يوليو 2009

العمل المغترب

31 يوليو 2009

كارل ماركس

من المخطوطات الاقتصادية و الفلسفية ( 1844 )

ترجمة مازن كم الماز

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1974)

…علينا الآن أن ندرك الصلة الضرورية بين الملكية الخاصة، الجشع، تقسيم العمل، رأس المال و الملكية العقارية، التبادل و المنافسة، قيمة و تخفيض قيمة الإنسان، الاحتكار، والمنافسة، الخ - الصلة بين نظام الاغتراب هذا بمجمله و نظام النقود.

يجب أن نتجنب تكرار خطأ الاقتصادي السياسي، الذي يقيم تفسيراته على بعض الظروف البدائية المتخيلة. إن ظرفا بدائيا كهذا لا يفسر أي شيء. إنه ببساطة يدفع السؤال إلى مسافة غامضة و رمادية. إنه يفترض كحقائق وأحداث ما يفترض به أن يستنتجه - أعني، العلاقات الضرورية بين شيئين، مثلا بين تقسيم العمل و التبادل. بالمثل يفسر علم اللاهوت أصل الشر بسقوط الإنسان - ذلك يعني أنه يفترض كحقيقة في شكل تاريخ ما عليه أن يفسره. سنبدأ من الواقع الاقتصادي اليوم. يصبح العامل أكثر فقرا كلما أنتج ثروة أكثر، كلما زاد إنتاجه قوة واتساعا. يصبح العامل حتى سلعة أرخص كلما زاد ما ينتجه من السلع. إن انخفاض قيمة العالم الإنساني تزداد في تناسب مباشر مع زيادة عالم الأشياء. لا ينتج العمل السلع فقط، إنه أيضا ينتج نفسه و العمال أنفسهم كسلعة وهو يفعل ذلك بنفس النسبة التي ينتج بها السلع عموما.

تعني الحقيقة ببساطة أن الشيء الذي ينتجه العمل، نتاجه، يقف معاديا له كشيء غريب، كقوة مستقلة عن المنتج. إن نتاج العمل هو العمل المتضمن والذي أصبح مجسدا في شيء، إنه تشييء للعمل. إن تحقق العمل هو تشييئه. في مجال الاقتصاد السياسي، يظهر تحقق العمل هذا كفقدان لواقعية العامل، التشييء كفقدان للشيء والعبودية له، الاستيلاء كانتماء، كاغتراب.

هكذا يظهر تحقق العمل إلى هذه الدرجة كضياع للواقع لدرجة أن العامل يفقد واقعيته لدرجة الموت من الجوع. إلى هذه الدرجة يبدو التشيؤ كفقدان للشيء بحيث أن العامل تنتزع منه الأشياء التي يحتاجها بشدة ليس فقط ليعيش بل أيضا ليعمل. يصبح العمل نفسه شيئا يمكن الحصول عليه فقط من خلال جهد شديد و مع انقطاعات تشنجية. إلى هذه الدرجة يبدو استملاك الشيء كاغتراب بحيث أنه كلما زاد إنتاج العامل من الأشياء كلما قلت الأشياء التي يملكها و كلما زاد وقوعه تحت سيطرة إنتاجه، سيطرة رأس المال.

كل هذه النتائج مشمولة في هذه الخاصية، بحيث أن العمال يرتبطون بمنتج العمل كما لو أنها شيء غريب عنهم. لأنه من الواضح وفقا لهذه المقدمة أنه كلما زاد العامل من اجتهاده في عمله كلما زادت قوة العالم المغترب المتشيئ (الموضوعي) الذي يخلقه، ضده هو، و كلما أصبح هو وعالمه الداخلي أكثر فقرا، و كلما ضعف انتسابهم إليه. إنه نفس الشيء في الدين. كلما اندس الإنسان أكثر في الإله كلما قل حفاظه داخل نفسه. يضع العامل حياته في الشيء، لكنه لم تعد تنتمي إليه بعد اليوم، بل إلى ذلك الشيء. لذلك كلما كان نشاطه أكبر كلما كانت الأشياء التي يملكها أقل. ما يشكل نتاجا لعمله، فإنه ليس هو. لذلك كلما كان هذا الإنتاج أكبر، كلما كان هو نفسه أقل. يعني تجسيد العامل في إنتاجه ليس فقط أن عمله قد أصبح شيئا، وجودا خارجيا، بل أنه يوجد خارجه، بشكل مستقل عنه و مغترب عنه، و أشياء تواجهه كقوة مستقلة، أن الحياة التي منحها للأشياء تواجهه كعدو و كشيء مغترب.

لنلق الآن نظرة أقرب على التشيؤ، على إنتاج العامل، والاغتراب، فقدان الشيء، فقدان إنتاجه، الذي يتضمنه. لا يمكن للعامل أن يخلق أي شيء من دون الطبيعة، دون العالم الخارجي الملموس. إنها المادة التي بواسطتها يحقق العمل نفسه، التي بها يكون فاعلا والتي منها، ومن خلال وسائلها، ينتج.

لكن كما توفر الطبيعة للعمل وسائل الحياة، بمعنى أن العمل لا يمكنه أن يعيش دون أشياء يمكن أن يمارس نفسه من خلالها، فهي لذلك أيضا توفر وسائل الحياة بالمعنى الأضيق، أي وسائل الوجود الفيزيائي (أو المادي) للعامل. كلما زاد استملاك العامل للعالم الخارجي، الطبيعة الملموسة، من خلال عمله، كلما زاد حرمانه لنفسه من وسائل الحياة من وجهين : أولا، يصبح العالم الخارجي الملموس شيئا ينتمي إلى عمله بشكل أقل فأقل، وسيلة حياة لعمله، و ثانيا، كلما أصبح أقل فأقل وسيلة للحياة بالمعنى المباشر، أي وسيلة للوجود المادي للعامل.

بهذين الوجهين، إذا، يصبح العامل عبدا لشيئه، أولا في أنه يتلقى شيئ العمل، أي أنه يتلقى العمل، و ثانيا، في أنه يتلقى وسائل وجوده. أولا عندها بحيث يمكنه أن يوجد كعامل، و ثانيا كذات مادية (أو كموضوع مادي أو فيزيائي). ذروة هذه العبودية هي أنه كعامل فقط يمكنه أن يحافظ على وجوده كذات مادية و أنه فقط كذات مادية يكون عاملا. ( يعبر عن اغتراب الإنسان في شيئه وفقا لقوانين الاقتصاد السياسي بالطريقة التالية : كلما أنتج العامل أكثر، كلما قل ما يملكه ليستهلك، كلما زادت القيمة التي يخلقها، أصبح فاقدا أكثر للقيمة، كلما زاد تجسد إنتاجه كلما زاد العامل تشوها، كلما زاد تحضر شيئه (أي إنتاجه - المترجم) كلما زادت بربريته، كلما زادت قوة العمل، كلما زاد عجز العامل، كلما أصبح العمل أكثر ذكاءا، كما زاد العامل غباءا وأصبح أكثر عبدا للطبيعة). يدخل الاقتصاد السياسي الاغتراب في طبيعة العمل بتجاهل العلاقة المباشرة بين العامل (العمل) والإنتاج. من الصحيح أن العمل ينتج المعجزات ( أو الأعاجيب ) للأغنياء، لكنه ينتج الحرمان للعامل. إنه ينتج القصور، لكن فقط الأكواخ للعامل. إنه ينتج الجمال، لكنه ينتج البشاعة فقط للعامل. إنه يستبدل العمال بالآلات، لكنه يلقي ببعض العمال خلفا نحو أشكال بربرية من العمل و يحول آخرين إلى آلات. إنه يخلق الذكاء لكنه يخلق الحماقة والقماءة للعامل. إن العلاقة المباشرة للعمل بإنتاجه هي علاقة العامل بأشياء إنتاجه. إن علاقة الإنسان الثري بأشياء الإنتاج و بالإنتاج نفسه هو فقط نتيجة لهذه العلاقة الأولى، و تؤكدها. سندرس هذا الجانب الثاني فيما بعد.

لذلك عندما نسأل ما هي العلاقة الأساسية للعمل، فإننا نتساءل عن علاقة العامل بالإنتاج. لقد اعتبرنا الاغتراب حتى الآن، اغتراب العامل، فقط من جانب واحد - أي علاقته بمنتجات عمله. لكن الاغتراب يعبر عن نفسه ليس فقط في النتيجة، بل أيضا في فعل الإنتاج، داخل فعالية الإنتاج نفسها. كيف يمكن لنتاج نشاط العامل أن يواجهه كشيء غريب إذا لم يكن في الواقع يبعد نفسه أثناء فعل الإنتاج عن نفسه ؟ فالإنتاج في نهاية المطاف هو ببساطة خلاصة أو مجمل الفعالية، والإنتاج. لذا إذا كان نتاج العمل هو الاغتراب، يجب أن يكون الإنتاج نفسه اغترابا فعالا، هو اغتراب الفعالية، فعالية الاغتراب. يلخص اغتراب الشيء عن العمل الاغتراب فقط، الاغتراب في فعالية العمل نفسها.

ما الذي يشكل اغتراب العمل ؟ أولا واقع أن العمل شيء خارجي بالنسبة للعامل - أي لا ينتمي إلى وجوده الضروري، وأنه لذلك لا يقوي أو يثبت نفسه في عمله، بل إنه ينكر ذاته، يشعر بالبؤس و أنه غير سعيد، لا يطور طاقة عقلية وجسدية حرة، بل يميت جسده و يدمر عقله. بالتالي يشعر العامل بنفسه فقط عندما لا يعمل، وعندما يعمل لا يشعر بنفسه. إنه في منزله عندما لا يعمل، و ليس في منزله عندما يعمل. لذلك فإن عمله غير طوعي بل قسري، إنه عمل سخرة. إنه لذلك ليس إشباعا لحاجة بل مجرد وسيلة لتلبية الحاجات خارجه. إن صفته المغتربة تظهر بوضوح في واقع أنه ما أن تزول الإكراهات المادية أو غيرها حتى يتجنبه كالطاعون. العمل الخارجي، العمل الذي يغترب فيه الإنسان عن نفسه، هو عمل تضحية بالنفس، إماتة الجسد. أخيرا، تتجلى الصفة الخارجية للعمل عن العامل في حقيقة أنه لا ينتمي إليه بل إلى شخص آخر، و أنه خلاله لا ينتمي إلى نفسه بل إلى شخص آخر.

تماما كما في الدين تعزل الفعالية العفوية للمخيلة الإنسانية، الدماغ البشري، والقلب البشري، نفسها عن الفرد و تعاود الظهور كفعالية مغتربة للإله أو الشيطان، بحيث أن نشاط العامل ليس نشاطه العفوي. إنه ينتمي للآخرين، إنه فقدان لذاته.

النتيجة هو أن الإنسان (العامل) يشعر أنه يتصرف بحرية فقط في أعماله أو وظائفه الحيوانية - الأكل، الشراب، و التناسل، أو في أقصى حد في منزله و زينته - بينما في وظائفه الإنسانية فإنه ليس أكثر من حيوان. صحيح أن الأكل و الشراب والتناسل، الخ، هي أيضا وظائف إنسانية أصيلة. لكن عندما يجري تجريدها عن بقية جوانب النشاط الإنساني و تحول إلى أهداف نهائية و حصرية، عندها تكون حيوانية.

لقد اعتبرنا فعل اغتراب النشاط الإنساني العملي، العمل، من وجهين : (1) علاقة العامل مع نتاج العمل كشيء مغترب ذا سلطة عليه. العلاقة هي في نفس الوقت علاقة مع العالم الخارجي الملموس، مع أشياء الطبيعة، كعالم غريب يواجهه، في معارضة عدائية. (2) علاقة العمل مع فعل الإنتاج داخل العمل. هذه العلاقة هي علاقة العامل مع نشاطه الخاص كشيء مغترب ولا ينتمي إليه، النشاط كسلبية أو لا فعالية، قوة على أنها عجز، التناسل على أنه خصاء، طاقة العامل الخاصة الجسدية والذهنية، حياته الشخصية - لأن الحياة ليست سوى النشاط أو الفاعلية ؟ - كنشاط موجه ضده، مستقل عنه ولا ينتمي إليه. الاغتراب الذاتي، مقارنة مع الاغتراب المشيء المذكور أعلاه.

علينا الآن أن نشتق ميزة ثالثة للعمل المغترب من الميزتين اللتين درسناهما الآن.

الإنسان هو كائن ينتمي إلى جنس (أو نوع)، ليس فقط لأنه يجعل من النوع عمليا ونظريا - سواء جنسه أو جنس بقية الأشياء - شيئا له، بل أيضا - وهذه ببساطة طريقة أخرى لقول نفس الشيء - أنه ينظر إلى نفسه كجنس حي راهن، لأنه ينظر إلى نفسه ككائن كوني و بالتالي فهو حر.

حياة الأجناس، سواء للإنسان أو للحيوانات، تكمن ماديا في واقع أن الإنسان، مثل الحيوانات، يعيش على الطبيعة غير العضوية، ولأن الإنسان أكثر كونية من الحيوانات، فكذلك أيضا مساحة الطبيعة غير العضوية التي يعيش عليها أكثر كونية. تماما كما تشكل النباتات، الحيوانات، الحجارة، الهواء، الضوء، الخ، نظريا جزءا من الوعي الإنساني، جزئيا كمواضيع للعلم وجزئيا كمواضيع للفن - طبيعته الروحية غير العضوية الخاصة، وسائله الروحية للحياة، التي عليه أن يعدها أولا قبل أن يستمتع بها و يهضمها - لذلك أيضا فإنها تشكل في الممارسة جزءا من الحياة الإنسانية و النشاط الإنساني. بالمعنى المادي، يعيش الإنسان فقط من هذه المنتجات الطبيعية، سواء في شكل الغذاء، التدفئة، اللباس، المأوى، الخ. تظهر كونية الإنسان نفسها في الممارسة في أن هذه الكونية تجعل من مجمل الطبيعة جسده غير العضوي، (1) كوسيلة مباشرة للحياة و(2) كمادة، شيء، وأداة لفعالية حياته. إن الطبيعة هي جسد الإنسان غير العضوي - مما يعني القول الطبيعة بقدر ما تكون غير هذا الجسد الإنساني. يعيش الإنسان من الطبيعة - ذلك يعني أن الطبيعة هي جسده - وأن عليه أن يحافظ على حوار مستمر معها كي لا يموت. القول بأن الحياة الفيزيائية و العقلية للإنسان ترتبط بالطبيعة يعني ببساطة أن الطبيعة ترتبط بنفسها، لأن الإنسان هو جزء من الطبيعة.

العمل المغترب ليس فقط (1) يؤدي لاغتراب الطبيعة عن الإنسان و(2) اغتراب الإنسان عن نفسه، عن وظيفته الخاصة، عن نشاطه الخاص، وبسبب هذا، فإنه يؤدي لاغتراب الإنسان عن نوعه أو عن جنسه. إنه يحول حياة جنسه إلى وسيلة لحياة الفرد. أولا إنه يؤدي لاغتراب حياة جنسه و حياة الفرد، و ثانيا، إنه يحول هذا الأخيرة، في شكلها المجرد، إلى هدف للأولى، أيضا في شكلها المجرد والمغترب.

لأن العمل أولا، نشاط الحياة، الحياة المنتجة نفسها، تبدو للإنسان فقط كوسيلة لإشباع حاجة، حاجة الحفاظ على الوجود المادي. لكن الحياة المنتجة هي حياة النوع نفسه. إنها الحياة و هي تنتج الحياة. إن مجمل خاصية النوع، نوع الميزة أو الخاصية، تكمن في طبيعة نشاط حياتها، و النشاط الواعي الحر الذي يشكل خاصية النوع عند الإنسان. تظهر الحياة فقط كوسيلة للحياة.

يوجد الحيوان مباشرة مع نشاط حياته. إنه لا يتمايز عن هذا النشاط، إنه ذلك النشاط بالذات. يجعل الإنسان من نشاط حياته ذاته موضوع إرادته ووعيه. لديه نشاط حياة واعي. ليس الموضوع حتميا عندما يندمج ( يتوحد ) مباشرة. يميز نشاط الحياة الواعي الإنسان مباشرة عن فعالية حياة الحيوانات. فقط نتيجة هذا فهو كائن ينتمي للنوع. أو بالأحرى أنه كائن واع - أي أن حياته الخاصة هي موضوع بالنسبة له، فقط لأنه كائن ينتمي للنوع. فقط بسبب ذلك فإن نشاطه يكون حرا. يقلب العمل المغترب العلاقة بحيث أن الإنسان يجعل، فقط لأنه كائن واع، من نشاط حياته، من وجوده، مجرد وسيلة لوجوده.

إن الخلق العملي للعالم الموضوعي، ترتيب الطبيعة غير العضوية، هو إثبات على أن الإنسان كائن ينتمي للنوع أو الجنس واع - أي كائن يعامل الأجناس على أنها وجوده الضروري أو نفسها ككائنات جنسية أو نوعية. من الصحيح أن الحيوانات تنتج أيضا. إنهم يبنون أعشاشا و منازلا، مثل النحل، القندس، النمل، الخ. لكنهم ينتجون فقط حاجاتهم الخاصة المباشرة أو الآنية أو حاجات صغارهم، إنهم ينتجون فقط عندما تدفعهم حاجاتهم المادية المباشرة لفعل ذلك، فيم ينتج الإنسان حتى عندما يكون متحررا من الحاجة المادية وهو حقيقة ينتج فقط عندما يكون متحررا من حاجة كهذه، إنهم ينتجون أنفسهم فقط، فيم يعيد الإنسان إنتاج الطبيعة كلها، تعود منتجاتهم فورا لأجسامهم المادية، حيث يواجه الإنسان نتاجه الخاص بحرية. تنتج الحيوانات فقط وفقا لمعايير وحاجات الأنواع التي تنتمي إليها، فيم يستطيع الإنسان أن ينتج وفقا لمعايير كل نوع و أن يطبق معياره المتأصل على كل شيء، بالتالي ينتج الإنسان أيضا بالتوافق مع قوانين الجمال.

لذلك ففي تشكيله لأهدافه يثبت الإنسان أنه كائن ينتسب للنوع أو الجنس. إنتاج كهذا يصبح حياة نوعه أو جنسه الفعالة. من خلالها تبدو الطبيعة على أنها عمله وواقعه. لذلك فإن موضوع العمل، هو تشييئ حياة نوع الإنسان : لأن الإنسان ينتج نفسه ليس فقط عقليا أو فكريا، في وعيه، بل بشكل فعال و حقيقي، ولذلك يمكنه أن يرى نفسه في عالم خلقه هو نفسه. في إبعاد موضوع إنتاجه عن الإنسان، ينتزع العمل المغترب لذلك منه حياته المرتبطة بالنوع أو الجنس، موضوعيته الحقيقية المرتبطة بالنوع، وتحول أفضليته على الحيوانات إلى عائق بحيث أن جسده غير العضوي، الطبيعة، قد أخذ منه.

بنفس الطريقة يختزل العمل المغترب النشاط العفوي و الحر إلى وسيلة، إنه يجعل حياة نوع الإنسان وسيلة لوجوده المادي.

الوعي، الذي يأخذه الإنسان من جنسه، يحول إلى اغتراب بحيث أن حياة جنسه تصبح وسيلة له. (3) لذلك يحول العمل المغترب حياة نوع الإنسان - كل من الطبيعة و قوة جنسه الفكرية - إلى كائن مغترب عنه و وسيلة لوجوده الفردي. إنه يؤدي لاغتراب الإنسان عن جسده، عن الطبيعة على أنها توجد خارجه، عن جوهره الروحي، عن وجوده الإنساني. (4) نتيجة مباشرة لاغتراب الإنسان عن نتاج عمله، عن نشاط حياته، هو اغتراب الإنسان عن الإنسان. عندما يواجه الإنسان نفسه فإنه يواجه أيضا البشر الآخرين. ما هو صحيح في علاقة الإنسان بعمله، بنتاج عمله، بنفسه، هو صحيح أيضا في علاقته مع البشر الآخرين، مع عمل وموضوع عمل البشر الآخرين.

في العموم يعني افتراض أن الإنسان مغترب عن وجود جنسه أو نوعه أن كل إنسان مغترب عن الآخرين وأن الجميع مغتربون عن جوهر الإنسان. اغتراب الإنسان، مثل كل علاقات الإنسان بنفسه، يتحقق و يعبر عنه فقط في علاقة الإنسان مع البشر الآخرين. في علاقة العمل المغترب، لذلك يعتبر كل إنسان الآخر بما يتماشى مع المعيار والوضع التي يجد الإنسان نفسه فيه كعامل.

بدأنا من حقيقة اقتصادية، اغتراب العامل و إنتاجه. إننا نعطي هذه الحقيقة شكلا مفاهيميا : العمل المغترب المستلب. لقد حللنا هذا المفهوم، وبقيامنا بذلك حللنا ببساطة الحقيقة الاقتصادية.

دعنا الآن ننتقل إلى رؤية كيف يجب على مفهوم العمل المغترب، المستلب، أن يعبر عن نفسه و يعرضها في الواقع. إذا كان إنتاج العمل مغترب عني، و يواجهني كقوة غريبة، فإلى من ينتمي عندها؟ إلى كائن آخر سواي. من هو هذا الكائن ؟ الآلهة ؟ من الصحيح أنه في الأزمنة القديمة كان أغلب الإنتاج - مثل بناء المعابد، الخ، في مصر، الهند و المكسيك - كان في خدمة الآلهة، تماما كما كان الإنتاج ينتمي للآلهة. لكن الآلهة لم يكونوا وحدهم أبدا سادة العمل. نفس الشيء صحيح عن الطبيعة. وأي تناقض سيكون لو أن الإنسان أخضع الطبيعة أكثر من خلال عمله و أصبحت المعجزات الإلهية شيئا غير ضروري بشكل أكبر بسبب معجزات الصناعة، كلما كان مكرها أكثر على التخلي عن السرور أو الإنتاج والاستمتاع بمنتجه بسبب الدفاع عن هذه القوى.

الكائن المغترب الذي ينتمي إليه العمل و نتاج العمل، الذي يجري العمل الخدماتي له، والذي في سبيل متعته يجري خلق نتاج العمل، لا يمكن أن يكون غير الإنسان نفسه. إذا لم يكن نتاج العمل ينتمي إلى العامل، وإذا واجهه كقوة غريبة، فإن هذا ممكن فقط لأنه ينتمي إلى إنسان آخر غير العامل. إذا كان نشاطه تعذيبا له، فإنه يجب أن يوفر السعادة و المتعة لشخص آخر. ليست الآلهة، ليست الطبيعة، بل الإنسان نفسه فقط يمكن أن يكون هذه القوة الغريبة فوق البشر. انظر إلى العرض السابق عن أن علاقة الإنسان مع نفسه تصبح موضوعية وحقيقية بالنسبة له فقط من خلال علاقته بالبشر الآخرين. لذلك إذا اعتبر نتاج عمله، عمله المتشيء، كشيء غريب، معادي و قوي، شيئا قويا ومستقلا عنه، عندها تكون علاقته مع ذلك الشيء بحيث أن شخصا آخر - غريب، معادي وقوي ومستقل عنه - هو سيده. إذا ارتبط بنشاطه الخاص كنشاط غير حر، فإنه يرتبط به كنشاط في خدمة، تحت حكم، إكراه، ونير شخص آخر.

كل اغتراب ذاتي للإنسان عن نفسه وعن الطبيعة يتظاهر في العلاقة التي يقيمها بين بقية البشر مع نفسه و مع الطبيعة. لذلك فإن الاغتراب الذاتي الديني يتظاهر بالضرورة في العلاقة بين الشخص العادي والكاهن، أو، بما أننا نتعامل هنا مع عالم روحاني، بين الإنسان العادي والوسيط ( الروحاني - المترجم )، الخ. في العالم الواقعي، العملي، يمكن للاغتراب الذاتي أن يكشف عن نفسه فقط في العلاقة العملية، الواقعية، مع بقية البشر. الوسط التي يتقدم فيها الاغتراب هو نفسه وسط الممارسة. لذلك من خلال العمل المغترب لا ينتج الإنسان فقط علاقته مع الشيء ومع فعل الإنتاج كقوى غريبة و معادية، إنه ينتج أيضا العلاقة التي يقف فيها بقية البشر تجاه إنتاجه ومنتجه، والعلاقة التي يقف فيها هو تجاه هؤلاء البشر الآخرين. تماما كما يبدع إنتاجه الخاص كفقدان للواقع، كعقاب، ومنتجه الخاص كخسارة، كمنتج لا ينتسب إليه، لذلك فإنه يخلق هيمنة غير المنتج على الإنتاج و نتاجه. كما يغترب نشاطه عنه هو، لذلك فإنه يعطي الغريب و فعاليته ما لا ينتمي إلى هذا الغريب.

حتى الآن درسنا العلاقة فقط من جانب العامل. الآن، سندرسها من جانب غير العامل.

هكذا من خلال العمل المغترب، يخلق العامل علاقة رجل آخر، الذي هو غريب عن العمل ويقف خارجه، مع ذلك العمل. علاقة العامل مع العمل تخلق علاقة الرأسمالي - أو أي كلمة أخرى يختارها المرء لسيد العمل - مع ذلك العمل.

لذلك فالملكية الخاصة هي نتاج، نتيجة، النتيجة الضرورية للعمل المغترب، للعلاقة الخارجية للعامل مع الطبيعة و مع نفسه. هكذا تشتق الملكية الخاصة من تحليل فكرة العمل المغترب - أي الإنسان المغترب، العمل المغترب، الحياة المغتربة، الإنسان المغترب. من الصحيح أنا نأخذ فكرة العمل المغترب (الحياة المغتربة) من الاقتصاد السياسي كنتيجة لحركة الملكية الخاصة. لكن من الواضح من تحليل هذه الفكرة أنه، رغم أن الملكية الخاصة تظهر كأساس و سبب للعمل المغترب، فإنها في الحقيقة نتيجته، تماما كما أن الآلهة لم يكونوا أصلا سبب بل نتيجة التشوش في عقول البشر. أخيرا، لكن هذه العلاقة تصبح تبادلية. فقط عندما يبلغ تطور الملكية الخاصة نقطة ذروته النهائية، الذي هو سرها، تنبثق من جديد، أي، نتاج تحقق هذا الاغتراب.

( تتوقف المخطوطة هنا )

::::

نقلا عن prole.info

المخجل

31 يوليو 2009

توجان الفيصل

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1974)

في قراءة بانورامية لردود الفعل الشعبية العربية، نجد أن حذاء الزبيدي هو وحده المشروع الذي حقق إجماع الشعوب العربية.

تناولت إحدى المواقع الإلكترونية الأردنية موضوع مقالة ولي عهد البحرين في “الواشنطن بوست” في خبر بعنوان: دعوة مخجلة للتطبيع: ولي عهد البحرين يدعو العرب للتواصل مع “الشعب الإسرائيلي”. وموجز ما يقتبس من مقالة ولي عهد البحرين ويلخص فحواها هو أننا “نحن العرب لم نفعل ما فيه الكفاية للتواصل مباشرة مع الشعب الإسرائيلي… وعلينا أن نتقدم الآن نحو سلام حقيقي من خلال التشاور مع شعبنا وتوعيته، وكذلك من خلال مد اليد إلى الشعب الإسرائيلي لتسليط الضوء على فوائد السلام الحقيقي… مهمتنا هي بالتالي أن نقوم برواية تاريخنا مباشرة للإسرائيليين وتمرير رسالتنا إلى وسائل إعلامهم، رسالة تعكس أمال غالبية العرب وتؤكد أن السلام خيار استراتيجي بالنسبة لنا ونقدم المبادرة العربية للسلام بوصفها السبيل لتحقيقه”.

ولا يناقش الخبر فحوى المقالة بأكثر من الإشارة في العنوان لكونها “مخجلة”. ولكنه يربط تلك المقالة بمقالة أخرى للرئيس المصري، الشهر الماضي، في صحيفة “وول ستريت جورنال” يحيي فيها الرئيس أوباما لأنه “فتح الباب” أمام اتفاق سلام في المنطقة وأنه يتعين على العرب أن يفعلوا بالمثل. ويربط الخبر كلا المقالتين بالدعوة الأمريكية للعرب لاتخاذ تدابير ملموسة باتجاه تطبيع علاقاتها مع إسرائيل. ولكن الخبر يعود ليذكر بأن وزير خارجية البحرين، التي لم تعترف بإسرائيل كما يقر الخبر، دعا في الجمعية العمومية للأمم المتحدة في تشرين أول العام الماضي إلى تأسيس تجمع شرق أوسطي يضم، إضافة إلى الدول العربية، كلا من إسرائيل وإيران وتركيا.. وأن الوزير البحراني صرح لصحيفة »الحياة” الصادرة في لندن أن “هذا هو السبيل الوحيد لحل المشاكل القائمة بين دول المنطقة”!!

الخبر بمجمله يؤشر مواربة على دول عربية إلى جانب البحرين التي “لم تعترف بإسرائيل بعد”، ومثله مواربة اقتراح الوزير البحريني في الجمعية العمومية الذي “لم يحدد الدول التي يمكن ضمها”. بمعنى أن هنالك، ومنذ ما قبل دعوة أوباما وكلنتون للعرب للتطبيع، بل ومنذ ما قبل انتخاب أوباما وتعيينه لكلنتون وزيرة لخارجيته، قرون استشعار محلية تعمل في المنطقة على تلمس الطرق التي تمكن من التطبيع. وهو ما يخلي ذمة أوباما وكلنتون، بل وذمة حكومة نتنياهو نفسها التي لم تكن قد انتخبت حين جرى عرض الوزير البحراني لشرق أوسط جديد على طريقة بوش المودّع (بكسرالدال) يقينا ونهائيا للمشهد السياسي حتى داخل حزبه.. والمودّع (بفتح الدال) من الشعوب العربية بحذاء الزبيدي. وفي قراءة بانورامية لردود الفعل الشعبية العربية، نجد أن حذاء الزبيدي هو وحده المشروع الذي حقق إجماع الشعوب العربية، أو أقلّه أيدته “غالبيتها”. ومن هنا فإن تسلح ولي عهد البحرين بتلك الغالبية ليست في مكانها، إلا أن لا يكون جرى أي “تشاور مع الشعوب”، أو أن التشاور جرى وأظهرت نتيجته أن تلك الشعوب أغلبيتها “بحاجة لتوعية” بفوائد التطبيع والشرق الأوسط الجديد الآتي معه.. مما يعيد “المهمة العربية”، أو بشكل أدق “مهمة الأنظمة العربية” إلى الداخل وإلى ما يلزم من “وسائل” قد لا تكون كلها إعلامية، لإنجاز ذلك “التشاور” أو لاستكمال تلك “التوعية”، قبل الحديث مع”الشعب الإسرائيلي” عبر “وسائل إعلامه الوطنية”.

هذا لم يقله الخبر، ولكن نقوله نحن. ولكن ما وجب أن يقوله الخبر “المتقصي” الذي عاد بنا إلى تاريخ البحرين، القصير جدا فيما يتعلق “بالحديث” عن التطبيع والتبشير به وليس ممارسته علنا، والذي تناول مصر أيضا.. هو ما يعني القارئ الأردني أولا بخصوص هذا الشأن الموصوف بأنه »مخجل« لا أقل. وإذا كان العذر الشائع في تناول سياسات مصر دونا عن سياساتنا نحن، هو أنها دولة عربية كبرى، فالبحرين دولة أصغر منا بكثير. وهي بعيدة عن قلب الصراع وليست مهددة بالتحول لوطن بديل لأحد. وكل ما يصدر عنها لا يمثل أي ثقل أكثر من كونه مجرد عينة من حالات عربية أكبر وأخطر، وهي حالات ليست خافية على احد لتصبح العينة الميكروسكوبية ذات أهمية تستدعي وضعها إلى جانب مصر وكأنها بذات الثقل أو تليه على القائمة العربية.

كاتب المقال ولي عهد صغير السن تعوزه الخبرة والكفاءة اللازمة للدخول في حقل السياسة الذي لا يوليه أعداؤنا إلا “للعتاولة”. وهنا يتبين أصل هذا السبق الكبير الذي يتيحه لأعدائنا تحديدا كون ساستهم كلهم منتخبين. وحقيقة “الشعب الإسرائيلي” التي يتوهم البعض، ويؤمّلون لتجر أقدامهم لمزيد من التطبيع، أنهم سيغيرون آراءه ومواقفه ببضعة أحاديث مع الصحافة الإسرائيلية، تتجلى في النظر لقائمة من انتخبهم منذ إنشاء الكيان الإسرائيلي، من أمثال بن غوريون وغولدامائير وشامير ورابين وشارون ونتنياهو، وأيضا في استعراض برامج هؤلاء الانتخابية التي لا تحيد عما يسمونه “حقوق الشعب اليهودي التاريخية”.. بل وفي تذكر أن الذين علا صوتهم الآن بين هؤلاء هم من اغتالوا رابين دون أن ينتظروا الانتخابات ليسقطوه، بظن أنه فرط بجزء من حقوقهم، في حين نلعن نحن لحظة ميلاده كونه من سلبنا على قطعة ورق حقوقا لم تتح له في حروبه معنا على الأرض.. والأهم أن اغتيال رابين لم تسقط أهلية قاتله »كمواطن« إسرائيلي، ولم تسلب أيا من »حقوقه السياسية«، بحيث ذهب القائمون على الانتخابات إليه في سجنه في الانتخابات الرئاسية التالية، ليدلي بصوته في انتخاب الرئيس التالي!!.

هؤلاء هم الناخبون الإسرائيليون، أو كما يسميهم ولي عهد البحرين »الشعب الإسرائيلي«، وليس دونما عذر له يتأتى من مقارنة تفرض نفسها على الأصغر سنا والأقل خبرة، فيما يلتف عليها الأكثر حنكة. وهؤلاء هم الذين أوصلوا، إلى جانب الرؤساء سابقي الذكر وغيرهم ممن لا يستخف بهم عاقل، أعضاء الكنيست الذي صوت أربعة وخمسون من أعضائه على ضرروة جعل الأردن وطنا بديلا، وامتنع ما يقاربهم عددا ويفوقهم دهاء لحين.. بل هم من لم ينتخب ليفني، وهي التي، من موقعها في المعارضة بعد خسارتها وليس من موقعها في الحكم، استطاعت أن تملي تصورها للخطة التي سيأتي بها إلينا

أوباما ووزيرة خارجيته.. هذه الخطة التي ما زال ينتظرها القادة العرب محبوسي الأنفاس، مع أنها كلها مكتوبة ومنشورة ومعروفة منذ قدمتها ليفني للإدارة الأمريكية الجديدة بداية مايو الماضي، أي قبل خطاب أوباما للعرب والمسلمين من القاهرة، وحتى قبل جولته الأولى في المنطقة. وأهم ما أعلنت أمريكا تبنيه في السياسة التي أطلقت ها آرتس عليها “إرث ليفني”، هو خطوات التطبيع المتدرجة المطلوب استخلاصها من العرب في إطار ما يزعم انه عملية سلام إقليمية.

المشكلة ليست في البحرين، ولو كانت لهانت.. المشكلة في أشياء كثيرة »مخجلة« نحاول دفنها تحت وابل تراشق بيني كريه داخل الوطن الواحد، وإن فاض صدرناه ليصبح تراشقا عربيا.. ربما على أمل أن ترد صحافة البحرين فتقول لنا بدورها ما لا نجرؤ على قوله نحن!!

فيروز الرحبانية: لم تطبع فاحتلوا صوتها

31 يوليو 2009

بادية ربيع

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1974)

سيدتي فيروز

قد لا يكون لكاتبة متواضعة مثلي كل تلك الجرأة والحماسة على مكاتبتك، وأنت بمكانتك ومشاغلك معاً. لكن تقلبات هذا العصر غدت تسمح بكل شيء. هل تخيلت مثلاً أن الألفية الثالثة ستُفتتح بتدمير العراق واغتصاب النساء والرجال على حد سواء، ويكتمل ذلك بتدفق السفراء العرب إلى هناك للمباركة بينما يحمل كامل روثهم “أمين” عام جامعة الدول! أو أن كوسوفو المستقلة تعيش من بيع النساء أجسادهن وتشغيل الرجال في صيانة دبابات النيتو! أي مكونات هذه للإنتاج الأهلي الإجمالي!.

فهل هو كثير بعد كل هذا أن أتطاول وأكتب إليكِ عن وجعي!

حديثي إليك عن أخبار خاصة في الأرض المحتلة لا يعرفها العرب، لأن ما يُنقل إليهم هو زيارات هيلاري كلينتون وسابقتها كونداليزا رايس لرام الله ست عشرة مرة. هل يذكرك هذا بشيء في لبنان؟ لا شك (الفرقة 16 للقمع الرسمي). وحين دالت أراضي الجنوب للمقاومة الفلسطينية (طبعاً قبل تغريبة م.ت.ف إلى تونس) خلقوا القوة 17!. أنظري المماحكات الإقليمية أو ما فضل البعض تسميتها القطرية.

هل خطر لك أن دار الإذاعة الإسرائيلية تضع صوتك الآتي من أحشاء التاريخ الإنساني (قبل تدنيسه براس المال، والبغاء العلني) ما قبل الدولاني والمسيَّس، الصوت الآتي من غابات البراءة قبل أن يصبح الإنسان سياسياً ومالكاً وقاتلاً وحتى قواداً، ولا تنسي حالتنا العربية، أي خائنا وعبداً! تضع هذه الدار (التي ورثت محطة إذاعة القدس في فلسطين منذ الثلاثينات ) صوت فيروز كل صباح قبل نشرتها السمومية الأولى ما بين السادسة وبضع دقائق وحتى السادسة والنصف!

لم أكد أُصدق ما قالته لي صديقة من الأرض المحتلة. ورغم أني مجهولة المكانة والمكان، إلا أني خشيت القيام بزيارة إلى هناك، للتأكُّد، كي لا اسقط في التطبيع حتى لو زعمت بأني ذهبت إلى هناك لأسمع فيروز وهي تغني : “مْشيت في الشوارع، شوارع الئِدس العتيئة”. نعم لك هنا طعم آخر، ولكن طعم التطبيع مر، وهو الطعم الذي رفضه الرحابنة، فرفضت أنت القدوم الذليل إلى هنا!

لم أتخيل أن هذا العدو وصل احتلال الأصوات، لم يكتف بالأرض ولا بالأرحام ولا بهمم المناضلين من جنسنا والجنس الآخر، هل يسمحوا لنا أحياناً بوصفهم بالجنس الآخر؟ كيف لا، طالما بدأنا نكتب نقرأ ونعمل ونناضل ونستشهد وحتى نقتل! ولكن، ماذا لو غضبوا! هل يجرؤوا على تحرير صوتك من الاحتلال! أم أن “المرجلة -بلهجتكم في لبنان” هي علينا نحن حصراً؟

روت لي هذه الصديقة قصة حقيقية، على لسان الشاعر الراحل عبد اللطيف عقل، الذي هرب باكراً من الزمن وحتى من العمر، بل من صحوة الصباح. قال انه وصديقين له حضرا عام 1975 عرس أحد شعراء الأرض المحتلة الأولى 1948، وكانت سهرة رائعة كما لو أنها في عدن بعد طرد الإنجليز. وفي نهاية الليل اجتمع قسم من “السهَّيرة” في بيت والد العريس وهو رجل طاعن في السن يرتدي الزي العربي الذي قضت عليه البنطلونات والشورتات، وحتى الجزء العلوي المعرَّى للذكور، بكيني الرجال! كان أحد مذيعي دار الإذاعة الإسرائيلية من الحضور.

سأله أحد الثلاثة: ما هو شعورك وأنت تقول: هنا دار الإذاعة الإسرائيلية، نشرة الأخبار، قتلت قوات جيش الدفاع الإسرائيلي ثلاثة مخربين فلسطينيين تسللوا من الحدود الأردنية، واعتقلت الرابع جريحاً، ولم يصب أفراد الدورية بأذى”

كان الرجل بالطبع قد شرب خلال السهرة، ومعذرة للذين لا يشربون إلا الماء! فما كان منه إلى أن انفجر باكياً كما لو كان مفجوعاً بأهله جميعاً.

هل تعلمي لماذا سقت لك هذه القصة؟

سيدتي، لأننا وصلنا زمناً اصبح الحديث بيني وبينك “تطبيعاً” مع العدو العربي، واصبح التطبيع مع العدو الصهيوني، انتقالاً حضارياً، تحولاً، ألم تقل الماركسية الجريحة في الوطن العربي، أن كل شيء يتحول! إن ظل الحال هذا، أرجو حينها أن تقولي لي: من هم أهل مكة الصيدَ الذين تغنين لهم؟ أرجو ان لا تتحولي هذه المرة إلى وهابية وسلفية لتقولي أنك غنيتها لخالد بن الوليد أو عروة بن الورد! عندها، إذا واصل التاريخ إغماض عينيه عنا لفترة أخرى، أرجو أن تغني شوقي، ولكن ليس لزحلة جارة الوادي، بل:

يا نائح الطلح اشباه عوادينا نأسى لواديك أم تُشجى لوادينا

ماذا تقصَّ علينا غير أن يداً قصََّت جناحك جالت في حواشينا

ملاحظة، حضرتني الفقرة الأخيرة هذه حين سمعت أن ولي عهد البحرين، صاحب العظمة المُقبل، يطالب العرب بالتطبيع الإعلامي مع إسرائيل، فخشيت على مكة طالما أنفلونزا خنازير التطبيع وصلت حدود جزيرة العرب، أهي جزيرة العرب أم هي مجزرة نسائهم، لا أدري، ولا أريد أن أدري!

قصة سوزان تميم…خطـر السلطـة والثـروة

30 يوليو 2009

بسام الهلسه

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1973)

إمرأة شابة جميلة تستثمر جسدها (سوزان تميم) ورجل أعمال وسياسة ثري يمارس سطوته ونفوذه (هشام طلعت) وضابط أمن محترف يوظف خبرته وقدرته (محسن السكري)… والنتيجة: جريمة قتل دامية كان يمكن لها أن تحدث وتمر دون أن يدري بها أحد -كعشرات ومئات الجرائم- لولا انكشافها ومتابعتها من قبل الأجهزة المختصة، والإعلام المتعطش للقصص المليئة بعناصر التشويق والإثارة، والتي وفرتها بغزارة قصة مقتل سوزان. وهو ما قدم مادة درامية بامتياز لتلك القطاعات من الجمهور التي تستمتع بالفضائح والجرائم وتتداولها بشغف ولهفة كموضوع شائق يعينها على تزجية الوقت وطرد احساسها بالملل ورتابة ايقاع الحياة.

* * *

خلف الجانب الفضائحي الشخصي الذي طفا على السطح وحظي بتركيز الإعلام واهتمامه، توارى ما هو رئيسي:

الخطر والشر الناجمين عن اتحاد السلطة والثروة في بيئة منحلة ينخرها الفساد في غياب مؤسسات وآليات المراقبة والضبط والمساءلة والحساب.

فعندما تكون شخصيات ومراكز القوى طليقة خارجة عن سيطرة المجتمع وهيئاته، فإن: العبث، واللامبالاة، والغش، والابتزاز، والرشوة، وشراء الذمم، والاستغلال، والاغتصاب، والسرقة، والتزوير، والقتل، وسائر أشكال وصنوف الموبقات، تكون الممارسات والسلوك المتوقع لهذه الشخصيات؛ ويكون الاستهتار روحها الدافعة المحركة المنفلتة من كل عقال.

ولندرك مدى خطر اتحاد السلطة والثروة، علينا أن نتنبه لما تشكله كلٌ منهما -في حد ذاتها- من ضرر وفساد في غياب المشاركة والرقابة الشعبية، فكيف إذا ما إتحدا وإندمجا (مؤسسات وأشخاصاً) في دول ومجتمعات مغلوبة على أمرها، محرومة من حقوقها العامة؟

عندها نحصل على ما عبّرت عنه وكشفته قصة سوزان بقوة ساطعة: فئة ثرية حاكمة متنفذة تطلق لشهواتها العنان (يمثلها رجل الأعمال والسياسي: هشام طلعت)، وفئات خادمة، طامحة إلى الصعود الاجتماعي والاثراء السهل الرخيص، تبيع للفئة الأولى ما لديها من إمكانيات (تمثلها المطربة سوزان والضابط محسن).

* * *

هذه المقاربة المتطلعة إلى رؤية أعمق للموضوع، عبر إرسال النظر والفكر إلى ما هو خلف وتحت سطح الأحداث، لم يتناولها ويعالجها سوى القليل من الكتاب والمهتمين المعنيين بأوضاع وأحوال بلادنا العربية السائبة. فبدت مقالاتهم وكلماتهم كأصوات صارخة في البرية للأسف، أمام طغيان نزعة الإثارة الكلبية المهيمنة على وسائط الإعلام، ومتابعة جمهور لاهٍ لا يولي مصيره ما يلزم من اهتمام.

* * *

إذا كانت قضية سوزان قد وصلت إلى القضاء، فنظر فيها وأصدر حكمه، فإن مئات وآلاف الجرائم (التي حدثت، وتحدث، وستحدث) تتم لفلفتها والتعتيم عليها وطيّها في البلاد العربية في العادة.. وسيظل الأمر كذلك ما دام إتحاد قوى الشر -السلطة والثروة- قائماً طليقاً يعربد في أزمنة وبلاد “الاستبداد والفساد”، عابثاً بمصاير العباد…

وهو ما يجب على الشعب أن ينظر فيه ويصدر حكمه عليه.

alhalaseh@gmail.com

من قتل مروة الشربيني؟؟!

30 يوليو 2009

عبداللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1973)

كان حواراً يدور ما بين صديقين قديمين، لكنما كل منهما هو من عالم مختلف… لم يلتقيا منذ أمد، وربما باعدت الأيام الشقة أكثر فأكثر بين عالميهما. هو بودابستي نشأ على ضفاف الدانوب في قلب قارة لا ترى الكون إلا من خلال مركزيتها ولا رغبة لها في غير ذلك، عاش مكتفياً بقارته العجوز، وقد لا يكون قد غادرها أكثر من مرة، وإن فعل فلا يكون إلا غرباً، أو إلا لما يدعى بالعالم الجديد… والآخر جاء من ذلك الشرق الذي غدا غريباً عن ما هو شرقه وما هو غربه… الشرق الذي تكاد أيامه الضائعة تضيّع أمسه وتتوه عن غده. لم يفسد الزمن عتيق المودة ما بينهما، وظلا كما كانا، فكان الجدل ثالثهما عندما يلتقيا، حيث تتزاحم الأسئلة، وتتلاطم التساؤلات، وتشرد الإجابات، وتراوغ أسئلتها أحياناً… عدنا أنا ولاسلو لمناكفاتنا القديمة المفضلة، عاجلته:

من قتل مروة الشربيني؟؟!

إلتقى حاجباه المعقوفين دهشةً، ورمقني بعينيه الزرقاوين المستغربتين، وقال، وقد علت شفتيه طيف إبتسامة عجب: العالم كله يعرفه وتسألني عنه؟!

قلت: لعلك تقصد هذا المتعصب الألماني، الذي سارعت ألمانيا إلى التنويه بمنبته الروسي، والذي عاجلها بثمانية عشر طعنة وهي في قاعة المحكمة، وسدد ما تيسر له منها لزوجها القابع راهناً في المشفى!

قال ساخراً، ومن هو غيره؟!

قلت: إنها الإجابة الأسهل بالنسبة لكم يا صديقي، وهي التي تروقكم فتريحكم و لا تريدون سماع غيرها، وإذ تجهدون في تعميمها في أرجاء المعمورة، تحاولون المسارعة إلى إنزال الستارة على الحدث المخجل، ودفن الحكاية ما استطعتم، بعد أن فشلتم في التعتيم عليها إعلامياً لأسابيع، فلم تجدوا إلى ذلك سبيلاً!

قال مستهجناً، وقد شاب شُقرة سحنته إحمرار، تقول أنتم؟!

قلت نعم، وبها لا أقصد الناس العاديين، ومنهم الطيبون واللامباليون والمخدوعون والجهلة، وإنما أعني أصحاب القرار، وصناع الرأي العام، وسدنة ثقافة كره الآخر.

قال، وأنا من أي صنف من هؤلاء الذين سردتهم؟!

ابتسمت، وقلت، المناكفين!

ابتسم هو الآخر، وقال: أجبني أنت إذن، من الذي قتلها؟!

قلت له سأفعل، ولا تقاطعني حتى أفرغ من إجابتي.

فتبرّم محتجاً، وهل من عادتي أن أقاطع؟

قلت، لا بأس، واسمع: لقد قتلت مروة الشربيني عنصرية قارتكم المعتقة، هذه التي ترضع من ثدي كراهيتكم المعهودة للآخر، والتي لا تعدم مناخاً مناسباً هذه الأيام لتطل سافرةً برأسها، بعد كمون زائف في ظل خصوصية ثقافتكم… ثقافتكم، هذه التي لا يمكنها مهما رقت وتقدمت وتقدمتم الخلاص من خلفياتها وموروثاتها وعقدها التاريخية المتراكمة… وإن شئت، الصليبية الجذر الراسخة في لاوعيكم والتي لم تحرّركم القرون منها… قتلها بحثكم الدائم عن عدو يوحّدكم وتوجهون له فائض كراهيتكم للاخر… واستطردت مفصلاً، والتزم صديقي المباغت الصمت:

قتلتها أكاذيب بوش، واستباقية المحافظين الجدد، وخبث بلير وفحيحه، وحربهما الكونية على عدوهما اللامرئي الموصوف بالإرهاب، والذي جسداه في الحجاب، هذا الذي لساركوزي معه حكاية، بز فيها صفاقة برلسكوني و فجاجة أنجيلا ميركل. قتلها صهاينتكم الناشرين بين أطنابكم الإسلاموفوبيا، وفزاعة أسلمة أوروبا، وغالها باطل موازين حرية الرأي الإنتقائية عندكم هذه التي تبيح التطاول على معتقدات ومقدسات الآخرين، وصولاً إلى نبي العرب الأعظم، وتحرّم مجرد التشكيك في أرقام ضحايا محرقتكم أنتم ضد يهودكم… كانت ضحية مناخاتكم الكريهة التي أشعتموها والتي كان من نفّذ هو مجرد نتاجها وضحيتها… هذا الذي تصادف أنه كان الألماني من أصل روسي! وقد يتبعه غداً بريطاني من أصل صربي! أو بلجيكي من أصل روماني! أو أمريكي من أصل مجري! وهكذا، واحد من غربكم ويصادف أن أصله من شرقكم!

صمت صديقي حتى اللحظة، وشعرت أن صمته الذي هو على غير عادة قد طال، وأحسست أنني قلت بعض ما عندي، وانتظرت ما سيقابلني به، ولكنه، نظر إليّ وفي نظرته بدا لي وكأنما هو في حال من فقد زمام المبادرة، واستبدلت سحنته إحمرارها السابق شحوباً جعلني، وأنا أعرف طيبته وكياسته على الصعيد الشخصي، أشعر بنوع من الذنب، ثم تمتم: لا أدري… هل كلينا الآن يا صديقي بصدد إجراء حوار حضارات؟! وأضاف: على أية حال قد يكون معكم حق يا صديقي، ونحن قد لا نفهمكم… ولكن، وهل أنتم بريئون من دمها؟

قلت، لقد اتفقنا أنا وأنت سابقاً أنه لا يوجد حوار حضارات وإنما ثقافات، لأن هناك حضارة كونية واحدة تتوارث مشاعلها القارات والأمم، وأنتم اليوم تزعمون أنها إنما بدأت عندكم وتنتهي حيث بدأت. ثم دعني أقول لك أولاً، أنتم عودتمونا على أنكم لا تريدون أن تفهموننا، وحتى لو شئتم لا أعتقد أن لديكم القدرة على ذلك، والسبب هو ذاته، أي هذا الذي هو وراء جريمة قتل مروة الشربيني، وثانياً، سأجيبك بما ربما لا تتوقعه مني، نعم، نحن شركاؤكم في هذه الجريمة أيضاً… لماذا؟!

لأننا كدنا أن ندمن إقامتنا المديدة في هاوية انحدارنا، ونستمرئ كوارث الدونية المستحكمة في نخبنا في غياب الإرادة السياسية التي أصبحت لها فلسفة يروّجها دونيينا بين ظهرانينا، أو مذهباً لهؤلاء الذين يرون السلامة من شروركم في التبعية لكم… ولأننا يذبحنا صهاينتكم ونصرّ على أن السلام خيار إستراتيجي ننشده مع سكاكينكم التي هي سكاكينهم، وإبداء قابليتنا لأن نستبدل عدونا التاريخي بالعدو الذي تقترحونه لنا… ولأننا نسمي إعادة تموضع غزاتنا في العراق انسحاباً ونرسّمه يوماً وطنياً، ونسمي الانسياق مع مكائدكم الخبيثة في دارفور الاستجابة لمتطلبات الرأي العام الدولي… لأننا بعد سماحنا لكم بنهب ثرواتنا، نلقي بخيرة عقولنا المهاجرة قهراً وجوعاً في جامعاتكم ومراكز أبحاثكم ومصانعكم، ونلقي بفائض سواعدنا العاطلة في البحر ليغرق في دربه لفردوسكم المنشود من يغرق من ضحايا ويصل من ينجو ليخدمكم… وأسهم معكم ومعنا في مقتلها، المسلمون الذين تقاعسوا عن نصرة بيت المقدس، وكأنما هم ينتظرون حتى يُهدم أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ويتم إستبداله بالهيكل المزعوم، ويتفرجون على التهويد ينهش ما تبقى من أكناف بيت المقدس… وأيضاً، كنائسنا التي حيدتموها في الصراع فحُيّدت، وشجعتم رعاياها على الهجرة عن ديارهم المقدسة فهاجروا ووطّنتموهم… و الجهلة الحمقى من بني ديننا الذين جهلوه فتحولوا إلى مفتين بغير علم، أو قدموه لكم مشوهاً، أو ملفوفاً في نقاب!

إلى هنا أحسست أنني أفرغت ما في جعبتي، وشعرت أنني مرة أخرى أطلت و حتى أثقلت، فتوقفت قليلاً، ثم ختمت: لو كنا بخلاف ما نحن عليه لما تمادت أنواء مناخاتكم التي هي نتاج عنصريتكم المتأصلة على إنتاج قاتل متعصب وضحية من ضحاياها، أكان أصله من غربكم أو شرقكم، يقدم على إقتراف جريمة إغتيال الشهيدة مروة الشربيني… إنتهى حوارنا… لقد دار بين صديقين لكنما من عالمين مختلفين. أنهاه صمته الذي أظن أنه كان وراءه مزيجاً من الحيرة والإرتباك وعدم الفهم… ولأول مرة أجزم أنه لم يكن متكافئاً!

علامات واشارات على الطريق إلى “مؤتمر بيت لحم”

30 يوليو 2009
محمد العبد الله
(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1973)

الوثيقة “المتفجرة” التي رماها “أبو اللطف” على مرأى العالم قبل ثلاثة أسابيع تقريباً، لم تكن ” فشة خلق” كما حاول أن يدعي بعض المعلقين، وليست “زوبعة في فنجان” كما وصفها “محمود عباس”!. فالحراك الذي ارتبط بها، يؤكد على أنها حركة تنظيمية/سياسية اعتراضية، نتيجة مركز الرجل/القائد داخل “فتح”، كأحد المؤسسين الأوائل، بكل ما يعنيه الواقع الراهن من مكانة “اعتبارية وتاريخية” للرجل. ولهذا فإن صدى “قنبلة القدومي الصوتية” كما وصفها بعض المقربين من سلطة رام الله المحتلة، سيتحدد من خلال طبيعة الترتيبات والاصطفافات التي كان متوقعاً لأبي اللطف أن يضعها في حساباته، داخل الجسم التنظيمي للحركة، الذي يتحرك على سطح صفيح ساخن، فرضته حوارات الأشهر الثلاثة الأخيرة قبل 11 تموز_ موعد القاء متفجرة القدومي_ ونتجت عنه مجموعة خطوات انقلابية مارستها قيادة دحلان/عباس، أطاحت بدور اللجنة التحضيرية العليا، وبتوجهات اللجنة المركزية للحركة، التي تعاقبت اجتماعاتها على مدى عدة أشهر في العاصمة الأردنية “عمّان”، والتي توافقت على تحديد عدد الأعضاء، وشروط العضوية، ومكان المؤتمر السادس خارج الضفة الغربية المحتلة.

بعيداً عن أجواء حملات التشكيك بالوثيقة، وخارج اطار عبارات التجريح السوقية التي نفثها أصحاب العقول المريضة بحق الرجل/المؤسس، الذي تحول على يد تلك الحفنة من “الكتّاب”، إلى “متآمر” و”مرتبط بالمحور الاقليمي”، و “مريض الزهايمر”! يمكن القول بأن العديد من الأصوات ” الفتحاوية” الرافضة لانعقاد المؤتمر في ظل هذه الأوضاع الرمادية، سواء من حيث المكان والزمان، قد وجدت في الأجواء التي فرضتها الوثيقة، المجال الحيوي لتحركها داخل البيت الفتحاوي، الذي يشكو منذ عدة سنوات، من تشققات وفجوات هائلة في جدرانه. فرغم التباعد الجغرافي، فقد عبّرت تلك العناصر في “الضفة المحتلة، تجمعات اللاجئين في بعض دول الطوق، الجاليات في أوروبا وأمريكا” عن رفضها لانعقاد المؤتمر.اللافت في هذا المجال، كان الحديث الذي أدلى به “جبريل الرجوب” لفضائية “فلسطين” التي تديرها السلطة في رام الله المحتلة. فقد شن المسؤول الفتحاوي هجوماً قاسياً على دحلان، محملاً اياه مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في قطاع غزة. مشدداً بذات الوقت على رفض مشاركة الأخير في المؤتمر السادس للحركة، لأن (من تسبَّب فيما جرى في غزة عليه أن يذهب إلى مصحة عقلية لا إلى مؤتمر “فتح” السادس)، مؤكدًا على أن (هناك اطرافا في قيادة حركة “فتح تريد أقلمة الحركة على مقاس احتياجاتها ومتطلباتها). ودعا الرجوب إلى عدم عقد المؤتمر السادس لـ”فتح” في الرابع من آب/أغسطس المقبل في مدينة بيت لحم دون إتمام حضور قادة الحركة في قطاع غزة، مرجحاً عدم نجاح المؤتمر حال انعقاده، من جرَّاء بعض العقبات التي تعترض طريقه، أهمُّها (القنبلة التي فجَّرها فاروق القدومي، واتهامه عباس ودحلان بالتورُّط في اغتيال الرئيس الراحل ياسر عرفات)، على حد قوله. كما أن ما صرح به “حسام خضر” نائب “فتح” في المجلس التشريعي، في مقابلة له مع صحيفة “القدس العربي” مؤخراً يشير إلى حجم التفاعلات داخل الحركة (للأسف الشديد تتم المتاجرة بحركة فتح جهارا نهارا وتستخدم هذه الحركة بتاريخها وإرثها النضالى من أجل الإبقاء على امتيازات شخصية لهذا وذاك)، مضيفاً (ما يحزن أن الذين دمروا فتح على مدار العشرين عاما الأخيرة هم من يملكون الإمكانيات المادية والمالية والوسائل الأخرى من خلال المراكز التى استأثروا بها في الحركة ومن خلال الملايين التى نهبوها من أموال الشعب الفلسطيني)، مشدداً على أن (هناك توظيف رهيب للمال السياسي من أجل أخذ حركة فتح الى شروط المجتمع الدولى وتفريغها من محتواها النضالى الثورى التحرري وقطع الحركة عن تراثها وإعادة صياغة أهدافها ومبادئها وأساليبها بما يتماشى سياسيا مع هذه المرحلة السياسية الهابطة!!).

في ظل هذه الأوضاع الحركية المتشظية، يمكن التأكيد على أن التحضيرات للمؤتمر لم تكن نتيجة اجماع داخلي. فقد كشفت مداولات وتحركات الأشهر الثلاث الأخيرة، عن خلل فادح في مستويات النقاش الداخلي في صفوف القيادات والكوادر، حول طريقة مواصفات عضو المؤتمر، والآلية التي تمكن الإطارات التنظيمية من تسمية مندوبيها للمؤتمر، نتيجة البنية الداخلية للحركة التي تماهت مراتبها في مكونات اجهزة السلطة، خاصة بعد عقدين من الزمن غابت خلالها المؤتمرات، في ظل سيادة القيادة الفردية المطلقة في المركز وفي مناطق الانتشار. لذلك تتخوف قطاعات واسعة من المهتمين بالحراك التنظيمي/السياسي الفلسطيني، من أن يكون اجتماع قسم من “فتح ” في مدينة بيت لحم المحتلة، سيؤدي إلى القطع الكامل مع البرنامج الكفاحي التحرري، والعمل على شطب العديد من مواد النظام الأساسي للحركة، خاصة المادتين (17 و 19) بمضمونهما الخاص بكون الكفاح المسلح هو الخيار الاستراتيجي للحركة مما يعني تحويلها من حركة مسلحة تقاتل الاستعمار الاستيطاني/الاحتلالي/الاقصائي، إلى حزب سياسي، يلائم المرحلة، كما عبّر عنه “دحلان” في حواره مع صحيفة” الشرق الأوسط” الصادرة في لندن يوم 25 تموز/يوليو. بقوله (المؤتمر سيشكل انطلاقة جديدة لحركة فتح ويعيد الاعتبار للعمل السياسي الفلسطيني بطريقة ليس فيها تحريض، فيها محافظة على الثوابت، وفيها في نفس الوقت برنامج سياسي يتلاءم مع الحراك الدولي… المطلوب منا أن نأتي ببرنامج سياسي منطقي وواقعي ومتماسك ويحافظ على الثوابت ويتمسك بها. وأن يكون هذا البرنامج مقبولا دوليا حتى نكون جزءا من المعادلة الدولية).

مع وصول التحركات، والنقاشات، ووجهات النظر المتعارضة، والمتناقضة، حول انعقاد المؤتمر إلى عنق الزجاجة، تأتي قرارات حكومة “حماس” المتعلقة بمنع اعضاء الحركة في غزة من التوجه إلى بيت لحم ليضع عقبة جديدة في طريق انعقاد المؤتمر. كلام القيادي في حماس، والناطق باسم كتلتها البرلمانية “صلاح البردويل”كان حاسماً في هذا الجانب:(لن يخرج أحد من أعضاء المؤتمر السادس لحركة فتح من غزة إلا إذا أُفرج عن معتقلي حماس في الضفة، وقد أبلغنا هذا القرار كتابياً إلى الجهات المصرية). مؤكداً على أنه (ليس من المنطقي في ظل الإجراءات والاجتثاث والاغتيالات التي تجري في سجون السلطة بالضفة الغربية والتي تقوم بها وتقودها حركة فتح، أن تكون حركة حماس ساذجة لدرجة أن تسهّل عمليات الإجرام التي تقوم بها حركة فتح في الضفة وتسمح بسفر أعضائها إلى المؤتمر).

في ظل هذه الأجواء البالغة التعقيد، يبدو للعديد من المراقبين، أن الإصرار على عقد المؤتمر في هذه الانقسامات الداخلية، لن يوفر لحركة فتح البيئة الداخلية الحيوية لإعادة وحدة التنظيم والموقف على أسس كفاحية، بمقدار ما سيساهم بترسيم شكل التكتلات الفئوية وتحديدها، انطلاقاً من إعادة رسم دور ووظيفة ” فتح ” مابعد المؤتمر، بما يتلاءم مع توجهات ووظيفة السلطة في إطار ما يترتب اقليميا ودوليا للقضية الفلسطينية.

مع انشغال العديد من الأطراف الوطنية بما ستؤول اليه خطوات السير على طريق بيت لحم المحتلة، فإن العديد من الشواخص والعلامات الهامة تنتصب في وجه الجميع. فالحصار الخانق على غزة، والاحتلال “المموه” للضفة، والمستعرات الاستيطانية الجديدة أو التوسعية، والحملة الأمريكية المسعورة لشرعنة الهزيمة وترسيمها عربياً، عبر ما يسمى بالتطبيع، تتطلب من جميع الوطنيين بمختلف مواقعهم، الاستعداد لمواجهة المرحلة القادمة، الأخطر في مراحل الصراع العربي / الصهيوني.

العراق: إحصائيات رسمية مخيفة ومفجعة

30 يوليو 2009

صباح البغدادي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1973)

يحدث هذا في ما يسمى بـ (عراقهم) (الديمقراطي) الجديد… عندما يحكم الأوغاد بلد الحضارات والرسل والأنبياء

أتصل بنا أحد الإعلاميين من داخل عراقنا المحتل الجريح، والذي يعمل في المركز الوطني للأعلام ليحدثني عن إحصائية رسمية حكومية وصلته تبين فيها بالأرقام والعناوين عن ما وصل إليه حالة الشعب العراقي المزرية منذ الغزو والاحتلال الأمريكي البغيض، واستلام الحكم من قبل حفنة من السياسيين المشبوهين، ووجدت الإحصائية نفسها التي تكلمنا عنها موجودة في بريدي الشخصي من ضمن عشرات الرسائل الأخرى التي تصلني كل يوم، لذا فضلت أن يتم نشرها في وسائل الإعلام العراقية الوطنية والعربية، وعلى نطاق واسع ليطلع عليها أكبر عدد ممكن من الشعب العراقي، ليرى حجم الكارثة والدمار الذي حل به وما يخطط له في الخفاء من قبل الحاكمين الجدد، وسط صمت مريب من قبل من يدعون إنهم أتوا للحكم لغرض إخراج الشعب العراقي من الظلمات إلى النور!!! ؟؟؟… طبعآ هذه الأرقام المذكورة أدناه ليس كل الحقيقة المعلنة وما خفي كان أعظم وأكبر… نترك القارئ الكريم وجمهور الرأي العام مع هذه الإحصائية الرسمية:

1: مليون أرملة عراقية: حسب إحصائية رسمية صادرة عن وزارة المرأة العراقية عام 2008.

2: أربعة ملايين طفل عراقي يتيم: إذا كان معدل العائلة العراقية من 4 إلى 6 أطفال حسب تقديرات وزارة التخطيط.

3: ( 000، 500، 2 ) مليونان ونصف شهيد عراقي: حسب إحصائيات وزارة الصحة العراقية والطب العدلي حتى كانون أول من عام 2008.

4: ( 000، 800 ) شخص عراقي مغيب في دهاليز المعتقلات السرية للأحزاب الحاكمة: حسب إحصائية الدعاوي المسجلة لدى وزارة الداخلية حتى كانون الأول 2008.

5: ( 000، 340 ) معتقل عراقي في سجون الاحتلال الأمريكي، وسجون ما تسمى بالحكومة، وسجون ما يسمى بإقليم ( كردستان ) حسب إحصائيات مراصد حقوق الإنسان العراقية والعربية والعالمية ومنظمات الأمم المتحدة، معظمهم مسجونين بدون أي تهمة محددة موجه لهم.

علمآ أن قوات الاحتلال الأمريكية قد اعترفت رسميآ بوجود ما يقارب من ( 000، 120 ) سجين لديها.

6: ( 000، 500، 4 ) أربعة ملايين ونصف مواطن مهجر خارج العراق: حسب إحصائيات المتقدمين إلى جوازات فئة ( ج ) لدى مديرية الجوازات العامة حتى نهاية كانون الأول 2008.

7: ( 000، 500، 2 ) مليونان ونصف مواطن مهجر داخل العراق: حسب إحصائيات وزارة الهجرة والمهاجرين والمهجرين.

8: ( 000، 76 ) حالة إيدز مصاب بها مواطنون عراقيون، بعد أن كانت لا تتجاوز ( 114 ) حالة قبل الغزو والاحتلال: حسب الإحصائيات المسجلة الرسمية لدى وزارة الصحة.

9: انتشار المخدرات المستوردة من الجمهورية الإيرانية ( الإسلامية ) مستهدفة تحديدآ طبقة الشباب وبنسب مخيفة ومفجعة: إحصائيات وزارة الصحة، ومركز مكافحة المخدرات والإدمان الكحولي في وزارة الصحة.

سبق أن بينا بمقالات بحثية مطولة سابقآ عن كيفية طرق ووسائل تهريب المخدرات ومنها شديدة السمية وكيفية تجميعها في محافظات ومناطق معينة في جنوب العراق تحت حماية وسيطرة تامة من قبل بعض الأحزاب ومليشياتها الحاكمة، حتى أصبحت أموال المخدرات تستخدم لشراء ذمم المسؤولين بالحكومة لغرض ضمان دعمهم وسكوتهم وحتى لتمويل برامجهم الانتخابية.

10: وصل الأمر بالأسرة العراقية أن تكون هناك ثلاث حالات طلاق لكل أربع حالات زواج بعد الغزو والاحتلال: حسب إحصائيات وزارة الصحة.

11: وصل الأمر بأن يكون 40 % من الشعب العراقي تحت مستوى خط الفقر: حسب إحصائيات وزارة حقوق الإنسان. في اعتقادي أن الرقم يصل إلى أكثر من هذا بكثير ويتجاوز 55 %، ومع هذا سوف نعتمد هذه الإحصائية الرسمية وهي 40 %.

12: تدمير شامل للبنى التحتية في العراق: حسب تصريح وزارة التخطيط.

13: انحدار مستوى التعليم الجامعي والأساسي ( الابتدائية، المتوسطة، الإعدادية ) حسب تصريحات المسؤولين في منظمة اليونسكو، ووصل الأمر إلى قيام هذه المنظمة الدولية بعدم الاعتراف بالشهادات الجامعية والعليا التي تصدرها المؤسسات التعليمية الجامعية في العراق. والسبب معروف للجميع ولا يحتاج توضيح حول هذه الفقرة.

14: وجود ما يقارب ب ـ ( 550 ) كيان وتكتل وتجمع سياسي وحزبي: حسب إحصائيات مفوضية الانتخابات العامة المستقلة. لغاية اليوم لا يوجد قانون ينظم عمل هذا الكم الهائل من الكيانات السياسية لغايات أصبحت معروفة للجميع.

15: ما يقارب ( 400، 11 ) منظمة مجتمع مدني: حسب وزارة الداخلية ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية.

معظمها لا يعرف حقيقة وجدودها داخل العراق وكيفية تمويلها وما هي أهدافها العلنية والسرية.

16: ( 126 ) شركة أمنية تدار من قبل أجهزة المخابرات الأجنبية مسجلة في وزارة الداخلية.

الهدف المعلن لوجودها كان لغرض حماية السفرات والدبلوماسيين والشخصيات الزائرة الأجنبية، ولكن الهدف الخفي من وجودها غير هذا المعلن، وإلا ما فائدة وجود مليون عسكري في العراق حاليآ موزعين بين وزارة الدفاع والداخلية والأجهزة الأمنية الحكومية المختلفة، إضافة إلى أجهزة الأحزاب الحاكمة الأمنية.

17: ( 43 ) مليشيا مسلحة تابعة للأحزاب: مسجلة رسمية في وزارة الدفاع ووزارة الداخلية / لجنة دمج الميليشيات ) سيئة السمعة والصيت. وهذا ما أوضحناه في الفقرة ( 16 ).

18: ( 220 ) صحيفة وجريدة ممولة من أجهزة مخابراتية أجنبية: حسب نقابة الصحفيين العراقيين.

وهذه موجودة على الساحة الإعلامية العراقية لأهداف معينة ومحددة، أبرزها غسل عقول العراقيين لغرض إبعاد تفكيرهم عن مشاريع قوات الاحتلال داخل العراق، ومشاريع تقسيم العراق إلى دويلات الطوائف والقوميات والأعراق التي تتبنها الأحزاب الحاكمة، وإنماء روح النزعة الطائفية والقومية بين أبناء البلد الواحد.

19: ( 45 ) قناة تلفزيونية ممولة من أجهزة المخابرات الأجنبية: تصريحات إدارة القمر الصناعي نايل سات وعرب سات.

وينطبق عليها كذلك تعليقنا في الفقرة ( 18 ).

20: ( 67 ) محطة راديو ممولة من أجهزة المخابرات الأجنبية: حسب تصريحات هيئة الإعلام والترددات العراقية.

21: ( 4 ) شبكات اتصالات لاسلكية قيمة كل شبكة مادية تقارب ( 12 ) مليار دولار ممولة لقادة الأحزاب: حسب تصريحات هيئة الإعلام والترددات العراقية. ومنها:

أ‌ ) شركة كورك ملك صرف لمسعود البارزاني.

ب) شركة آسيا ملك صرف لجلال الطالباني.

ت‌) شركة زين الكويتية ملك 50% لأحمد الجلبي وحزب الدعوة ( الإسلامية ).

ث) شركة أثير ملك صرف لعبد العزيز الحكيم.

22: عشرات الآلاف من الشهادات الجامعية المزورة للمسؤولين والضباط والمدراء العاميون وكادر الأحزاب الذي يشغل مناصب قيادية في الدولة: حسب تصريحات وإحصائيات هيئة النزاهة.

23: فساد كامل وتام لهيكلية الدولة الإدارية والمالية وفي جميع المفاصل الإدارية والمالية والوظيفية: حسب تقرير منظمة الشفافية الدولية، والتي أتى العراق بالمركز الثالث للسنة السادسة على التوالي من حيث فساد الأجهزة الحكومية، والحقيقة انه كان بالمرتبة الأولى، ولكن ضغوط سياسية مارستها إدارة الرئيس السابق جورج بوش على المنظمة لغرض وضع العراق ليس بالمرتبة الأولى.

24: احتقان طائفي ومذهبي واحتقان أثني وعرقي واحتقان قومي واحتقان طبقي بين مكونات نسيج الشعب العراقي لم يشهده العراق ولم يكن له وجود أبدآ منذ ظهوره ولغاية الغزو والاحتلال الأمريكي البغيض: تصريحات المسؤولين في منظمة المؤتمر الإسلامي.

25: وجود أكثر من ( 11،400 ) مقر لأحزاب السلطة بشكل رسمي أو بشكل غير رسمي كأن يكون مقر شركة مقاولات وهمية أو جمعية خيرية أو تجمع سياسي كغطاء لأعمال الأحزاب وهذه المقرات هي في حقيقة الأمر أبنية الدولة العراقية أو أبنية تم الاستيلاء عليها من أصحابها الشرعيين بعد تهجيرهم أو تصفيتهم أو مؤجرة بإيجارات تدفع من ميزانية الدولة.

26: تبديد ثروات العراق النفطية وثرواته المعدنية وأراضيه ومعامله ومصانعه عن طريق توزيع أراضي العراق بموجب قانون الاستثمار سيء السمعة والصيت على المنتفعين من الأحزاب الحاكمة اليوم، وبعقود طويلة الأمد، وكذلك بيع وتأجير ثروات العراق ومعامله وهي ملك للشعب العراقي، يتم بيعها وتأجيرها لكي يضعوا موظفي وعمال تلك المصانع بين فكي سندان ويقضوا على موارد العراق وثرواته ومفاتيح إعادة بناء العراق وتمنيته.

27: سيطرة وانتشار التخلف والجهل والأمية والمرض على المجتمع العراقي بعد أن كان العراق قد محي الأمية نهائيآ في العام 1977 وكان الدولة الأولى بالعالم التي تمحو الأمية بالكامل حسب شهادة منظمة اليونسكو الرسمية عندما أشادت بتوجه العراق لمحو الأمية في حينها وطالبت بتطبيقها على دول الجوار وبقية دول العالم النامية عندما وضعت الحكومة العراقية السابقة خطة مهنية وأكاديمية عالية بواسطة الخبراء العراقيون لغرض محو الأمية نهائيآ من الشعب العراقي وكانت محطة فخر واعتزاز من الجميع.

هذا هو غيض من فيض في ما يحدث في ( عراقهم ) ( الديمقراطي ) الجديد. ما تسمى بالحكومة شككت بهذه الإحصائيات لغرض عدم فضحها أمام أنظار الشعب العراقي والعالم، مع العلم أنها صادرة من قبل وزاراتهم ومؤسساتها الحكومية، إضافة للمنظمات الدولية حسب تصريحاتهم الرسمية للأعلام. شكرآ للزميل الإعلامي الذي أعدها، وشكرآ للذي أرسلها لنا.

بعض الفقرات تم التعليق عليها من قبلنا لوجود الضرورة لذلك…. فاصل ونعود إليكم لتكملة مشوارنا…

:::::

صحفي وباحث عراقي مستقل

معد البرنامج الإذاعي السياسي الساخر / حرامية بغداد

sabahalbaghdadi@maktoob.com

المخدرات في الستراتيجية العالمية للامبريالية الاميركية ـ الصهيونية

29 يوليو 2009

جورج حداد*

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1972)

لا تزال البروباغندا الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية تملأ العالم زعيقا اشبه بالنباح الهتلري، حول “الدمقراطية” و”حقوق الانسان” و”الصليبية” و”صراع الحضارات”. وهي طبعا تدعي انها صاحبة “رسالة حضارية”. وبحجة القضاء على نظام طالبان والقاعدة في افغانستان، وعلى نظام صدام حسين في العراق (والطرفان كانا صناعة اميركية بامتياز)، تم قتل والتسبب بموت مئات الالاف وتشريد الملايين من المواطنين الافغانيين والعراقيين المظلومين، وتدمير هذين البلدين، واحتلالهما احتلالا كاملا ناجزا تم خلاله التخلص التام من نظامي طالبان وصدام وحتى من صدام حسين شخصيا، وفصـّل المحتلون لافغانستان والعراق النظام السياسي والاجتماعي والثقافي “الدمقر اطي” و”الحقوق ـ انساني” و”الحضاري” الذي يريدون. فماذا كانت النتيجة؟

ـ لا “دمقراطية” ولا “حقوق انسان” ولا ظل لـ”الحضارة”. بل انهيار سياسي واقتصادي واجتماعي وحضاري وبؤس وشقاء وتهجير وموت يومي بسبب وبدون سبب، في الطرقات والجوامع والكنائس والاسواق والمدارس والمؤسسات. حتى الاحتفالات الدينية والجنازات والاعراس صارت هدفا للتناوب (المدوزن في مطابخ السي آي ايه والموساد) بين: التفجيرات “الارهابية”، و/او قصف الطائرات والصواريخ الاميركية بحجة مكافحة الارهاب. وأفظع نتيجة “دمقراطية” و”حقوق ـ انسانية” و”استقلالية ـ سيادية” توصل اليها الاحتلال الاميركي هي وضع افغانستان والعراق والعالم العربي البائس والعالم اجمع امام الخيار “الحضاري” التالي:

ـ اما استمرار الاحتلال، واما عودة طالبان مرة اخرى في افغانستان. و: اما استمرار الاحتلال، واما “الفوضى الخلاقة” الكاملة والمذابح المتبادلة الشاملة في العراق.

ان السادة “اليساريين” وحتى “الماركسيين” السابقين والحاليين، امثال سيادة الرئيس الافخم جلال طالباني وحميد مجيد موسى وفخري كريم والعفيف الاخضر وصلاح بدرالدين وكريم مروة والياس عطاالله ومن لف لفهم، يريدوننا ان نؤيد استمرار الاحتلال الاميركي لافغانستان والعراق، ولو مرحليا، بحجة انه اهون الشرين، وانه هو “الرافعة الحضارية” التي ستشق لنا طريق “الدمقراطية”.

فإذا كانوا يريدوننا ان نؤيد الاحتلال، فهذا يعني عمليا الاعتراف بالفشل التام لاميركا في تطبيق الدمقراطية، لانها اصلا لم تأت بالاحتلال لتطبيق الدمقراطية، ولأن الاستعمار والاحتلال لم يكونا يوما ولن يكونا ابدا الطريق الى الدمقراطية. ويعني استطرادا الاعتراف بالكذب التام للامبريالية الاميركية ـ الصهيونية العالمية في كل ادعاءاتها حول “الدمقراطية” و”حقوق الانسان” و”الحضارة”.

XXX

واذا كان من الواضح، والمفضوح جدا، ان الهدف الاساسي للعدوان على العراق واحتلاله هو: النفط والغاز؛ فإنه ليس من الواضح، الا لقلة قليلة من الناس ان الهدف الاساسي والرئيسي للعدوان على افغانستان واحتلالها، بل و”اشراك” الحلف الاطلسي كله في هذا الاحتلال، هو: المخدرات.

ان ذوي التفكير السطحي يعتقدون ان “شغلة” المخدرات لا تزال مقتصرة على المهربين والمافيات والعصابات بالتعاون او بتسهيلات من قبل بعض رجال الشرطة والجمارك وبعض السياسيين الفاسدين؛ دون ان تدخل هذه “الشغلة” في السياسة الرسمية للدولة ذاتها. ويعتقد اصحاب هذا التفكير السطحي ان الدول “الدمقراطية”، ولا سيما دولة “دمقراطية” عظمى كأميركا هي ضد زراعة وصناعة وتجارة المخدرات، وانها تحارب “شغلة” المخدرات من اجل تأكيد نظافة “دمقراطيتها” المزيفة وتضليل مجتمعها الخاص والمجتمعات والشعوب والدول الاخرى لاجل “تمرير” سياستها ومصالحها الامبريالية.

ولو كان ذلك صحيحا، لما كان من سبب للاحتلال الاميركي لافغانستان، الذي مر عليه الى الان حوالى 9 سنوات ويريد الرئيس اوباما توطيده وتوسيعه وتأبيده.

والسؤال الذي يمكن ان يفاجئ اصحاب التفكير السطحي: هل يمكن ان تكون اهمية “شغلة” المخدرات قد “ارتفعت” من مستوى اهتمام المافيات والعصابات، الى ان تصبح عاملا رئيسيا في الستراتيجية العالمية لدولة عظمى كأميركا؟

هذا ما ينبغي الاجابة عليه من قبل جميع القوى الوطنية والتقدمية والانسانية والدمقراطية الحقيقية.

XXX

ونحن نحاول مقاربة الجواب في ما يلي:

ـ1ـ لقد تأسست الرأسمالية على قاعدة “المزاحمة الحرة” الشهيرة، التي هي في مظهرها قاعدة “دمقراطية”، ولكنها في جوهرها قاعدة تصلح لوحوش الغابات اكثر مما تصلح للمجتمع الانساني، لان الترجمة العملية لهذه القاعدة هي “القوي يأكل الضعيف” و”الفاجر يأكل مال التاجر” (اي التاجر الشريف والنزيه)؛ وفي خلال مرحلة زمنية معينة نشأت “الاحتكارات” على قاعدة “المزاحمة الحرة”. فماذا فعلت الدولة البرجوازية “الدمقراطية” التي سبق وتأسست على قاعدة “المزاحمة الحرة”؟

ـ لذر الرماد في العيون، صدرت هنا وهناك بعض القوانين المعارضة للاحتكار، ولكن في النتيجة اندمج جهاز الدولة مع الاحتكارات، واصبح في خدمتها تماما؛ ونشأت بنتيجة ذلك الدكتاتوريات المكشوفة، او الدكتاتوريات المتسترة بصندوق الاقتراع والمتسلحة بالمال والشرطة والمخابرات والاجهزة السرية والعصابات؛ وتحول المواطن الى “حشرة” او ادنى من حشرة، تجاه الاحتكارات وسلطة الدولة في جميع البلدان الرأسمالية. ونشأ الاستعمار والامبريالية، واحتلال البلدان الاخرى واستعباد الشعوب الاخرى، لا بواسطة عصابات او جيوش مرتزقة مرتبطة بالاحتكارات ولا علاقة للدول الاستعمارية بها، بل بواسطة الجيوش الرسمية والنظامية للدول الاستعمارية؛ وهي جيوش تابعة لمؤسسات الدولة المنتخبة “دمقراطيا” من قبل الشعب الاميركي او الانكليزي او الفرنسي الخ. فما هي هذه الدمقراطية التي تبيح لـ”المواطن” (!!!) الاميركي او الانكليزي او الفرنسي، ان “يصوت” و”يمنح ثقته” لقتلة الفيتناميين والجزائريين والمصريين والعراقيين الخ.؟ وبأي حق دمقراطي او سماوي او جهنمي، يجوز لـ”المواطن!!!” الاميركي او الانكليزي او الفرنسي ان يلبس بذلة عسكرية “نظامية” ويحمل علم دولته “الدمقراطية”، ويجتاز الاف وعشرات الاف الكيلومترات ويأتي الى بلادنا لقتلنا في بيوتنا، ظلما وعدوانا؟ ان اعطاء الطابع الدمقراطي للدول الاستعمارية خاصة والرأسمالية عامة، حوّل ليس فقط الحكام والقيادات في تلك الدول، بل كل “مواطن!!!” يؤمن بهذه “الدمقراطية” وينفذ سياستها، حوله الى قاطع طريق وقاتل وجلاد، او مساعد لقطاع الطرق والقتلة والجلادين. ان جورج بوش هو مسؤول عن احتلال العراق، ولكن الجندي(= المواطن!!!) الذي نفذ الاحتلال، والناخب(= المواطن!!!) الاميركي الذي أيد الاحتلال هما ايضا مسؤولان. وكل من يؤيد الاحتلال باسم “الدمقراطية”، ايا كان واينما كان، حتى لو كان رئيس جمهورية او رئيس وزراء في العراق او افغانستان او فلسطين او لبنان، هو مسؤول بنفس الدرجة، مثله مثل الرئيس او الجندي الاميركيين، ويجب محاسبة كل هؤلاء على كل قطرة دم سفكت في العراق وغير العراق وكل اهانة وجهت الى الانسان المظلوم العراقي وغير العراقي.

هذه هي النتيجة التاريخية لاندماج الدولة الرأسمالية مع الاحتكارات.

ـ2ـ مثلما اندمجت الدولة الرأسمالية مع الاحتكارات، وتحولت الى وحش معاد للانسانية، فما هي الضوابط او الموانع “الاخلاقية” التي تمنع الدولة الرأسمالية المعاصرة من الاندماج مع العصابات والمافيات، بحيث ننتقل من مرحلة “مافيا في الدولة” الى مرحلة “دولة المافيا” او “الدولة المافيا”.

ـ3ـ اذا وضعنا الطغمة الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية في مكانها الطبيعي، كطغمة اجرامية لا عقيدة ولا دين ولا فكر ولا مبدأ لها، انسانيا، سوى الركض وراء تكديس المليارات على حساب المجتمع الدولي بأسره، بدون اي اعتبار لأي قيمة، سياسية او اخلاقية او فلسفية او دينية، انسانية او قومية او عائلية او فردية، لاستطعنا ان نكتشف ببساطة كبيرة ان الامبريالية ليست لديها اي موانع لاستعمال اي سلعة قذرة او اي سلاح قذر، في سبيل مصالحها، ولاستطعنا ان نكتشف ببساطة اكبر ان هذه الطغمة قد وجدت ضالتها منذ زمن ليس بالقصير، في “سلعة ـ سلاح” قذرة تنسجم تمام الانسجام مع الطبيعة الطفيلية المطلقة للامبريالية، وهي: “سلعة ـ سلاح” المخدرات.

ـ4ـ واذا اجرينا جردة لكل التحليلات، المؤيدة والمعارضة، لـ”الحملة الصليبية” العالمية الحالية، التي تقودها الادارة الاميركية الراهنة، لوجدنا انها تتمحور حول ثلاثة اسباب، او ابعاد رئيسية، هي:

أ ـ ما يسمى “مكافحة الارهاب”، التي يراد تحت لوائها ضرب كل مقاومة وطنية واجتماعية ـ انسانية، للطغمة الاحتكارية الامبريالية، الاميركية ـ الصهيونية، في مسعاها للهيمنة الاحتكارية الاحادية على العالم.

ب ـ الاحتلال والهيمنة السياسية ـ العسكرية، تحت الشعارات الكاذبة لنشر الدمقراطية.

ج ـ السيطرة على المقدرات الاقتصادية للعالم، ولا سيما النفط والغاز الطبيعي والممرات التجارية العالمية الرئيسية.

ولا شك ان هذه الابعاد كلها هي حقيقية وواقعية، وينبغي اخذها تماما بعين الاعتبار. ولكن في كل من هذه الابعاد، فإن الطغمة المعنية تبقى بحاجة الى “شركاء”، دولا او قوى او مؤسسات سياسية واقتصادية ومالية.

كما ان هذه الابعاد تفترض ان تتقيد الطغمة المعنية بحد ادنى من القوانين والاعراف الحقوقية والشرعية الدولية، وان تخضع ولو شكليا لبعض القرارات الدولية من الهيئات التي تشارك دولها فيها، كالامم المتحدة، وحتى الاحلاف العدوانية كحلف الاطلسي وما اشبه. وهذا ما تريد تلك الطغمة المجرمة التحلل منه نهائيا. ذلك ان الهيمنة العالمية المطلقة التي تطمح اليها تتنافى مع اي منطق مشاركة لها، او مراقبة عليها، من اي جهة اتت، حتى من اقرب حلفائها واتباعها انفسهم، وحتى من دولها الخاصة بالذات.

وهذا ما يدفع تلك الطغمة لأن تعمل المستحيل، كي تخفي أقصى ما تستطيع البعد الرابع، الذي هو البعد الاساسي والرئيسي، “للحملة الصليبية” القائمة حاليا، وهو البعد المتعلق بالمخدرات.

ـ5ـ تفيدنا التجربة التاريخية العالمية، انه في القرن الثامن عشر حاول المستعمرون الانجليز مد “حضارتهم” الغربية من الهند الى الصين لاستعمارها ايضا. ولما فشلت حملاتهم العسكرية الاولى، لجأوا، وليس بدون اغماض العين والمباركة الفعلية من قبل “كنيسة الدولة”، الى سلاح الافيون، الذي اخذوا ينشرونه لتسميم الصينيين وشل ارادة المقاومة لديهم، وايجاد “قاعدة حليفة” للانكليز في صفوفهم، الامر الذي مهد للانكليز سبيل الانتصار العسكري لاحقا. وهذا ما عرف تاريخيا بـ”حرب الافيون”. وطبعا ان كمية مادة الافيون التي استخدمت في هذه الحرب كلفت الخزينة البريطانية بعض النفقات، مثلها مثل اي باب من ابواب النفقات الحربية، التي تم تعويضها من الارباح الناتجة عن الاستعمار.

واستنادا الى هذه التجربة “الحضارية!” ـ الاستعمارية الثمينة، فإن الطغمة الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية تلجأ الان الى المخدرات، بطريقة “عصرية” و”علمية” و”اقتصادية”، “ارقى” و”افضل” و”اكثر عقلانية” مما جرى في حرب الافيون الانجليزية ضد الصين. ويتبين ذلك فيما يلي:

اولا ـ ان الطغمة الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية تتعامل مع المخدرات اولا كبيزنس، اي كمشروع مالي مثله مثل اي مشروع مالي ـ انتاجي ـ تجاري آخر. وبذلك فهو لن يكلفها شيئا، كما كلف الافيون ميزانية الامبراطورية البريطانية في حينه. بل بالعكس، ان تجارة المخدرات هي كفيلة بتمويل اي “حرب أفيون” اخرى في عصر “العولمة” الاقتصادية الراهنة المتوحشة بالمطلق.

ثانيا ـ ان لهذا البيزنس خصوصيات استثنائية اهمها:

أ ـ انه يدر ارباحا خيالية لا يمكن لاي بيزنس آخر، بأي حساب مالي عادي، وبناء لأي مبدأ اقتصادي، ان يضاهيه فيها.

ب ـ باعتبار ان شغلة المخدرات لا تزال تخضع “دمقراطيا” او “دينيا” للمنع والتحريم والتجريم، وتقع تحت طائلة القانون الاخلاقي والجنائي، فإن الاموال الهائلة المتأتية منه تبقى “في الظل”، ولا تخضع للرقابة المالية والسياسية لا الرسمية ولا الاجتماعية، العامة او الخاصة. وهذا ما يتيح للطغمة الاحتكارية الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية ان تتصرف بهذه الاموال كما تشاء، على مدى العالم بأسره، دون الخضوع لرقابة حتى دولها ومجتمعاتها او حتى احزابها المعنية، ناهيك عن مؤسسات المجتمع الدولي بشكل عام. ولتبيان اهمية هذه النقطة نقدم المثال التالي: اذا اراد المطبخ المافياوي في “البيت الابيض” او “السي آي ايه” او “الموساد”، مثلا، تنظيم سلسلة اغتيالات او انقلاب دموي او عملية ارهابية كبرى (كاغتيال جون كندي او بابا روما او رفيق الحريري او ياسر عرفات)، فهو يحتاج ليس فقط الى قرار سياسي معين تصدره مؤسسات الدولة المعينة، بل ايضا والى تمويل معين يحتاج هو نفسه الى قرار من مرجع رسمي او شبه رسمي او حزبي معين الخ. وبذلك تكون تلك الطغمة مضطرة، في نهاية المطاف، للخضوع او لمسايرة مؤسسة ما من مؤسسات الدولة التي توجد فيها، او المؤسسات الحزبية او السياسية في المجتمع الذي هي جزء منه والذي جاء بها الى السلطة. اما في حالة توفر اموال المخدرات “غير الشرعية” وغير الداخلة في اي حساب اقتصادي رسمي و”شرعي” من الاساس، فإن الطغمة الاجرامية الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية تصبح طليقة اليدين كليا، في التقرير والتخطيط والتمويل والتنفيذ، لاي خطة او حملة او حتى حرب قذرة في اي مكان في العالم، بما في ذلك داخل بلدانها بالذات، وبمعزل وحتى ضد مؤسساتها بالذات، الرسمية وغير الرسمية.

ج ـ ان شغلة المخدرات تقوم على “مبدأ” “المصلحة المطلقة” او “المصلحة بذاتها”، التي لا تقيم اي اعتبار لاي “قيمة” اخلاقية او وطنية او دينية او سياسية او فكرية الخ الخ. فالامبراطورية البريطانية حينما لجأت الى سلاح الافيون، كانت ملزمة ان تستخدمه فقط ضد الصينيين، بقرار من مؤسسات الدولة البريطانية ومع الحصول على “غض النظر” من قبل الكنيسة الرسمية البريطانية. اما الطغمة الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية فهي تستخدم هذا البيزنس اليوم اينما كان، بدءا من “بلدانها” بالذات وضد ابناء “شعبها” بالذات. وهذا ما يجعل هذه الطغمة “الاجرامية بالمطلق” بغنى تام عن اي “عفش!” ايديولوجي او وطني او حقوقي او اخلاقي او ديني الخ الخ، كانت ولا تزال اي طغمة امبريالية “تقليدية” مضطرة لأن تحمله على كاهلها وتتاجر به.

وهذه “التحررية المطلقة” او “الليبيرالية المتوحشة المطلقة”، تتيح بالتالي لهذه الطغمة بالتحديد “اللقاء المصلحي” ـ بدون اي “حواجز” ناشئة عن اي “معتقدات مسبقة” ـ مع جميع المجموعات الاجرامية والفاسدة في العالم، بما فيها “المعادية” لها، بالمقاييس الدينية والوطنية والايديولوجية والسياسية، ايا كان “العفش” الايديولوجي او السياسي او الفكري او الاخلاقي او الديني “الآخر”، الذي تحمله تلك المجموعات. وللمثال: اذا كانت توجد حرب بين دولتين، فالطغمة الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية هي قادرة، بواسطة بيزنس المخدرات، وامواله، ان تكون في وقت واحد “مع” الطرفين المتحاربين، وبمختلف الاشكال والالوان السياسية وغير السياسية التي تبدلها كما تبدل الجوارب. ويصح ذلك حتى لو كان احد اطراف هذه الحرب هو الدولة الاميركية ذاتها. والشيء ذاته يقال في حال وجود حرب اهلية، دينية او عقائدية او عشائرية الخ، مهما كان من “دينيتها” و”عقائديتها” و”عائليتها”. فالطغمة الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية، التي تمارس بيزنس المخدرات، يمكنها بواسطته ان توجد في الوقت ذاته “في المعسكرين”، وأن يقاتل “رجالها” المرتبطون بهذا البيزنس “على المتراسين”، وبذات الحمية الدينية والعقائدية والسياسية والعشائرية التي يقاتل بها الآخرون على كل متراس!… ودون اي وازع او عائق اخلاقي الخ. فطالما يكون “البيزنس” ماشيا، فكل شيء آخر هو مباح.

XXX

نخلص من ذلك الى القول:

ـ1ـ ان حرب افغانستان تؤكد الانتقال من مرحلة “دولة الاحتكارات” الى مرحلة “دولة المافيا”، وان الدولة الاميركية ـ الصهيونية ليست “دولة امبريالية” وحسب، بل هي تحولت بشكل اكثر تحديدا الى: دولة امبريالية مافياوية.

ـ2ـ ان المخدرات هي “سلعة ذات ريعية خيالية” لا تضاهيها ريعية اي سلعة اخرى. وهي في “طبيعتها” ذاتها “سلعة احتكارية” اي ليست (كسلعة: زراعة وصناعة وتجارة) في متناول اي كان من الرأسماليين الآخرين وبالتالي من السهولة اكثر جعلها وقفا على الاحتكاريين الامبرياليين الاكبر في العالم. وفي الوقت نفسه هي “سلاح ستراتيجي” فتاك، ينوب عن الجيوش والاسلحة التقليدية وعن الصواريخ والاسلحة النووية وغيرها من الاسلحة غير التقليدية، التي اصبح يوجد اكثر من “دولة شريرة”، غير روسيا وبالاضافة اليها، يمكنها ان تستخدمها ضد اميركا.

ـ3ـ ان كل سلوك الدولة الاميركية في العقود الاخيرة، وخصوصا في المرحلة الراهنة، تشي بوضوح ان شغلة المخدرات اصبحت “الشغل الشاغل” او المحور الاساسي والرئيسي للستراتيجية العالمية للدولة الاميركية التي تحولت (من رئيسها المبجل الى آتفه نفر في الجيش الاميركي) الى مافيا مخدرات لا اكثر ولا اقل، طبعا بالتداخل التام مع كونها الدولة الامبريالية الاوحش والاحقر في تاريخ البشرية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب لبناني مستقل

إلى الرفيق عادل سمارة مرة أخرى: لا تغضب

29 يوليو 2009

أحمد حسين

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1972)

لو كان الوعي هو تلقائية العقل في التجربة لما كان هناك صراعات وعي، لأن الوعي عندها سيصبح قانونا طبيعيا متحقق الماهية مثل الجاذبية، ولن يعود حركة تطورية لها قوانينها الجدلية، وملابساتها الظرفية المختلفة والمتغيرة. سيتحول من حركة إشكالية متكونة باستمرار في التناقضات والحلول اللانهائية، إلى ظرف قائم باستمرار له وجهة جدلية ثابتة وخط تطوري مستقيم لا يثير سوى اهتمام المختصين. ولكان ماركس ربما عالما طبيعيا وليس عالما اجتماعيا. على الأقل هكذا تبدو الأمور في تصوري. ولكن العقل البشري لا يمكن إلا أن يكون إشكاليا في الحركة لتتحقق كل إشكاليات الجدل التي تحقق وعي التجربة المرحلية. هناك غائية طبيعية هي التطور لها قانونها الخاص الذي يحتم تناقضات الوعي بين العقل الإشكالي المتلاعب والتجربة النصية للتطور. وهناك خاصية بنيوية للعقل تتيح له التلاعب في مساحة ” حقائق الوهم ” أو مساحة ” أوهام الحقيقة ” لتتحقق الحركة.

بإمكان اي إنسان من الناحية النظرية والفعلية أن يتنكر لوعيه. أي أن يغادر ساحة الوعي الإجتماعي إلى ساحة الوعي الذاتي. لا أعتقد أن هناك حتى الآن وعيا لا يمكن رفضه علميا عدا الماركسية. إنها الوعي الوحيد القادر على التماسك في وجه تلاعبات العقل أي الفلسفات الذاتية. وإلى حين ظهور وعي متقدم على الماركسية، فإن العقل المتلاعب للطبقة أو للفرد لم يعد أمامه على ضوء الماركسية إلا أن يعلن انحرافه الذاتي ليس كجزء من صراعات المعرفة وإنما كجزء من الصراع ضد المعرفة العلمية التي تهدد اجتماعيته الطبقية أو حيوانيته الفردية، أو على الأصح كليهما معا. أي أنه من المفروض أن الماركسية تشكل أزمة للوعي الذاتي وأنها الوعي المسلح الذي يواجه هذا الوعي ويقمعه ثوريا. لقد وضعت وعي الطبقة الرأسمالية في مأزق اللص الذي تم اكتشافه. وبدا لفترة من الزمن أن الوعي الماركسي أصبح قوة مواجهة على طريق الإنتصار. فما هي الحال اليوم؟

لقد اًصبح مجرد التمسك اليوم بالوعي الماركسي، نوعا من الممارسة يحتاج إلى شرط البطولة غير العادية. عليه أن يواجه قمع الجماعة له، بعد أن كانت ساحته الآمنة، وقمع كل السلطات من نقابة الخبازين مرورا بنقابة االأطباء وانتهاء بنقابة حفاري القبور. كل ذلك في خواء معنوي قارص، يعرض موقفه للسخرية ، من جانب الساحة الجماعية التي كانت حضنه الآمن وميدان فروسيته النضالية. عليك يا رفيقي أن تعترف بأنه موقف صعب يتركك وحدك ومن تحب في مواجهة عدو هو معظم الناس تقريبا. لقد نقص أصدقاء الموقف بشكل مخيف، وزاد أعداؤه بشكل مرعب. لم تعد القضية قضية وعي أو التزام بمدي ما هي تعرض مجاني للسياط. لقد غادر معظم الناس وعيهم بهدوء، وبدون مقاومة تذكر، إلى وعي الآخر. لماذا؟ كان بإمكانهم أن يتماسكوا معنويا ووعيويا على الأقل، رغم الصدمة، ومع قدر من المعاناة يمكن احتماله، لأن اضطهاد الكثرة ليس سهلا كاضطهاد الفرد. ألم نكن نعاني طيلة حياتنا؟ اليس ما كان يخفف من معاناتنا إحساسنا بوجود حضن جماعي لن يتركنا للحصار نجوع أو نموت بدون علاج؟ أم ترى أن ذلك كان وهما؟ لماذا يتماوت الناس مثل الثعالب ليعيشوا مثل الفئران. ألا يفهم الشعب الفلسطيني ما يدبر له ليكون في حالة غياب شبه كامل عن الوعي؟ لماذا وقف الشعب العراقي مشنوقا أمام شنق صدام حسين؟ لماذا تعجز الشعوب العربية عن الإحساس بشرفها وإنسانيتها كل هذا العجز المريع؟ هل تنتظر المخلص أم أنها قررت الإستسلام للموت؟ ماذا تريد منهم في الحالتين؟ الوعي الآن يا رفيقي أن نبكي سويا، ليس ضعفا، فهذا أمر ممنوع فرديا، ولكن قهرا وحزنا، لعل أحدا يسأل لماذا يبكي هؤلاء؟ هل لو كان موتك أو موتي يغير شيئا من هذا الدمار العربي والفلسطيني الشامل أكان أحدنا يتردد في اتخاذ القرار؟

لو كان هناك خلاف جوهري بيني وبينك في الوعي، لما كنت أقول مثل هذا الكلام البائس. لعل هذا هو سلاحي الذاتي في مقاومة القهر بعد أن أعجزني الإلتزام. ولعله ليس لي شجاعتك وقدرتك على التحدي. كل هذا وارد طبعا. ولكن أرجو أن تتصور فقط المشهد السياسي الدائر حاليا حول السلام.

ألسلام مع من، أو بين من ومن؟

أين هي الحرب، وهل كان هناك مرة حرب في المنطقة لم تبادر إليها إسرائيل؟ وهل الذي لا يقدر على الحرب يستطيع أن يشارك في السلام؟ ألعصمة في الحرب والسلام ظلت بيد إسرائيل منذ اعتدائها على العرب. فلماذا يريد أبناء الفاضلات العرب أن يدفعوا دوطة أمهاتهم من بؤس الفلسطينيين ودمهم وتشريدهم؟ إذا أرادوا سلاما مع إسرائيل فهو قائم فعلا. وإذا كان التطبيع معها ناقصا أو غير معلن فليستوفوه ويعلنوه. ليس بوسع أحد أن يمنعهم من ذلك أو يأمرهم به إلا إسرائيل أو أمريكا. فما شأن الفلسطينيين بما تريده قطر أو البحرين أو الإمارات أو حامي مصلى إبراهيم في السعودية؟ إذا كانت بلادهم مستوطنات إسرائيلية، فلماذا يرفضون المستوطنات الإسرائيلية في فلسطين بالوكالة عن الفلسطينيين؟ إنها العتبة التي ستصعد عليها أمهم بلقيس لتسجد أمام سليمان. إنها الدوطة التي يطلبها سليمان من العرب لينزو على بلقيسهم. لا سلام مع بقاء أي أثر للمشهد الفلسطيني. هكذا تقول لهم إسرائيل. عليكم أن تجروا الفلسطينيين إلى هاوية الإشكال التاريخي الوحيد بيننا وبينهم وهو المستوطنات. نريد التأكد أولا أنهم نسوا حيفا إلى الأبد قبل أن نوقف الإستيطان. لعبة مكررة تشبه النزول على درج قبر فرعوني ينتهي بالتطبيع مع الجثة الفلسطينية. فماذا يريد منا أباطرة الحريم في الخليج على سبيل المثال؟ ولماذا يسكت الشعب الفلسطيني على استخدام وطنه وشرفه وهويته في مفاوضات بين أعدائه؟ أليسوا كلهم طرف واحد يجمعهم العداء المصيري للفلسطينيين؟ أم أن الأمور غير واضحة؟ لماذا لا يحتشد شباب وشيوخ وخاصة أطفال المخيمات كما احتشدوا يوم زارهم عزمي بشارة، ويصرخوا في وجوه العرب: إفعلوا ما شئتم، ولكن ابتعدوا عن فلسطين ! لقد أضعتموها، ولكن لن نوقع على التبريء منها، فهي أمنا المشرفة إلى الأبد التي لا تشبه امهاتكم.

لا يا رفيق! كن متفائلا كما تشاء. أنا لا أستطيع! لا يحق لي أن أرفع عيني إلى وجه مطبع تافه خوف أن يبصق في وجهي. تصور أن يقول لي: أنا مع وقف الإستيطان، ومع دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. أليس هذا ما يريده شعبنا، فماذا تريد مني؟

لا يوجد يا أخي وعي مطلق. هناك وعي موضوعي ومرحلي فقط. لقد فقدنا المرحلة بتمامها عربيا وفلسطينيا. لا يوجد سنتيمنتر واحد نضع فوقه أصبعا من أصابعنا ونقول أنه لنا، أو حتى أنه كان لنا. التفاؤل والتشاؤم كما تعلم هما موضوعتان للتقييم الواعي، وليستا مجرد مفهوم مزاجي بدون شكل أو مضمون كما يظنهما الشعراء. وعندما تصل الحال بالشعب الفلسطيني أن يفاوض أعداءه على موته، فلن يكون بوسع أحد موضوعيا أن يتفاءل. يصبح التفاؤل موقفا أخلاقيا يبرر الصمود، يصبح موقفا للتحدي برصيد الذات وحدها من القدرة على الإحتمال. أما في الموضوع فالمطلوب هو ثورة الشعب المفاوض على وعيه.

تفاؤلي الموضوعي هو بحتمية انتصار الماركسية. لا مناص من ذلك أبدا في الوعي المتمثل. الناس لا يستطيعون أن يوقفوا قانون التطور العام، ولكنهم يستطيعون التدخل في تفاصيل مصائرهم الذاتية ويخسروا أو يكسبوا معركة المرحلة أو المصير الذاتي. في هذا المجال لا أستطيع أن أكون متفائلا لأن موضوعية الوعي ترفَض ذلك. في جدلية العاصفة ليس الماء هو الذي يحدد مزاج البحر. الذي يفعل ذلك هو الرياح القادمة من اليابسة. ولكن الماء هو الذي يصنع جبال الموج ويهاجم السواحل ويغرق السفن. ونحن لم يعد لنا يابسة تأتي منها الرياح وبحرنا لا ماء فيه.

لماذا تضع فاصلا بين الشعراء وغير الشعراء؟ الشعر موجود في كل موقف عظيم، الشعراء هم المهارة التي تلتقط الشعر من مشاهد الصمود أو الشهادة أو البطولة أو المعاناة الإنسانية وتحولها إلى نص لغوي. هل تعتقد أن هناك مشهدا عظيما خال من الوجدان؟ إسأل تجربتك وستجد أنك شاعر أيضا بمعنى من المعاني. لأن الموقف عبث بدون الوجدان، والشعر أكثر عبثية بدون الإلتزام. أنسيت رومانسيات العمل الماركسي أيام العز، من اناشسد الأممية والشعارات الإنسانية والروح الرفاقية؟ ألم يكن ماركس شاعرا أيضا. ثلاثة كتب لا رابع لها كونت ثقافتي الوجدانية: القرآن، وكتاب الأيديولوجية الألمانية لماركس وأنجلز، وكتاب ألف ليلة وليلة. هل لو كانت الثقافة الفلسطينية والعربية تتعايش مع وجدان التجربة الفعلية التي تربط الإنسان بشاعرية المشاهد الأرضية من سهول وجبال ووديان وبشر ، وليس مع وجدان نواقض الوضوء كنا نصل إلى هذه الحال من التباس المصير في عقولنا؟ أنت في قناعتي شاعر بدون أن تقصد أكثر من أي مطبع يكتب الشعر بالثقافة المحمولة. إن النص الشعري لا يحمل اختلافه عن غيره إلا بإجازة لاحقة من وجدان المعرفة الأنساني. وقد يقول الباحث عبارة الوجدان بدون غرض إبداعي مسبق، ولا يمكن مقارنة أي نص لشاعر تطبيعي بها لأنها شعر حقيقي. هل أضيف إلى معلوماتك شيئا إذا قلت لك أن معظم النتاج الثقافي الفلسطيني كان آلية للتطبيع إن لم يكن برداءة التوظيف والقصد فبالغباء المحكم والثقافة البلهاء؟ قال لي مرة أحد أكابر شعرائنا من مدرسة التعاقد الوطني، وهو يتحسس معدته:

سأموت ممعودا يا أحمد، فهل سترثيني؟

قلت: لا ! ولو مت مقتولا.

قال: لماذا؟

قلت: لأنني لا أهجو الموتى.

وعربد وجدف وشتم. فقلت له:

تمهل ! سأكتب إذا شئت، عبارة قصيرة على شاهد قبرك هي أبقى لك من قصيدة مكتوبة على الورق.

قال: ماذا ستكتب؟

قلت: سأكتب: هنا يرقد الشاعر العظيم الذي لم يكتب في حياته بيتا واحدا من الشعر.

وانصرفت مسرعا وتركته يجدف على هواه.

هذا هو المطبع. يكتب شعر مقاومة ويقبض من وزارة الثقافة الإسرائيلية بدل مقاومة. ومع ذلك فهو شاعر مقاومة حقا بشهادة كل مثقفي الأرض المحتلة، وقراء ” وسميعة ” الشعب الفلسطيني. فهل أكون عاقلا إذا كذبت شعبا كاملا، وساحة ثقافية، وصدقت نفسي؟ لقد جربت أن اتناول موقف المرحوم محمود درويش الوطني بشيء أقرب إلى العتاب منه إلى النقد. كنت متهيبا ليس من محمود درويش فقد كنت أعلم أنه لن يرد علي. ولكن من رموزيته الوطنية في نظر الأكثرية الساحقة من القراء ومن النقاد الذين كان يرهقهم الكساد الثقافي. وما آلمني أن أحدا لم يهتم بما قلته عن المرحوم وإنما كيف تجرأت على ذلك. فلماذا أفعل ما يسيء إلي ولا ينفع التزامي؟

أعرف أني أغضبتك. ويعز علي أن أغضبك. ولكنني أعترف لك بأنك على حق في غضبك. لأن البذاءة الثقافية لا يصح السكوت عليها حتى لو كنت تعيش مع مصدرها وحيدين على جزيرة منعزلة. ردة فعل الوعي حتمية وجودية. وشرف الإنسان أيضا حتمية وجودية. ولكن في إطار فرديته الإجتماعيه الملتزمة، وليس في إطار فرديته الأنوية. إنني اتجنب الإلتحام مع المطبعين لأنهم في ضوء نكبة الوعي التي نعيشها، أصبحت أشعر أنني أمارس التزاما فرديا مرفوضا وطنيا.

عزيزي عادل !

لا أدري هل أنا غاضب أو محبط أو كاذب مع وعيي. لعل كلينا محق أو أنك أنت المحق، ولكن يعزيني أن كلينا وجهان لوعي واحد أحدهما مستبشر والآخر عابس. واسلم لأخيك.

أحمد الأشقر وعوزي

28 يوليو 2009

موفق محادين

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1971)

أحمد الأشقر[1]، واحد من ابرز المثقفين الفلسطينيين الذين يعيشون في فلسطين المحتلة، ولم يترددوا مرة واحدة في التعبير عن هويتهم العربية وحقهم في قيام فلسطين عربية ديمقراطية.

ويشكل مع الشاعر والناقد احمد حسين والناشط واكيم واكيم ونشطاء حركة أبناء البلد فرقة شجاعة تقاتل على جبهة مهمة للغاية داخل الوطن المحتل، هي الجبهة الثقافية.

ومن بين الدراسات المهمة التي ينشرها الأشقر في الصحف والمواقع الالكترونية المختلفة وخاصة (وجهات نظر) دراسته حول (الأديب الإسرائيلي) عاموس عوز، وذلك لتعزيز رأي المثقفين العرب وخاصة المصريين الذين احتجوا على قرار المجلس الأعلى للثقافة في مصر ووزارة الثقافة هناك بترجمة (الأدب الإسرائيلي) إلى العربية.

وكان مركز ثقافي عربي آخر تابع لمركز سمير قصير (جزء من مؤسسات حزب المستقبل) في بيروت قد اشرف على نشر مساهمات أدبية مشتركة لكتاب عرب وصهاينة بينهم الروائي السوري نبيل سليمان والروائي المصري، جمال غيطاني وروائي من الأردن.

ولمن لا يعرف شيئا عن عاموس عوز الذي يقدم لنا كأديب يساري اختار الأشقر الفقرات التالية من عدة كتب لهذا الأديب اليساري!! ومنها على سبيل المثال:-

1- ما أورده على لسان جده في (قصة عن الحرب والظلام) الذي دعا لإعادة عرب بلاد الشام إلى وطنهم التاريخي في السعودية.

2- تبريره في الكتاب نفسه للتحالف البريطاني- الصهيوني كتحالف حضاري.

3- وصفه للعرب وخاصة الفلسطينيين في كتابه (أيام الراحة) بكلمات كريهة (عربوش وعربوشية) ولا معنى لحياة اليهودي إذا لم يتعلم فن التخلص منهم بل والتمثيل بجثث هؤلاء الغوييم (الحيوانات).

4- تصويره للعرب والمسلمين في كتابه (الحالة الثالثة) كجماعات متوحشة تحرق كل ما تصادفه ولا تفهم سوى لغة واحدة هي لغة العنف.

5- كما تخبرنا دراسة الأشقر أن عوز المتحدر من أسرة أوكرانية يهودية من جماعة جابوتنسكي (مؤسس حزب نتنياهو) واحد من كتاب الأناشيد اليهودية الجديدة التي تعتبر اليهود امة ثابتة قديمة منذ آلاف السنين، وهو ما يتناقض مع مفهوم أي يساري للأمة ناهيك عن طابعه العنصري التوراتي.

6- واختم من جهتي بمفارقة حول اسم هذا الكاتب الذي يذكرنا أيضا باسم (الرشاش الإسرائيلي) (عوزي) الذي استخدم لقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين والعرب ومناضلي حركات التحرر في كل العالم.


[1] من محرر “كنعان”: طالع مقالة أحمد أشقر: “عن ترجمة “عَامُوس عوز” للعربية” في نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1964، على الرابط التالي:

http://kanaanonline.org/ebulletin-ar/?p=1504