أبريل 2009

هكذا تنتحر المجنَّدة ويبطر العملاء؟

30 أبريل 2009

بادية ربيع

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1878)

رغم إمعان عالم اليوم في النفعية والتمترس المادي، بمعنى الكسب والربح والمأجورية، بشغل أو بدون، لكنه لا يخلو من خوارق معينة. كما ليس شرطاً أن تكون الخوارق بالقوة العمياء أو بالطاقة الهائلة للقتل والتدمير. فيمكن أن تكون الخوارق في موقف معنوي يبدو حتى عادياً.

“قامت مجندة أميركية في العراق عام 2005 بإطلاق النار على نفسها”

بدوره أعلن الجيش الأميركي أنها قُتلت بنيران عراقية وهنا أُغلقت الحكاية المحبوكة والقابلة للتصديق ببساطة. ليأتي صحفي أميركي بعد عامين من التقصي ليكتشف من خلال شهادات جنود آخرين أن المجندة:

كانت قد تدربت على اساليب التعذيب، ولكنها حينما شاهدت التعذيب على الطبيعة في المعتقلات العراقية وجدت أن ما تعلمته وقرأته ليس إلا صورة “ناعمة” لوحشية لا تطاق على الأرض. فلم تحتمل الموقف إلا ليومين، لتعود إلى ثكنتها وتنتحر بإطلاق النار على رأسها.

ليس مغزى هذه الأسطر زيادة بضع كلمات على وصف وحشية الإمبراطورية، ولا حتى وصف الموقف في أقبية التحقيق، مطلق تحقيق، تقوم به “الدولة، اية دولة، سواء المستعمِرة أو المستبدة المحلية” حيث في الأقبية يشعر الفرد من الجلاوزة أنه في معركة صراع حتى الموت مع الأسير، فرداً مقابل آخر، بمعزل عن توفر كل شيىء للجلاد والإرادة فقد للأسير. هناك يجد المناضل نفسه أمام آخر لديه كل الجاهزية والتجهيزات للقتل كما لو كان يتناول كوباً من الماء. وهذا الدافع الغريزي الفردي هو أخطر من حرص الجلاد على: إتقان العمل، والانتصار على العدو وتنفيذ أوامر السادة، وفي الحالة الأميركية الحقد الأبيض وصولا للذهب الأسود! .

لكنني لست لهذا أكتب. فهناك بعد آخر أود تناوله ببضع كلمات لأنه لا يشمل هذه المجندة وحدها، بل كل مواطن من اية دولة إستعمارية أو استيطانية يقبل بأن يدخل الجندية أو يعمل في مؤسسات تابعة لهذه الدول في بلدان العالم الثالث. فإضافة إلى جيوش الغزو هناك مؤسسات الغزو الثقافي أي المراكز الثقافية الفرنسية والألمانية والأميريكية والبريطانية خاصة بما هي الدولة الأكثر عراقة في الاستعمار والخراب وتشبيك الأمم في نزاعات لا تنتهي إلى يوم القيامة …الخ. وهي جميعاً مؤسسات دعاية لثقافة راس المال والمركزانية الأوروبية مجتمعتين. وهي مؤسسات تقوم في النهاية بدور التمهيد للسيطرة من مداخل ثقافية وإعلامية وإيديولوجية، بينما تقوم الجيوش بالسيطرة العسكرية وفي النهاية هيمنة راس المال ونهبه لبلدان العالم الثالث واستمرار هذا النهب وهذا الهدف النهائي.

تفيد تجارب بلدان العالم الثالث، والوطن العربي خاصة أن كل مواطن من بلدان المركز الراسمالي حين يذهب إلى بلدان العالم الثالث ضمن اية مهمة حكومية او شبه حكومية وحتى أكاديمية إنما يذهب إلى هناك ضمن برنامج محدد يخدم استراتيجية دولته، لا نقول فقط حكومة بلاده، فالحكومات تتغير مع أن سياسة الدولة قلما تتغير من حكومة إلى أخرى ومن حزب إلى آخر، في دول مستقرة وإدراتها متمأسسة.

إذن يذهب مبعوثو هذه الأنظمة إلى بلدان العالم الثالث مجهزين بمعتقد أنهم يمثلون “أمماً متحضرة وأعراقاً أرقى، وقدرات عقلية متفوقة، وآليات تعامل مميزة”، بينما الأماكن التي يذهبون إليها والناس الذين سيعيشوا بين ظهرانيهم هم على العكس تماماً. وعليه، يمكن القول أن لدى هؤلاء شعور بأنهم بشر والآخرين “اغياراً-أقل من البشر”.

هذا ما أسماه أكثر من مفكر الخضوع لهيمنة إيديولوجيا النظام السياسي والفكري الحاكم في بلدان الغرب، هذه الهيمنة هي التي تجيز لهم كل عسف ووحشية يمارسونها ضد سكان بلدان المستعمرات أو العالم الثالث عامة. فالهيمنة هنا سلاح أكثر فتكاً من البنادق لأنها هي التي تجعل استخدام هذا الغربي للبندقية في القتل سهلاً وممكناً بل وضرورياً.

لا شك أن هذه المجندة أتت إلى العراق وهي مشبعة بالهيمنة الإيديولوجية. كيف لا وهي متخصصة في التعذيب. ولا شك بالطبع أن مؤسسة “التعذيب” الأميركية لها مقاييسها ومعاييرها المتماسكة بمعنى أن من يتخرج من هذه المؤسسات لا شك سيكون بلا قلب ولا أحاسيس. وإلا كيف له أن يخدم مصالح الإمبراطورية، وكيف لهذه الإمبراطورية أن تؤكد مصالحها العدوانية في العالم لو لم تكن اُقيمت على ركائز للقتل قوية؟

وإذا صح تقديرنا هذا، لا بد من أمر لا معقول هو الذي أماط عن وعي ونفسية هذه الجندية كل تلك الأدلجة التي أُخضعت لها، وإلا ما كان لها أن تنتحر! هنا يكون الحديث عن القتل والاغتصاب في الجنسين، مجرد مزاح!

ولكن، إذا كانت هذه المجندة ، رغم تربيتها على التعذيب قد صُدمت وانتحرت، فمن أية طينة أولئك العراقيين الذين يتعاملون مع هذا الاحتلال، بدءاً من رئيس الوزراء نزولاً حتى الجندي الصغير الذي يرى بعينية ما يحدث للأسرى من المناضلين، بل يفعل ما يفعلون واكثر[1]؟ ماذا عن الأنظمة العربية التي تبارك حكومة خلقها الاحتلال الأميركي/البريطاني، ماذا عن المثقفين الذين لعقوا مؤخرة بوش كي يحتل العراق؟ ماذا عن فنيين ومهنيين ومهندسين فلسطينيين، تصوروا فلسطينيين، وعرباً ذهبوا للعمل مع الأميركيين والإنجليز في العراق ورأوا كل هذا وأكثر ولم يقرروا حتى الاستقالة؟

هل الإجابة ابعد من القول ان الإنسان يظل إنساناً حتى لو صُنع في مختبر التعذيب الوحشي، وأن العبد ليس باللون ولا بالفقر بل بالموقف، لذا يظل عبد الموقف عبداً حتى لو كان المغتَصَبُ بلده وأهله ونسله.


[1] تروي سجينة عراقية عن زميلتها قائلة أنها اغتصبت 17 مرة في يوم واحد من طرف الشرطة العراقية وتحت أنظار الجنود الأمريكيين ثم أعادوها إلى الزنزانة مغمي عليها وبقيت فاقدة الوعي 48 ساعة ، ويقول أحد السجناء أن أبشع صورة ما زلت ماثلة في ذهنه هي تلك التي رأى فيها فتاة لم يتعد سنها ال 16 وهي تغتصب أمام والدها الذي كان مقيدا إلى القضبان في إحدى الردهات ويضيف هذا السجين قائلا : لا يمكن أن تتخيلوا صوتها وهي تصرخ .. ما زال صدى صرخاتها يدوي في راسي .. أي حيوان يمكنه أن يفعل ذلك ؟!

عمال بلا معامل!

30 أبريل 2009

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1878)

جبهات حرب في كل مكان، في البنوك والبورصات، في الشمال والجنوب، وفي كل البؤر النازفة تنفيسا عن النزوات المريضة للراسمال المصاب بانفلونزا الديناصور الدولاري، بؤر مسكونة بالانين بغداد وكابل واسلام اباد وغزة والقدس وطهران والقوقاس، في دارفور ومقاديشو في سيلان ولبنان، في وول ستريت وتورا بورا، وفي كل هوامش المدن الكبرى حيث تعيش الاغلبية التي لا تملك شيئا !

دعه يقتل، دعه يربح، دعه يسرح ويمرح،

دعه يروق

دعوه لا تعرقلوه، فلولاه لما كان للعالم سوق،

دعوه يحقق مبتغاه

دعوه يمتص الماء والنفط والدماء

دعوه يطلق غازاته وقت شاء

دعوه انه صمام الامن في الغذاء والدواء

وكلنا له فداء !

دعوه يعيد رسملة ذاته

باركوا كل عاداته السرية والعلنية

وهللوا لحرثه في الارض والبحر والاجواء

دعوه يقود العالم

مغامرا، مقامرا، مرابيا، غازيا، ماجنا، لا يهم اقبلوه كرسالة من السماء

قواد شامل كامل، عولمي، دونه لا تمييز بين لذة الخطيئة وامان التقوى

وحده الازلي، والباقي الى فناء

فداه كل الاسماء الحسنى، وفداه البشر والحجر والشجر

سيروا على خطاه ورددوا مايقوله

ان قال توقفوا عن العمل، نفذوا

وان قال بيعوا بيوتكم، افعلوا

وان قال اقترضوا وسددوا بكفالة اعضاء اجسادكم، فدفعوا ولا تتاخروا

وان قال اذهبوا الى الجحيم، اذهبوا

هو السيد الاوحد وكلكم عبيد

هذه ارادة القدر

دونها العالم بخطر

بضاعة سوقها لنا الله

بسوقنا الديمقراطي العتيد

احذروا واحذروا التقليد

احذروا شياطين الغواية التي تعرف ماذا تريد

احذروا فمن يخرج على العالم الحر

سيشرب من ماء البحر

وسيطارد كارهابي ليس له دين، ولا مفر

وسيعيش ابد الدهر بين الحفر ! !

عمال امريكا، والذين يحتفل العالم كل عام بيوم اضراب اجدادهم ـ واحد ايار اضراب عمال شيكاغو في نهاية القرن التاسع عشر ـ كعيد اممي للطبقة العاملة في كل البلدان، حيث قدموا الشهداء للدفاع عن حقوقهم، والذين حفزوا اممية ماركس وانجلز على جعل يوم وقفتهم يوما مشهودا في تاريخ حركة الطبقة العاملة في العالم اجمع، يتعرضون اليوم الى تسريحات مليونية تهدد حياتهم بالخراب، فهم انفسهم يلمسون لمس اليد الموت الذي تشيعه امبريالية الراسمال الامريكي المعولم والتي ما انفكت تحفر قبرا عالميا هائلا يدور حول الارض لتحرق فيه خاماتها ـ البشر والمعادن والنبات والجماد ـ من اجل حصولها على اكسير الفائدة الراسمالية لتدوير عجلتها المتجبرة، هم انفسهم سيجبرون على اختيار خيار اجدادهم، وسيدفعون بارباب المعبد الى القبر المحفور !

عمال العراق، عمال النفط والسكك والميناء والزيوت والكهرباء والسكاير والاسمنت والطابوق والزجاج وقصب السكر والادوية والنسيج والتعبئة والتعليب وعمال البناء والنجارة والنقل والورق والمطابع و و و لهم اجداد ايضا محفورة وقفاتهم في الذاكرة الجمعية، اضراب كورباغي في الاربعينات، واضرابات عمال السكك والميناء، اضرابات عمال الزيوت في الخمسينات والستينات !

مئات الالوف من عمال العراق مسرحون ايضا، بسبب الخراب الذي اشاعته امبريالية الراسمال الامريكي المعولم في العراق، معامل لا تعمل بسبب الخراب والتدمير، بل ان الدولة كلها لا تعمل، انها مخربة ومدمرة، مئات الالوف من عمال العراق الفنيين وحرفيوه يهيمون على وجوههم للحصول على لقمة العيش والامان، انهم ينزحون لطلب اللجوء في اوروبا ودول الجوار وهناك يتكدسون بحالات مزرية، ومن تبقى منهم يعاني الامرين، البطالة وظروف العمل القاسية والاجور المتدنية مشاكل مزمنة لا حل لها الا بحل جذري يعالج الوضع العام في البلاد المحتلة والمتحاصصة على اسس طائفية وعرقية !

يا عمال العراق وامريكا والعالم اجمع اتحدوا لقبر الراسمالية وتطاولاتها المدمرة !

حماس.. مراجعات سياسية وعسكرية

30 أبريل 2009

مؤمن بسيسو

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1878)

لم تكن حركة حماس -على مدار تاريخها الحافل- أشدّ حاجة وأكثر إلحاحا إلى إجراء مراجعات تقييمية لأدائها السياسي والعسكري كما هو الحال اليوم.

فالحركة التي خرجت لتوّها من جحيم حرب إسرائيلية استهدفت استئصالها وإجهاض سلطتها وضرب قدراتها، والتي تجاذبتها حوارات فصائلية ماراثونية برعاية مصرية إبان الأسابيع الأخيرة تقف اليوم على مفترق طرق بالغ الأهمية والحساسية تؤسس اتجاهاته لخيارات متناقضة وسيناريوهات متضاربة، وتواجه تحديات ثقيلة على مختلف الأصعدة والمستويات، ما يفرض عليها إبداء وقفة مسؤولة تراجع فيها -بجدية مطلقة وتفكير عميق- خياراتها وسياساتها وسلوكياتها السياسية والعسكرية.

مراجعات سياسية

إن أي مراجعة سياسية حقيقية تبتدرها حماس ينبغي أن تراعي جملة الحقائق الموضوعية التي يكرسها الواقع المعاش، وتفطن للحقائق الواضحة التي تحكم محددات السياسة الراهنة، محليا وإقليميا ودوليا.

أولى هذه الحقائق أن القضية الفلسطينية لم يرتكس حضورها يوما كما الارتكاسة الراهنة، وأن الحال الفلسطيني قد بلغ أسوأ مراحله انحدارا وانقساما وانفصالا، وأن العلاقات الوطنية لم تكن أكثر تدهورا مثلما هو الحال اليوم.

ثانية تلك الحقائق أن إعادة الإعمار تشكل أحد أهم التحديات المرحلية لحكومة حماس، وأن مفتاحها يكمن في تشكيل حكومة فلسطينية جديدة ذات قبول دولي.

ثالثة تلك الحقائق أن الحصار السياسي والاقتصادي والجغرافي المضروب لا زال على أشدّه، وليست هناك أي إرهاصات حقيقية لتفكيكه في المدى المنظور أو المتوسط إذا ما استمرت الأوضاع على ما هي عليه، وأن الزيارات واللقاءات والجولات التي يعرّج فيها مسؤولون ونواب أميركيون وأوروبيون إلى غزة أو دمشق لا تعدو كونها فعاليات ذات طابع استكشافي لسياسات ومواقف حماس، وطبيعة الأمور على أرض الواقع، أو محاولات استدراج متصاعدة لجهة صوغ مقاربات سياسية تقترب من مربعات الغرب وشروط “الرباعية”، ولا يمكن التعويل عليها بأي حال من الأحوال.

رابعة تلك الحقائق أن التيار المسيطر على حركة فتح ومنظمة التحرير ليس في وارد النزول عن شجرة السياسات والمواقف المعروفة التي تتشبث باتفاقات أوسلو وتوابعها والتزاماتها الأمنية إلى ما لا نهاية، وأنه يحاول -بكل وسيلة- جرّ حماس إلى مربعه السياسي، ما يؤشر إلى انسداد الأفق تماما أمام صياغة برنامج سياسي وحدوي فلسطيني مشترك متحرر من شروط “الرباعية” وقيودها المجحفة.

خامسة تلك الحقائق أن حركة فتح والقوى الإقليمية والدولية لا تبتغي من وراء حوار القاهرة سوى تشكيل حكومة فلسطينية جديدة وفق المقاسات الدولية، دون طرق أو علاج أي من القضايا الشائكة الأخرى.

سادسة تلك الحقائق أن وجود حماس في الحكم وسيطرتها على غزة قد منح إسرائيل الشرعية لشن حرب ضدها، وأن الظروف التي أنتجت الحرب الأخيرة مرشحة لإنتاج حرب أخرى حال بقاء حكم حماس مستقبلا في ظل انعدام فرص التوصل إلى تهدئة مع الاحتلال.

سابعة تلك الحقائق أن البناء الحركي والتطور المؤسسي الذي أنجزته حماس طيلة الأعوام الماضية، يبقى عرضة -بشكل أو بآخر- لخطر التبديد والاستهداف المباشر إسرائيليا مع أي حرب إسرائيلية جديدة.

ثامنة تلك الحقائق أن وجود حماس في الحكم وهيمنتها على الحكومة بعد الانتخابات التشريعية وما تلا ذلك من “حسم عسكري”، قد كلّف الحركة الكثير، سياسيا واقتصاديا وميدانيا وتنظيميا، وشغلها عن بعض المهام والأولويات التي يفترض أن تبقى في صدارة أجندة اهتمامات الحركة على الدوام، خاصة قضيتي المقاومة والشأن التنظيمي الداخلي، لصالح منح الأولوية والاهتمام لشؤون الحكم والسياسة.

إن كل هذه الحقائق تحتّم على حماس إعادة النظر في خياراتها وتكتيكاتها السياسية، وتحري الخيار الأصوب والأكثر مواءمة مع حقائق السياسة والواقع، وإبداء مرونة ذات مدى أوسع سياسيا، تطول التكتيكات والفرعيات لا الإستراتيجيات والكليات.

وقد يكون في قبول حكومة من المستقلين على أساس البرنامج السياسي لاتفاق مكة كأحد الخيارات المقبولة دوليا، الخيار الأصح لهذه المرحلة التي تعج بالمطبّات والألغام والتحديات، فهو -من جهة- يستجيب تماما للتحديات السياسية: الخارجية والداخلية، وتحدي إعادة الإعمار، فضلا عن كونه يحافظ على برنامج حماس السياسي، ويحجزه عن أي شكل من أشكال الخدش أو الانثلام من جهة أخرى.

إن أي مخاوف لدى حماس بشأن التعاطي مع “حكومة مستقلين” ذات مهام محددة قد لا تكون مبررة، انطلاقا من أن:

- حماس لا تستمد فاعلية دورها السياسي والوطني من قيادتها أو وجودها داخل الحكومة، بقدر ما تستمده من خدمة شعبها وتبنيها لهمومه وآلامه، ومدى التصاقها مع قضيته الوطنية ومشروعه المقاوم.

- قدرة الحركة على ترشيح وزراء مستقلين يخدمون برنامجها السياسي ورؤيتها الوطنية.

- أن الحكومة المطروحة لا يمكن أن تحظى بأكثر من دور سياسي واقتصادي، بعيدا عن أي دور أمني مركزي، في ظل تبعية الأجهزة الأمنية المعروفة لكل من فتح وحماس في الضفة والقطاع.

- أن الدور السياسي المناط بالحكومة لن يشذّ عن الخط التوافقي المرسوم، كونها تشكل مزيجا غير متجانس سياسيا، انطلاقا من تبعية أو ميل عناصرها -وإن كانوا مستقلين- لرؤى ومواقف القوى والفصائل التي تولت ترشيحهم.

- أن الخشية من استثمار أبو مازن لحالة التوافق السائدة لجهة التفرد بإبرام اتفاق نهائي مع الإسرائيليين، هي خشية ليس لها ما يبررها في ظل مواقف وسياسات الحكومة الإسرائيلية الراهنة.

ومن هنا فإن تشكيل “حكومة مستقلين” وفق المهام المتفق عليها، يضخّ دفقة أمل جديدة في أوصال القضية الفلسطينية، ويُعفي حماس من تبعات وتكاليف الحكم الباهظة، سياسيا وماليا واقتصاديا، ويحررها من مسؤولية الالتزام والمساءلة المباشرة أمام الجماهير في ظل الكارثة الاقتصادية المعاشة، ويقطع العديد من الذرائع التي تبرر تجدد العدوان الإسرائيلي بأشكاله الواسعة المنفلتة، ويمنح الحركة فرصة التفرغ لإعادة بناء وترميم وتدعيم بناها ومؤسساتها الحركية والتنظيمية والاجتماعية، ويهبها آفاقا أرحب نحو تفكير أدق وأصوب حيال المشروع المقاوم، وسبل صيانته وتنميته وإرساء قواعده ونشر أشرعته وفق رؤى تجديدية وتطويرية تتم بلورتها في ظل التحديات التي تعصف بالوضع الفلسطيني قاطبة.

مراجعات عسكرية

لا يمكن تبيان خطورة هذا المحور وآثاره البالغة في تقرير مسار المواجهة وطبيعة العلاقة مع الاحتلال، بمعزل عن فهم واستقراء واقع المعركة العسكرية التي دارت رحاها بين حماس وإسرائيل إبان الحرب الأخيرة على غزة.

فقد كشفت الحرب العديد من الثغرات وأشكال الخلل في إطار خطة وإستراتيجية المواجهة العسكرية التي رسمتها كتائب القسام الجناح المسلح لحماس رغم البلاء الحسن الذي أبدته في تصديها لجحافل القوات الإسرائيلية الغازية، المدججة بكل أنواع الأسلحة، والمعززة بآخر التقنيات والابتكارات التكنولوجية.

ابتداء، لا يمكن إنكار الجهد الهائل الذي بذلته حماس لتطوير قدراتها وأدواتها وبنيتها العسكرية والتسليحية، والقفزات النوعية التي تم بلوغها في إطار العمل المقاوم أثناء انتفاضة الأقصى وحتى اليوم، لكن إمكانات وقدرات حماس التي توفر لها فرصة المناوشة والاستنزاف والتصدي للاجتياحات المحدودة أو المتوسطة شيء، ومواجهة جيش جرار ذي ترسانة حربية هائلة يبغي السحق والإبادة والاستئصال شيء آخر تماما.

ولعل نظرة فاحصة لأداء حماس العسكري -على الصعيد الإيجابي- أثناء الحرب تقودنا إلى العرض التالي:

- أن حماس أفادت كثيرا من تأخر تنفيذ العملية البرية لجهة امتصاص الصدمة التي ولدتها المفاجأة الحاصلة بطبيعة وحجم وتوقيت الحرب، وإبداء أكبر قدر ممكن من التهيئة والاستعداد للنزال والمواجهة.

- أن الحركة حاولت بكل جهدها وطاقتها الإفادة من تجربة حزب الله في حرب تموز 2006 في لبنان، خاصة في مجال المواجهة البرية وحفر الخنادق والأنفاق وسبل إطلاق الصواريخ.

- أن الحركة قد مارست العديد من التكتيكات العسكرية التي فوجئ بها جيش الاحتلال، وأجبرته على بطء الزحف والتوغل وعدم الرعونة أو التهور.

- أن الحركة ابتعدت تماما عن الأساليب الاستعراضية والبهرجة الإعلامية الخاصة بمقاتليها وأدائها العسكري المقاوم.

- أن الحركة اعتمدت تكتيك استدراج القوات الغازية المتوغلة إلى حيث مناطق الكثافة السكانية، بدلا من السقوط في فخ استدراجها إلى المناطق المفتوحة التي يسهل فيها ضرب واصطياد عناصرها.

- أن الحركة استخدمت العديد من الأسلحة لصدّ العدوان والدفاع عن النفس، ومن بينها الأسلحة الخفيفة والعبوات الناسفة والقذائف المضادة للدروع ذات المدى المحدود وقذائف الهاون وصواريخ القسام وصواريخ غراد ومضادات الطيران محدودة المدى.

- أن الحركة لم تستخدم كل عناصرها العسكرية في إطار المعارك.

ومع ذلك، كشفت تفاصيل الحرب جانبا من النواقص وأشكال الخلل لدى الجناح العسكري لحماس يمكن إجمالها في التالي:

- أن مستوى الاستعدادات والتجهيزات العسكرية لم يكن كاملا عامة، وجاء قاصرا عن بلوغ تحدي معركة كبرى بهذا الحجم رغما عن التهديدات الإسرائيلية التي لم تكن تنفك توقفا ضد غزة وحركة حماس.

- أن الاعتماد على محاكاة أساليب حزب الله فحسب لم يمثل عامل مفاجأة للجيش الإسرائيلي كما كان مأمولا، فقد عمد جيش الاحتلال إلى كبح وإحباط الكثير من هذه التكتيكات والأساليب التي تحسّب لها جيدا، وكان لا بد من إضافة أساليب أخرى ذات نمط إبداعي جديد لم يواجهها جيش الاحتلال من قبل.

- عدم امتلاك وسائل قتالية رادعة للطيران، أو على الأقل المروحيات، كشف الظهر الفلسطيني عموما، وقلل -إلى حد كبير- من هامش الحركة والفعالية الميدانية، وحدود وإمكانات المناورة لدى مقاومي الحركة في الميدان.

- عدم امتلاك الحركة قذائف مضادة للدبابات ذات مدى متوسط أو بعيد (تزيد عن 1000 متر) حرمها القدرة على مواجهة أرتال الدبابات والآليات الإسرائيلية، ومنح أفضلية ميدانية للقوات الغازية.

- وجود العديد من الثغرات الميدانية والمناطق الساقطة عسكريا التي كانت كافية للنفاذ منها إلى العمق السكاني الفلسطيني، بما يؤهل لإحداث اختراق إستراتيجي في مسار ونتيجة الحرب لصالح الاحتلال، ولم يخفف من وقعها سوى استغلال جيش الاحتلال لبعضها جزئيا دون استثمارها كليا لأسباب غير ميدانية.

- استبعاد الحركة كليا لخيار المواجهة الواسعة والاجتياح الشامل قبل نشوب الحرب، ورسم حسابات غير دقيقة لخيارات المواجهة مع الاحتلال.

- عدم وجود خطة إستراتيجية عسكرية لتنفيذ حرب عصابات طويلة المدى حال الاجتياح الإسرائيلي الشامل، واقتحام الاحتلال لعمق المناطق السكنية.

- ضعف القدرة على اكتشاف العديد من شبكات العملاء قبل الحرب، ما كان له الدور الأخطر في تقديم سيول من المعلومات التي أفادت جيش الاحتلال في ضرب الكثير من الأهداف والمواقع الفلسطينية.

يُضاف إلى ذلك العديد من مظاهر الخلل المزمنة التي تعاني منها ساحة الفعل المقاوم، خاصة في قطاع غزة الذي تسيطر عليه حماس، والمتمثلة في:

- عشوائية الفعل المقاوم لدى العديد من فصائل المقاومة، خاصة في مجال إطلاق الصواريخ.

- تضارب المواقف والأجندات لدى فصائل المقاومة في بعض الأحيان.

- غياب التنسيق الجدي بين أجنحة المقاومة المختلفة.

- عزل العمل المقاوم عن مظلة الاستثمار السياسي في كثير من الأحيان.

- ضعف التقدير الصحيح لتوقيتات العمل المقاوم الذي يفترض أن يرتبط بحسابات دقيقة تظللها المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني.

- ظهور بعض “المجموعات المتطفلة” و”أدعياء المقاومة” في مفاصل ومنعطفات وطنية حساسة ابتغاء العبث والتخريب أو الاستهلاك والبهرجة الإعلامية.

ما سبق يُملي بوضوح على حماس أشكال العلاج المتوخاة، ويدفع باتجاه تدارك الخلل القائم، والنزوع الجاد والسريع نحو إصلاح الأخطاء الميدانية والبنيوية والعملياتية، والشروع في صوغ خطة إستراتيجية لاحتمالات اندلاع حرب جديدة، ورسم كل الخيارات والبدائل والاحتياجات، ووضعها موضع التنفيذ الفوري دون تأخير.

بموازاة ذلك، الحركة مطالبة بضبط وترتيب آليات العمل المقاوم على جبهة غزة، وإرساء توافق محسوب لدى فصائل المقاومة، يشتمل على وضع الحلول والأدواء المناسبة للسلبيات القائمة.

ولعل من نافلة القول أن الحركة قد استخلصت العبر والدروس من الحرب، أو جانبا معتبرا منها، إلا أن العقبة الكأداء التي تعترض سبل تنفيذ بعض الأجزاء الحساسة منها لا ترتبط بعناصر القدرة والدفع الذاتي للحركة بقدر ما تتعلق بالظروف الخارجية والمعوقات الموضوعية.

أخيرا.. على حماس أن تدرك أن حالة المراجعة والتقييم والاستدراك بقدر ما تُعبّر عن حكمة وحيوية وسعة أفق وفهم للمصلحة وإعمال لفقه الموازنات، بما يحفظ الوطن وفصائله المقاومة، والشعب وقضيته العادلة، وسط محيط التحديات العاصفة التي تنهشه من كل حدب وصوب، فإنها تعبر -أيضا- عن فهم دقيق لنواميس الكون، وانسجام واضح مع قوانين الوجود والحياة، التي لا تُحابي أو تستثني أحدا مهما كان.

حوار مع د. جورج جبور حول إعادة الاعتبار للقرار 3379- المساوي بين الصهيونية والعنصرية

29 أبريل 2009

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1877)
جورج جبور: مساواة أي نظام بالعنصرية تعني الحكم عليه بالزوال
لا مؤشرات على مشاركة أمريكا في مؤتمر ديربان 2
الحضور العربي في المؤتمر لا يقارن بالحضور المناهض للعرب فيه

عمان - أسعد العزوني: جريدة العرب اليوم

أكد رئيس اللجنة الدولية لاعادة الاعتبار للقرار 3397 المساوي بين العنصرية والصهيونية د. جورج جبور ان مساواة النظام بالعنصرية تعني الحكم عليه بالزوال. وقال في حوار في العاصمة الأردنية عمان انه لا توجد مؤشرات تفيد بتغيير الموقف الأمريكي من مؤتمر ديربان 2 لأمر يتعلق باسرائيل طبعا.

وأضاف ان الحضور العربي في المؤتمر لا يمكن مقارنته بالحضور المناهض للعرب فيه.

وفيما يلي نص الحوار:

* ما قراءتكم للظروف التي سيعقد فيها مؤتمر ديربان 2?

- لا ريب أن الظروف التي ستحيط بعقد هذا المؤتمر تجعله متميزا في بعض الأمور. فهو مؤتمر يعقد بعد انتخاب أول رئيس اسود لأمريكا، لذلك فان المواضيع الأساسية التي اثيرت في مؤتمر ديربان الأول لن يتم اثارتها في هذا المؤتمر، وخاصة الاعتذار عن الاستحقاق ودفع التعويضات عن الاسترقاق.وهذا ما سيميز ديربان الثاني عن ديربان الأول.
وهناك امر آخر يبعد ديربان الثاني عن الأول وهو يتعلق بمنظمات المجتمع المدني المناهضة للعنصرية والتي كان لها دور كبير بسبب دعم حكومة جنوب أفريقيا المميز لمثل هذه المنظمات.
وحاليا فان حكومة جنيف مقتصدة في هذا الدعم ولذلك فان عدد المنظمات غير الحكومية المناهضة للعنصرية والتي ستعقد اجتماعاتها أيام 17-18-19 من الشهر الجاري سيكون أقل بكثير من تلك التي شاركت في ديربان الأول بجنوب افريقيا.
وكذلك فان مؤتمر ديربان 2 سيعقد بالنسبة لنا كعرب في مكان شهد انتهاكا كبيرا للقانون الدولي حين أصدر صك الانتداب على فلسطين عام 1922 وكأن لدينا ثأرا مع المبنى بالذات الذي احتقر فيه الفلسطينيون وأصدر فيه صك الانتداب متضمنا وعد بلفور وهذا الوعد يشعر الفلسطينيين بحقهم في تقرير مصيرهم.
ولعل لهذا المؤتمر ميزة اخرى، وهي انه يعقد بالقرب من مدينة بازل السويسرية التي شهدت المؤتمر الصهيوني الأول عام.1897 لكن الخاصية الأكبر لهذا المؤتمر هي انه مؤتمر مراجعة لمقرارات اتخذت عام 2001 وليس مؤتمرا تأسيسيا كما كان مؤتمر ديربان الأول وسيركز على الأمور التي نفذت والأمور التي لم تنفذ في برنامج ديربان الأول.

* برأيك ما مدى الحضور والتأثير العربيين في هذا المؤتمر?

- لا أستطيع الحكم الآن على نشاط المنظمات غير الحكومية العربية، لكننا نتلقى بعض الاشارات التي تفيد بان هناك هيئات غير حكومية عربية ذات وضعية استشارية مع منظمة الأمم المتحدة تنشط تجاه دعم القضية الفلسطينية وحقوق الفلسطينيين ومنها المنظمة العالمية لمناهضة جميع انواع التمييز العنصري ورئيسها المحامي الليبي عبد الله شرف الدين، والذي أسسها المرحوم د. فايز الصايغ في ليبيا عام،1976 كما ان هناك اتحاد المحامين العرب الذي يمتاز باداء جيد، وكذلك صديقنا العزيز الياس خوري الذي تربطه صلة بشبيب المالكي في رابطة الحقوقيين العرب، مع الاشارة بأن عدد المنظمات غير الحكومية العربية المسجلة في جنيف بملفات الأمم المتحدة ليس كبيرا، ولا يمكن مقارنته بنظيراتها الأجنبية المناهضة للعرب.
أما ما يتعلق بدور الحكومات العربية فان الوزن الرسمي العربي في الأمم المتحدة هو نفسه في مؤتمر ديربان الحكومي.
وكما هو معروف فان مؤتمرات الأمم المتحدة تعقد على مرحلتين، مرحلة المنظمات غير الحكومية التي تسبق المؤتمر الحكومي الذي يبدأ أعماله في العشرين من هذا الشهر ولمدة خمسة أيام بينما تعقد المنظمات غير الحكومية مؤتمرها في السابع عشر منه ولمدة ثلاثة أيام.

* ما توقعاتكم عربيا من هذا المؤتمر ?

- ستكون هناك اشارات الى انتهاكات قامت بها اسرائيل ازاء الحقوق الفلسطينية لكن لن تكون هناك اشارة الى أي دولة بالاسم، وهذا ناجم عن الاصرار الأمريكي الذي يهدف الى حماية اسرائيل من الاشارة اليها بالاسم.

* لماذا رفضت أمريكا المشاركة في مؤتمر ديربان 2?

- احبت أمريكا أن يكون لها حضورها في هذا المؤتمر بعد أن كانت قد اعلنت عن نيتها مقاطعته في عهد الرئيس بوش، كما ان هيئات حقوق انسان في أمريكا قالت انه لا يجوز لرئيس أسود مقاطعة مؤتمر يناهض العنصرية وربما ان الرئيس اوباما شعر بنوع من الخجل فقرر أن يمد يده لهذا المؤتمر فأوفد من دبلوماسيي أمريكا من شارك في الأعمال التحضيرية، ويبدو أنه حين اكتشف أن الجو مشحون بمشروعات قرارات عن ضرورة ادانة بعض الممارسات الاسرائيلية، وكما قلت لن يذكر اسمها، رأى أنه من المناسب الاحتفاظ بتوازنه السياسي علما ان مثل هذا الأمر صعب جدا في أمريكا بمعنى وجود رئيس لا يؤيد اسرائيل. وعليه قرر تعليق اسهامه في المؤتمر. لكن البعض يامل في مراجعة هذا القرار بعد تخفيف القرارات.
وقد ابلغني احد الناشطين في حركة 12 كانون اول وهي حركة للسود في أمريكا، أنهم ما يزالون يأملون باقناع الرئيس أوباما بتغيير موقفه من المشاركة في المؤتمر. الا أن الواقع يفيد أن القرار الأمريكي نهائي في هذا الموضوع.

* ما مغزى مساواة الصهيونية بالعنصرية?

- حين تقول عن حركة ما بانها عنصرية فمعنى ذلك أنها مناهضة للمثل الانسانية العليا، وهكذا فانني أستطيع القول وبثقة تامة، أن الأمم المتحدة حين قررت عام 1966 أن مجزرة شارفيل وهي مجزرة في جنوب أفريقيا قتل فيها 69 أفريقيا ينبغي أن تخلد باعتبارها يوما لمناهضة العنصرية، لكأنها بذلك حكمت على ذلك النظام بالزوال، وبالطبع فان هذا الحكم الذي صدر عام 1966 نفذ عام،1994 حين زال النظام العنصري في جنوب أفريقيا.
ومن هذا المنطلق فان النظام السياسي الصهيوني ينبغي ان يوصم بانه عنصري ويجب ان يزال، وهذا ما يقوله الميثاق العربي لحقوق الانسان، وهو امر صادق عليه كل ملوك ورؤساء الدول العربية في قمة تونس، لكن اسرائيل لم تنتبه جديا لذلك النص، فلم تحتج على مصر والأردن وتونس، الا انه أثير مجددا حين دخل الميثاق العربي حيز التنفيذ، وعند ذلك احتجت اسرائيل على ترحيب الأمم المتحدة بدخول الميثاق العربي حيز التنفيذ، ما اضطر المفوضة السامية السابقة الى اصدار تحفظ على الترحيب الذي تقدمت به ازاء الميثاق.

* لماذا فشلت الأمم المتحدة في معالجة ملف حقوق الانسان على الأقل في العالم ?

- لأن السياسة تتدخل في موضوع حقوق الانسان وهناك من يتحكم بالأمم المتحدة ويحكم العالم بقواه، وهو مجلس الأمن، الذي لا يراعي حقوق المساواة في السيادة، وأعني بذلك حق النقض (الفيتو) لخمس دول هي التي تتحكم بالمجلس وهو بدوره يتحكم باستعمال القوة.
اذا فان الظلم في الأمم المتحدة موجود بدءا بالميثاق، وهذا سبب فشل الأمم المتحدة في هذه المهمة بالذات.

* ما الذي لم يتحقق من توصيات ديربان الأول ولماذا ?

- توصيات ديربان الأول طموحة جدا، وكان من الطبيعي عدم تحقيق الكثير منها لكن مؤتمر المراجعة سيركز على ما تحقق وعلى ما لم يتحقق ولماذا?
فمثلا هناك موضوع الهجرة من الجنوب الى الشمال وقد فجعنا بغرق 300 افريقيا ومعظمهم من العرب، وذلك ابان ابتهاجنا بنجاح قمة الدوحة لذلك اقول أن ثمة اشكالات كبيرة تحيط بموضوع المهاجرين، وهذا الموضوع حيوي بالنسبة لأولئك الفقراء المغامرين الذين لا يجدون عملا في بلدانهم، كما انه موضوع حيوي بالنسبة للدول الغنية التي ترى ان اقتصادها يعاني من هؤلاء الذين يأتون فيستفيدون من المكاسب الصحية والخدمات الاجتماعية التي يقدمها لهم نظام اجتماعي أرقى.

رسالة جبور الى بان غي مون

بعث رئيس اللجنة الدولية لاعادة الاعتبار إلى القرار 3379 المساوي بين الصهيونية والعنصرية د.جورج جبور تتعلق بتداعيات هذا القرار وضرورة تنفيذه على أبواب مؤتمر ديربان 2 الذي سيعقد في جنيف في العشرين من هذا الشهر.

وفيما يلي نص الرسالة:

حضرة الأمين العام للأمم المتحة المحترم
الموضوع: اعادة الاعتبار للقرار 3379
كان قد صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1975 القرار 3379 الذي اعتبر الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية وبما أن القرار المذكور قد استند في حيثياته الى القرارات الدولية الآتية:
– القرار 1904 في عام 1963 الذي يحرم التمييز العنصري.
– القرار 1351 في عام 1973 الذي يدين التحالف بين الصهيونية والنظام العنصري في جنوب أفريقيا.
– اعلان مكسيكو لعام 1975 الذي أدان الصهيونية كشكل من أشكال العنصرية.
– القرار 77 لعام 1975 الذي اعتبر النظام العنصري في فلسطين المحتلة والأنظمة العنصرية في أفريقيا من منبت واحد.
– اعلان ليما لعام 1975 الذي أدان الصهيونية بشدة، واعتبرها تهديدا للسلم والأمن الدوليين.
وبما انه تم الغاء القرار المذكور بعد ستة عشر عاما أي في عام،1991 بقرار من سطر واحد من دون تعليل….
نضيف الى ما سبق القوانين العنصرية التى سنتها السلطات الصهيونية ( الاسرائيلية) منذ نشوئها وحتى اليوم، بدءا بقانون العودة لعام 1950 الذي لا يستفيد منه الا اليهود مهما كانت جنسيتهم، مرورا بقانون الجنسية لعام 1952 الذي يمنح الجنسية الاسرائيلية اما تلقائيا عن طريق الهجرة الى فلسطين، أو بالاقامة في فلسطين. وهذا القانون يستبعد العرب.ولا يستفيد منه الا اليهود وكذلك القانون المتعلق (باملاك الأشخاص الغائبين) لعام،1950 حيث يتم الاستيلاء على أراضي وأملاك الفلسطينيين الغائبين، و(القانون الاداري) الذي يسمح لوزير الدفاع بالحد من حركة الأقلية العربية.
وبما أن الممارسات الصهيونية العنصرية ما تزال مستمرة، وتتمثل حاليا ببناء جدار الفصل العنصري الذي ادانته محكمة العدل الدولية، واعلان يهودية الدولة، والتصريح بتهجير الفلسطينيين المقيمين في ارضهم، ضمن حدود الكيان الاسرائيلي الذي أنشىء عام،1948 وما قامت به اسرائيل من تصفيات خلال حرب غزة الأخيرة، وكان هدف تصفية الشعب الفلسطيني واضحا.
بناء على كل ما تقدم، وعلى تتالي الادانات العالمية للمارسات العنصرية للكيان الصهيوني، وبصفتكم الأمين العام للأمم المتحدة المؤتمنة على السلم والأمن الدوليين، وعلى حماية حقوق الانسان والشعوب ن وبمناسبة انعقاد مؤتمر ديربان الثاني بين 20-24 نيسان،2009 فاننا نتقدم اليكم طالبين العمل على تطبيق الميثاق المعاهدات الدولية ومعاهدات حقوق الانسان كافة والقانون الانساني الذي يرفض تماما اشكال العنصرية والتمييز العنصري كافة، وبالتالي اعادة الاعتبار للقرار 3379 واعادة الاعتبار لقرارات الأمم المتحدة لردع أي شكل من أشكال العنصرية.
ودمتم ذخرا ونصرا للانسان أينما كان..
دمشق 2/4/2009
اللجنة الدولية لاعادة الاعتبار للقرار 3379 المساوي بين الصهيونية والعنصرية عنها

الدكتور جورج جبور، الرئيس.

باعتماد عملات إقليمية أوعملة واحدة، هل يتغير وضع الفقراء؟

29 أبريل 2009

د. ثابت عكاوي
(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1877)

في حين يعتقد بعض المراقبين أن اقتراحات روسيا والصين وغيرهما من البلدان باعتماد عملة عالمية جديدة، أو سلة عملات، مثابة تحدٍ لهيمنة الولايات المتحدة نقودياً على العالم، يرى البعض ان هذه الاقتراحات هي استجابة لمصلحة الأغنياء بمن فيهم الولايات المتحدة نفسها.

وأياً كان الرأي الأدق، فإن تغيرات جديدة لا بد أن تتخذ طريقها إلى النظام الاقتصادي العالمي. وطالما أن الأزمة ليست ناجمة ولا متعلقة بالتجارة، على سبيل المثال، إلا في حدود قلق الدول المنتجة من قيام الدول المستوردة بتبني سياسات حمائية معينة لأسواقها، فإن التغيرات سوف تطال الأنشطة الخلافية والمقلقة في الاقتصاد العالمي ولا سيما العملات. ولكن بالطبع، فإن معالجة مسألة العملات ليس المقصود وقوف الأمر عندها، بل استخدامها لحل إشكالات المتاجرة والديون ومختلف العمليات الاقتصادية الأخرى.

تشير مختلف التقديرات، حتى الآن على الأقل، إلى أن النظام الاقتصادي العالمي، وتحديداً جانبه المالي لم يدخل مأزقاً يقتضي تغييرات حادة وجذرية في مبناه وقواعده، وربما كان هذا السبب في أن مؤتمر العشرين في الثاني من إبريل/نيسان 2009، انتهى إلى تعزيز دور صندق النقد الدولي ليقترب من لعب دور البنك المركزي للعالم، بمعنى أنه تم التوصل إلى مرحلة وسطى، فلا هي الشكل الحالي تماماً ولا هي تجاوز هذا الشكل.

كان التغيير المحدود، أو الاتجاه نحو التغيير في زيادة دور الصندوق عبر زيادة حقوق السحب الخاصة التي هي عملة ورقية يصدرها الصندوق نفسه. اي ان العشرين قرروا تنشيط دور الصندوق ليخلق نقوداً تتخذ شكل عملة ورقية قابلة للتداول. وتعني حقوق السحب الخاصة أن عملة عالمية هي على الطريق بحيث تضع فيها البنوك المركزية للدول موجوداتها من القطع الأجنبي الذي سوف يُعتمد كسلة عملات عالمية، وليس الدولار وحده كما هو حتى اليوم. وسيكون لهذه الحقوق ارتباط كبير هذه المرة بالصين لأنها ما تزال تحتفظ بأغلبية الفائض الدولاري. وهذا الفائض هو في الحقيقة أحد أهم دوافع الصين لمعارضة قيام الولايات المتحدة بطباعة نقود جديدة وضخها في جسم الاقتصاد الأميركي ضمن سياسات الإنقاذ الاقتصادي وهو ما قد يؤدي إلى تدهور قيمة ديونها من خلال أو نتيجة التضخم الذي يلتهم قيمة الدولار نفسه.

إلى جانب الحديث عن عملة عالمية، جرى إنشاء مجلس الاستقرار المالي وهو مثابة الخطوة الأولى باتجاه ترتيب او تنظيم مالي عالمي. أو بنك مركزي عالمي. وهو ما طالب به بوضوح جوردون براون رئيس الوزراء البريطاني في مؤتمر العشرين المذكور مكرراً ضرورة “بريتون وودز” جديدة، بنك مركزي عالمي، على أن يكون محكوما بالشفافية، والتكامل والمسؤولية، إدارة داخلية جيدة وتعاون…الخ

والحقيقة ان مختلف هذه الصفات التي طالب بها براون مقصود بها المؤسات المالية الأميركية بشكل خاص، وربما اتضح هذا من قوله:

“نريد إقراضا غير مخفي، فالمخفي كان اساس المشكلة، لذا نريد إشرافاً على المؤسسات المالية عابراً للحدود، يتشارك في معايير عالمية للتدقيق والتنظيم

اعتماد بوليس اقتصادي عالمي يحتاج لشكل على غرار الأمم المتحدة، فيه ممثلين للدول الرئيسية”.

وفي نفس سياق حديث براوان كان اقتراح حاكم بنك بريطانيا السابق: “بإيجاد بنك تسويات عالمي، على أن لا يعاني مثل صندوق النقد الدولي من افتقاره إلى أنياب، اي آليات عقوبة، فصندوق النقد الدولي يتحدث عن المشاكل بدبلوماسية، وهو ما جعل من الصعب ضبط التجاوزات في البلد الواحد فكيف على الصعيد العالمي”.

لكن هذا الحديث ليس دقيقاً إذا ما قرأنا موقف وتجربة صندوق النقد الدولي في بلدان العالم الثالث. صحيح أن الصندوق لم يكن له جهاز شرطة، ولكنه كان قادر على إرغام البلدان المقترضة منه على تطبيق وصفاته التي لم تخلو من جرعات علاجية مؤلمة للأكثرية الساحقة من مواطني تلك البلدان.

طرأت في حقبة العولمة تطورات حادة في دوران العملة دولياً، لدرجة أن اسواق المال لم تعد خاضعة لسيطرة الكثير من الدول القومية أو سيادتها، وهو الأمر الذي أخذ يغري كثيرا من الدول لبلورة عملة إقليمية فيما بينها لتلعب دورأ اساسياً في أنشطتها الاقتصادية وتقلل بالتالي من اعتماد الدولار والارتباط بتقلباته. هذا ما كان وراء اعتماد اليورو في الاتحاد الأوروبي الذي اعتمد منذ عام 1991.

على ضوء تجربة الاتحاد الأوروبي، يجادل اقتصاديون بعدم جدوى ولا نجاعة عودة الدولة القومية إلى التحكم بسعر الفائدة وسعر الصرف بعيدا عن بقية العالم. كما يدعون إلى ان تغادر الحكومات مراقبة النقود المستخدمة في بلادهم محذرين طبعاً من سياسة الحمائية.

وفي الحقيقة أن هذه الدعوة هي اساساً صادرة عن الدول الغنية التي لها مصلحة في التصدير، فليست مشكلة البلدان المستوردة في النقود المستخدمة بمقدار ما هي في نزيف النقود من أسواقها، إلى الخارج، ثمناً لمنتجات تصر البلدان التي تنتجها على استمرار تدفقها إلى اسواق الغير.

يرى الاقتصاديون اللبراليون أن التطور الاقتصادي غير ممكن بدون العولمة، وأن على الدول هجران عملاتها القومية لكي تلحق بركب التطور، عليها استبدال عملاتها بالدولار أو اليورو أو في حالة آسيا ان تتعاون لإيجاد عملة جديدة متعددة القوميات لهذه المنطقة المتعددة اقتصادياً. فالحل بالنسبة له هو في عملات إقليمية.

لكن السؤال الأساس ليس في اعتماد عملة عالمية أو إقايمية، وإنما السؤال هو من شقين:

الشق الأول: ما الذي تنتجه كل دولة على حدة، بمعنى أن الإنتاج والطلب الدولي عليه هو الذي يحدد إن كانت العملة القومية ذات مركز وقوة أم لا.

والشق الثاني: حتى بوجود عملة إقليمية، يبقى السؤال من الذي سوف يتحكم بها لا سيما في المناطق التي يتفاوت فيها مستوى التطور الاقتصادي، كالبلدان الآسيوية.

صحيح أن عملة موحدة تسهل التداول والمتاجرة، ولكن يظل الفيصل هو في قطاعات الإنتاج ومستوى تطورها في كل بلد على حدة.

تكتلات أم عملات إقليمية

أين تكمن قوة الاتحاد الأوروبي؟ في وجود العملة أم في القوة الاقتصادية؟ وفي درجة التطور المتقاربة بين دوله الأعضاء، وفرص لحاق البلدان الأقل تطوراً فيه بالأكثر تطورا؟ ثم لصالح من يعمل هذا الاتحاد؟ هل يعمل لصالح الأمم الأوروبية كلها؟ فما هو معروف أن مختلف الاستفتاءات التي أجراها الاتحاد كانت بالكاد تحصل على درجة النجاح، بمعنى أن هناك معارضة شعبية للاتحاد لأنه اتحاد الطبقات الغنية في الأساس. وإنما تجدر الإشارة إلى أنه رغم المصالح المشتركة سياسياً واقتصاديا بين أوروبا،امريكا الشمالية، إلا أن تكوين الاتحاد الأوروبي واعتماد اليورو يشكل فاتحة بحث التجمعات الإقليمية الأخرى عن تكتلات لها.

تجدر الإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي هو تجمع متخارج، كاتفاقية نافتا لشمالي أميركا، اي ان هذه التكتلات موجهة لتوسيع حصتها من اسواق العالم، في حين أن التكتلات الإقليمية الأخرى في العالم هي بأهداف تنموية وحمائية، ومن هنا يكمن فارق قراءة تكوين هذه التجمعات مقارنة مع تكوين السوق لأميركا اللاتينية، أل ميركسور. وكذلك مشروع الوحدة البوليفارية “يوناسور” في 23 أيار 2008 الذي برلمانه في بوليفيا وبنكه في فنزويللا والمكون من 12 دولة أرجنتين، بوليفيا برازيل تشيلي كولومبا إكوادور جويانا برغواي بيرو سورينام اورجواي وفنزويلا. وهي تهدف إلى الوصول إلى عملة موحدة.

كما تتطلع دول الآسيان (+ 3، اي الصين واليابان وكوريا) لتقليد النموذج الأوروبي وتتجه نحو تطوير الاتفاقات الثنائية بين أعضائها إلى اتفاقات جماعية لكن هذه الدول لم ترفع تقاربها إلى محاولة إنشاء صندوق نقدي لها بعد. إنما المهم ان المتاجرة بين هذه البلدان آخذة في التصاعد حتى بدون اتفاق لتحرير التجارة بينها وهناك اتفاقات على ترتيبات مالية وتعاون مالي من خلال اتفاقات ثتائية لمقايضة العملة الصعبة وإنشاء رقابة اقتصادية مناطقية، واتفاق على سوق سندات اقليمي، وهذه في حد ذاتها إنجازات هامة.

وهناك عدة مبادرات أخرى منها المجموعة الاقتصادية لغرب افريقيا 15 دولة، والتي يوجد بين بعضها اتحاد نقدي وهي بينين، بوركينا فاسو، ساحل العاج، غينيا، غينا بيساو، غامبيا مالي، نيجر، سنسغال، سيراليون، توجو الراس الأخضر، ليبريا غانا ونيجيريا. وهناك الاتحاد الإفريقي الذي أُعلن عام 2002 والمكون من 53 دولة، وأهميته أنه يُفترض أن يكون ما فوق الحكومات. أما اتفاقية أبوجا فكانت قد حددت ست مراحل للوصول إلى منطقة نقدية افريقية موحدة مع 2008؟. والهدف النهائي منها إقامة بنك مركزي افريقي، وعملة إفريقية موحدة، واتحاد نقدي واقتصادي افريقي.

وتحاول دول أميركا الشمالية تطوير الاتفاقية التدجارية بينها لتصل إلى اتحاد مالي امريكي شمالي (أميرو)، وقد بدأ الحديث عنه مع أوائل 2008. الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، حيث تُدرس إقامة بنك مركزي، على ان يكون له دستور مسؤول فقط عن صيانة استقرار الأسعار، وليس عن التشغيل الكامل. وهذا واضح أنه موجه لصالح الولايات المتحدة وكندا مخافة تدفق العمال من المكسيك إليها. وهذا يبين تقسيم العمل الواضح بين هذه الدول على اساس: الدمج بين الموارد الطبيعية لكندا، والتقدم اتقني الأميركي واليد العاملة الرخيصة في المكسيك لتتم القدرة على المنافسة. ولكن، إذا كان هذا التمييز ضد المكسيك من حلفائها، فكيف سيتصرف هؤلاء، حتى مع وجود عملة عالمية وبنك مركزي عالمي، تجاه بلدان المحيط الأخرىّ

على أن هذه الدول لا تخفي تضايقها من محاولات أميركا اللاتينية التي تحاول الفكاك من التبعية للولايات المتحدة. فحينما سُئل الرئيس المكسيكي فنسنتي فوكس عام 2007 عن إمكانية عملة مشتركة للأميركيتين قال: ” ظلت كل الأمور تسير بسهولة، إلى ان ظهر شافيز، الذي فضَّل عزل نفسه وقرر تدمير الفكرة”.

وبالنتيجة، فإن ملخص ما يتحدث به الاقتصاديون والساسة أن العالم يسير باتجاه كتل اسواق ومناطق عملات إقليمية يكون الدولار لشمال أميركا، واليورو لأوروبا بأسرها شرقا وغرباً، كما يمكن أن يكون الين غالباً للاسيان، ويمكن تكوين اتحاد نقدي لأمريكا اللاتينية، وإمكانية منطقة عملة حول راند جنوب افريقيا واحتمال اندماج استراليا ونيوزيلنده في عملة لأوقيانيسيا. وكل هذه مثابة خطى وسيطة لتلبية طموح قادة العشرين لإقامة بنك مركزي عالمي وعملة عالمية.

ولكن، في حالة حصول هذين الهدفين، هل سيتغير الكثير على بلدان العالم الثالث؟ هل تعدو هذه الخطى أمراً سوى تحكم الأغنياء بالعالم، ولكن هذه المرة بشكل “شرعي”؟ هذا ما نستنتجه من بين سطور أحاديث قادة العشرين وخاصة الرئيسيين الذين، وإن قالوا بإعطاء الدول الفقيرة راياً في الصندوق، فالسؤال هو ما هي حدود او حجم هذا الرأي. فالحديث يدور حتى الآن على ان يُدار الصندوق أو ما قد يحل محله من الأغنياء الكبار وان يتم تداول بقية المقاعد بين بلدان مثل الصين الهند البرازيل مكسيكو جنوب افريقيا بولندا وكوريا الجنوبية. ولكن من قال أن هذه البلدان الجديدة تمثل بقية بلدان العالم؟ وهذا يعني توسيع عدد الكبار والإبقاء على حصصها المهيمنة. وأية حصص أو قرارات؟ هي ليست في الهواء، هي حصص وقرارات بايدي الأغنياء دولاً وأفراداً، اي النخب نفسها، ولكن هذه المرة على صعيد أكثر “تعاونا”، للسيطرة على العالم بأسره دون حواجز. وكأن الدعوة إلى عدم الحمائية، هي كذلك دعوة إلى عدم السيادة أو اعتماد سياسات اقتصادية تنموية تأخذ بالاعتبار الأول حماية المواطن والسوق الوطني، وكذلك العملة بمعنى أن العملة العالمية والبنك المركزي العالمي هو متطلب الإغنياء، ولن يكون للفقراء لا فرصة القرار ولا حتى معرفة الكواليس.

هل هذه الحلول هي لترتيب اوضاع من خلقوا الأزمة؟ ربما هذا ما تضمنه حديث رئيس الوزراء البريطاني الذي اشار إلى ضرورة وقف القروض المخفية في الولايات المتحدة، ولكنه لم يقصد أن يعرف بها كل العالم بالطبع.

انفلونزا الخنازير: القيامة الوهمية ومصالح الاحتكارات

28 أبريل 2009

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1876)

“وبعد حين ستنطفأ نار انفلونزا الخنازير كما انطفأت نار جنون البقر، والحمى القلاعية، والجمرة الخبيثة، ونار السارز وانفلونزا الطيور، ومن جديد ستبحث الاحتكارات عن مادة جديدة لإضرام نار الخوف القيامي ثانية وثالثة ورابعة، لأنه في عصر أزمة النظام العالمي المفتوحة على اللانهاية…..تبقى تجارة وحيدة رابحة هي تجارة الخوف.”

* * *

في البداية كان هناك جنون البقر، ثم الحمى القلاعية، ثم الجمرة الخبيثة، ثم السارز، ثم انفلونزا الطيور، والآن انفلونزا الخنازير، فكلما تأزمت أوضاع العالم السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وتركزت أنظار الناس على بؤرة المشاكل الحقيقية يتم تفجير قنبلة دخانية بعيداً عن بؤرة الأحداث لتشتيت الانتباه.

دخلت البشرية قبل أشهر الطور الأخير من أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية طالت كافة بنى النظام العالمي القائم الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها الغربيات. لكن أثناء الأزمة الأخيرة برزت ظاهرة جديدة لأول مرة منذ انطلاقة النظام العالمي القائم قبل خمسة قرون ونيف، وتحديداً منذ سقوط غرناطة عام 1492 وسيطرة الغربيين على مقاليد هذا النظام وتعميم طريقة حياتهم وقوانينهم كطريقة حياة وقوانين عالمية. فلأول مرة منذ نهوض هذا النظام قبل خمسة قرون بدأ ينشأ وعي عند أغلبية البشر مفاده أن هذا النظام لم يعد صالحاً لإدارة الحياة البشرية ولا بد من تغييره، وهذا الوعي، الذي كان فيما مضى تمتلكه نخبة صغيرة محاصرة لا يسمع لها صوت، والقاضي بضرورة التغيير الشامل بعيداً عن عمليات التجميل والترقيع بدأ ينتشر لدى شرائح واسعة من الناس في شمال العالم وجنوبه بعد أن شاهدوا بأم أعينهم موارد التهلكة التي أوردهم إياها النظام القائم، فقد أباد الضرع، وأهلك الحرث، وحوّل كوكب الأرض قاعاً صفصفاً بل مقبرة واسعة، كما أن كوارثه لم تعد مقتصرة على جنوب العالم بل امتدت لتطال سكان الشمال المترف الذين وحتى قبل انفجار الأزمة الأخيرة كانوا بمنأى عن الأزمات. لكن المسيطرين ليسوا على استعداد للتخلي عن سيطرتهم، ولا المستضعفين امتلكوا بعد الوعي والقوة الكافيين لإزاحة الطغمة المسيطرة على العالم. وبما أن هذه الطغمة لا تمتلك حلاً للمشاكل الراهنة، فرغم إصرارها على تشبيه الأزمة الراهنة بأزمة عام 1929 للإيحاء بأنها عابرة وسرعان ما تزول، فهي أول من يدرك عدم صحة هذه التشبيه، كما أنها تعلم علم اليقين أن هذه الأزمة ليست أزمة نمو ولا أزمة دورية، بل هي أزمة اندثار نظام كامل بكل عاداته وتقاليده وأفكاره و طرق استهلاكه وإنتاجه. وبما أنها لا تمتلك الحل فهي تشتري الوقت مجرد شراء وأهم أسلحتها في هذا المجال هو تخريب الوعي وتشتيت الانتباه.

منذ أن أنجز بافلوف تجاربه على المنعكس الشرطي لدى الكلاب وخرج باستنتاجاته المعروفة التي تقول إن المنبه القوي جداً يشتت الانتباه ويحول الكائن الحي إلى عجينة لينة سهلة التشكيل، وأقوى منبه هو التهديد بالفناء والخوف من فقدان الحياة، منذ ذلك الوقت تحولت عمليات غسيل الأدمغة للشعوب وتبديد وعيها إلى عمليات روتينية تقوم بها دوائر إعلامية واستخباراتية واقتصادية، فتحول سلاح الخوف إلى سلاح دمار شامل للوعي، ففي السبعينات لعبت هوليوود دور مركز القيادة فأنتجت أفلاماً كثيرة عن حروب الفضاء، وعن فناء الكون بأسلحة غريبة، وعن نمل ونحل وطيور قاتلة تدمر الحياة البشرية، وكان من السهل دمجها في المخيلة بالعدو السوفيتي الذي كانت وسائل الإعلام الغربية لا تتوقف عن التحذير من خطره واستهدافه لنمط الحياة الغربي في حين أن الإتحاد السوفيتي وطوال حياته كان مستهدفاً من قبل الغرب ولم يخرج عن وضعيته الدفاعية أبداً. وبعد نهاية الحرب الباردة انزاح مركز إنتاج الرعب إلى مختبرات الصحة وحل الأطباء والعلماء مكان مخرجي وممثلي هوليوود في نشر الرعب، وبدل العدو الواضح المعالم سواء كان نملاً أم نحلاً أم طيراً أم سلاحاً نووياً أم مخلوقاً فضائياً (واضح المعالم مثل الاتحاد السوفيتي) حلت كائنات هلامية من جراثيم وفيروسات لا لون لها ولا طعم لها تحقق معادلة أنها موجودة في كل مكان وغير موجودة في الوقت عينه، وأنه لا خطر منها لكنها في لحظة قد تبيد الحياة البشرية، وأن كل فرد مستهدف في بيته وفي عمله وفي مكان نومه، كما أن هذا القاتل الجرثومي أو الفيروسي لا يمكن تحديد ماهيته بدقة، وكل الصفات السابقة تنطبق على مواصفات العدو الأسطوري الذي يشن الغرب الحرب عليه ونعني الإرهاب.

في هذا السياق يمكن فهم تفجير ما يسمى بأزمة انفلونزا الخنازير التي هي تكرار حرفي لأزمة مفتعلة سابقة قبل سنوات هي أزمة انفلونزا الطيور، التي انفجرت مع بلوغ الاحتلال الأمريكي للعراق مأزقه القاتل وانشداد أنظار الناس إلى ما يجري في العراق فتم تفجير تلك القنبلة الدخانية المسماة انفلونزا الطيور التي صارت معروفة المسار، وستتبع أزمة ما يسمى بانفلونزا الخنازير مساراً مماثلاً، فسرعان ما تلقفت منظمة الصحة العالمية الخبر وبثت تحذيراً عاجلاً، وظهر على الشاشات أشخاص تبدو عليهم الجدية ويسمون أنفسهم علماء ليعلنوا نبوءات قيامية، فإن غيّر فيروس انفلونزا الطيور، أو الخنازير من إحدى جيناته، أو اندمج مع نوع آخر فقد يبيد ملايين البشر، وبدأ الضخ الإعلامي، فتصدر خبر الوباء الخطير نشرات الأخبار، وأُعدت فقرات مصورة من كل أنحاء العالم تظهر إعدام الطيور بيد رجال يرتدون ملابس غريبة أشبه برجال الفضاء أو سكان الكواكب الأخرى كما صورتهم هوليوود في السبعينيات، كما اتُخذت إجراءات دقيقة على الحدود وفي المطارات، وكأنهم يبحثون عن إرهابيين، فكل من شُك بإصابته ألقي القبض عليه وأودع الحجر الصحي، ثانية كما هي قوانين مكافحة الإرهاب حيث يلقى القبض على الشبهة، ويمكن لأي منكم أن يقارن في ذهنه الإجراءات المطبقة لمكافحة انفلونزا الخنازير أو الطيور مع تلك المتبعة لمكافحة الإرهاب وستجدون تطابقاً مذهلا، فالبحث عن الفيروس مثل البحث عن الإرهابي يشبه البحث عن إبرة في كومة قش، وإلقاء القبض على الشبهة، أو لأن الشخص قدم من مكان محدد، واعتبار كل شخص مدان حتى تثبت براءته، والتركيز على المنافذ الحدودية، وكأن الفيروس أو الجرثوم إرهابياً يحمل جواز سفر و يتسلل عبر نقاط الحدود الرسمية فقط !

وفي العالم الثالث يبرز دور كل من الأكاديمي والمثقف التابعين المغروسين في جامعات وصحف وتلفزيونات العالم الثالث، وهم فئة لا عمل لها سوى تلقف ما ينتجه المركز الغربي من أخبار وتكرراه ببغائية عجيبة، وإن اجتهدت فنحو مزيد من المبالغة. حتى أن التلفزيون السوري وأثناء أزمة انفلونزا الطيور نصح ربات البيوت بارتداء كمامة أثناء طبخ الفروج مع عرض صور توضيحية، وكأن ربة المنزل تقوم بتفاعل كيميائي خطير. وفي المحصلة النهائية، وهي النتيجة المرغوبة من قبل القائمين على الحملة، انتشر رعب غامض لا يُدرك كنهه بمواصفات ما ورائية، رعب عصي على الإدراك، عصي على التوقي وكأنه القضاء والقدر، فلو أنك تخاف من حيوان مفترس وتعرف أنه موجود في مكان محدد فإنك تحجم عن الذهاب إلى ذلك المكان وترتاح، لكن ماذا بإمكانك أن تفعل تجاه موت قد يأتيك على جناح طائر أو مع نسمة هواء أو من شخص حولك..الخ. موت لا سبيل لتوقيه لذلك يصير الفرد في حالة أشبه بالهستيريا فيفقد القدرة على التفكير المنطقي، والمحاكمة السليمة، ويرتد إلى ذاته منطوياً عليها، أو ينزوي في ركن منتظراً قدراً لا مفر منه. تماماً كما هو الخوف من الإرهاب.

لكنك إذا استطعت المحافظة على عقلك وسط هذه الهستريا الجماعية التي تلعب فيها الحكومات دور ضابط الإيقاع. أو على الأقل بقيت ممن يعتقدون أن 1+ 1 = 2 كما كان يردد بطل رواية جورج أوريل 1984، الذي لو شاهد المجتمع الأوريلي المعاصر مرفوعاً إلى أس مليون لأكد أنه لم يتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد.

إن كنت ممن حافظوا على هذه البديهة البسيطة وراجعت سجل ما يسمى بوباء انفلونزا الطيور لوجدت أن دول العالم أنفقت مليارات الدولارات على إجراءات الأمن، وعلى شراء لقاح تاميفلو الذي تبين أن وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد عضو في مجلس إدارة المختبر الذي طوره في كاليفورنيا وهو من كبار المساهمين! كما أن صناعة تربية الدواجن في شرق آسيا قد انهارت تماماً مع العلم أنه لم تظهر إصابة واحدة في الولايات المتحدة الأمريكية وبقيت قطعانها سليمة.

أما فيما يخص الوفيات بهذا المرض فهي لم تتعد بضع عشرات، وكلهم ذوي أمراض مُدنفة فإما مصابون بالسرطانات، أو بالإيدز، أو بأمراض قلبية وعائية، ولمجرد المقارنة فإن الانفلونزا العادية تقتل مليون إنسان كل عام.

إن آلة نشر الرعب وغسيل الدماغ باتت بحاجة إلى مادة جديدة بعد أن استنزف ما يسمى بوباء انفلونزا الطيور أهدافه، فلم تعد تجدي نفعاً محاولات النفخ الإعلامي برماد ناره التي انطفأت عبر تسريب خبر وفاة في مصر وأخرى في اندونيسيا، فكان لا بد من اختراع قيامة وهمية جديدة فبدأ الحديث اليوم عن انفلونزا الخنازير، وكالعادة سارعت منظمة الصحة العالمية المتواطئة مع الاحتكارات الدوائية والصناعية لإطلاق تحذير بشأنها، وانطلقت جوقة إعلامية استهلها الرئيس المكسيكي بإعلان حالة الطواريء، وشاهدنا الجيش بأسلحته في الشوارع، وهذا سبب جديد لإعلان الأحكام العرفية يضاف لقائمة الأسباب السابقة المعروفة ولا ندري إن كانت جماعات حقوق الإنسان ستحتج على هذا السبب المبتكر لإعلان حالة الطواريء! مع التذكير أن غوردن براون رئيس الوزراء البريطاني كان قد نادى أثناء انتشار وباء الكوليرا في زيمبابوي بضرورة التدخل الغربي العسكري لوقف هذا الأمر (استعمار صحي) ! وتلقفت محطات التلفزة الأمر وخرج وزير الصحة البريطاني ليطمئن الناس فإذ به يقول لهم إن بريطانيا لديها ما قيمته نصف مليار استرليني من التامفلو، وكأنه يقول لهم امرضوا والباقي علينا، أما وزيرة الأمن الداخلي الأمريكية فقد طمأنت الناس بأن إعلان حالة الطواريء بسبب انفلونزا الخنازير شبيه بما حدث أثناء تنصيب الرئيس، وكأن الإجراءات الأمنية التي اتُخذت أثناء تنصيب أوباما إجراءات إعداد لزفاف!

وخلال الأيام القادة ستسري قصص أنفلونزا الخنازير في وسائل الإعلام كما تسري النار في الهشيم، ولن يتأخر مثقفو التبعية من أكاديمي جامعات العالم الثالث عن صب الزيت على النار، كما قلنا، إذ سيستعرضون ما تلقنوه من علوم في الغرب، أو ما ترجموه بسرعة، وستبدأ حكومات الأطراف التابعة هي الأخرى بالتصرف كالببغاوات عبر إتباع إجراءات للوقاية من هذا الوباء الزاحف الذي يهدد بإفناء البشرية عن بكرة أبيها!

وبعد حين سيصاب الجميع بالخيبة، فالوباء لم يحدث والبرابرة لم يأتوا، وقد نجت البشرية، وسيتنفس الفقراء الصعداء فما أهمية الجوع والفقر وفقدان العمل مقارنة بالموت والفناء. لقد نجونا وبقينا على قيد الحياة وهذا يكفي. وستختفي أخبار الأزمة المالية عن الشاشات إلى حين، وسيتوقف البشر عن الاحتجاج فما أهمية فقدان العمل والبيت مقارنة بفقدان الحياة، كما قلنا. وسيبيع رامسفيلد وشركاه بمليارات الدولارات دواءً لا نفع له يسمى التامفلو. وبعد حين ستنطفأ نار انفلونزا الخنازير كما انطفأت نار جنون البقر، والحمى القلاعية، والجمرة الخبيثة، ونار السارز وانفلونزا الطيور، ومن جديد ستبحث الاحتكارات عن مادة جديدة لإضرام نار الخوف القيامي ثانية وثالثة ورابعة لأنه في عصر أزمة النظام العالمي المفتوحة على اللانهاية، وحين تتكدس البضائع وتفلس المصانع والشركات تبقى تجارة وحيدة رابحة هي تجارة الخوف. وحتى يستطيع البشر في كل أنحاء المعمورة كنس هذه الطغمة الحاكمة إلى مزبلة التاريخ يجب أن نستعد لأوبئة و قيامات وهمية كثيرة هذا إن لم يفعلوها بقيامة نووية حقيقية هذه المرة.

وفاة “الإتحاد من أجل المتوسط”

28 أبريل 2009

الطاهر المعز

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1876)

ملاحظة من “كنعان”:

يقدم لنا الرفيق الطاهر المعز في هذه المقالة الحلقة الثالثة من سلسلة تحاول التعريف ببعض المشاريع والبرامج الإمبريالية التي تستهدف الوطن العربي. ويمكن القارئ مطالعة المقالتين السابقتين على الرابطين التاليين:

1) ميبي: مشروع هيمني أمريكي في الوطن العربي

http://kanaanonline.org/ebulletin-ar/?p=986

2) أفريكوم: مخطٌط امبريالي أمريكي في أفريقيا

http://kanaanonline.org/ebulletin-ar/?p=954

* * *

السياق التاريخي

هذا المشروع الأوروبي، كان في الأصل فرنسيا، طرحه مرشح اليمين “نيكولا ساركوزي”، أثناء الحملة الإنتخابية، عام 2007، قبل أن يصبح رئيسا، وعرفه بأنه “كيان سياسي، اقتصادي، لضفتي المتوسط”.

هذا المشروع مستوحى بدوره من تقرير فرنسي، شبه رسمي، تم إعداده أواخر 2006، ونشر في أبريل/نيسان 2007، في عهد حكومة “دومنيك دو فيلبان” والرئيس “جاك شيراك”، أي قبل الإنتخابات الرئاسية، وسمي “تقرير ابن سينا”، هدفه، تقييم نقدي للسياسة الفرنسية في الوطن العربي وما حوله (من المغرب إلى أفغانستان، كما يقول التقرير، أي ما يسميه الأمريكيون الشرق الأوسط الكبير)، وتقديم مقترحات إلى “أصحاب القرار”، “من أجل الحفاظ على المصالح الحيوية الفرنسية، ودعم مكانة فرنسا، ليس فقط لدى الحكومات، وإنما كذلك، لدى أحزاب المعارضة، والمجتمع المدني والقوى الحية في تلك البلدان…”، ويركز التقرير على الجوانب الإقتصادية (تمويل مشاريع في المغرب العربي) والإعلامية (الدعائية) “لإسماع وجهة النظر الفرنسية للجمهور العربي” (قبل تأسيس القناة التلفزيونية فرنسا 24)، واستعمال وسائل الإعلام والفضائيات العربية، للدفاع عن السياسة الرسمية الفرنسية، باللغة العربية.

أما سياسيا فإن التقرير يركز على ربط القنوات مع حكومات إيران وسوريا، ومع الإسلام السياسي، كالإخوان المسلمين في مصر وسوريا، والنهضة في تونس، وإعطاء إشارات حسن نوايا تجاه حركات مثل حماس وحزب الله، ودعم التعاون مع الأحزاب المعترف بها والمجتمع المدني والنقابات والمنظمات غير الحكومية والمثقفين ” والقوى الحية”، بالإعتماد على معطيات، ومعلومات، وخبرات السفارات والهياكل الفرنسية الأخرى الرسمية أو غير الرسمية، و”المستقلة” كالمنظمات غير الحكومية، والوفود والبعثات (حتى النقابية منها)، وإبقاء الباب مفتوحاً للحوار مع الجميع، بدرجات متفاوتة.

تم إعداد “تقرير ابن سينا” تحت إشراف دبلوماسي ذو خبرة طويلة، وفريق عمل متكون من خبراء وباحثين ودبلوماسيين، يساهمون منذ سنوات عديدة في إعداد وتخطيط وتنفيذ السياسة الفرنسية في ما أسموه “منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا”، وهم من حساسيات سياسية مختلفة، لكن يجمعهم الحرص على تدعيم مكانة فرنسا، سياسيا واقتصاديا وثقافيا، في هذه المنطقة “التي لها فيها مصالح حيوية، وروابط تاريخية”.

يقدم التقرير رؤية للوضع القائم، تليها مقترحات وتوصيات “لأصحاب القرار”، لتدعيم مصالح فرنسا، ودورها في المنطقة العربية، وسلموا نسخة منه لمرشحي الرئاسة نيكولا ساركوزي، وسيغولين روايال…يطرح هذا التقرير الهام رؤية استراتيجية تراعي طموحات القوى الأروبية المنافسة لفرنسا في الوطن العربي كإيطاليا وأسبانيا، ويوصي ببناء علاقات شراكة إيجابية مع أمريكا (رغم التنافس)، هدفها انتصار الإمبريالية في أفغانستان والعراق ولبنان وإيران…” لأن لا مصلحة لفرنسا في هزيمة أمريكا أو عزلها دوليا”.

كما يوصي التقرير بالتنسيق مع روسيا والصين والهند، نظرا لنفوذها في عديد الأقطار العربية، وحتى في المغرب العربي (منطقة نفوذ فرنسا، تقليديا)… يفرد التقرير فقرة هامة لأنظمة وحكام مصر والسعودية والأردن، باعتبارهم “حلفاء طبيعيين” في منطقة تتمركز فيها قوات عسكرية فرنسية (الخليج ولبنان والقرن الافريقي)، خاصة وأن قادة الدول الثلاثة ادعوا أن الكيان الصهيوني “ضحية لاستفزاز حزب الله” في حربه العدوانية على لبنان، صيف 2006.

أما الكيان الصهيوني فإن التقرير يعتبره خطا أحمر، ويركز على دعم الشراكة معه، ومواصلة التقارب على أساس ضمان أمنه، وتبني “حل الدولتين لأنه يساهم في ضمان أمن اسرائيل”… في خاتمة التقرير، هناك عرض للدوافع التي يجب على فرنسا اعتمادها، للتحرك سريعا، منها ” الإضطرابات التي بلغت حدا يهدد المصالح الغربية، وخصوصا الأروبية، فانتشار الإرهاب، يهدد إمدادات النفط، وقد تتعرض قواتنا العسكرية المتواجدة في لبنان لعمليات إرهابية، أما دول المنطقة فإنها مهددة بالتقسيم والتفتت والتآكل… فمن مصلحتنا التعاون مع دول جنوب المتوسط، لضمان أمننا واستقرارنا، السياسي والإقتصادي…”.

يحاكي التقرير”مشروع الشرق الأوسط الكبير”، الأمريكي، للمحافظة على مكانة لفرنسا، في منطقة حيوية بالنسبة لها، لكن أمريكا والصين تنافسها، فضلا عن إيطاليا وأسبانيا.

هذه الخطوط العريضة الواردة في “تقرير ابن سينا”، شكلت العمود الفقري للإتحاد من أجل المتوسط، مع بعض التعديلات، التي تتماشى مع الإنحياز الإيديولوجي للرئيس ساركوزي للإمبريالية الأمريكية والحلف الأطلسي والكيان الصهيوني، والهاجس الأمني الذي يلازمه مذ كان وزيرا للداخلية، ودفاعه المستمر عن مصالح رجال الأعمال والأثرياء والشركات الكبرى في بلاده، كما أخذت التعديلات، بعين الإعتبار، ردود فعل ألمانيا والدول الأروبية غير الموسطية، وتحفظات الجزائر وليبيا الخ. ويعتبر هذا المشروع، تقييما نقديا لما سبقه من برامج منذ مسار برشلونة في تسعينات القرن العشرين، بعد سقوط جدار برلين، وتفتيت يوغسلافيا، وتوسع الإتحاد الأروبي نحو الشرق، والمنافسة الأمريكية لأروبا، في عقر دارها، بواسطة الحلف الأطلسي، والثورات المضادة في بولندا وجيورجيا وأوكرانيا، وفي المغرب العربي وافريقيا.

فشل “أوروميد” و مسار برشلونة: EUROMED

عام 1995، طرح الإتحاد الأروبي برنامج “أورو ميد” (أورو=أوروبا، وميد= ميديتارانيه، أي المتوسط)، على البلدان العربية المتوسطية والأردن، وسلطة أوسلو (إضافة إلى تركيا والكيان الصهيوني)، لخلق “منطقة تبادل حر بين ضفتي المتوسط”، بحلول عام 2012، وتكثيف التعاون في مجالات الطاقة والنقل “ومحاربة الإرهاب”، و”نقل التكنولوجيا”… هذا الرنامج هو عبارة عن عظم رمت به اروبا إلى مستعمراتها السابقة، في المغرب العربي، التي عانت من منافسة أروبا الوسطى والشرقية، وبدأت تعترضها عديد العراقيل لتصدير منتوجاتها إلى أروبا، كما أصبح دخول مواطنيها إلى أروبا، للعمل أو الدراسة أو الزيارة، من الصعوبة بمكان… في حين أجبرت على فتح حدودها أمام الإستثمارات والمنتوجات القادمة من شمال المتوسط، بما فيها المنتوجات الفلاحية، أو القادمة من دول أخرى، لها علاقات تفاضلية مع الإتحاد الأروبي (كالكيان الصهيوني)… عرف هذا البرنامج الذي اشتهر تحت اسم “مسار برشلونة”، تقييمات وتعديلات، خصوصا منذ 2004، حيث لم يتحقق شئ من الوعود الأروبية، في مجال الإستثمار والتنمية، وتوفير الشغل للشباب العاطل الذي يضطر إلى الهجرة غير المرخصة (غير القانونية)، وتكاثرت الحواجز أمام منتوجات جنوب المتوسط (الفلاحة، النسيج)، مما تسبب في غلق المؤسسات وطرد العمال، وكانت “علاقات الشراكة”، فرصة “لتأهيل المؤسسات”، أي جعلها مطابقة للمقاييس الأروبية وتابعة لها.

أما الإستثمارات الأروبية فإنها انحصرت في القطاعات غير المنتجة (الخدمات والسياحة والإتصالات) أو ذات القيمة المضافة الضعيفة، والتكنولوجيا البسيطة (النسيج، الصناعات التحويلية والتركيب)، أو الطاقة والإسمنت.

على المستوى السياسي، فرضت هذه الشراكة الأورو متوسطية، على الدول العربية، تطبيعا كليا مع الكيان الصهيوني، بما في ذلك في المجال العلمي والأكاديمي… إذ صرح المفوض الأروبي للعلوم والأبحاث (وزير التعليم العالي والبحث العلمي الألماني سابقا)، أثناء حفل توقيع اتفاقية شراكة علمية، بين الإتحاد الأروبي ومصر، (18/06/2007): ” إن هذه الإتفاقية سوف تفتح المجال أمام تعاون علمي بين مصر وإسرائيل، في مجالات تشجيع الإبتكار وتكنلوجيا المعلومات والإتصالات، ودعم تبادل طلاب التعليم العالي والمدرسي…” لأن شرط التطبيع الأكاديمي ضروري، للحصول على 11 مليون أورو من أروبا…ولمحاولة استمالة “النخب” والمثقفين و”المجتمع المدني”، وإدماج “المنظمات غير الحكومية” في عملية الهيمنة، قامت اروبا بتمويل برامج “التدريب على الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، و”تمكين المرأة”، وتغيير برامج التعليم في اتجاه التطبيع، والتنويه بالإستعمار والهيمنة، بحجة تركيز قيم الحضارة والديمقراطية، الى غير ذلك من البرامج التي يتستر وراءها كل من أراد بنا شرا. تذمرت النقابات وحتى بعض أصحاب المؤسسات المغاربيين من النتائج السلبية لهذا الشكل من التعاون والشراكة مع أروبا… من جهتها تذمرت أروبا من عدم قدرة دول المغرب العربي على تفعيل “الإتحاد المغاربي”، وخلق مؤسسات مشتركة تمكنها من التفاوض معها مجتمعة، وتكوين سوق موحدة لاستيعاب منتجاتها، وتضمن أمنها واستقرارها، عوض أن تضطر إلى المفاوضات الثنائية.

لقد أجمع الخبراء من الضفتين على فشل “مسار برشلونة”، منذ 2005، الذي لم يتجاوز “إعلان النوايا” بخصوص الرخاء والرفاه والإستثمارات الموعودة،حسب الأهداف المعلنة، من أجل “تقارب الدخل بين الضفتين، والتخفيض من نسبة البطالة ومن الفقر، والعناية بالشباب، والعدالة في توزيع الثروات”… لكن الوقائع تبين أن أروبا حرصت على اقتلاع مزيد من الضمانات للمستثمرين الأروبيين، وخلق مناخ مطمئن لهم، مع ضمان عدم العودة إلى الخلف، وتقويض نظام الجباية، بفرض حرية دخول السلع الأروبية، وتسهيل خروج أموال مستثمريها (رأس مال + مرابيح) والتضييق على منتجات الجنوب، كما تمكنت من تدعيم العلاقات اللامتكافئة، وجعل الهاجس الأمني محددا لسياساتها، على حساب التنمية والتطور الإقتصادي، وأنيط بحكومات المغرب العربي دور أمني لحصر الإرهاب لديها ومراقبة الهجرة المغاربية والإفريقية، والقيام بمهام أمنية لصالح أروبا، مقابل تقديمها المساعدة الأمنية لإنقاد الأنظمة القائمة.

وعلى المستوى المالي، انخفضت المساعددات الأروبية لبلدان المغرب العربي، منذ 2005، ولم تعط أروبا سوى ثلث المبالغ الموعودة، وبلغت تكاليف مسار برشلونة (نظريا، من 1995 إلى 2007) حوالي 20 مليار أورو، عاد معظمها إلى أروبا ومؤسساتها ومنظماتها غير الحكومية، التي قامت ب”دراسات واستشارات”، واستفادت من هذه المبالغ، بشكل مباشر أو غير مباشر، وحول الإتحاد الأروبي وجهة بعض التمويلات التي كانت مخصصة للمغرب العربي، إلى أروبا الشرقية، لدعم اقتصادها ومساعدتها على تحقيق الإندماج في النسيج الأروبي.

الإتحاد من أجل المتوسط: مولود مشوه؟

جاء انتخاب ساركوزي في فرنسا ليعزز دور اليمين الموالي للحلف الأطلسي، والعولمة الرأسمالية في أسوإ مظاهرها، فقد وصف (أثناء الحملة الإنتخابية) الموقف الرسمي الفرنسي الرافض لاحتلال العراق عام 2003، بالمتغطرس (وكان آنذاك وزيرا في حكومة دومنيك دو فيلبان)، ورفض قطعيا مجرد الإعتراف بسلبيات الإستعمار، ناهيك عن جرائمه (في الجزائر ومدغشقر وسوريا مثلا)، فضلا عن الإعتذار أو تعويض الضحايا.

وعندما كان وزيراً للمالية، فرض التخفيف من الضرائب لذوي الدخل المرتفع، وزاد من الضغط الجبائي على الأجراء وبواسطة الضرائب غير المباشرة، التي يتساوى في دفعها الغني والفقير، ولذلك حظي بمساندة كل الأثرياء وأرباب العمل والفنانين المتهربين من دفع الضرائب… ولما كان وزيرا للداخلية، نافس بشكل جدي اليمين المتطرف، بالمزايدات العنصرية والقمعية والتصريحات الإستفزازية الوقحة، والتعابير السوقية والبذيئة، التي طالت العمال والفقراء والشباب والمعطلين عن العمل وأبناء المهاجرين (العرب والأفارقة) وغيرهم من من وصفهم بالقذرات، الكسلاء والمتكلين.

أما عن موقعه الطبقي، فهو صاحب مكتب محاماة ودراسات، واستشارات قانونية وجبائية، للمؤسسات الكبرى، ورجال الأعمال والأثرياء، وحافط على علاقاته الوطيدة مع هذه الفئة من البرجوازية، بعد توليه رئاسة الجمهورية، يصطحبهم معه في رحلاته الخارجية، ويدافع عن مصالحهم… وأحد إخوته يحتل منصب الرئيس المساعد لنقابة أرباب العمل الفرنسية، وأبوه يملك مؤسسة إعلام واتصالات.

على مستوى العلاقات مع دول “الجنوب”، اقترح ساركوزي “الهجرة الإنتقائية” التي تفرغ البلدان الفقيرة من خبراتها وخريجيها الذين صرفت مبالغ طائلة لتعليمهم، ورفض هجرة ضحايا الحروب والفقر، أي أن فرنسا وأروبا، تتعامل مع الهجرة كسوق عبيد، تنتقي منها ما تحتاجه من خبرات علمية وتقنية، وتقوم الدول الفقيرة بدور الشرطي لوضع المهاجرين،غير المرغوب فيهم، في المعتقلات، لمجرد الإشتباه في نواياهم، أو رغبتهم في الهجرة.

أما انحيازه للكيان الصهيوني فقد بالغ في إبرازه، بمناسبة أو غير مناسبة، إلى درجة القرف، والتصق أكثر ما يمكن بالمواقف الأمريكية والصهيونية الأكثر عدوانية بخصوص أي شكل للمقاومة، والممانعة، ورفض الإحتلال، في فلسطين ولبنان وأفغانستان والعراق والصومال… وهو يعتبر “اسرائيل دولة ديمقراطية كبيرة، جديرة بالإحترام”، وفي 16/12/2004، ألقى خطابا في “هرتزيليا” (ينعقد فيها سنويا مؤتمر يبحث الاستراتيجيا الصهيونية)، حيا فيه “جنودنا الذين قاتلوا جيش عبد الناصر”، ويقصد العدوان الثلاثي (الكيان الصهيوني وبريطانيا وفرنسا) على مصر عام 1956، ولم تتطرق وسائل الإعلام الفرنسية لهذا الخطاب.

في سبتمبر 2006، وكان وزيرا للداخلية، قبل أن يعلن ترشحه رسميا للرئاسة، زار أمريكا، وألقى خطابا في اجتماع “آيباك” (أكبر وأقوى منظمة صهيونية في أمريكا) قال فيه “أشعر أني قريب من اسرائيل، التي يجب أن تفعل ما في وسعها كي لا يشار إليها وكأنها دولة معتدية…”. وقبل ذلك، في جويلية 2006، قال “ان اسرائيل هي ضحية اعتداء حزب الله”…لما كان وزيرا للداخلية، أيضا، دعا مجموعة من خبراء الكيان الصهيوني (شرطة وجيش ومخابرات)، اختصوا في مكافحة الإنتفاضة، واحترفوا الإندساس في أوساط المتظاهرين، والإعتداء عليهم، وإيقافهم…لتدريب الشرطة والمخابرات الفرنسية، على اتباع هذه الأساليب في ضواحي باريس، التي حصلت فيها انتفاضة، ضد البطالة والفقر والتهميش، في أكتوبر/نوفمبر 2005.

هذا عن الرجل، الذي تبنى مشروع “الإتحاد من أجل المتوسط”، وقدمه باسم فرنسا (ثم باسم الإتحاد الأروبي).

أما عن المشروع في حد ذاته، فقد تزامن، على الصعيد الأروبي، مع اجتماع تمت الموافقة خلاله على “الإتفاقية الأروبية للهجرة” (6 و7 يوليو 2008)، لخلق درع ضد هجرة فقراء جنوب المتوسط، وعلى الصعيد العربي فقد توافق مع إعادة إحياء السعودية والجامعة العربية لما سمي “المبادرة العربية”، أي التطبيع المجاني، الذي لم تستطع قمة “أنابوليس” فرضه، رغم حضور 16 دولة عربية (منها سوريا)، يوم 27/11/2007.

أعلن رسميا عن ميلاد “الإتحاد من أجل المتوسط” يوم 13/07/2008 بباريس، قبل يوم واحد من الإحتفال بالعيد الوطني الفرنسي، بعضوية 43 بلد (750 مليون نسمة): سلطة الحكم الإداري الذاتي في رام الله المحتلة والأردن وسوريا ولبنان ومصر والجزائر وتونس والمغرب، وموريتانيا إلى جانب الصهاينة، وتركيا، وأعضاء الإتحاد الأروبي والبلدان الأروبية المطلة على المتوسط، من غير الأعضاء، ولم تحضر ليبيا، التي أعلنت مقاطعتها للفكرة على أساس أنها “تقسيم لصف الدول العربية، ويستهدف مواردها، ووسيلة لإجبارها على التفاوض مع اسرائيل” (معمر القذافي في 09/07/2008) وكأن ذلك لم يحصل بعد… أما الهدف الرئيسي المعلن فهو: “إقامة منطقة تجارة حرة في المتوسط”، أو ما معناه، فتح جنوب المتوسط وشرقه، بلا حدود، أمام المنتجات والإحتكارات الأروبية…سبق اجتماع يوم 13/07/2008، جدل أروبي حول إمكانية دخول تركيا للإتحاد الأروبي، فنيكولا ساركوزي يرفض ذلك، ومشروع الإتحاد من أجل المتوسط، محاولة لترضية تركيا ووضعها في “منزلة بين المنزلتين”… أما ألمانيا فإنها تزعمت الدول الأروبية التي ترى في هذه المبادرة محاولة لإحياء دور فرنسا، وشق للصف الأروبي، بين الجنوب المطل على المتوسط وشمال أروبا… في الدول العربية، وبعد رفض نيكولا ساركوزي، مجرد الإعتذار عن ما حصل في الجزائر أثناء الإستعمار المباشر، المح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، إلى إمكانية عدم حضور الجزائر (لكنه حضر إلى باريس يوم 13/07/2008)، وتنافست تونس والمغرب ومصر على الفتات: (الرئاسة إلى جانب فرنسا، الأمانة العامة، المقر…)، وجاء الرئيس السوري الى باريس بعد تنحي شيراك، الصديق الحميم لعائلة الحريري (ويسكن، مجانا، إحدى قصورها، قريبا من قصر الإليزيه) وأخيرا تم اختيار برشلونة كمقر، ورئاسة فرنسية/مصرية و5 أمناء عامين مساعدين، ضمنهم الكيان الصهيوني والجامعة العربية، وربما سادس لترضية تركيا، وحددت المشاريع في الحماية المدنية، والإنقاذ ومقاومة التلوث، ومشاريع طاقة شمسية وممرات بحرية وطريق عابرة للمغرب العربي… بميزانية متواضعة لن تتجاوز 600 مليون أورو…

إعلان وفاة الإتحاد من أجل المتوسط

كل هذا الجدل وهذه المشاريع والتنافس على الفوز برضا فرنسا والكيان الصهيوني، وما حصل من مزايدات سبقت اجتماعي يوليو ونوفمبر (تشرين ثاني) 2008، ذهب أدراج الرياح، بعد القصف الصهيوني الوحشي الذي استهدف قطاع غزة من 27 ديسمبر 2008 إلى 18 يناير2009، ووقوف وزير خارجية فرنسا ورئيسها، إلى جانب الكيان الصهيوني، حتى بعد قصف مقرات الأمم المتحدة… ووقعت أروبا اتفاقية شراكة تفاضلية مع الكيان الصهيوني، قبل أقل من أسبوعين من بداية القصف… أعلن معمر القذافي أن هذا الإعتداء شكل الضربة القاضية للإتحاد، وهو ما عبرت عنه الصحافة العربية والأروبية، وحتى الحكومة المصرية فإنها طلبت، رسميا، تعليق الإجتماعات المتعلقة باتحاد المتوسط، وبلغ الحرج أوجه، لدى الحكومات العربية، التي لم تتمكن من منع مواطنيها من الإحتجاج والتظاهر يوميا.

إن أسباب فشل “الإتحاد من أجل المتوسط”، تعود إلى تفاقم الأزمة الإقتصادية والمالية، التي لم تكن متوقعة بهذا العمق، عند إعداد المشروع، وللصراعات الأروبية بين شرقها الذي التحق حديثا بالإتحاد وغربها الذي أسسه، وبين بلدان جنوب أروبا التي ساندت المشروع (فرنسا، أسبانيا، إيطاليا)، وشمالها، التي ترى فيه إقصاءاً لها، واستئثارا فرنسيا بالسوق المغاربية… كما أن ضعف الميزانية المرصودة، وضبابية البرامج والمشاريع، لم تشجع بلدان جنوب المتوسط على الإقتناع بجدية هذا الإتحاد المزعوم.

أما القطرة التي أفاضت الكأس فتمثلت في الإنحياز الأروبي الواضح إلى جانب الكيان الصهيوني، أثناء عدوانه الأخير على الشعب الفلسطيني في غزة، والمساهمة في حصار غزة، بالبوارج الحربية الفرنسية، بدعوى منع تهريب الأسلحة (وكذا فعل النظام المصري أيضا).

لم تقدم أروبا أكثر من ما وعدت به في “مسار برشلونة”، بل زادت في إحكام غلق سوقها وحدودها، أمام المنتجات، والبشر القادم من الجنوب… والدول العربية بدورها لم تتفق في شيء قدر اتفاقها حول المسائل الأمنية، فمجلس وزراء الداخلية العرب (ومقره تونس)، هو الهيكل الوحيد الذي يجتمع باستمرار ويتخذ قرارات قمعية وزجرية، تنفذ في الحال، بتنسيق كامل بين كل أعضاء الجامعة العربية… إذا فهي تجيد هذا الدور الذي أنيط بعهدتها، وقد عرفت أروبا كيف تستغل قدراتها القمعية، ضد مواطنيها…

ما البديل؟

الإتحاد من أجل المتوسط، هو في حقيقة الأمر، درع لوقاية أروبا من الهجرة غير المرغوب فيها، ومن “الإرهاب”، وسوق لتصريف فائض الإنتاج، والإستثمار في القطاعات التي تدر أرباحا سريعة، ولا تتطلب تكنولوجيا ولا قيمة مضافة عالية… أما التعاون في مجال العلوم والتقنيات الحديثة والأسلحة المتطورة، ودخول المنتوجات بدون قيود، فيبقى من نصيب الكيان الصهيوني، الحليف الإستراتيجي للإمبريالية، وممثلها في المنطقة (دوره الوظيفي)… لقد وعد الإتحاد الأروبي منذ 1995، بلدان المغرب العربي ومصر، بالرفاهية، والتطور الإقتصادي، والقضاء على البطالة الخ. لكن بعد أكثر من 10 سنوات، أي عام 2006، كان متوسط دخل الفرد في مصر 1186 أورو، وفي الجزائر 2718 أورو وفي البرتغال 17500 أورو وفي فرنسا 26500 أورو…عام 2007، بلغ معدل دخل الفرد في الإتحاد الأروبي 19703 دولارا (حوالي 15000 أورو) وفي بلدان جنوب المتوسط 2848 دولارا (حوالي 2000 أورو)، ويتطلب لبلدان الجنوب 157 سنة للإقتراب من مستوى الدخل في أروبا (بينما كان معدل هذه المدة 30 سنة للبلدان الأروبية الفقيرة). كان هذا قبل تفاقم الأزمة الإقتصادية والمالية، الحالية.

لذا فإن الإنبهار بنمط الإنتاج الرأسمالي، ومحاولة اللحاق بأروبا أو أمريكا (لو افترضنا أن هناك فعلا نية لمنافسة أروبا أو أمريكا اقتصاديا وتقنيا)، يعتبر محاولة عبثية، لأن الأبواب موصدة.

الحل الوحيد يكمن في انتهاج أشكال وأنماط تنبع من إمكانيات البلاد واحتياجات المواطنين، وقدراتهم على الإبداع والإبتكار، باستعمال الموروث الثقافي والفلاحي والحرفي والصناعي المحلي، والإستفادة من تجارب شعوب أخرى، اعتمدت على قدراتها الذاتية.

أما الجري واللهث وراء القوى الإمبريالية، فلا يجر وراءه إلا التطبيع مع المحتل، ورهن خيرات البلاد، وامتصاص دماء أبناء الشعب، على عين المكان أو في المهجر…في الوطن العربي لدينا خيرات جمة، وثروات طبيعية هائلة، وقوى عاملة مدربة وذات خبرة، ومقومات تاريخية وثقافية مشتركة، وامتداد جغرافي…مما يجعل منا قوة لا يستهان بها، لو تم توحيد كل هذه الإمكانيات في دولة أو كيان واحد، يمارس العدالة الإقتصادية والإجتماعية، والديمقراطية، والمساواة بين المواطنين.

“يهودية” الكيان الصهيوني بين الاشتراطات والوقائع!

27 أبريل 2009

محمد العبد الله

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1875)

لم تكن تلك الكلمات المتدحرجة من فم نتنياهو، في اجتماع الحكومة، وأمام الميكروفونات الإعلامية، أو على مسامع الموفد الأمريكي للمنطقة “جورج ميتشل”، مفاجأة للمراقب المهتم بمتابعة تطورات الصراع العربي/الصهيوني. فالحديث عن اعتراف الفلسطينيين وباقي العرب بـ”يهودية” الكيان الارهابي لم يكن جديداً، فقد تم تداول تلك الصفة/المضمون في لقاء جمع بوش وعباس وقادة العدو الصهيوني، وبعض حكام دول “الإعتلال” العربية في “شرم الشيخ ” قبل عامين تقريباً، كما أن مجرمة الموساد “تسيبي ليفني” كررت استخدام هذه الصفة خلال الأشهر الأخيرة من مدة حكمها، وهي توجه كلامها الغاضب والتحذيري للمواطنين العرب، أصحاب الأرض في مدن عكا ويافا وأم الفحم المحتلة منذ عام 1948، أثناء تحركاتهم الاحتجاجية على عنصرية القوانين، وفاشية الممارسات الرسمية للسلطات، وبلطجة الزعران من أعضاء عصابات الحقد اليهودية، المنفلتة في الشوارع، وهي تنعق “الموت للعرب” تحت سمع وبصر ودعم أجهزة القمع الحكومية.

على ضوء نتائج لقاءات المبعوث الأميركي مع قادة العدو في الحكومة والمعارضة، خاصة ماصرح به “نتنياهو” وطاقم الإعلام الرسمي في مكتبه، يوم الخميس ” 16 ابريل/نيسان” عن (أهمية وضع شرط مسبق للمحادثات على أساس دولتين لشعبين، بأن يعترف الفلسطينيون أولاً وقبل أي شيء آخر، بإسرائيل دولةً يهودية، قبل التحدث عن دولتين لشعبين). ما بين كلام يوم الخميس الواضح في مضمونه واهدافه، والتصريحات المخففة، التي حاولت تدوير زوايا الكلمات والمواقف، عبر سحب الاشتراط بالاعتراف المسبق بيهودية الكيان، والتي بدأت ألسنة أكثر من مسؤول في حكومة العدو تتحدث بها يوم الأحد “20 ابريل/نيسان” تنكشف مجدداً، رغم كل “البروباغندا” الإعلامية، التي تعكس ما يدور داخل الغرف البعيدة عن أضواء كاميرات الفضائيات، والتي يتم فيها رسم خطة الإعلام المبرمج لوظيفة كل طرف داخل كيان العدو وواشنطن، لتوظيف مهاراته في تشكيل وعي وسلوك الإنسان في أكثر من موقع داخل وطننا . لكن المؤكد في كل هذه الحوارات الأمريكية مع قادة حكومة العدو، أن ميتشل وطاقمه، ركزا في كل أطروحاتهم، على ضرورة التوصل لحل “الدولتين”، والتي كانت كلمات المبعوث الأمريكي واضحة في دلالتها، وفي الرسائل التي تبعث بها لجميع الأطراف، عندما قال بعد انفضاض لقائة بالمجرم “ليبرمان” (أوضحت لوزير الخارجية أن سياسة الولايات المتحدة تعطي أولوية لحل الدولتين، تعيشان بسلام، دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل دولةً يهودية).

وإذا كان كلام ميتشل عن” دولة يهودية” قد جاء في سياق التصريح المذكور، فإن العديد من المراقبين، تساءل عن حقيقة تلك الزوبعة المثارة عن رفض إدارة “أوباما” لتلك الصفة/المضمون . إن الواضح في لعبة الكلمات تلك، أن رفض ميتشل، كان ومازال، حول وضع الاشتراط المسبق قبل العودة لما يسمى “طاولة المفاوضات”. فقد حاول الطرف الصهيوني “التشاطر والتذاكي” حينما صرح أحد المسؤولين في مكتب رئيس الحكومة الارهابية من أن نتنياهو سيوضح لميتشل بأن حكومته (غير مهتمة بأن تحكم الفلسطينيين، لكنها تريد المحافظة على مصالحها الأمنية …فضلاً عن الحصول على اعتراف فلسطيني بالقدس عاصمةً “للشعب اليهودي”). لكن عدداً من وزراء الحكومة الارهابية أعاد التأكيد على معارضته لحل الدولتين. الوزير “إيلي يشاي” زعيم حزب “شاس” قال (إن الصيغة السياسية التي ينبغي العمل على أساسها هي اقتصادان لشعبين، وليست دولتين للشعبين) في اجترار سمج لموقف “نتنياهو” الذي يركز على خطة ” السلام الإقتصادي” الموهوم!.

رد فعل سلطة رام الله المحتلة على اشتراطات نتنياهو كان سريعاً، فقد أعلن أكثر من مسؤول فيها عن الرفض المطلق لتلك الدعوة المشروطة. “محمود عباس” أوضح لميتشل (بأن السلطة والقيادة الفلسطينية ترفض الاعتراف بيهودية “إسرائيل”). كما انتقد “صائب عريقات” (اشتراط الاعتراف بيهودية “إسرائيل” لأنه “هلوسة” من جانب نتنياهو) . قوى المقاومة الفلسطينية جميعها، أعادت مجدداً رفضها ليس فقط لتلك “الهلوسة”، بل وللعودة لطاولة “إضاعة الوقت”! لأن حكومات العدو المتعاقبة، تعمل على كسب الوقت من أجل تثبيت وقائع جديدة على الأرض” توسيع كتل المستعمرات، تهويد وصهينة مدينة القدس ومحيطها، سرقة الثروات الطبيعية، مصادرة الأراضي، استكمال جدار الضم والنهب العنصري…).

إن الكيان الصهيوني يمارس منذ أن تم فرضه على أرض فلسطين، بالمؤامرات الدولية والإقليمية، وبالمجازر، عملية فصل عنصرية بين المستعمرين الجدد وأصحاب الأرض . يهودية الكيان تُطبق بهدوء من خلال القوانين العنصرية، والمجازر والعدوان المستمر على الشعب الفلسطيني والأمة العربية. هذه اليهودية التي تتخفى وراء “الديمقراطية والتعددية” الزائفة، لكونها مبرمجة على مقاس المستعمر، القادم من الخارج. كيان الديمقراطية هذا، يفتقد لدستور يحدد ماهية الكيان وحدوده، والنظم التي تضبط إيقاع حركته في مختلف المجالات، وبالتالي تسقط بالممارسة “المواطنة” عن أهل البلد الأصليين، ليستكمل العمل ليل نهار، ليس على التطهير العرقي، القائم على طرد _ وإذا أمكن تصفية _ تلك ” الأقلية ” المتمردة، بل العمل على -صهينة كل شيء.

على الرغم مما أحدثته التصريحات التي رافقت جولة المبعوث الأمريكي لبعض أقطار وطننا العربي من ردود أفعال، فإن ما رافقها على أرض الصراع الفلسطيني/الصهيوني، قد سلط الضوء على جذر القضية، الاحتلال الصهيوني لفلسطين التاريخية، بما يفرضه من ممارسات إجلائية، اقصائية، تصفوية لأبناء الوطن. إن الدماء التي روت تراب الوطن في بلعين، والخليل، وغزة، وصرخات الرفض لطرد أهالي مدينة القدس من بيوتهم، وحملات الإعتقال والاغتيال ضد مناضلي الشعب، ووجود أكثر من أحد عشر ألف أسير وأسيرة داخل معتقلات النازية الجديدة، وتقطيع أراضي الضفة المحتلة، ومصادرة آلاف الدونمات منها ومن مناطق الأغوار، ودعوات “تطهير” الأراضي المحتلة منذ عام 1948 من أصحابها، ماهي سوى الترجمات العملية للمشروع الصهيوني، الإرهابي، الاحتلالي . وفي ظل كل ذلك، يبقى السؤال المشروع : ماذا ترك العدو المحتل، واتفاق أوسلو وقرارات اللجنة الرباعية، وتفاهمات أنا بولس، و خارطة الطريق، من مساحات في العقول، قبل الأراضي _ التي تمت مصادرة معظمها_ لإقامة “دولة فلسطينية” قابلة للحياة، بدون سيادة ، وهل يرضى مواطنوها التعايش بـ” سلام “دون “كرامة”، مع جارهم/عدوهم التاريخي” قديماً وحاضراً ومستقبلاً”، الذي يراقب تحركاتهم، ويحصي أنفاسهم . الإجابة يرددها أبناء فلسطين التاريخية داخل وطنهم وفي كل مناطق اللجوء: لا بديل عن التحرير والعودة للوطن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشرته قاسيون في 25 / 4 / 2009

مغارة اللصوص الدولية في سويسرا!

27 أبريل 2009

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1875)

العمل المصرفي على الطريقة السويسرية والمتبع منذ عشرات السنين كان سببا رئيسيا في الانهيار المالي العالمي ولا سيما في الولايات المتحدة.

فضحت الأزمة العالمية النوعية الراهنة طبيعة وتركيبة هذا العصر الأوروبي الأمريكي، فقد مرّت أزمنة طويلة لم تكن مفهومة خلالها للكثيرين وحدة النظام العالمي والدولي العنصري الربوي، ومركزية إدارته الأوروبية الأمريكي، وتكامل وتناغم الفقر والثراء، والرفاهة والشقاء، والموت والحياة في بنيته الإجمالية المصطنعة بفعل فاعل! وقد نجحت الإدارة المركزية دائما، يساعدها أتباعها الأشقياء ضد أقوامهم في البلدان التابعة، في إخفاء هذه الحقائق، وفي جعل الناس يتوهمون أن الفقير وضيع قاصر بطبيعته الأصلية ومسؤول وحده عن فقره الذي يستحقه، بينما الثري متفوق بطبيعته الأصلية وجدير بثرائه الذي يستحقه أيضًا، فصنفت الأمم والشعوب على هذا الأساس، حتى أنهم لم يروا ضيرا في الحكم بالفناء على بعضها وبالعمل على إزالته نهائيا من الوجود لصالحهم، كما هو حال الشعب العربي الفلسطيني مثلا!

لقد أكمل العصر الأوروبي الأمريكي القرن الخامس من عمره في العام 1992 فهو بدأ انطلاقته العنصرية الرهيبة نحو السيطرة والسيادة العالمية في العام 1492 أي في العام الذي اسقطوا فيه غرناطة آخر قلاع العصر العربي الإسلامي العالمي السابق، واكتشفوا فيه أمريكا أعظم قلاع العصر الأوروبي الأمريكي العالمي اللاحق، وها هو العالم اليوم أصبح محكوما بنظام دولي ربوي صهيوني أوصله إلى حافة الدمار الشامل!

اليوم، يتشكل العالم قسرا من سدس بشري ذهبي مرفه، ومن خمسة أسداس بشرية تعاني الفاقة، ويتعرض ما لا يقل عن مليار منها لخطر الهلاك جوعا، بينما الأزمة العميقة الشاملة تفلت من عقالها، وتتجاوز حدود السيطرة عليها، لتهدد أيضًا رفاه شرائح عريضة دنيا في البلدان الثرية، ولتكشف بوضوح زيف المظاهر الحضارية، وكذب الزعم بأن البلدان الثرية تستحق ثراءها الذي حققته بجهودها وبإمكانياتها الخاصة في حد ذاتها، فالذين كانوا ينظرون إلى سويسرا، مثلا، على أنها مجرد بلد صغير جميل، ومحايد مسالم، يقطنه شعب ذكي، نشيط مبدع، يستحق ثراءه الفاحش، اكتشفوا أنها مغارة لصوص دولية، لها وظيفتها المحددة في هذا النظام الربوي الشايلوكي الدولي، وأنها تتحمل قسطا كبيرا من المسؤولية في ما أصاب البشرية عموما من دمار! غير انه ما كان لهذا الاكتشاف أن يعلن لولا أن شرور المغارة السويسرية وآثامها المالية وصلت أخيرا إلى بعض الدول الأوروبية وإلى الولايات المتحدة بسبب الأزمة الاقتصادية الراهنة العظمى.

إن الودائع المالية الأجنبية في المصارف السويسرية تتعدى اليوم مبلغ تريليونين ونصف تريليون دولار (ضمنها مئات مليارات الدولارات لبعض العرب) وتمثل خدماتها أو عائداتها حوالي 12 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي السويسري، وتتألف هذه الودائع من أموال هرّبها “أصحابها” من بلدانهم كي يتخلصوا من دفع ضرائبها لحكوماتهم وشعوبهم، كما هو حال الأوروبيين والأمريكيين بالدرجة الأولى، ومن أموال سلبها الأقوياء واللصوص من بلدانهم الفقيرة البائسة بطرق مختلفة ابسطها “العمولات” غير المشروعة وتتألف أيضًا من أموال جمعها المغامرون والقتلة الدوليون، المتاجرون بالممنوعات والمحرمّات كالمخدّرات وغيرها، وبالجثث كما في العراق وأفغانستان، فهم لا يستطيعون تبرير هذه الأموال القذرة من دون مرورها بالمغارة السويسرية وأخواتها! وبالطبع، إذا كان المودعون لهذه الأموال في سويسرا قد ارتكبوا ما ينطبق عليه وصف الجريمة ضدّ البشرية، فإنّ سويسرا شريكة في هذه الجريمة على قدم المساواة منذ أخذت على عاتقها مهمّة حماية المودعين المجرمين، بحجب أسمائهم تحت ذريعة “السريّة المصرفية”!

في عهد الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما، وتحت ثقل الأزمة الاقتصادية الرهيبة التي يحتاج الخروج منها إلى تريليونات الدولارات، من دون أن يكون الخروج مضمونا، مارست الحكومة الأمريكية الجديدة الضغط على سويسرا للكشف عن أسماء الأثرياء الأمريكيين المودعين في مصارفها، وقد حصلت على معلومات عن 300 ثري، وبناء على ذلك رفعت وزارة العدل الأمريكي دعوى تطالب فيها المصارف السويسرية بتسليمها معلومات عن 52 ألف حساب سري أمريكي قيمتها 15 مليار دولار! تصورّوا! 52 ألف حساب فيها بالتأكيد حسابات القتلة واللصوص الأمريكيين وغير الأمريكيين في العراق وغيره، من عصابات “الشركات الأمنية الخاصة”، شركات بوش وتشيني ورامسفيلد ورايس وولفويتز وبيرل وغيرهم كثير! فما كادت واشنطن تفعل ذلك وتنجح حتى سارعت بعض العواصم الأوروبية الرئيسية، التي أرهقتها بدورها الأزمة وكادت تفقدها صوابها، تحذو حذو واشنطن، باسم الاتحاد الأوروبي! وقد أضاف الأوروبيون إنّ عدم انصياع سويسرا لمطالبهم، وبالكشف عن الحسابات السرّية للمودعين الأوروبيين، سوف يعرّضها لتصنيفها بين “الدول المارقة”، ولوضع اسمها على لائحة سوداء تقدّم لقمّة الدول العشرين (في لندن 2/4/2009)!

إن العمل المصرفي على الطريقة السويسرية، المتبع منذ عشرات السنين، والذي تقوم به أيضًا لصالح عصابات النظام الدولي الربوي دول أخرى صغيرة وجميلة وثريّة، متحضرّة جدا جدا، مثل النمسا ولوكسمبورغ وليشتنشتاين وأندوره وغيرها، هو من الأعمال الرئيسية التي تسبّبت في الانهيار المالي العالمي كما يقول الخبراء الاقتصاديون، وبخاصة انهيار الولايات المتحدة، غير أنّ هؤلاء الخبراء المنافقون لا يتحدثون بالوضوح نفسه عن الأسباب الأهّم المتعلقة بطبيعة النظام الدولي، ولا عن جرائم قيادته الأمريكية العليا، فالكوارث المالية كانت موجودة دائما في بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، لكنهم لم يأبهوا لها، وكانوا موافقين على الدور الإجرامي الذي تلعبه المصارف السويسرية ومن لف لفها، بل أن بلدة دافوس في سويسرا كانت ولا تزال مقرّ منتدى النخبة العالمية من رجال المال الحرام والأعمال المشينة التي تحكم العالم، إلى أن خرجت الأمور عن السيطرة الأمريكي الأوروبية، وأصاب الضرر السويسري الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان نتيجة حماقات عصابة بوش ومغامراتها الجنونية في العراق تحديدا، فاتجهوا إلى سويسرا وهدّدوها بوضعها على اللائحة السوداء، وهو ما كان ينبغي تهديدها به منذ البداية، أي منذ ما قبل عشرات السنين، لولا أنّ العالم تحكمه عصابات مستفيدة جميعها من النظام السرّي للمصارف السويسرية!

المسألة القومية…توظيف الدولة القطرية ضدها…وعدوان النظام المصري على حزب الله (الحلقة الخامسة والاخيرة)

27 أبريل 2009

عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1875)

رابط الحلقة الاولى:

http://kanaanonline.org/ebulletin-ar/?p=1028

والثانية:

http://kanaanonline.org/ebulletin-ar/?p=1032

والثالثة:

http://kanaanonline.org/ebulletin-ar/?p=1034

والرابعة:

http://kanaanonline.org/ebulletin-ar/?p=1040

الحلقة الخامسة والاخيرة:

الخلاصة

من تفكيك مفاصل الدولة القطرية إلى إسقاط سلطتها

طالما بقي النظام الراسمالي العالمي مهيمناً، ويزداد هيمنة رغم أزمته الأخيرة، ويزداد شراسة في الدفاع عن اغتصابه للأكثرية الشعبية على صعيد عالمي، تبقى قضيتا القومية والاشتراكية في مركز الصراع الدائر على صعيد عالمي فهو يفترضهما ويتناقض معهما بما هما اليوم، في المحيط على الأقل سلاح الطبقات الشعبية وشرورة وجودها وانتصارها. ولا يقلل من هذا اتخاذ الصراع الطبقي تحديداً أشكالاً متعددة وليس الشكل العنيف وحده والذي يشكل جوهر الصراع الطبقي. وهذا العنف ليس من اختراع الطبقة العاملة/الطبقات الشعبية/ الأمم المُستغلَّة والمُخضعة والمُحتلة، بل هو من مبتدأ وجود راس المال استمراراً في تثبيته لسيطرته وقمعه لضمان تواصل عمل خط الإنتاج داخل البلد الواحد وبزل القيمة الزائدة و/أو تواصل نهب المحيط. فلو كان لراس المال أن يرفع يده عن استغلال الطبقات وحتى الأمم، كما حلم كثيرون، لما كان لجوء المضطَهَدين إلى العنف الثوري سوى بطراً وفنتازيا.

ولكي لا نبتعد عن موضوعنا، فإن المسألة القومية باقية في مركز الصراع طالما لم يسقط النظام الراسمالي، وكما اشرت في غير موضع، فإن الطبقات والنخب الحاكمة/المالكة على صعيد عالمي ما تزال تعمل في النطاق القومي، فقرار النظام العالمي هو من المركز، ومصير النهب وبزل فائض القيمة ينتهي إلى المركز، وإلا كيف تراكم ما اسميته منذ خمس عشرة سنة ” الأموال الكسولة Lazy money ” في المركز حتى حولته إلى حي بن يقظان الذي لم يعد قادر على إدارة جبال المال من حوله، فكان انفجار الفقاعة في أميركا لينتشر الوباء منها إلى العالم باسره. لكن تراكم او تمركز القرارين الإداري والمالي لراس المال في المركز لا يعني بالضرورة أن الطبقات الشعبية هناك ذات نصيب فيهما كما هي البرجوازية. وربما الأمر عكس ذلك حيث كان لهذا التركز دوره في رشوة قيادات في الحركة العمالية وتعميق الهيمنة الإيديولوجية لرأس المال والسوق على وعي الطبقات الشعبية.

باختصار، حتى خلال الأزمة، وربما بسبب الأزمة يظل راس المال استقطابياً، وهذا يضع المحيط، وخاصة الوطن العربي أمام تحدٍ قومي وليس طبقي وحسب، وكما اشرنا فالتحدي القومي في الوطن العربي يتخذ حالة صراع قومي من جهة وطبقي من جهة ثانية. قومي ضد المركز الذي:

□ يحتل او يستغل أو “حتى يستوطن أجزاء من الوطن العربي من سبتة ومليلية إلى فلسطين فالجولان فسيناء فالعراق فالجزر الإماراتية فالأهواز فالإسكندرون، وقد تكون هناك بقاعاً لا نعرف عن وضعها كجزر القمر”.

□ أو يشن المركز حروبه ضد بلدان عربية مباشرة منه أو عبر أنظمة وظيفية كالكيان الصهيوني الإشكنازي أو إثيوبيا…الخ.

أو صراع طبقي ضد الأنظمة القطرية لراس المال الكمبرادوري الذي يشكل مع نخب أخرى حالة من الكمبرادور السياسي والاقتصادي والثقافي. وهذا النضال الطبقي هو نضال قومي للقومية الكامنة ضد القومية المزيفة الحاكمة التي تحاول الهيمنة على وعي الطبقات الشعبية.

ولكي لا نخدع الأجيال الطالعة في الوطن والعالم، فإن هذه المعركة متواصلة منذ هيمنة النظام الرأسمالي العالمي، لا بل منذ تبلوره وعبر تطبيق الاستراتيجية، التي ربما ليست مكتوبة نصاً، لكنها مطبقة فعلاً، وهي “لا أوربا بعد أوروبا” هي معركة بين الغرب والآخرين كما قيل The West and the Rest، وليس المقصود بالآخرين هنا مجرد حديث خيالي أو شاعري، بل مقصود كل العالم خارج الغرب الراسمالي مقابل هذا الغرب (سواء في أوروبا أو المستوطنات البيضاء التي ولدت من رحم أوروبا ولكنها أُقيمت على أراضي الآخرين) ! ومن هنا موقع الكيان الصهيوني في الموقف ضد الآخرين أو (الغوييم) ولكن جوهرياً ليس على اساس ديني كما يزعم الهّبّل السلفي، بل على اساس تحصيل الربح الأقصى بالإخضاع الأقصى.

لا أوروبا بعد أوروبا إذن، وليس فقط “لا يابان بعد اليابان”، وفي هذه المقولة بشقيها يكمن شقاء الأمة العربية، التي تُستهدف كل يوم، وتقاوم كل يوم، وهذا ما يعطي القومية العربية والقوميات الشريكة لكل الطبقات الشعبية في الوطن جوهرها الثوري وجوهرها الاشتراكي. هي أمة مشتبكة، وهذا ما يجب او يولد المثقف العضوي المشتبك، وليس فقط المنتظر على شاطىء المعركة التي تخوضها الطبقات الشعبية منظمة او بلا تنظيم، ممثلة أو بغياب ممثليها.

لا أوروبا بعد أوروبا بمعنى أن موجة القوميات الأولى في أوروبا انتهت كاستعمارية وإمبريالية، وقفت وتقف ضد تطور أية قومية أخرى، وكأنها قومية المركز ضد قومية المحيط. الأولى استعمارية والثانية ثورية. وإلا، فما معنى دولة صغيرة ومتخلفة نسبياً عن أوروبا الغربية مثل التشيك، التي أصرَّت على إرسال مئة جندي “مساهمة ” في احتلال العراق، “على قدر أهل العزم تأتي العزائم!” وقام حاكمها بتأييد المذبحة الصهيونية ضد عزة، ووقفت مؤخراً ضد مؤتمر ديربن في جنيف مدافعة عن الصهيونية؟ إذا كانت هذه تشيكيا الصغيرة التي أرسلت باخرة محملة بالأسلحة للكيان الصهيوني عام 1947 ، وهي في ظل “الاشتراكية”، فما حال فرنسا التي حاولت ضمان تأبيد بقاء الكيان الصهيوني افشكنازي العدواني بأن أهدته المفاعل النووي في ديمونا. بهذه اللغة والمعطيات يجب أن نُعرِّف الجيل الجديد على طبيعة المعركة وطبيعة العدو إلى أن يتغير. والمهم، كيف نقاوم كل هذا؟ هل بحفنة رجال شرطة من هذه المشيخة او تلك، من ذاك الكنتون أو ذاك، أم بالمشروع القومي النهضوي للطبقات الشعبية على صعيد الأمة العربية وشريكاتها في الوطن؟

وكما هو حال نضال الطبقات الشعبية في المركز والعالم ضد راس المال بأنه نضال عنف مرغمين عليه وليس لأن هذه الطبقات مأخوذة “بروعة” العنف” فإن سواد وسيطرة أوروبا بل شقي الأطلسي هو عدوان متواصل للمركز ضد القومية العربية منذ محمد علي وهي معركة امتدت قرنين إلى أن هُزمنا في سبعينات القرن العشرين وحتى اوائل الواحد والعشرين.

من قبيل محاولة البلاغة اللغوية وحسب، أن نسمي هذا العدوان المتواصل لقرون، انقلاباً. فحقيقته أن هناك خطة ضخمة تتخذ حالات انقلاب أو مؤامرة في لحظات، أما هدفها فهو النهب المتواصل. لقد شاركت وتشارك في الانقلاب ضد الأمة العربية ثلاثة أطراف اساسية وشريحتين تابعتين:

o المركز الإمبريالي والصهيونية كمركز القيادة في التجزئة والكنتنة

o الإسلام السياسي الكلاسيكي الذي كان ولا يزال يفتح معركته ضد الأمة العربية وبالطبع القومية العربية، منكراً وجودها قبل الإسلام، ولكن لسوء حظه تولد عنه رغما عنه نقيضه الجهادي. وهو تولد ناتج عن حيوية الأمم للدفاع عن ذاتها[1].

o أنظمة القطرية الكمبرادور القومية الحاكمة التي تتولد عنها نقيضتها ايضاً القومية الكامنة حراك الشارع، وبروز المثقفين العضوييين المشتبكين.

في الذيل من هذه هناك القوى الاشتراكية التي وقفت ضد الأمة العربية ومع الكيان الصهيوني لنرى فيها لوحة فريدة ربما هي الوحيدة التي التقت فيها الستالينية المتخلفة فكريا مع اليسار الغربي إبن السكرتيرة[2] ومنها الأجنحة التروتسكية المخترقة صهيونياً.

لا بد كذلك من الحذر من طرح يدور هذه الأيام، وهو استمرار لطرح ربما بدأ منذ منتصف القرن العشرين بشأن انتهاء عصر الدولة القومية، وحلول الشركات الكبرى محلها أو حلول الإمبراطورية الأميركية…الخ. فاليوم تركز مؤتمرات العشرين على رفض الحمائية الاقتصادية ورفض دور الدولة الوطنية. وكل هذا يدور في نطاق تبرير وتسهيل هيمنة راس المال من المركز على المحيط، وعلى الراس من المحيط الوطن العربي ليبقى منهوباً برضى المنهوبين منه.

إن المسألة بالعكس، فالنضال القومي للطبقات الشعبية العربية، كما كل المحيط، هو الذي يقرب نهاية مصير راس المال، في المركزخاصة، سواء بمقاطعته او وقف التبادل اللامتكافىء، أو طرده من المستعمرات، أو الاحتفاظ بالفائض في البلد نفسه، أو تأميم ما يسمى مصالحه في هذه البلدان، أو اعتماد قانون قيمة وطني مواز لقانون القيمة العالمي وصولاً بالطبع إلى إلغاء القيمة والانتقال الاشتراكي.

إن حماية الاقتصاد القومي، وهي في الأساس اقتصاد الطبقات الشعبية، هي معركة ضد “أممية راس المال” التي هي جوهرياً مصالح الطبقات الراسمالية على صعيد عالمي، تنتقل اليوم من الثمانية إلى العشرين. وهذا يجعل من خزعبلات “القرية العالمية”، الأسرة الدولية…الخ” الأفيون الحقيقي للشعوب. ستبقى قريتهم العالمية من ضاحيتين Down Town and Shanty Town مركز/محيط وفي افضل الأحوال سيُلحق برجوازيو المحيط بالمركز؟ لا شيىء تغير: بقي الفقراء تابعين، يعملون بما يشبه المجان، ويموتون على شواطي جنة أوروبا! فرفض الحمائية ليس سوى تسويق انتاج المركز في المحيط (مركز منتج قائد مجمع للثروة، ومحيط يستهلك وينزف ويتبع) من هنا القومية ضرورية وحتى الأوتاركية. بكلمة أخرى، أية قرية التي تضم بيل جيتس، وصومالي يموت جوعاً، بئست “القرية الظالم أهلها”.

اذن يبقى الأمر هو:

قومية حاكمة : رجعية مرتبطة وعميلة وتندمج في عالمية راس المال

وقومية كامنة: ثورية واشتراكية وتندمج في أممية الطبقات الشعبية. ولهذه القومية دورها الواضح في تقويض المركز ومن هنا ثوريتها وعدائه لها، ومن هنا هي حليفة الطبقات الشعبية في المركز.

ومرة أخرى، فالأمة العربية واقعة تحت الاستهداف الأقصى من المركز وحلفائه، ربما في هذه الحقبة بالذات، أكثر من غيرها، ليس لأن هذا الوطن هو الأغنى والأخصب، بل لأسباب أهمها:

□ لأنها عاجزة بعد عن الدفاع عن نفسها مما جعل ثرواتها مستباحة، فلا بد أن يستميت العدو لإبقاء التجزئة

□ ولأنها بسبب النفط تمتلك سيولة مالية في حقبة اصبحت هذه السيولة دواء استمرار النظام الرأسمالي لا سيما في مركز المراكز، اي الولايات المتحدة.

من هنا، يصبح الوقوف ضد الوحدة العربية والأمة العربية هو وقوف رجعي بامتياز، وعمالاتي بوضوح. ومن هنا كانت ضرورة، ونأمل فائدة، ما كتبناه بتواضع ضد الدولة القطرية، (في حلقات سابقة) سواء عن قطريتها أو وجوب تفكيك مفاصلها أو في هذه الحلقات الخمس.

لقد حاولت في هذه الحلقات الخمس ترسيم كثير من القضايا، وحتى المغامرة بطرح قضايا ليست مألوفة، بل ويتربص بها أعداء متعددون، ولكن أود هنا إعادة ترسيم وتوضيح المسألة الجوهرية في حق العرب في الوحدة كطبقات شعبية، دون إغفال قط لواقع المساواة مع القوميات والإثنيات الأخرى الأصيلة في هذا الوطن، وهذا التوضيح يقوم على المثلث التالي، الذي أُشير إليه في الحلقات السابقة:

أولاً:وجود أمة على أرضها وحده الوجود الشرعي

ثانياً:امتداد الأمة في زمان هذا المكان ،الحيِّز، في التاريخ

ثالثاً:وجود مشروع لهذه الأمة هو مشروعها القومي للطبقات الشعبية، مشروع المصلحة المادية للطبقات الشعبية الذي يساهم في إنقاذ الوطن والعالم ليعبر الاشتراكية.

هذا لا يستثني اللغة والعادات والدين…الخ، لكننا اليوم في عصر يستوجب بلورة مشروعنا الوحدوي والاشتراكي القائم على ما يدفع الطبقات الشعبية لمشروع نضالي متميز عن ومضاد لِ مشروع التبعية لراس المال الكمبرادوري.

هذا المثلث يفترض مثلثاً آخر بالضرورة وهو:

أولاً:التقاط القوى الثورية بمن فيه المثقفين الثوريين المشتبكين للحظة الشعبية الحالية في الوطن العربي، لحظة الفوران لصالح المقاومة في العراق وفلسطين ولبنان،

وثانياً:التقاط اللحظة الحبلى بالمتغيرات بسبب الأزمة الراسمالية العالمية ولا سيما تراخي قبضة عتاة راس المال.

وثالثاً:توظيف هذه وتلك لتفكيك مفاصل الدولة القطرية وصولاً إلى إسقاط السلطة القطرية وتحقيق الوحدة والإشتراكية.

ملاحظة من المحرر

ورد في الفقرتين التاليتين من الحلقة الثانية بالخطأ ما يلي:

1) الفقرةالتالية من ص 7 من الحلقة المذكورة، تكون الكلمة الأخيرة فيها أكثر (لذا اعدنا كتابتها بالأحمر) وليست اقل:

كانت قمة الاستخفاف بغير علم في موقف الاتحاد السوفييتي في عهد ستالين أو الطرح الستاليني الذي اعتبر الأمة العربية “أمة في طور التكوين”، واعتبر في الوقت ذاته أن الكيان الصهيوني سيكون قاعدة للاشتراكية في المنطقة. مأخوذا بحركة الكيبوتصات التي كانت مصيدة لليهود ذوي النزعة اليسارية الذين لم يكن لهم ليصمدوا ضمن مشاريع خاصة سواء يقيموها أو يقيمها غيرهم من الراسماليين. لكنهم كانوا يهوداً وصهاينة، أما الاشتراكية فكانت صيغة من النوع الرديىء الذي يذوب مع الندى، فما بالك بالغسيل. اما هذه الكيبوتصات، فكانت مختبر خداع الكثيرين من يسار العالم الأبيض والعنصري كذلك، ولولا عنصريته لفهم أنه يتعاطف مع مستوطنة بيضاء. وهذا يعني أن تضمُّخه بالعنصرية والمركزانية الأوروبية كاناكثرتاثيراً عليه من الفكر الاشتراكي.

2) والفقرة التالية هي الأخيرة من نفس الحلقة حيث وردت في نهايتها كلمة المحيط، والصحيح في المركز، وكتبناها بالأحمر كذلك.

لكن اللافت، أن الصراع الطبقي في المركز طالما تم التجاوز عليه بآليات هي اساساً تصبح آليات ممكنة لخصي نضال الطبقات الشعبية لأنها اي هذه الآليات تضمن تدفق الفائض من المحيط إلى المركز، مما يرشي الطبقة العاملة هناك.إذن، فإن النضالات القومية في المحيط ضد الاستعمار ومحاولات تجريد برجوازية المركز من تثبيت نفسها عبر استخدام فوائض المحيط هو نضال تقدمي، بل يشكل رافعة لنضال الطبقات الشعبية في المركز.


[1] لا بد من الحذر من السقوط في التبعية للمركزانية الأوروبية البيضاء “اليسارية” هذه المرة التي تربى الكثيرون منا على يديها في الوقوف ضد القومية عامة والإسلام باكمله، فأصبح بيننا من اضاع كافة الثقافة الثورية الاشتراكية او الماركسية أو الشيوعية ولم يحتفظ إلا بموقف ضد العروبة وضد الإسلام ليجد نفسه في الطابور الآخر شاء أم ابى.

[2] هو اصطلاح يبين كيف يتولد عن الاستغلال الجنسي للرجال أولاد سفاحون من استغلال السكرتيرات، وقصدت فيه أن اليسار الذي يدعم الإمبريالية في النهاية، في المعركة الفاصلة يقف لصالحها، كما فعلت قوى يسارية غربية إبان تدمير العراق عام 1991، حيث وقف هؤلاء مع العدوان، كان هؤلاء مثابة ابناء السكرتيرة لراس المال بنظامه العالمي. أنظر مقالتي في كتاب:

See, Adel Samara, The New International Order, in The Gulf War and the New World Order, ed by Haim Bresteet and Nira Yuval Davis, Zed Books, 1991.