كربلاء والنجف، ولم نسمع عنه انه طالب الاحزاب وميليشياتها بترك ممتلكات الدولة ومعسكراتها وعدم مصادرة الاسلحة الثقيلة وتسليمها للقوات الحكومية الجديدة.

وبالمختصر المفيد لم يكن المالكي يختلف عن الاخرين كالجعفري وعلاوي مثلا!

اذن من اين له كل هذه الجدة؟ وهل هو وحده من يتلبس بها ويستجيب لمقتضياتها؟ وما هي مرتكزاته التي تجعله يطرق ابوبا كان هو وحزبه وتحالفاته من يغلقها؟

حتى نعرف الاجابة علينا معرفة المتغيرات الاستراتيجية التي سبقت تغير مواقفه والتي ستلحقها، وعلينا معرفة البدائل الممكنة لسياسته التي راح يؤكد عليها مؤخرا؟

المتغير الاساسي الذي يحوم بكل معانيه وتداعياته وهواجسه على سماء وارض وناس العراق ومن يحكمون فيه ومن يعارضون ويقاومون، هو التغيير الذي طرأ اساسا على اولويات السياسة الامريكية منذ تأكد هزيمة المرشح الجمهوري لمنصب الرئاسة وفوز المرشح الديمقراطي أوباما، فامريكا في عهد اوباما تعتبر البقاء في العراق وتحمل تبعات واوزار ما حصل ويحصل فيه منذ 2003 والى اجل غير مسمى هو امر لا طاقة لامريكا عليه، فهو يستنزفها ويجعل من هزيمتها غير المعلنة، هزيمة شاملة بانعكاساتها على الداخل الامريكي وعلى كامل المنظومة الامنية الخارجية وتحديدا في الشرق الاوسط، انه بالنسبة لاوباما القتال الخاطيء وبالمكان الخطأ! الاولية لاستعادة العافية الاقتصادية امريكيا، والاولية لاستعادة شيء من المصداقية الامريكية المفقودة من خلال التركيز على المشتركات في العلاقات الدولية، وجعل الخصوم في عزلة وليس العكس!

هناك حدثان ارزا يكمل بعضهما الاخر سبقا هذا الاداء الجديد للمالكي:

اولهما، ان تمرير الاتفاقية الامنية مع الامريكان والتي حاول المالكي نفسه اظهارها وكانها اتفاقية للانسحابهم النهائي، ورفع اياديهم عن كل الملفات الخاصة بالعراق ومستقبله وحتى انه سماها ” اتفاقية تنظيم الانسحاب الامريكي من العراق “،

والثاني، لتقدم الملحوظ لحزب المالكي في انتخابات مجالس المحافظات الاخيرة، وعندما نقلب هذين الحدثين سنكتشف مدى ارتباطهما ببعضهما!

الامريكان لو انسحبوا كليا ودون ان يتركوا خلفهم عراقا مسايرا لتوجهاتهم ومنسجما وبحدود معقولة مع تطلعاتهم الاستراتيجية، لاعادة تاهيل العراق ليكون مؤهلا كعامل مساعد للتاثير على مواقف وادوار الاخرين في المنطقة بالتلاقح مع الانظمة الاخرى السائرة بالركاب ـ من افغانستان حتى المغرب مرورا بايران واسرائيل ـ فانهم سيكرسون هزيمتهم السياسية والعسكرية ليس في العراق وحده وانما في عموم المنطقة، ولانهم اصحاب مصالح حيوية واستراتيجية فيها، فسيكون موقفهم اكثر غباءا من ادارة بوش لو انسحبوا وبالطريقة التي يريدنا ان نصدقها المالكي مع اطراف حكومته!

فالانسحاب المسؤول من العراق كما يسميه اوباما يعني بالنسبة له التقشف في اي خسائر كانت من خلال جعل المدن تحت الاشراف العسكري العراقي بدعم واسناد من قواعد عسكرية نوعية لا يتجاوز عدد العاملين فيها 30 ـ 50 الف، وبكثافة مخابراتية ودبلوماسية واشرافية، في قاعدة السفارة 5000 الاف موظف، وهذا الوجود يتزامن مع عملية تسريع حلحلة العقد المستعصية او المعرقلة للطموح الامريكي بجعل العراق دولة نفطية تسير بفلكها، بوجود عسكري او دونه.

والفرق بين بوش واوباما هنا ان الاخير يريد التسريع بتحرير وجوده العسكري من العراق مع التركيز على وجوده السياسي والمخابراتي مستفيدا من الامر الواقع الجديد الذي يجب ان يستوعب الجميع ودون تمييز باعتبار ان العقدة الاساسية في موضوعة الفوضى الشاملة هو الوجود العسكري الامريكي نفسه، وان التخلي عن مشروع تقسيم العراق عرقيا وطائفيا يساعد على تحقيق فك الاشتباك القائم سريعا وبدون ذلك فان التواجد الدائم امر لا مفر منه، اي ان حكومة مركزية منتخبة وبتعديلات دستورية جديدة تنسجم مع التوجه الجديد، واقناع الاحزاب الكردية بضرورة الاكتفاء بما حققوه، ومطالبتهم بان يكونوا اكثر واقعية باعتبار ان مصلحتهم في ابداء المرونة ازاء ما يسمى بمشكلة المناطق المتنازع عليها بما فيها كركوك، وقضية النفط، وصلاحيات المركز والاقليم، وهذه المطالبة ستكون فاعلة لان الوقوف بوجهها سيجعلهم بمواجهة مع الرغبات الامريكية التي لا يمكن للقادة الكرد ان يعصوها، بسبب جوهري واضح، فالتخلي الامريكي عن حمايتهم يجعلهم فريسة سهلة بين دول لا تضمر الخير لهم وخاصة بعد ان كشفوا عن مكنوناتهم ـ العدائية ـ لكل من يحيط بهم، اما الاحزاب الطائفية المزدوجة الولاء فان سياسة حرقها شعبيا من خلال وضعها في الواجهة قد افلح في سحب البساط الشعبي منها لصالح القوى المعتدلة التي تعلمت ايضا وبالتجربة، بانها ستخسر المستقبل كله لو خسرت قيام عراق موحد وقوي، وان هوى اهل العراق ازداد ميلا بعد هذه التجربة المريرة الى الدولة القوية الحامية والراعية والضامنة، وهو ما يتغنى به العراقيين ويسموه ـ بالوطنية ـ المالكي مؤهل للعب هذا الدور رغم خلفيته الطائفية التي راح يبتعد عن خطابها كلما اقترب اكثر من خطاب حزب الدولة الواحدة ـ حزب دولة القانون ـ فالامريكان قد خيروه والخيارات امامهم مفتوحة والحاجة ام الاختراع، والمالكي اختار ما اختاروه ايضا وقد خبر ان الراية الجديدة هي القادرة على الاستقطاب وهذه المرة وطنيا، وحليفه المنافس حزب الحكيم يحاول وبعد فوات الاوان ان يجرب نفس الكاس اي ايضا انه ادرك تماما ان مشروعه الطائفي قد فشل والاصرار عليه يعني مزيدا من هذا الفشل!

في خضم هذه العملية المتعددة الوجوه ستتكون معادلة طردية: اي كلما تعمق المالكي وحزبه وتحالفاته في تعزيز وحدة وقوة العراق وسار باتجاه تعديل الدستور واجراء مصالحة سياسية حقيقية، كلما تفككت العملية السياسية القديمة لتحل محلها حالة انتقالية مترجرجة امدها نهاية العام الحالي حيث سينجح بالانتخابات البرلمانية القادمة من سيحظى بالدعم الامريكي الخفي ـ مخابراتيا وسياسيا اضافة الى تعجيز الاخرين عن اي محاولة للنيل منه، فهو رجل المرحلة!

بهذا المعنى فان المحتل الامريكي يكون قد نجح في سياسته الجديدة، قد تخلصت من الشكل المباشر للاحتلال والطائفية والعرقية السياسية الطاغية، باتجاه عراق مستقل شكليا ومستقر ظاهريا لكنه تابع خارجيا وهش داخليا!

ان التهافت على شعارات المالكي وما يلمح اليه هو انتحار سياسي لاي فصيل سياسي مقاوم او مسلح مقاوم، لان ما جعل المالكي وغيره، يغيرون من شعاراتهم وبعض ممارساتهم هو الانسداد في افق عمليتهم والذي يعانون منه بسبب من صمود القوى الرافضة للاحتلال وتركته، واستمرارهم في مقاومتها ـ عمليته السياسية ـ مهما تجملت وتزينت وتكيفت، واذا كان المالكي وحزبه يعتقدون حقا بما يطلقوه من شعارات، فعليهم البرهنة بانهم نادمون عن كل الذي جرى من خلال، اطلاق سراح كل سجناء الرأي والمعتقلين من رجال المقاومة الوطنية، وتعويض كل المتضررين، ثم الغاء قانون الاجتثاث، وتعطيل العمل بالدستور الحالي، وتقديم طلب الى مجلس الامن والجامعة العربية والمؤتمر الاسلامي للاشراف على تشكيل حكومة انتقالية يرشحها مؤتمر عام يجمع كل فصائل العمل الوطني لمدة سنتين يجري خلالها التحضير لانتخابات عامة واستفتاء على دستور جديد، واذا تم ذلك وبخطوات حثيثة ساعتها فقط يمكن لفصائل المعارضة والمقاومة ان تنظر في موضوع التحالف مع المالكي او غيره من المتحمسين للتغيير الحقيقي وليس التكتيكي، الذي يريد احتواء الرقم الصعب من اجل ارضاء اسياده ومن اجل ضمان بقاءه على دست الحكم في مواجهة المنافسين!

نعم لا احد يريد التعامل بسلبية مع النوايا الحسنة ولكنها تبقى نوايا وفي السياسة لا وزن الا للافعال التي تفعل فعلها في تغييرالواقع القائم وليس بواقع اخر افتراضي ـ ربما في رؤوس اصحاب النوايا الحسنة فقط ـ!

المقاومة الوطنية العراقية والقوى السياسية الممانعة استطاعت ان تنجز الكثير، على الرغم من تعدد مرجعياتها الميدانية لكنها جميعا صاحبة رسالة مفادها تكملة مشوار التحرير الى نهايته بطرد المحتلين تماما وكل بقاياهم او قواعدهم واسترجاع قاعدة السفارة في المنطقة الخضراء، والغاء الاتفاقية الامنية، وعدم تطبيع العلاقات مع امريكا الا بعد تقديم اعتذار رسمي معلن للشعب العراقي مقرون بالتزامات بدفع تعويضات للدولة العراقية ازاء الخراب الشامل الذي سببته!

ان شعبنا بتضحياته الجبارة يستحق من الجميع الرضوخ لارادته وليس تزويرها، في اكبر عملية نصب شاملة في التاريخ ـ سياسيا وقانونيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وعسكريا ـ وانتخابيا بواسطة انتزاع بصمته وهو بحالة اغماء موضعي نتيجة لانتشارغبار الفوضى الشاملة والقذرة بمفعولها الخالي من الخلق والاخلاق!

الكرة بملعب المالكي نفسه وهو تحت المجهر، اما فصائل المقاومة والممانعة فهي لا تنتظر رحمة من هذا المضغوط او ذاك انها تواصل مسيرتها وتتفاعل مع المتغيرات بمقدار خدمتها لاهداف انطلاقتها: التحرير الكامل ونبذ كل تداعيات الاحتلال وعمليته السياسية الطائفية العنصرية ودستورها اللقيط.

المراهنة على المالكي امريكية اولا واخيرا وهي بكل الاحوال تجريبية حتى بداية العام الجديد. انها بمثابة امتحان لقدرته على انجاز ما يطلب منه، واذا لم ينجح فالبدائل متوفرة ومبتذلة!

وزراء مالية العشرين: اتفاق على الشعار واختلاف على التطبيق والتفاصيل

28 مارس 2009

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1846)

أصبح من قبيل الإقرار وتحصيل الحاصل أن الثلاثي الأغنى والأكثر تطوراً في النظام العالمي اي مركزه، (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان) دخل مرحلة ركود اقتصادي، وعلى هامش ذلك أي بسببه يحاول الاقتصاد الدولي بأسره الخروج من أزمة الثقة بالنظام المالي العالمي الذي هذا الثلاثي مركزه، لا سيما أن البنوك التجارية بناء على ذلك تصر على تقليص الإقراض النقدي وسط مخاوف أن تتعرض لما تعرض له سوق العقارات الأميركي بسبب القروض لمن لا ملاءات مالية لديهم. والتناقض قائم هنا على أن تجفيف قنوات التمويل البنكي يقود إلى تضاؤل الاستهلاك في مجتمعات يعتبر الاستهلاك قاطرة حركتها الاقتصادية. أليس الاستهلاك بل “علم الدعاية والاستهلاك” مكونا رئيسياً للثقافة في هذه البلدان ولا سيما الولايات المتحدة؟

على ان المشكلة لا تنحصر في التحرك الحذر للبنوك، وهي مصدر رئيس لتنشيط الاستهلاك، فهناك مصدر آخر للقلق وهو الموقف الصيني. جاء ذلك الموقف بوضوح حينما أعرب رئيس وزراء الصين عن قلق بلاده على ال تريليون دولار التي اشترت بها الصين سندات من الخزينة الأميركية. وهذه المبالغ ليست في حقيقة الأمر مجرد عملية شراء طبقا لقانون العرض والطلب في الاقتصاد البحت المعزول عن الاقتصاد السياسي، بل هي في جوهر الاقتصاد السياسي. هي جوهريا مثابة قروض غير معلنة من الصين الى الولايات المتحدة، هي عملية سياسية. لذا يطلب رئيس الوزراء الصيني من اميركا توفير ماهيات تأمينية ومحافظة أميركية على وعودها والتزاماتها بأن تحافظ على الاستثمارات الصينية وقيمها خلال الأزمة المالة الجارية والآخذة في التعمق.

وهذا الحديث يفتح على أمرين:

□ الأول: ان الأموال الطائلة التي تضخها الإدارة الأميركية اليوم في قنوات الاقتصاد الأميركي هي أموال صينية في الغالب. أي ان السخاء الأميركي في الإنفاق هو من مصدر خارجي، وهو ما يجعل من الصعوبة بمكان على الاتحاد الأوروبي ان يطبق نفس السياسة أو ربما يوفر نفس المقادير. وكما أشرنا فإن الأصل الصيني لهذه الأموال وقلق الصين هو الذي دفع الرئيس الأميركي باراك أوباما ليؤكد للصين بأن على المدراء أن يكونوا حذرين، على المستويين الرسمي والشعبي.

□ والثاني: ان هذه الأموال الصينية من حيث طريق تسييلها الى الاقتصاد الأميركي تضع الصين نفسها إلى جانب اميركا في معارضة سياسة الاتحاد الأوروبي الذي لا يفضل ضخ كميات هائلة من الأموال عبر الدولة الى الأسواق. وهذا شكل معكوس للآلية الكلاسيكية في فترات الازدهار حيث كان دور الدولة في اوروبا اكثر تدخلا في الاقتصاد، أي دولة الرفاه، وكان دور الدولة في أميركا أقل، وهو ما قاد إلى تبني أو الانتهاء إلى سياسة اللبرالية الجديدة وسياسة عدم التضبيط.

كان نقاش هذه الأمور بارزاً وربما ساخناً، وإن لم يسلط عليه الضوء. فهو مقدمات أو أجندة للقاء قادة دول مؤتمر العشرين يوم 2 نيسان المقبل لهذا العام 2009.

فقد أختتم مؤتمر مسؤولي المالية في مجموعة الدول العشرين التي تكونت مؤخراً على هامش الأزمة المالية/الاقتصادية العالمية الجارية، وذلك في مدينة هورشام في بريطانيا. وتضم المجموعة ممثلين عن البلدان الغنية والنامية. وتركز النقاش حول مدى “ضرورة” تثبيت الاقتصاد العالمي بما في ذلك:

□ الإشراف على صناديق التحوط Hedge funds التي عملت بانفلات تام في العقود الثلاثة السابقة وخاصة في الولايات المتحدة.

□ ومحاولة استعادة دور البنوك في التسليف وذلك بالتعامل مع الأسهم والسندات والضمانات المالية المهتز وضعها.

مشكلة الإنفاق

لكن، كما اشرنا أعلاه، فقد ظل المؤتمرون مترددين فيما يخص ضغط الولايات المتحدة باتجاه تنسيق أكثر بين هذه البلدان بشأن زيادة مفرطة في الإنفاق الحكومي لتنشيط الاستهلاك والهادف بالطبع إلى تحفيز الاقتصاد.

لذا صرح ممثل الدولة المضيفة، وزير الخزينة البريطاني ب :” اننا جاهزون لاتخاذ اية خطوة لازمة لاستعادة النمو ونحن ملتزمون بالقيام بذلك مهما لزم ذلك من الوقت “. وفي هذا السياق، حاولت الدولة المضيفة رتق الفجوة بين موقفي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فيما يخص قضية التحفيز، وبالطبع فإن مختلف الحضور مهتمين بالتوصل إلى بلورة جبهة متحدة في هذا المستوى، آخذين جميعا بالاعتبار ان ظهور أي خلاف جدي على السطح سيؤدي إلى عواقب وخيمة على أداء الاقتصاد العالمي لأنه سيعمق من عدم الثقة بالخروج من الأزمة، وربما يذكرنا هذا بأكثر من مرة تمت الإشارة إليها بأن هناك “طبقة عالمية” قيد التكوين وإن كان الإعلان عنها ليس شرطاً لوجودها، بل الشرط هو تماسكها في القمة العليا للاقتصاد العالمي.

لقد رفضت بلدان ومنها فرنسا وألمانيا ضخ مقادير هائلة من الأموال إلى الأسواق، وفضلت مقابل ذلك تضبيط مشترك للأسواق كآلية لمحاصرة الأزمة. فرغم أن اقتصاد الولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية متوازية تقريباً، إلا أن الولايات المتحدة أقرت رزمة ب 787 بليون دولار (615 بليون يورو)، في حين قرر الاتحاد الأوروبي 400 بليون يورو فقط لدوله ال 27.

ملخص موقف الولايات المتحدة ما قاله وزير الخزانة هناك تيموثي جيثنر:

” بأن على اوروبا أن تقوم بما قامت به الولايات المتحدة حيث ضخت 787 بليون دولار كحزمة من الإنفاق وتقليص الضرائب. وبأن هناك إجماع دولي على الحاجة إلى العمل بشكل هجومي لاستعادة النمو في الاقتصاد العالمي”. وأكد أنه متفق مع التقدم الذي حصل في مفاوضات هذا اللقاء لكنه يرى أن الأزمة ما تزال منفلتة. فهذه فترة تحدٍ والأزمة ما تزال تفعل فعلها.

تجلى الموقف الوسطي لبريطانيا في ما قاله الوزير البريطاني بأن الأمر متروك لكل بلد كي يقرر القدر الذي تعمل به ضد الأزمة، وما هو الأثر الذي للأزمة على ذلك البلد، واية مجالات في الاقتصاد التي تحتاج للدعم، أي ما هو في مصلحة ذلك البلد نفسه. وهذا الحديث الوسطي دبلوماسيا لا يستقيم كثيرا مع قلق العشرين إذا ما ذهبت كل دولة بعيداً في شأنها الداخلي.

أما وزير المالية الألماني بيير شتاينبروسك، فكان الأكثر نقداً للولايات المتحدة التي تدعو لإنفاق موسع، قائلا: ” إن ما يجب البدء به اولاً هو تثبيت النظام المالي. فلا معنى لضخ كميات هائلة من الأموال في اقتصادنا طالما لم نستعيد الثقة في الأسواق المالية”.

صندوق النقد الدولي بين القدرة المالية والدور

أقر المجتمعون على زيادة القدرة المالية لصندوق النقد الدولي، وجاءت هذه الموافقة بعد أن أقترحت الولايات المتحدة في الأسبوعين الأخيرين ان تُضاعف قدرة الصندوق الإقراضية لثلاثة اضعاف اي لتصل إلى 750 بليون دولار (580 يورو). أما المجموعة الأوروبية فتفضل فقط مضاعفة قدرة الصندوق بضعف واحد أي لتصل قدرته الإقراضية إلى 500 بليون دولار. لكن الدول الصاعدة الأربع ذكرت في بيانها أن المطلوب هو توفير مبالغ اكبر للصندوق على أن تتوزع سياساته لمساهمة الجميع. كما صرح دومينيك خان رئيس الصندوق مؤخراً أنه حصل على 100 بليون دولار من اليبابان. وجاءت هذه الزيادات بناء على تصريحات رئيس الصندوق التي مفادها أن الصندوق بما لديه حتى الآن لن يتمكن من إقراض الدول المحتاجة في حالة استمرت الأزمة الإقتصادية الحالية. وبدوره قد قام الصندوق مؤخراً بتوفير مساعدات لكل من باكستان وأوكرانيا.

مقابل موقف الولايات المتحدة الداعي لتعظيم القدرة المالية لصندوق النقد الدولي، دعى المشاركون، ولا سيما ممثلو البلدان الصاعدة الأربع (روسيا والصين والهند والبرازيل) الى دور اكبر في الصندوق للدول النامية، أي في سياسات الصندوق (انظر لاحقا) لتقييم أعمال كل حكومة بمفردها وبالطبع تلك التي تم تطبيقها في الفترة التالية على الأزمة، وعلى ما الذي يمكن القيام به إضافة إلى ما حصل، باعتبار هذا أفضل من اوضع خطط ضخمة ومحددة لاستنفار الإنفاق.

وافق الجميع، وهم يمثلون 80 بالمئة من الإنتاج العالمي على وجوب زيادة قدرة الإقراض لصندوق النقد الدولي باعتبارها خطوة ضرورية جداً وذلك كي يساعد حكومات البلدان النامية التي تصارع الأزمة العالمية. لكنهم تركوا مقدار المساعدات بدون تحديد وتركوا باب تقديم المساعدات نفسه مفتوحاً ايضا إلى أن يلتقي في 2 نيسان 2009 قادة هذه الدول كي يتم اتخاذ القرار الاقتصادي من المستوى السياسي. وهذا يعني ان اجتماع السبت 14 الجاري كان اجتماع التكنوقراط ليجهزوا أجندة للقادة وليدرسوا فيما إذا كانت هناك مناخات مناسبة ليتخذ القادة خطوة جماعية.

ضبط المؤسسات المالية المنفلتة

وفي مقاومة محدودة، او غير معلنة للسياسة المالية الأميركية، قبل الأزمة على الأقل، اتفق المؤتمرون العشرين على بعض المراقبة على صناديق التحوُّط، وهي صناديق لا تخضع للتضبيط إلى درجة عالية جداً، والتي تضخمت كتلتها المالية بشكل هائل خلال العقد المنصرم. لذا أكد المؤتمرون وأقروا بضرورة وضع ترتيبات وضوابط قوية للحيلولة دون قيام واستمرار الخطر المنظم وذلك ان وزراء المالية قد وافقوا على وجوب التأكد من أن مختلف المؤسسات المالية المنظمة والهامة، والأسواق وأدواتها، لا بد أن تخضع لدرجة مناسبة من التضبيط والمراقبة وأن صناديق التحوط ومدرائها مجبرين على تسجيل أنفسهم وتوفير معلومات مناسبة يجعل السماح بالوصول إليها سهلاً لتقييم المخاطر التي يواجهونها. كما اتفقوا على مراقبة وتسجيل وكالات تقدير الأرصدة ووضع قواعد محاسبية أوضح لمشكلة الأرصدة، ومعايير أكثر لمشتقات الاعتمادات التي هي منطقة ضئيلة التضبيط.

في تعقيب على هذه الإجراءات قال الوزير الألماني في نقد غير مباشر لمصداقية الولايات المتحدة: ” لعل الإختبار الآن هو وضع هذه الترتيبات موضع التفعيل، وهذا يعني الإشراف على مختلف الأسواق المالية، وأن يتم تضبيطها، وهذا ينسحب على خزانات راس المال مثل صناديق التحوط أو صناديق الأسهم الخاصة”. وبصفته ممثل الدولة المضيفة، قال الوزير البريطاني بأن الولايات المتحدة موافقة على وضع رقابة على صناديق التحوط التي كان لها دور كبير في الأزمة الحالية لأنها انغمست في المضاربات وعدم التضبيط بدرجة عالية جداً. مما قاد إلى عدم توازن الأسواق المالية.

القلق من الحماية

كما تعهدت الدول الأربع الصاعدة متعاطفة مع الدول النامية، بأن تحارب الحماية التي تفرضها الدول المتقدمة على اقتصاداتها، كي تتمكن من التغلب على فقدانها لدفوقات راس المال الدولي وهي قضية تم التعرض لها كثيراً. والمقصود هنا الدول التي كانت قد استقبلت او بالتحديد التي قدمت إغراءات للاستثمار الأجنبي المباشر كي يتدفق إلى اقتصاداتها التي عرضت عمالة رخيصة وفنية دون المطالبة بحقوق حتى نقابية لهذه العمالة، بمعنى ان هذه الدول فقدت بسبب الأزمة تلك الرافعة الاقتصادية، إن كانت هناك رافعة حقا، وإن حصل فهي ليست إلا للنخبة، وبالتالي أصبحت بحاجة للدعم في فترة يعيش فيها الداعمون أنفسهم أزمة اقتصادية.

والمفارقة هنا هي أن الدول النامية هي التي كانت بحاجة لتطبيق سياسات الحماية حينما كانت متبنية لسياسات إحلال الواردات. أما الأزمة فدفعت الدول الغنية التي كانت تنادي بتحرير التجارة الدولية لحماية اقتصادها من الدول النامية اتي أخذت تبحث عن حصة لتصريف معروضها السلعي!

الموقف من الصندوق كمعيار!

إن موضوع الصندوق بحد ذاته مسألة اختلاف بين دول العشرين بل على صعيد عالمي. فهناك الكثير من الانتقادات على أدائه طوال فترة عمله بعد الحرب الثانية وخاصة حينما بدأ التعامل مع بلدان العالم الثالث حيث أسدى وصفات لقرابة مئة دولة لم تتمكن بموجب تلك الوصفات من تحقيق نمو او تعديل حقيقي في اقتصاداتها، بل نتج عنها تدهور في الصحة والتعليم نظراً لإصرار الصندوق على أن تقوم البلدان المقترضة بتقليص الإنفاق على الصحة والتعليم ورفع الدعم عن المواد الغذائية. وعليه، لا يعود الموضوع الأساس هو مقدار أكبر أو اصغر لميزانية الصندوق بل الأساس هي سياساته وارتباطاته بالولايات المتحدة خاصة. فالولايات المتحدة هي التي لعبت دوراً مستمراً في تسهيل إقراض الصندوق للدول ذات العلاقات الخاصة معها، وهذا ما يفسر عدم توفر نفس الحماسة لدى دول الاتحاد الأوروبي لتضخيم ميزانية الصندوق. أما الدول الأريع الصاعدة فتركز على ان تُعطى هي ودول العالم الثالث صلاحيات أوسع في ترسيم سياسات الصندوق.

مشروع القدس عاصمة ثقافية… صبغة ثقافية لانتهازية فئوية

27 مارس 2009

محمد مراغة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1845)

□… ومن يمشي في شوارع القدس يعلم ويوقن أن المؤرخين عليهم شحذ أقلامهم لأندلسٍ جديدة…

□ لا نريد شعارا آخر…نريد أن ننتج مقولتنا وخبزنا…حتى نصمد ونبقى… وإلا صرنا نسكن أندلسً أخرى.

هي لحظة عصيبة عندما ينظر الفلسطيني لمراحل عبوره للحظته الراهنة…وعد ثم نكبة… نكسة ثم أيلول الأسود…. انتفاضة ثم مدريد وأوسلو.. انتفاضة ثانية ثم الضفة وغزة… وها نحن من جديد ها هنا… في لحظة وطنية مركبة ومفارقة لسياقها… تنعكس هذه اللحظة أكثر ما تنعكس على المشهد الثقافي الفلسطيني… الذي يعيش حالة ارتباك جد عميقة منذ لحظة أوسلو بالتحديد.. لأن روافد هذا المشهد قبل أوسلو كانت أفرادا وفصائل يعملون للإبداع الفني والأدبي بأنواعه ضمن الحالة الوطنية العامة ومحدودا بها… والمشهد الثقافي بعد أوسلو أخذ منحى آخر… حيث تمأسس بامتياز… وتشكلت نخبة مسيطرة على زمام المشهد الثقافي…. هذه النخبة ليست بالضرورة مبدعة ثقافيا، بل بالعكس هي تموقعت مصلحيا حول الإنتاج الثقافي الاستهلاكي الخالي من الحرفة، ولكنها استطاعت أن تبرزه على أنه فن نخبوي (أنظروا إلى انتاجات السينما الفلسطينية بشكل عام)…

هذه النخبة ضعفها يأتي من عدة نقاط، أولها بأنها غير شعبية وتستخدم شخصيات شعبية في مشاريع معينة…استخدام سلعي.

وثانيها بأنها غير قادرة على الإبداع (في لحظة ما كانت ما تنتجه يعتبر في خانة الإبداع على اعتبار أنه إنتاج جنيني تجريبي) لضيق أفقها الثقافي والطبقي والذي ينتج عنه ما يلبي بحده الأقصى شرط الداعم الغربي الأجنبي…

أما مصدر قوتها فيتمحور في هجينتها وقدرتها العالية في تجنيد الأموال ومن ثم الارتشاء الثقافي..فمن المتعاون مع الاحتلال في مرحلة سابقة (مثل مسرح معين)، الى اليساري السابق، أو الأكاديمي الذي يظهر على الفضائيات فأضحى حالة ثقافية فضائية…الخ، ومن يرث رأس المال الثقافي العائلي….الخ، ينتج عن مثل هذا الهجين تشتيت موقف الجمهور منها وبالتالي قدرتها على الاستمرار في اللعب في المشهد العام.

وهنا تبرز القدس عاصمة ثقافية في خضم هذا الانزياح الوطني والثقافي العام منذ مدريد وأوسلو بل أستطيع الجزم منذ أن تحولت فلسطين في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات إلى بقرة- دولار للكمبرادور السياسي المسيطر على منظمة التحرير الفلسطينية. فالقدس اقتراح متجدد ودائم للحلب البقرة-دولاري للنخبة القديمة والجديدة التي برزت بعد أوسلو والمتمثلة بأزلام السلطة وأزلام المشهد الثقافي الانجي أوزي في فلسطين… من هنا يتم الإعلان عن القدس عاصمة ثقافية كمشروع وليس كخطة وطنية إستراتيجية هدفها إنقاذ هذه المدينة من الغرق في الصهينة، إنقاذها وهي التي تعتبر ركن هام من أركان القضية الوطنية الثلاثة: العودة، القدس وحق تقرير المصير.

ولا يخجل رفيق الحسيني ولا يعتذر عندما يقول أن هذا المشروع هو كعكة وعلى الجميع تقاسمها… رفيق ومن معه في اللجنة القائمة على هذا المشروع يعتقدون بأن القدس هي كعكة للاقتسام (على فكرة كنت قد كتبت ما كتبت قبل ما سمي افتتاح الحدث، حين بصق الرئيس في وجه الشعب الفلسطيني معلنا أن حماس منعت الاحتفالات في غزة مثلما فعل الاحتلال الصهيوني، تباً)، وبالتالي أفترض أن اللجنة القائمة على الحدث منسجمة مع فكرة زعيمها وبصورة جلية، وهم يستغلون الحدث لتلبية مصالحهم الفردية الضيقة والمنسجمة مع موقعهم الطبقي وموقفهم السياسي اتجاه الفلسطينيين والقضية الفلسطينية….بالأمس كان سري نسيبة يوقع مع الصهاينة مشروع إسقاط العودة، واليوم الحسيني يرأس بمساعدة متسلقين للمشهد الثقافي والسياسي في القدس تحويل القدس من قضية نضال وطني في لب الوعي الفلسطيني ومسيرة المقاومة إلى مجرد كعكة للاستفادة منها… ومشروع للاستغلال….

القدس لا تتحمل أكثر من ذلك التلاعب بعد اليوم… على الجميع أن يصطف إما بجانب التمسك بالحقوق والثوابت ضمن تبني خطة وطنية ببعد عربي وإسلامي وعالمي يهدف إلى الحفاظ على المدينة من الضياع والنهوض بها سياسيا وثقافيا وتربويا واجتماعيا واقتصاديا… وإما استغلال المدينة لأهداف فردية وأنانية وطبقية جد محدودة….من هنا على جميع من له يد في مشروع القدس عاصمة ثقافية أن يتقدم بالاعتذار عن هذا المشروع وأن تتشكل لجنة من شخصيات مقدسية نظيفة اليد، لها احترامها وتاريخها الاجتماعي والوطني، مستعدة للعمل وبشكل طوعي على صوغ خطة وطنية تطرح على أهل المدينة وتناقشها معهم، للنهوض بها من كل النواحي، حتى تبقى في مقدمة المقاومة وليس في مقدمة الصهينة والتهويد…

القدس مثل قضية اللاجئين تمر بمرحلة جد حساسة وهامة.. نتيجة للخطة الإسرائيلية بفرض واقع جديد يضيق هامش المناورة فلسطينيا على المستويات المختلفة… ومن يمشي في شوارعها يعلم ويوقن أن المؤرخين عليهم شحذ أقلامهم لأندلسٍ جديدة..

في القدس لا يوجد حاجة إلى معرض غاليري آخر… نريد مدرسة معرفية ووطنية أخرى.. أو نريد على الأقل دعم المدارس الأهلية الموجودة والتي تندثر مع الوقت لصالح مدارس البلدية القائمة على التجهيل وليس التربية والعلم.

في القدس لا نريد حفلا موسيقيا آخر…نريد دعم تعليم الفنون والعلوم والآداب في المدارس.. نريد غسان كنفاني وناجي العلي يعودان لشبيبتنا كنماذج للثقافة الفلسطينية…

لا نريد شعارا آخر…نريد أن ننتج مقولتنا وخبزنا…حتى نصمد ونبقى… وإلا صرنا نسكن أندلسً أخرى.

صدامات إم الفحم نموذج أوَّلي لتصفية القضية

27 مارس 2009

فلسطينيا، عربيا، عولمياً، وصهيونياَ

عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1845)

حتى لو بدأنا قراءة الصراع العربي-الصهيوني من مذبحة غزة، لكان ذلك كافٍ لرؤية الخطر المحدق والخطر القادم بتصميم من مختلف الأطراف الرسمية تجاه حق الشعب الفلسطيني والأمة العربية ومستقبلهما. وهو خطر ينقسم إلى مستويين وليس نقيضين:

□ في المستوى الأول مشروع صهيوني رقم (أ) بطرد فلسطينيي 1948 إلى الضفة الغربية والأردن، وهذا ما تقبله الأطراف العربية الرسمية، دون إعلان، على أمل أن يكتفي الكيان الصهيوني بهذا ويمنح سلطة الحكم الذاتي ما يقارب دولة!

□ وفي المستوى الثاني، أن هذا الطرد هو مقدمة لطرد كل من ليس يهودياً من كل فلسطين، كمرحلة انتقالية أكبر نحو توسع صهيوني إلى كردستان العراق هذه المرة وليس فقط إلى الفرات، وليس اقل الشواهد إقامة قواعد صهيونية في كردستان العراق. وهذا ما تخشاه القطريات العربية، ولكنها لا تجهز له شيئاً، فهي ليست بمستوى هذا التحدي.

وهذا الحديث ليس نبوءة ولا مقدرة على الوصول إلى جوارير المخابرات الصهيونية، أو دوائر الإيديولوجيا، هذا يتم تعليم الطلبة به وصرحت به وزيرة الخارجية الحالية ناهيك عن لبرمان وعن من يبق هؤلاء. بكلمة، فالكيان لا يخفي ما يريد، إنما الأنظمة القُطرية هي التي تخبىء ((رؤوسنا)) في الوحل!

والأخطر من هذا أن ما تقوم به الانظمة القطرية هو ايضاً، إخفاء وتغطية الدور الأميركي والغربي عامة، وهو: إن هذه العنصرية والتطرف والعدوانية الصهيونية المنفلتة لا يمكن لها أن تكون لولا السلاح الأميركي والدعم الغربي الراسمالي. ففي كل العالم هناك ألوان من التطرف المتعدد، لكن تمكين هذا التطرف وتوفير فرص تحققه يعتمد على توفر القوة لذلك، وهذا ما تقدمه أميركا والغرب وتحديداً الاتحاد الأوروبي المتوسع إلى الكيان الصهيوني.

ملخص هذا، أن الأمة العربية تتعرض لحرب مستدامة من المركز الراسمالي الغربي-الصهيوني وأنظمة الدولة القطرية تساعد هذا العدوان بتفريم أمعاء الأمة من الداخل. وهذه الدرجة من التخريب المحلي، لم نجد بعد مصطلحا لها أو شبيهاً في التاريخ!

في كثير من الأحيان تتبدى أمام المرء أحداث ضخمة، لكنها مغالق بلا مفاتيح مما يجعل العبور إليها مشقَّةً لا يقوى عليها الكثيرون. وفي أحيان أخرى، تغدو أموراً صغيرة مثابة مفاتيح لعظام الأمور، ويبدو أن هذه سُنَّة الحياة. ومن الأحداث الجسام، ما اسمح لنفسي بتسميته “القرار الرسمي المعولم للاعتراف بالكيان الصهيوني” المشترك، واقصد بمشترك أنه فلسطيني وعربي وغربي وفي النهاية والمحصلة “إسرائيليا”. وقد يبدو في هذا تجنِّ على الأطراف الأخرى لصالح الطرف الصهيوني، لكن هذا ما تشي به التطورات. والاعتراف هنا بمستويين:

□ الأول: شطب حق العودة إلى المحتل عام 1948

□ والثاني: دمج الكيان دمجا مهيمناً في الوطن العربي مما يجعل توسعه الجغرافي المتزايد مجرد تجارة أراضي[1]. وليصبح القوة العسكرية الأولى التي لها ذراع اقتصادي هو الأقوى ايضا في الوطن العربي.

* * *

لنبدأ بكلمة في حوار القاهرة. فما نقلته وكالات الأنباء أن رئيس وفد السلطة الفلسطينية إلى هناك احمد قريع يقول بوضوح: “نريد اعترافاً بإسرائيل واضح مثل الكريستال[2]“. إذا صح هذا عن وكالات الأنباء، فهذا يعني بلا مواربة أن حق العودة مشطوب، اللهم إلا من رحم ربي وقبلت “إسرائيل” بإعادة أنفارٍ من قبيل الصدقات على موائد اللئام! اي أن حق العودة موضوع على طاولة “الكرم الصهيوني”. هذا من جهة ومن جهة ثانية، فإن الصهاينة أنفسهم لم يطلبوا اعترافاً “نقياً” إلى هذه الدرجة.

من جهة أخرى، فإن رئيس السلطة الفلسطينية قد كرر مطلبه طوال السنوات الأخيرة بالتزام حماس بقرارات الشرعية الدولية. ولا يخفى على أحد ان الشرعية الدولية هي كذبة ضخمة، هي الولايات المتحدة اساساً، قبل جراحها المثخنة مالياً اليوم، وهذا ما أوضحه تقرير دو سوتو مبعوث الأمم المتحدة للرباعية الدولية. فإذا كان لهذه الرباعية أو الأسرة من شرعية، فيجب أن يكون قد تم تخويلها بذلك من الشعب الفلسطيني والأمة العربية فهم أهل فلسطين. وهذا لم يحدث.

ويرتكز رئيس السلطة الفلسطينية -سلطة الحكم الذاتي- في قوله هذا على حقيقة أن فلساً واحداً لن يدخل إلى أراضي الحكم الذاتي إلا باعتراف اية حكومة قادمة بقرارات الرباعية والشرعية والتزامات ومعاهدات وتعهدات السلطة الفلسطينية. كما تعلن أميركا صراحة أنها لن تسمح بحكومة فلسطينية لا تعترف بالكيان! ويبدو أن هذا يتحول يوماً بعد يوم إلى حق “شرط صهيوني” لم يحلم به الكيان اصلاً.

وهذا ينقلنا إلى البعد الرسمي العربي وهو البعد الذي يتأسس يوماً بعد يوم على تراث كامب ديفيد، وإيديولوجيا أنور السادات، النموذج الكامبي، النموذج الذي يُخرج الأنظمة العربية من الصراع، ويحولها إلى وسطاء في الصراع. والوسيط يمكن أن يكون” متوازناً” محايداً ومن الطبيعي أن ينحاز، وهنا يُدان على عدم حياديته، لكنه معفى، طالما وصل هذا الوضع، معفىً من الإلتزام والإنتماء.

من يقرأ مسلكيات الأنظمة العربية القطرية تجاه مجزرة غزة، والذهاب تنازلياً حتى عام 1982 حيث اقتلاع منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، ولا نريد اعمق من هذا زمانياً، من قرأ هذه يجد أن الأنظمة العربية الرسمية، قد لعبت دوراً حتى غير حيادي، بل مكمِّلاً لدورها، مساهمتها، في بناء الكيان الصهيوني وتعزيزه. وهذا يكشف عن جذر الولادة المشتركة للنظام القطري العربي وللكيان الصهيوني في اتفاق/مؤامرة سايكس-بيكو. ويكفي أن نشير إلى أن قرابة نصف يهود الكيان هم من اليهود العرب، لم يتسللوا إلى الكيان بل أتوا من قطريات “مستقلة” والأغلبية بعد اغتصاب فلسطين 1948، وحتى الذين اتوا قبل 1948 كانوا قد أتوا من دول “مستقلة”.

والأهم من هذا ما يجري اليوم. فالولايات المتحدة (ذات بوش وذات أوباما على حد سواء) تؤكد أن لا مال ولا طعام ولا دواء إلى غزة بدون اعتراف حماس بالكيان الصهيوني. وتقف إلى جانب الولايات المتحدة مختلف الدول الاستعمارية العتيقة (المانحة). وهذه الدول هي جماعات متسلطة على الثروة العربية، ومن بقايا هذه الثروة ترشي فلسطينيين لإقامة سلطة تعترف بالكيان. هي المعادلة هكذا.

إذن من هذه الأموال، أو حتى من الحصة التي تأخذها بلدان النفط العربية يمكن لأية دويلة منها أن توفر للفلسطينيين احتياجاتهم. فلماذا ترهن هذه الدول القطرية العربية مساعدة الفلسطينيين بعواطف الغرب الرأسمالي ذو العداء العلني للشعب والأمة؟

وابعد من هذا، إن من حق كافة اللاجئين الفلسطينيين على الدول الغربية الراسمالية تحديداً التي اقامت الكيان أن تتعهد وحدها بدفع كافة حاجات اللاجئين طالما لم يُعادوا أو يعودوا إلى وطنهم الذي زرعت هذه الدول الغربية فيه كياناً طاردا وعنصريا واستيطانياً. فليس ما تقدمه هذه الدول منحة. كما أن من التشويه والكذب والنفاق ربط مساعدة الفلسطينين بالأمم المتحدة، لأن الجريمة الحقيقية ضد شعبنا هي من الدول التي اقامت الكيان وما تزال تحميه تسلحة وترسله ليعض هنا وهناك (وليس آخر عدوان يُماط عنه اللثام ضرب قافلة في السودان). وليست الجريمة الأساسية في التصويت الشكلي في الأمم المتحدة على التقسيم أو الاعتراف بدولة الكيان. من هنا، فإن المكلف الفعلي بالدفع هم من بنوا الكيان بشكل مباشر (الغرب الراسمالي-المركز) وأنظمة قطريات سايكس-بيكو العربية. أما كيف يجب تحقيق هذا فلا بد من لون من القوة، لون من الخوف. فالأقل حياء بين بني البشر هم رجال السياسة لما ورائهم من مصالح طبقية، فلا رهان على خجلهم، فالمرء من هؤلاء إما أن يستحي أو يخاف[3]!

تحالف القطاع العام المعولم والكمبرادور

سيقول قائل، هذا ما فعله المركز الرأسمالي، وليس هناك من يجبره على تليين موقفه أو تغييره. وهنا ندخل إلى المعادلة الصعبة، وهي المعادلة التي تعيدنا إلى المسألة القومية كمرتكز اساس في الصراع.

هذا الموقف المتبجح والمستكبِر من الغرب مرده ليس إلى الثقافة والفوقية كما يزعم الثقافويون الذين يهربون من التحليل المادي التاريخي ليعفوا انفسهم حتى من كلمة جريئة. وليس مرده إلى عوامل دينية من طراز أساطير هنتنجتون الذي مضى مؤخراً حاملاً في كبده مرارة انهيار العولمة ومرارة عدم تذابح الأمم ثقافيا ودينياً.

هذا الموقف مرده إلى طبيعة أنظمة القطريات العربية. أنظمة الكمبرادور التي تتبع للغرب سيدها ومؤسسها وخالقها وولي نعمتها وحامي وجودها.

يقترب كثير من الكتاب من الاتفاق بأن طبقة عالمية تتكون في العالم في العقود الأخيرة، وكان البعض قد لمس ملامحها حتى قبل هذه الفترة، (ارجيري إيمانويل مثلا). ولكن هذه التكوينات الجديدة تظل مبهمة ما لم تُقرأ على أرضية انقسام النظام العالمي واتحاده في مركز/محيط. وهو نظام من سمته، محاولة تحالف/توحيد الطبقات الراسمالية الحاكمة، وتفكيك وجوب اتحاد عمال العالم. وهي معادلة يمكننا تسميتها الانقلاب على ” ياعمال العالم اتحدوا”، ناهيك عن يا عمال العالم وأممه المضطهدة، أو صراخ النسويات الراديكاليات ” يا نساء العالم اتحدن” وحبذا لو يفعلن!

هذا التحالف بين الطبقات الحاكمة يتخذ ما اسميته في أكثر من موضع، تحالف القطاع العام الراسمالي المعولم، أي تماسك الطبقات الحاكمة في المركز، وااليوم توسع المقاعد لتجلس خلفها الدول الأربع الصاعدة (روسيا والصين والهند والبرازيل) ودول أخرى، وهذه تتصرف في الكرة الأرضية كما لو كانت قطاعاً عاماً للطبقة الرأسمالية المعولمة مع حفظ المراتب والألقاب، بمعنى أن هناك تحالفاً ومصلحة مصيرية بين راسماليات المركز وتلك التي في المحيط. اي بين راسماليات إنتاجية وأخرى كمبرادورية. هذه هي بنية النظام العالمي قائمة على مركز/محيط، وبشكل محدد على علاقات مركز/محيط بين الطبقات الحاكمة، تبدأ مراتبيا في الولايات المتحدة والثلاثي (معها الاتحاد الأوروبي اليايان) وتتجه سفلياً إلى الدول الوسيطة (الصاعدة أو شبه المركز كما اسماها وولرشتين) إلى أن تصل إلى دول الكمبرادور الفعلي.

تقع الأنظمة العربية في الجزء الكمبرادوري هذا. وإشكاليتها الأساسية أن دورها اقل من إمكانياتها وطبعاً من حقوق الأمة التي تتحكم بها هذه الأنظمة. فهذه الأنظمة مرتبطة بالمركز، بالطبقة العالمية ذات القطاع المعولم إلى درجة أنها لا تجرؤ على التحكم حتى بالفوائض التي بيدها.

بيت القصيد هنا، هو أن هذه الأنظمة العربية، لو كانت ذات توجه استقلالي، حمائي تنموي قومي[4]، لحاولت اليوم، نعم، اللحظة أن تقوم بما يلي:

□ الضغط على أميركا والثلاثي، وهم في أزمة مالية/اقتصادية، اي استثمار التراخي على الأقل في القول نحن نريد مساعدة الفلسطينيين ماليا وإنسانيا.

□ في حال الرفض ان تستخدم هذه الدول سلاحي:

o النفط

o والمقاطعة وتبديل الأسواق (بما هي دول مستوردة جدا). وبوسعها الضغط هنا لأنها تحاول تقديم مساعدات إنسانية، لا عسكرية، للفلسطينيين.

هذا هو الحد الأدنى الذي على هذه الدول القيام به. لكن ما تقوم به هذه الأنظمة هو في الاتجاه المعاكس تماماً، وهذا في منتهى الغرابة، إذا ما حاولنا قراءته على أرضية علوم السياسة والاقتصاد والاستقلال والتنمية وحتى الحقوق الوطنية. فالأنظمة القطرية تقوم اليوم ب:

□ التسابق على دعم النظام العراقي، الذي اصبح من قبيل المساومة الاكتفاء بوصفه عميلاً. لقد طار عمرو موسى عراب كل التنازلات العربية إلى بغداد ليبين لأميركا، أن الأنظمة العربية ستحمي ذلك النظام لتريح الجيش الأميركي ممن أهلكوا بدنه.

□ واقامت عدة دول سفارات لها في بغداد.

□ وزار وزير الخارجية السوري بغداد ليؤكد دعم النظام السوري للنظام العراقي أو على الأقل عدم معاداته، بينما لم يقرأ الفاتحة حتى لروح الشهيد صدام حسين!.

□ وقرر رئيس سلطة الحكم الذاتي زيارة بغداد، وكما نشرت صحيفة القدس يوم الخميس 26 آذار (أن هذه الزيارة لأن الدول العربية تقوم بزيارة العراق[5])! لكن الزيارة تأجلت.

□ ولم يقم اي من هؤلاء بزيارة قطاع غزة رغم المذبحة.

المثيرفي الأمر أن لا أحداً يحاول إحراج هذه الأنظمة بأن يجادلها: لماذا لا تتعهد بمساعدة الفلسطينيين ولماذا لا تخرج عن الإملاءات الغربية؟ ما من طرف فلسطيني يحاول إثارة هذا المسألة وكشف هذه التقرحات؟ وأعتقد أنه في هذه النقطة بالذات تكمن محاولة التصدي والمقاومة. فالمقاومة لا تنحصر ضد العدو الصهيوني والراسمالي الغربي، بل ايضاً وفي أحيان اساساً وأولاً في مواجهة هذه الأنظمة التي تنفذ إملاءات الأعداء دون أن تغطي نفسها باية ملاءة مراهنة على تخاذل واستخذاء الحزبية العربية ومثقفين عربا تحولوا إلى مخاصي فكرية.

أن نقطة التحدي الحالية على درجة عالية من الأهمية، بمعنى أن:

□ المركز الراسمالي وهو عدو بمجمله في أزمة وأن قبضته اضعف من ان تضرب خبط عشواء كما حصل بعد الحرب الباردة

□ إن بوسع الأنظمة العربية الضغط لصالح القضية الفلسطينية وبمستوى لا يورطها في صدام مع الإمبريالية.

وهذا الموقف كتجربة يمكن أن يؤدي إلى توسيع دائرة التصدي بحيث يتم جر الموقف الرسمي للاقتراب من الموقف الشعبي. هذا ما يجب أن تبدأ به القوى

الشعبية العربية ضاغطة على الأنظمة.

الكيان يستثمر ويسابق اللحظة

إن من يستثمر اللحظة هو الكيان الصهيوني الذي أعد لها “القوة وركاب الخيل” خير إعداد. فقد رفع الشارع الصهيوني إلى الحكم ليبرمان (فتى االبارات سابقاً في أوروبا الشرقية)، ويبدو انه لم يعد مطلوب للكيان استراتيجيين بل بلطجية، ولا فلاسفة بل غيبيين كالحاخام دوف ليور رئيس مجلس رابايات مستوطنات الفضة الغربية، ولماذا يحتاج غير هؤلاء وأمامه عرب الدولة القطرية!. كما رفع نتنياهو لأن هذا الجناح من الصهيونية هو الذي سيدفع عربة اغتصاب الأرض إلى مداها بسرعتها القصوى مستغلا لحظة عجيبة وفارقة:

□ لحظة التراخي في المركز والتي لا يعرف أحد اين ستصل، لكن ملخصها أن المركز يهتز، وقد يتحول إلى أحد المراكز، وليس الأوحد، وقد لا تحتضن المراكز الجديدة الكيان كما فعل الحالي، اي كما تم توريث حضانة واحتضان الكيان الصهيوني من بريطانيا إلى أميركا.

□ لحظة ان المركز يُضرب بالثورة من خاصرته اليوم، من أميركا اللاتينية، وهناك احتجاجات شعبية في العديد من دول العالم على الأزمة المالية، وهي لا شك البلدان التي احتج مواطنوها ضد مجزرة غزة.

□ لحظة احتمال أن تفلت من تحت العباءة النووية دولة مثل إيران.

□ لحظة استمرار ركوع القطريات العربية للمركز رغم تراخي المركز (كما كان حال جنود سليمان الحكيم وهو يحكمهم ميتاً وهو متكىء على العصا- إن صحت الرواية التي نأخذ منها هنا الصورة) اي لحظة ما قبل التنبه الشعبي العربي.

* * *

من هذه المعطيات يمكننا قراءة حادثة أم الفحم.

فلا اساس لنسب التحدي العدواني لمئة يميني من بين ستة مليون يميني (وثلاثة يساريين أفراداً فقط) حيث قرروا الإعتداء على مدينة أم الفحم لمجرد الإثبات ان هناك “أرض إسرائيل- وإسرائيل/يعقوب مات قبل ثلاثة آلاف سنة، ولا يوجد ما يؤكد أنه كان هنا).

هؤلاء المئة يعبرون بدقة وحذق ومهارة عن وجوب استغلال الكيان لهذه اللحظة التي قد تتغير ولا تتكرر. إن تحركهم مثابة الجرس الذي يقول للكيان: “استثمروا هذه اللحظة إلى أقصاها، واطردوا الفلسطينين من أرضهم في المحتل 1948، وفي بقية فلسطين، فهي لحظة قد لا تتكرر”. ولذا ليس شرطاً أن يكون تحرك هؤلاء بقرارهم فقط، بقدر ما هو بالون اختبار رسمي. وإلا لماذا كان القرار بحصوله من المحكمة العليا؟ أي من مشايخ الصهيونية؟

ولا إخال أن الأنظمة العربية وسلطة الحكم الذاتي لا يدركون هذا! ولكنهم يشترون الوقت من أجل إضاعة الوقت وليس للاستثمار لاحقاً، إنهم يتصرفون كخاروف العيد بانتظار حلول الكارثة والتعاطي معها ككارثة وليس كتحدي.

فطالما أن هذه الأنظمة ترى في “مبادرتها” أن السلام خيار استراتيجي، فهي ستسامح الكيان بكل ما ينتهز الفرصة ويغتصبه من أرض. هذا هو “هجوم السلام”، فاية بلاغة هذه!.

وعليه، فإن محاولات تنقية الأجواء الرسمية العربية هذه الأيام، هي لترتيب مواقف هذه الأنظمة ضد تحركات الشعب، التي لا بد أن تتجاوز التظاهرات إلى تفكيك مفاصل الدولة القُطرية. إنها إدارة أزمة مزدوجة:

□ أزمة مواجهة المواطن العربي بتنسيق بوليسي تحتي .

□ وإدارة أزمة مرونة ومهارة عدم التصدي لأي عدوان صهيوني.

والمهمتان ليستا سهلتين لأنهما مكشوفتين. ومن هنا وجوب التماسك الرسمي لدرء اي تحدٍ شعبي.

هذا ما نقرأه اليوم في الذكرى الثلاثين لاتفاق كامب ديفيد، الذي لم يغير النظام المصري من إملاءاته شيئاً، بل اضاف إليها ملاحق تطوعية من جانبه مثل إرغام الفلسطينيين على الاعتراف بالكيان ومحاصرة غزة إلى أن تعترف أو تموت. فليس مطلوب من هذا النظام مقاتلة الكيان، ولكن ليس القتال نيابة عنه!

وهكذا، يوماً بعد يوم، ويمضي الزمن ويتطبَّع الناس على العلاقة مع كيان لا يتوقف نهبه للأرض، ويتطبعون حتى مع نهب الأرض، ويصبح الكيان الصهيوني طبيعيا في الوطن العربي، ويحصل الاندماج الصهيوني المهيمن في الوطن العربي، وتتوقف طرق الحجيج إلى الكعبة، وتصبح تل أبيب عاصمة الوطن العربي. ويتحول الكيان (إسرائيل) إلى حقيقة لصورة شعرية قالها عمر أبو ريشة في معرض الغزل، أجدني أتمثلها في معرض المذلَّة:

طلبت…فأعطى

واشرأبَّت…فانحنى

وقَسَت … فَلاَنْ

وهذا هو التحدي الأكبر أمام حركة التحرر العربية بمحتلف قواها.

ترِكة الفصائل

قد تكون من “فرادات” الحالة الفلسطينية طبيعة الحركة الوطنية من حيث قابليتها للتكاثر بمتوالية هندسية، وعدم القدرة على تشكيل جبهة وطنية واحدة لا بين اليمين ولا بين العلمانيين ولا بين ما يسمى اليسار ولا بين الإسلاميين ولا بين الجميع بالطبع.

وكأن هذا يقول لنا، أن اهداف هذه القوى هي في الأساس وليس في النهاية أن تصبح دولاً. فلو كان الأمر النضالي هو الدافع الأساس لما كان هذا التشقق بهذه “المبدأية”! وهو تشقق لا تشفع لوجوده تدخلات الأصابع القطرية العربية والإسلامية والعالمية، بل يجب ان تكون من محفزات التماسك الداخلي.

لن أطيل هنا، ولكن النقطة المركزية في هذا السياق هي أن توفر التمويل العربي والغربي والإسلامي تحول إلى وطن للتنظيمات الفلسطينية. وطن مفترض، واصبح تلقي الأموال إكسير حياة وبقاء كثير من التنظيمات. فغياب السيادة، وغياب الوطن استبدل بحضور الأموال التي “تستحق” الاقتتال عليها. والتي سمحت وتسمح ببقاء هذه التنظيمات.

بالأصابع المذكورة، والأموال المنثورة، دخل الفلسطينيون في الأرض المحتلة لعبة “الكنيست الثانية -الانتخابات لمجلس الحكم الذاتي”. وفي حين رفض اليسار والإسلاميون الجولة الأولى، هرولوا إلى الثانية. وصار التنافس على “الديمقراطية” تحت الاحتلال أمراً عادياً. وبالتحديد تورطت حركة حماس في هذا المستنقع. ولم تخرج ولن تخرج منه. هذا كان ما تصبو إليه أميركا والغرب، أن يدخل أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين مطهر التسوية، وبعدها نعرف كيف نتعامل معهم وهم في المصيدة[6].

ربما ليس هذا وقت مناقشة الأمر طالما حماس تقاوم، وهذا صحيح. ولكننا على ابواب الجولة الثالثة للانتخابات والتي تتزامن مع المشروع الرسمي (الفلسطيني والعربي والدولي) لإنهاء القضية بتثبيت الكيان مندمجا اندماجا مهيمنا في الوطن العربي. وهذا يجعل رفض الانتخابات درجة المقاومة الأولى للخطر المقبل. ولن يكون قلب الطاولة إلا بموقف رافض لأية انتخابات سياسية تفاوضية.

لا شك ان حماس في مأزق اليوم. مأزق منع دخول اي شيء إلى غزة ما لم تعترف بالكيان. ومأزق الخوف على قادتها ومقاتليها وعناصرها إن هي اعتزلت السياسة وتركت السلطة، ومأزق عدم تقديم نموذج اجتماعي سياسي في غزة أعلى من النماذج السلفية وهو نموذج لا يشفع له سوى كونه مقاوماً.

ولعل المخرج هو في مأزق آخر، وهو أن الشارع العربي وقواه السياسية ما تزال أقل من الضغط على الأنظمة لإنقاذ غزة، والذي فيه إنقاذ حماس والقضية برمتها، وهنا الحد الأدنى المطلوب هو الإنقاذ المعيشي، لا نقول (لا سمح الله) ارتفاع هذه القطريات إلى التحرير!

في كافة الأحوال، أعتقد أن على الشعب الفلسطيني كي يحمي القضية من الضياع، وكي لا يساهم، عبر إعادة الهندسة وإعادة التثقيف واستلاب التثقيف والثقافة، أن لا يشارك في الانتخابات قط. وأن يستفز الشارع العربي مجدداً ومباشرة للضغط على حكامه، ولكن كيف، بالبدء بضرب مفاصل الدولة القطرية.


[1] في أكثر من بلد عربي هناك تشريعات لبيع الاراضي لليهود!

[2] والسيد أحمد قريع إذا صح ما نُسب إليه، هو الذي وقع اتفاق باريس الاقتصادي عام 1995 مع الكيان وكان الاتفاق رمادياً بشكل مطلق، وهو نفسه الذي تحدث عشرات المرات عن وجوب تعديل هذا الاتفاق خلال السنوات من 1995 وحتى اليوم، ولم يتعدل سطر واحد!

[3] حين تعرض عمر بن ابي ربيعة، ذلك الماجن بالمطلق، لزوجة أبو الأسود الدؤلي في الطواف ببيت الله الحرام، وكانت الزوجة جميلة وابو الأسود فارساً، رافقها زوجها في الموسم الثاني، فلما رآه عمر بي أبي ربيعة، انزاح جانياً، فداهمه أبو السود قائلاً:

تعوي الكلاب على من لا أسود لهُ وتتقي صولة المستاسد الضاري.

[4] لقد جادلت كثيراً، وما زلت مقتنعا، (بشكل خاص في كتابي: دفاعاً عن دولة الوحدة وإفلاس الدولة القُطرية) أن في كل أمة مدرستين في القومية، واحدة للطبقات الحاكمة (القومية الحاكمة) وأخرى للطبقات الشعبية (القومية الكامنة) . ويظهر الفارق بل التناقض بينهما في البلدان الخاضعة للاستعمار بمختلف اشكاله حيث الطبقة الحاكمة ترفع الشعار القومي لكنها تمارس

عكسه، وأما الموقف القومي الحقيقي فهو للطبقات الشعبية، كما في الأمة العربية، حيث هي طبقات وحدوية واشتراكية. وكلما كانت الأمة مستقلة وإنتاجية تتقارب مواقف الطبقات، اي القومية الحاكمة للبرجوازية والقومية الكامنة للطبقات الشعبية لكنها لا تتطابق. ربما أفضل دليل ما حصل في أميركا في حقبة العولمة، فقد جرَّت الطبقة الحاكمة أميركا إلى مذبحة العراق، وحينما تأزم الإقتصاد قامت الطبقة الحاكمة بسرقة أموال الشعب.

[5] نكتشف هنا أننا أمام مدرسة عربية في التبرير تستحق التحول إلى مساق اكاديمي للدراسات العليا. فحين قررت منظمة التحرير، قيادة هذه المنظمة، الاعتراف بالكيان الصهيوني قالت (القومية الحاكمة في القطريات العربية) نقبل ما يقبله الفلسطينيون!. أما حينما كان الفلسطينيون يقاتلون، لم تقل الأنظمة هذا، ولذا تقف ضد غزة. واليوم يقول الفلسطينيون ما معناه، ما تقبل به الأنظمة العربية تجاه العراق نقبل به! أليست مدرسة القطرية واحدة؟

[6] حين عرض عليّ أحد الإخوة في حماس دخول التشريعي معهم، قلت، من بين ما قلته له، انه بوسع الكيان منع الهواء عن حكومة لا ترضيه. وها نحن نجد ان القطريات العربية نفعل ذلك ضد حماس نيابة عن الكيان.