أغسطس 2009

الأردن.. قرارات صعبة بعد خطة السلام الأمريكية

31 أغسطس 2009

فهد الخيطان

يشعر المسؤولون الأردنيون أكثر من أي وقت مضى بالحاجة إلى مقاربات داخلية جديدة لمواجهة التحديات المرتبطة بخطة السلام الأمريكية للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.

ويسود اعتقاد لدى صناع القرار بأن المرحلة المقبلة تتطلب اتخاذ “قرارات صعبة” وإجراءات استباقية لتفادي الضغوط الخارجية والوصفات الجاهزة.

التحدي المقبل وفق تصور مسؤولين يرقى إلى مستوى استراتيجي ويستدعي من مؤسسات الدولة ونخبها السياسية الترفع عن المناكفات الداخلية والقضايا الإجرائية والشروع في تقديم تصورات مستقبلية إزاء طريقة التعاطي مع ملفات الحل النهائي المرتبطة بالمصالح الأردنية وفي المقدمة منها ملف اللاجئين والنازحين.

يتوقع سياسيون رسميون إن خطة أوباما لحل الدولتين سترتب على الأردن دورا محددا فيما يخص قضية اللاجئين والنازحين، كي لا تؤخذ الدولة إلى خطط جاهزة ومفروضة بشكل مسبق تتجه النية إلى تشكيل ما يشبه خلية عمل تضم أركان الدولة وقادة أجهزتها ومؤسساتها.

المهمة الأولى لعمل هذه الخلية هي رسم خارطة لأوضاع اللاجئين والنازحين في الأردن وصولا إلى توصيف سياسي واجتماعي لهم.

وفي سياق الإجراءات الاستباقية أيضا جرى الاتفاق مع الإدارة الأمريكية على إبلاغ الأردن بالخطوط العامة لخطة السلام قبل الإعلان عنها رسميا وتم ذلك بالتنسيق مع الجانبين الفلسطيني “السلطة” وإسرائيل.

ينطلق النقاش في أروقة الدولة من قناعة مفادها إن حق العودة للاجئين بالمعنى القانوني والإجرائي غير وارد في الأفكار الأمريكية للسلام في الشرق الأوسط. وكون الأردن اكبر دولة مستضيفة للاجئين فإن عليها منذ الآن أن تحدد ما الذي يمكن أن تقبله وترفضه، بمعنى آخر ما هي حدود “التوطين” المقبولة أردنيا.

ثمة حقائق في هذا الإطار برأي المسؤولين لا يمكن تجاهلها، ويرى هؤلاء إن الحاجة ملحة للشروع في دمج فئات في الدولة الأردنية بشكل كامل ورفع التمييز الحاصل في الوظائف خاصة في المؤسسات الأمنية والعسكرية والدرجات العليا، وفي الوقت ذاته يبدي العديد من المسؤولين الحرص على الوصول إلى مقاربة جديدة، فيما يخص الحقوق السياسية، لا تمس بأي شكل هوية الدولة ومؤسساتها. وفي هذا الصدد يقول مسؤول رفيع المستوى “لا يمكن إجراء الانتخابات النيابية المقبلة وفق القانون الحالي”.

أكثر ما يخشاه المسؤولون اليوم الضغوط الخارجية وتبعاتها، ولهذا يسعون للتوصل إلى تفاهمات داخلية تجنبهم المواجهة، لكن الطريق إلى ذلك وعرة من دون شك، ففي مقابل القوى الخارجية هناك قوى داخلية مستنفرة ولديها حساسية عالية تجاه أي خطوة يمكن ان تخطوها الدولة في هذا الاتجاه.

وإذا كان في وارد الدولة أن تقاوم الحلول المفروضة من الخارج فعليها أن لا تكتفي بإجراءات إدارية لنزع ذريعة التمييز وإنما استنهاض كل القوى السياسية والاجتماعية الرافضة لحل مشكلة إسرائيل على حساب الأردن وتوظيف هذه الورقة في المواجهة مع الخارج.

(العرب اليوم)

خطأ كولومبوس

31 أغسطس 2009

موفق محادين

رغم أن الثقافة الأمريكية عموما ضد المنطق، سواء كان اسميا وصوريا وأرسطيا “من أرسطو” أو كان ديالكتيكيا “جدليا”، فهي ثقافة براغماتية بامتياز ولا تعني من قريب أو بعيد بحدود الكذب والصدق في المنطق المذكور، حيث الصحيح هو ما هو نافع بصرف النظر عن صدقه أو كذبه.

رغم ذلك لا احد يتحدث عن الأخطاء بالمنطق الصوري كما يتحدث الأمريكيون مما يؤكد أهمية الكذب في الثقافة الأمريكية السائدة، ولا سيما الرسمية سواء كانت جمهورية أم ديمقراطية.

أما آخر الأخطاء الأمريكية المزعومة فهو تسلل صحافيين أمريكيين “جواسيس في الواقع” إلى إيران تماما كما تسللوا قبل فترة قصيرة إلى سورية من طرابلس اللبنانية وكانت الحجة الأمريكية أنهم دخلوا أراضي إيران كما سورية، بالخطأ.

ومن الأخطاء الأمريكية شبه اليومية في أفغانستان قصف الأعراس وبيوت العزاء، لعل صديقا أو نسيبا أو صهرا لواحد من طالبان موجود في تلك المناسبات..

وكانت العراق قد شهدت أخطاء أمريكية بالكيلو، من خطأ معلومة وجود سلاح دمار شامل إلى قصف الأهداف المدنية إلى أخطاء التعذيب.. الخ..

ولا تقتصر الأخطاء الأمريكية على رادارات الطائرات الحربية، بل تمتد إلى الأخطاء الطبية حيث تكثر الأقاويل عن دور المخابرات الأمريكية في اغتيال الرئيس عبد الناصر والرئيس الجزائري هواري بومدين والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات وغيرهم.

وفي الواقع، فان الأخطاء الأمريكية ليست سيئة دائما وخاصة عندما يكذبون بشأن خسائرهم ويعزون تلك الخسائر إلى أخطاء عسكرية بجنودهم، وهو أمر حسن جدا أن يتسبب أكثر جيش تقنية في العالم بهذا العدد من الخسائر بسبب جنوده أنفسهم.

أما الخطأ الأكبر فهو الخطأ الذي ارتكبه كولومبوس باكتشاف أمريكا الشمالية نفسها وتأسيسها على أيدي المجرمين الهاربين من السجون الأوروبية أو الذين اشترتهم الشركات الرأسمالية من تلك السجون لتجفيف مستنقعات تلك القارة.. وثمة رأي آخر بأن الرب أوحى لـ”كولومبوس” بذلك لتكون مكانا قصيا لشجرة الخطيئة على الأرض.

(العرب اليوم)

إنتخابات السيد مأمونة ومضمونة!

31 أغسطس 2009

جمال محمد تقي

ما دامت دار السيد مأمونة كما كان يقول نوري السعيد رحمه الله، لان السيد وبسبب من انتشار عطر البسملة والتقوى والزهد الذي يخر منه ويشع من جبينه نافذا الى كل روازين وزوايا الدار طاردا كل شياطين الرجس وكل مثيري الرذيلة منها، فان انتخابات السيد ستكون وبالتتابع مأمونة ايضا، وان السير اللولبي للعملية السياسية الذي لا يرحم احدا بشفطه لكل سوائل الحياة من الدار، وخوزقته لكل فتحات البلاد وجيوب العباد، ستكون مأمونة ايضا !

السيد هنا رمز للعمائم او المتشبثين بها رغم ان معناه الحرفي يتحدد بمن هم من نسل الرسول اي من الذين ينحدرون من عترة ابناء علي وفاطمة، وعليه فهو ليس بالضرورة سيد السادات ـ السيد علي السستاني رغم انه يحكم ويملك بالواسطة، ورغم شموله بنسب العترة الشريفة، وليس هو بالضرورة نسيبه محمد رضا منسق الشؤون النفطية في الحوزة العلنية والسرية، وليس بالضرورة ايضا ان يكون عبد العزيز الحكيم او ابنه عمار الحكيم رغم انطباق الشروط المعلنة عليهما، او ان يكون السيد شيخ جامع براثا الشيخ جلال الصغير او همام حمودي او عادل عبد المهدي، فالاخير مثلا ورغم ما يعلن عنه من انه سيد ايضا بحكم انحداره من سادات المنتفك لكنه سيد طماطي العمامة وغير مألوف النزعة فهو سيد حداثي وليس مشيخي سيرته تقول انه وبشبابه كان بعثيا ثم صار شيوعيا، وفي النهاية رجع نادما لاصله الساداتي الذي جعل كل السبل مفتوحة امامه وخاصة سبل السلطة والثروة، اما موضوع الثورة والعدالة الاجتماعية والبناء الذاتي للهوية الوطنية وارتباطها الاممي فهي كلها صارت في خبر كان، هي من رومانسيات مرحلة الشباب عنده، والتي كما يسميها اخواننا النيوليبراليين بالافكار الثورجية والقومجية والطوباوجية !

انتخابات الحصص ومقاديرها على الابواب كما يقولون، وكل موكب وحزب وجماعة تجده وتجدها متحفز ومتحفزة للزيادة فقط في حجم ومضمون حصته وليس النقصان، بيت او دار مال المسلمين مفتوحة امامهم وكل حسب شطارته لتمويل حملته، والغريب ان كل حزب ليس بما لديهم فرحون، انهم يطفحون ولا يشبعون، لم تعد مفاتيح الجنة مقنعة ولا محابسها او حورياتها اللواتي ياتين احيانا للزيارات المتواترة للعتبات المقدسة ويشاركن الملايين طقوسهم بمتعة قل نظيرها، ثم ان الناس الصامتة افشلت فدرلتها النفطية في الجنوب، ولم تجاريها في التخندق الطائفي، على الرغم من كل دسائس التفخيخ والتفجير والشحن بالاطنان لاكاذيب التخويف من الاخر !

نفس سياسة الحجاج بن يوسف الثقفي، الترغيب والترهيب، ومن لحم ثوره اطعمه ـ احدهم خطب في براثا خطبة الحجاج بعمامة شيعية وهو القائل : ان من يتجرأ علينا سوف ننسيه مذهبه، والحليب الذي رضعه !

احمد عبد الحسين لم يسب الحجر الاسود ولم يرتد عن دينه او مذهبه ولم يمد يده لمال عام ولم يتجاوز حدود مهنته ولم يفسد في ارضه ولم ولم ولم . . !

احمد عبد الحسين عبر عن نفسه بمقالة كل مفرداتها يرددها الناس ويتداولونها !

مقاولة 800 الف بطانية علامة النمر جاهزة عند شابندر التجار في بازار الجيران والمطلوب تسليم اثمانها واستلامها، المبلغ موجود في مصرف الرافدين في منطقة الزوية في الكرادة العملية لا تحتاج غير اذن للدخول والخروج ومن تمويه مدروس لرجال يعتمد عليهم اي من اهل الدار، فوقع الاختيار على بعض رجال الحماية التابعة لنائب رئيس الجمهورية والقيادي في المجلس الاسلامي الاعلى عادل عبد المهدي، الجهاز الاستخباري للمجلس يتحرك وينفذ المهمات بعلم ودون علم اصحاب الحمايات على اعتبار ان العادة غلابة وهم لا يخبرون الا بالنتائج، العملية يتم تنفيذها بنجاح وتتم سرقة ما مقداره 6 ملايين دولار، فقط قتل سبعة من حراس المصرف، وهرب المنفذون الى ايران بعد ان سلموا الاموال الى مكتب جريدة العدالة التابعة للمجلس، العملية انكشفت فالغبار المثار حولها لم يستطع منع الاعين من متابعة تحركات اصحابها، وشماعة القاعدة والبعث ستكون نكتة ثقيلة سلبياتها اكثر من ايجابياتها اذا حملوها لهما، خاصة وان حزب السيد المالكي سيكون الرابح الاكبر من عملية ادانة الفاعلين الحقيقيين لان ما يسود وجه المجلس حاليا سيبيض وجه الدعوة وقائمتها قائمة دولة القانون التي تتمنى اكتساح الشارع ببطانيات او بدونها !

احمد عبد الحسين لم يقل كل هذا، انه اشار للبطانيات ولمح لوجود صلة بين الفاعل وبين الحملة الانتخابية الخاصة به !

اعتقد ان قائمة دولة القانون مطالبة بان تبرهن على مصداقية شعارها بالافراج الفوري عن الصحفي المجتهد احمد عبد الحسين وتكريمه ومحاسبة من كان وراء غيابه وتغييبه !

ربما ستفعلها دولة القانون على اقل تقدير مراعاة لحملتها الانتخابية، خاصة وانها تستعد لاطلاق سراح الصحفي منتظر الزيدي كطعم انتخابي اخر يمكن ان يدر عليها مزيدا من البركات، فهل تفعل؟

إرضاع زميل العمل أم عدم تشغيل المرأة

31 أغسطس 2009

التفاف لمنع الانتقال لنمط إنتاج أعلى

بادية ربيع

كنت قرأت شيئاً عن فتوى لرئيس قسم الحديث بجامعة الأزهر بجواز إرضاع المرأة لزميلها في العمل كي لا “يحلُّ” أحدهما للآخر، وذلك في مواقع إلكترونية قبل قرابة عام. احتفظت ببعضها لحين اصطياد بضعة ايام من الراحة لأكتب فيها. وها أنذا. لست بالقطع ذات خبرة في الأديان والفتاوى والاجتهاد الديني. ولذا، لن تكون قرائتي لهذه المسألة في نطاق المحاججة الدينية، لنفس السبب ولأسباب أخرى تدور في نطاق وجوب فصل الدنيوي عن السماوي، لأنهما بالقطع مفصولين.

وقد يكون أكثر ما يثيرني محاولات الكثير من المثقفين العضويين للمؤسسة الدينية، وهم بالنتيجة مثقفون عضويون للسلطة وليس للإله، محاولاتهم العودة إلى “السلف الصالح” أكثر حتى من عودتهم للنصِّ الديني نفسه. وهنا يستقوون على الواقع بالتراث وهذا تفكير لاتاريخي بالضبط. ويستقوون على الناس بالناس، وعلى المعاصر بالقديم، وعلى من لديه أفق معلوماتي ومعرفي محدود وقديم على من أصبحت المعلومة لديه هائلة ومجانية، وليس المطلوب لها سوى عقلٍ لا كسول. وحين يرغمون اليوم على قياس نفسه على الأمس، إنما يسيئون إلى الأمس الذي يبدو بنظر الباحث الحصيف متواضعاً مع اليوم. لكنها ليست خطيئة الأمس الذي مات، بل هي خطيئة الذي يُميت اليوم بحشره في الأمس.

لست بمغزى التقليل من ذكاء وقدرات القدماء، ولكنني من اتجاه عدم ظلمهم نظراً لشح القدر المعرفي لديهم من جهة، “ولأن أفضل سِنِي العيش حتماً هي التي ستاتي”.

ترتبط إثارة رضاعة الكبار حقاً بخارج المنزل، بمعنى أنها مرتبطة بالمكان الذي يتواجد فيه الرجل والمرأة معاً، اي بمكان العمل. وبالتالي، فإن مكان العمل هو سبب إثارة الموضوع الذي لكي يتقي من يرفضون اجتماع الرجل والمرأة “شرَّ” اختلائهما طالما هناك إبليس بينهما، بل رجل بين إبليسين. فما دامت المرأة مصدر غواية، وإغواء وفتنة، فهي بنظرهم إبليس ايضاً.

وأعتقد أن هذا الوصف للمرأة مؤداه ليس الحيلولة دون الغواية، بل مؤداه الحقيقي منعها من العمل لأن هذا قياساً مني على رايهم “يقلع السن ويقلع وجعه”.

قد تفيد هنا مقارنة موقف رجال الدين من العمل في أكثر من بلد ومنطقة. وهذا أمر لا يعود إلى المسألة الإيمانية والتقيد بنصوص الدين، فما بالك بالشرائع. بل يعود إلى متطلبات الواقع التي تملي بدورها على هؤلاء موقفا من عمل المرأة يرتكز على بل يخدم العمل نفسه. ولأن العمل مسألة اقرب إلى التجريد، فهو يخدم الطبقة التي تُدير العمل وتملكه. ففي المجتمعات الغربية، المتقدمة راسمالياً، يتحول رجال الدين إلى مثقفين عضويين “مباشرة أو مداورة ” للسلطة الحاكمة فيُفتون بوجوب أن تكون المرأة “كاثوليكية جيدة” تربي أطفالها وترضعهم حليبها، وهذا يقرِّبها من الله أكثر مما يقربها العمل. والأمر في الحقيقة هو وجود البطالة وقلة شواغر العمل وبالتالي فإن عدم تشغيل المرأة لا “يقربها إلى الله زُلفى” وإنما يقرب رجل الدين زُلفى إلى الحاكم والطبقة الراسمالية.

وقد يكون غريباً قياس الأمر نفسه على بلدان العالم الثالث بمعنى أن رجال الدين وهم يحضون المرأة على عدم العمل إنما هم مثقفون عضويون للراسمالية الحاكمة في المحيط أيضاً. كيف لا وبلدان المحيط في أزمة قبل وبدون الأزمة، ولذا، فإن تشغيلها، أو مطلبها للشغل هو مصدر صداع للطبقات الحاكمة.

وتكون المرأة طالبة العمل مصدر صداع حقيقي للسلطة والملاَّك حين نعرف أن هدف السلطة في بلدان المحيط هو عدم تطوير بلدانها. فالدائرة الشيطانية في البلدان العربية مثلاً، هي قيام السلطة/الدولة بربط الناس جميعا معيشياً بها. وغالباً عبر جهاز بيروقراطي توظيفي خدماتي غير تنموي ولا إنتاجي. وفي وضع كهذا لا تتوفر فرص عمل للنوعين من عمر العمل، فيتم فرز المرأة للمطبخ والمخدع والإنجاب الذي بدوره يقود إلى خروج أعداد كبيرة سنويا إلى سوق العمل المحصور، مما يزيد وجوب حصر المرأة في المطبخ. ويساعد الدول العربية على هذا وجود الريع الذي يشكل بئراً يغرف منه الحاكم ويرش على رعاياه، وعندها لا داع كي يرش على “حريمهم”. ولأن نسبة التعليم في الوطن العربي تزايدت إلى حد ما بين النساء، صار لابد أن يطالبن بالشغل.

وهما ينبري رجل الدين ليكون المثقف العضوي للنظام فيبدأ بالافتاء بمخاطر ومعايب شغل المرأة طالما هناك رجالاً. وهو في الحقيقة إنما يدافع عن النظام الذي يحتجز التطور والتصنيع لأن في هذا مدخلا للمطالبة بحريات حتى ولو بالمفهوم البرجوازي.

ولا شك أن هؤلاء المثقفين العضويين للأنظمة الماقبل عصرية، والبطريركية، هم مستفيدون من بقاء هذه الأنظمة، لأن اي تطور أو تقدم اقتصادي، قد يتطلب مثقفين مختلفين، يكونون على الأقل اقدر على خدمة النظام في تصديه لمطالبات مختلفة من الحقوق. أي ان بقاء المجتمع في دوران على محوره، هو حال ممتع لهؤلاء المثقفين الذي يتحولون حالة من إعادة إعادة إنتاج المجتمع لنفسه ودورانه على محوره.

بقي أن أشير إلى أن من كتبوا حول هذا الأمر عبر إثارة حجج دينية أو شرعية لمواجهة حجج المشايخ، كما فعلت د. رجاء بن سلامة، إنما وضعوا أنفسهم على نفس أرضية المشايخ وذهبوا لاستدعاء النصوص، وليس الواقع الموضوعي، ولا إخال أنهم كاسبون.

يهودية الكيان تعني عنصريته

30 أغسطس 2009

خلف علي المفتاح

بعيداً عن عدم شرعية الكيان العنصري الصهيوني القائم أساسا على الاغتصاب ومنطق القوة والعدوان طفت على السطح خلال السنوات الماضية، الدعوة إلى أن (إسرائيل) دولة يهودية أو دولة لليهود ولعل هذه الدعوة التي أصبحت جزءا من الخطاب السياسي الصهيوني وخاصة بعد الكلمة التي ألقاها رئيس وزراء الكيان في بار إيلان تثير العديد من التساؤلات لما لها من منعكسات خطيرة على عملية الصراع العربي الصهيوني وتكييف بنيته، فالقول بيهودية الكيان يعني أولا وقبل أي شيء أنه يتأسس على حامل عرقي أولاً وديني وهذا يقوض أحد أهم الأكاذيب التي سوقتها الحركة الصهيونية والتي تدعي أنها دولة ديمقراطية تقوم على مبدأ المواطنة الإسرائيلية وليس الدين اليهودي, والأمر الآخر وهو الأشد خطراً القول إن الصراع في المنطقة هو صراع ديني وليس صراعا بين القومية العربية بكل ما تعنيه من معانٍ حضارية وحركة التحرر الوطني الفلسطيني من جهة والحركة الصهيونية كحركة عنصرية استيطانية استعمارية فاشية وإحلالية من جهة أخرى.‏

إن محاولة الصهاينة تديين الصراع هو أمر في غاية الخطورة لأنها دعوة لقيام كيانات في المنطقة على حوامل دينية وطائفية وهذا يعني محاولة تدمير الكيانات الوطنية وفرط العقد الاجتماعي الوطني والقيام بما يمكن تسميته إحيائية دينية وطائفية تقصي الهوية الجامعة لتحل بدلا منها هويات فرعية زائفة، ناهيك بأنها تعطي مبرراً للفكر المتطرف ليسوق خطابه الظلامي في مناخ أفضل.‏

وإضافة لما تقدم تبدو الدعوة ليهودية الكيان أشبه ما تكون بالضربة الاستباقية لإغلاق ملف عودة اللاجئين إلى وطنهم الأم وهو مضمون القرار 194 الصادر عن هيئة الأمم المتحدة ،فالاعتراف بيهودية الكيان يعني عدم قبول عودة أي فلسطيني إلى أرضه ووطنه، ناهيك بأنها تعطي المبرر لطرد العرب الفلسطينيين من وطنهم كونهم من غير اليهود، إضافة إلى أنها تفسح المجال لتهجير أي يهودي في العالم إلى فلسطين المحتلة وهذا يتأسس على مقولة كاذبة روجتها الصهيونية في الأوساط الأوروبية، مؤداها أن اليهود في العالم هم ضحية ترانسفير جماعي قام به الرومان منذ القرن الأول الميلادي، وكذلك محاولة إضفاء شرعية ما على حقيقة التمييز العنصري والديني الذي تقوم به الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تجاه الفلسطينيين، إلى درجة أن الكنيست الإسرائيلي تبنى مشروع قانون يعاقب بالسجن كل من يرفض ما يسمى الطابع الديني (للدولة)، والغريب في الأمر أن بعض الساسة في دول العالم بدؤوا يسوقون مثل هذه المقولات العنصرية الكاذبة متناسين أن اليهودية ديانة انتشرت في كافة أصقاع الأرض شأنها شأن الديانات الأخرى وأنه لا توجد دولة في العالم تقوم على أساس ديني سوى دولة الفاتيكان، علماً أنها حاضرة دينية رمزية أكثر مما هي دولة بالمعنى القانوني ولها احترامها وتقديرها على مستوى العالم.‏

إن الدعوة للاعتراف بيهودية الكيان يجب أن تواجه بفعل عربي وفلسطيني منظم يركز على طبيعة الكيان الصهيوني وعنصريته، والدعوة إلى إعادة الاعتبار إلى قرار الامم المتحدة رقم 1379 الذي يعتبر الصهيونية حركة عنصرية والذي ألغي في ظروف غير طبيعية مر بها العالم في فترة القطبية الأحادية وهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على المنظمات الدولية، إضافة للتأكيد على بنية وطبيعة الصراع على أنه صراع بين محتل غاصب وشعب آمن طرد من أرضه واقتلع من جذوره ولكنه بقي متمسكا بهويته رغم كل الظروف المأساوية التي مر بها، وأن حركة التحرر الوطني الفلسطيني هي حركة تحرر وطني ضد الظلم ويجب على المجتمع الدولي والرأي العام العالمي مساندتها كما ساند حركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا وجعل منها قضية رأي عام.‏

وهنا لابد من تنسيق عربي وإقليمي ودولي، وفعل سياسي وإعلامي وثقافي يواجه تلك الدعوة المشبوهة التي يحاول من خلالها الكيان القيام بما يمكن تسميته عملية مزدوجة الأبعاد تتضمن مبادلة السكان بالسكان والأرض بالأرض. والمقصود بذلك السكان الفلسطينيين الذين لم يغادروا أراضيهم عند النكبة مع قطعان المهاجرين الذين جيء بهم من أصقاع الأرض بذلك تتكرس على الواقع يهودية الكيان وعنصريته وتصبح قضية المواجهة أكثر ثمناً وأشد إيلاماً على الفلسطينيين والعرب عموماً.‏

“الثورة”

وحدة اليمن في محنتها الراهنة

30 أغسطس 2009

نصر شمالي

المعلومات عن العصيان أو التمرّد أو الانتفاضة في شمال اليمن معلومات شحيحة جدّاً، بحيث أننا لا نعرف ما يكفي عن دوافع وأهداف العصاة أو المتمرّدين أو المنتفضين، الذين يخوضون حرباً حقيقية في مواجهة حرب حقيقية تشنّها الدولة بقواتها المسلّحة ضدّهم، ولذلك فإنّ قلقنا من بعيد، ونحن لا نسمع سوى أصوات آلات الحرب، يكاد يقتصر على مصير وحدة التراب اليمني، لأنّنا إذا كنّا لم نسمع نداءات انفصالية في الشمال فقد سمعناها في الجنوب صريحة واضحة، وبما أنّ الأحداث متزامنة في الشمال والجنوب فإنّ اليمن سرعان ما بدا، وإن ظاهرياً، كأنّما هو عرضة للانقسام إلى ثلاث دول!

ليس جزافاً ولا اعتباطاً ولا مبالغة القول بثقة أنّ هناك مؤامرات خارجية هدفها تجزئة اليمن وغير اليمن من البلاد العربية وغير العربية، فالوثائق الرسمية كشفت أنّ الأميركيين يعملون على تجزئة العالم إلى آلاف الدول، وما يلفت النظر في بلادنا أنّهم يسعون إلى إقامة ثلاث دول على الأقلّ في كلّ قطر مرشّح للتجزئة، كما هو الحال ميدانيّاً في العراق والسودان، وكما هو الحال إعلامياً ونفسياً في جميع الأقطار العربية بلا استثناء، بحيث صار استقرار هذه الدول يبدو كأنّما هو هشّ ومؤقت حسب إيحاءات أجهزة الحرب الإعلامية والنفسية الأميركية/الصهيونية، غير أنّ ما ينبغي قوله، بثقة أيضاً، أنّ المؤامرات الخارجية لا تستطيع أبداً تحقيق أيّ نجاح من دون توفّر مناخات مواتية داخل البلد المستهدف، فالشعوب والبلدان لا تؤخذ، قطعاً، إلاّ من داخلها، أي بعد نخرها واختراقها!

لقد كتب أحد المفكّرين المصريين (جلال أمين؟) قبل سنوات عن ظاهرة “الدولة الرّخوة”! لكنّ الدول العربية لا تعاني في المقام الأول من الرخاوة أو الترهّل، ولعلّ الأصحّ الكتابة عن معاناتها في المقام الأول من النخر والاختراق، فالرخاوة أو الترهّل يمكن أن تصاب بدائه دول عظمى ثريّة وذات سيادة، أمّا الدول العربية، المنخورة المخترقة، فإنّها تعاني فقراً في الثروة (أي في الدم!) وفقراً في السيادة (أي في الاستقلال) والفقر الثاني هو الذي يتسبّب في الأوّل!

بعد استرداد اليمن لوحدته مع الجنوب رأينا حكومته تفعل، كأنّما عن قصد، كلّ ما من شأنه دفع أهل الجنوب إلى الندم، وإلى الحنين لأوضاع ما قبل استرداد الوحدة! وإلاّ فلتقل لنا هذه الحكومة: لماذا همّشت أهل الجنوب ذلك التهميش الموحش المريب، وهم الذين كانوا على مدى التاريخ الحديث مركز الفكر المبدع والنضال المؤثّر والنشاط المتنوّع الملفت داخل اليمن وخارجه؟ ولماذا همّشت مدينة عدن وأهل عدن، فغاب ذكرها وذكرهم أو كاد، ولم تعد مركزاً بارزاً وركناً دافئاً لاحتضان أيّة فعالية نوعية داخلية أو خارجية، كانعقاد المؤتمر القومي العربي فيها مثلاً؟

إنّ مدينة عدن العريقة هي العاصمة اليمانية الثانية، وهي بموقعها الاستراتيجي المتميّز، على مضيق باب المندب الاستراتيجي المتميّز، ندّ متكامل مع صنعاء، مثلما هي الندّية وهو التكامل بين أنقرة وإسطنبول، وبين واشنطن ونيويورك، فلماذا لم تعامل كعاصمة ثانية إن لم تكن الأولى؟ ولماذا لم يعامل أهل الجنوب اليماني بأكثر ممّا يليق بهم ويستحقّونه، ولو حتى على حساب المناطق الأخرى؟ ألا يفترض بالحكمة اليمانية أنّها أخذت ضرورة ذلك بعين الاعتبار؟

ينبغي علينا، سواء تحدّثنا عن الوحدة أم تحدّثنا عن التجزئة، أن نطرح على أنفسنا هذا السؤال: ما هي الوظيفة التاريخية للوحدة وما هي الوظيفة التاريخية للتجزئة؟ حيث لكلّ منهما ضرورتها ووظائفها البشرية التي تبرّرها، فهل نريد الوحدة فقط لأنّنا عرب ولأننا كنّا موحّدين ذات يوم؟

لكنّ قرابات الدمّ والتراث والثقافة، التي تشكّل عنصراً قوياً وعظيماً للتوحيد، هي عنصر معنوي كثيراً ما يضمر، بل يضمحلّ، أمام طغيان العناصر المادية المعيشية الأخرى، وأمام الوظائف العملية للوحدة أو للتجزئة، فهذه الوظائف هي التي تعطي بقاء الحدود أو زوالها تلك القيمة والأهمية الخطيرة، وكثيراً ما يحدث أنّ وحدة الدولة الواحدة التي تضمّ شعباً واحداً، بل قبيلة واحدة، تصبح عبئاً ثقيلاً لا يطاق إذا كانت وظائفها غير إنسانية وغير عادلة، ومتناقضة مع متطلبّات الحياة، ولا تأخذ بالاعتبار خصوصيات القرى والمدن والأفراد والجماعات داخل المجتمع الواحد!

حتى العشيرة يمكن أن تنتفض ضدّ وحدة القبيلة أو تهجرها إذا ما أحسّت أنّها تعاني غبناً أو ظلماً لا علاج له في المدى المنظور! والعكس بالعكس، فالمفترض أنّ خصائص المدن وحدودها الإدارية، ومزايا أطراف المجتمع وأمزجتها وعاداتها المختلفة، لا تشكّل جميعها تهديداً ولا نيلاً من وحدة الدولة عندما تكون هذه الدولة مستقلّة وعادلة، غير منخورة ولا مخترقة.

أمّا عن الوظائف التاريخية للتجزئة فإنّه لمن الواضح تماماً أنّها تتفق مع مصالح هذا النظام العالمي في هذا العصر الأوروبي الأميركي. إنّه النظام العالمي الذي أقامته وتقوده عواصم الغرب منذ خمسة قرون، بعد أن وحّدته بمركزيتها الإمبراطورية الصارمة، الثقافية والاقتصادية والسياسية، ومزّقت جغرافيته وديموغرافيته كي يبقى “موحّداً” تحت سيطرتها! وهكذا فإنّ التصدّي للتجزئة لا يمكن أن يكون في بعده الحقيقي سوى تصدّياً لوظائف هذا النظام العالمي الربوي الصهيوني، ولا يمكن أن يكون إلاّ نيلاً من “وحدته” العالمية القائمة على التجزئة!

إنّ الضّيم الداخلي، الذي يقنع شعباً ما بأفضلية التجزئة على الوحدة، يكشف لنا مقدار حمق وأنانية حكّام الدولة، إن لم نقل تواطؤهم مع الأجانب، ومثل هذه الدولة التي يديرها مثل هؤلاء الحكّام ليست دولة رخوة مترهّلة، بل منخورة ومخترقة إلى الحدّ الذي يسمح للأجانب بالتلاعب كما يشاؤون، وباستثمار معاناة شعبها لصالح مشاريعهم التي تشترط التجزئة وإن في نطاق وحدة شكلية ظاهرية!

ns_shamali@yahoo.com

النساء وكعب أخيل الثورة

30 أغسطس 2009

فاطمة الصمادي

يتحدث باحث إيراني بقلق عن دور المرأة في بلاده اليوم ويصفها بأنها كعب أخيل الذي يهدد الثورة الإسلامية، ويرى أنها باتت أسيرة للمظاهر ويدلل على وجهة نظره هذه بإحصاءات تشير إلى أن إيران تحتل المرتبة الثالثة في العالم من حيث استهلاك مواد الزينة، والمرتبة الأولى عالميا من حيث عمليات التجميل وخاصة للأنف، ويضيف إلى ذلك أنها فقدت ثقتها بنفسها وترى في النمط الغربي نموذجا تريده وتدافع عنه. لكن النساء في إيران لديهن وجهة نظر أخرى.

وقبل عامين كان عالم الاجتماع الشهير كاستلز، يتحدث من على منبر واحدة من الجامعات الإيرانية عن أن النساء وخاصة الشابات هن من سيحملن راية التغيير في إيران، ويومها سألته كيف؟ وكان جوابه: راقبي لباس الشابات وسلوكهن في الشوارع. ويذكرني ذلك بأستاذ أمريكي جاء للمشاركة في مؤتمر أقيم في جامعة طهران، يومها كان مذهولا من تناقض الصورة التي يراها والصورة التي اختزنها ذهنه من خلال ما تقدمه وسائل الإعلام. يومها علق مشدوها بمنظر الشابات والشبان وهم يسيرون والأيدي متشابكة:” يا إلهي إنها ليست الجمهورية الإسلامية، أنها فرنسا.” وقد يحمل هذا الانطباع مبالغة واضحة، لكن تلك المبالغة تكشف في الوقت ذاته عن تحول في المجتمع الإيراني بات لا يمكن تجاهله، وقادة هذا التحول هم الشباب من دون أدنى شك.

ولعل أولى مؤشرات ذلك جاءت حين انتخب خاتمي بعشرين مليون رأي جاءت من الشباب والنساء على وجه التحديد، وفي تلك الفترة كان أكثر من 65% من الشباب في إيران ممن تقل أعمارهم عن 25 عاما، وعندما بدأ خاتمي بفتح حوار مع تلك الفئة وجدها تتوجه نحوه بشكل غير مسبوق.

وإن كانت الأجندات السياسية الخاصة لم تغب عن القادة الذين أداروا دفة التظاهرات التي شهدتها طهران بعد الانتخابات الرئاسية إلا أن كثيرا من الشباب الذين اندفعوا للتظاهر لديهم رؤيتهم الخاصة، ولا يرون في قادة هذا التحرك الزعيم التي ينشدونه، وهنا استحضر مقولة واحد من هؤلاء الشباب، فهو يعتبر أن هؤلاء القادة لم يصنعوا هذا التحول لكنهم إحدى نتائجه:” خاتمي لم يخلق هذا التحرك، لقد كان فوزه في الرئاسة نتيجة من نتائج التغيير الذي أوجده الشباب بفعل الأمر الواقع” ولذلك فكما يرى هذا الشاب وغيره فحركتهم وإن كانت تفتقد إلى القيادة، “تسير وتجاوزت خاتمي وموسوي وكروبي”.

والتغيير الذي ينشده الشباب في إيران متعدد الأوجه، وأعقد من توصيفه بمسميات سطحية، وهؤلاء الشباب لديهم اليوم أسئلة تتعلق بتعريف هويتهم، وإن كانت الحكومة تطلق على الشابات اللواتي لا يلتزمن بالحجاب”صاحبات الحجاب السيئ”، فهن يتحدثن عن مسمى آخر، يتعلق بالحريات الفردية ومن ضمنها”حرية اللباس”.

ويبدو أن “اتهام النساء” يجري على أكثر من صعيد فقد أعادت بعض الأوساط في إيران مؤخرا نشر تقرير سابق للقسم السياسي التابع لحرس الثورة الإيرانية، حدد فيها التحديات الثقافية التي تهدد المجتمع الإيراني في المرحلة المقبلة، ووضع التقرير الذي وزع على قادة الحرس،”النسوية” في مقدمة هذه التهديدات، وأضاف إليها “تيار دعاة التعدد الديني” و”الدراويش وأهل التصوف” و”تيار الحداثة الإفراطي” و”البهائية” و”عبدة الشيطان”. واتهم التقرير المنظمات غير الحكومية بأنها “أهم أدوات إثارة الفوضى الاجتماعية”. وحذر التقرير من “الفقر والفساد والتمييز” باعتبارها نقاط الضعف التي “تنفذ منها هذه التهديدات” وحدد “شعار حقوق الإنسان” عنوانا “لمؤامرة يستغلها بعض السياسيين”.

وأشار التقرير إلى أن النسوية التي نشطت في إيران في السنوات الأخيرة بما فيها التيار الذي يطلق على نفسه “النسوية الإسلامية” تحمل “بذور تهديد اجتماعية لا يمكن تجاهلها”.

لكن الناشرة شهلا لاهيجي ترجع هذا التوجه السلبي نحو النسوية إلى “الجهل بها” وترى أن الكثيرين يحصرون النسوية في حركة “الشذوذ الجنسي” ويعتقدون بشكل خاطئ أن هدف النسويات هو “جعل النساء يسرن عاريات في الشوارع ” وترجع “الجهل” إلى أن الكثير من المسؤولين يجهلون نشأة وأهداف الحركات النسوية.

وترئس لاهيجي التي تعد أول ناشرة في إيران دار نشر تحمل اسم “المستنيرون ودراسات المرأة”، وواظبت في السنوات الأخيرة على نشر سلسلة من الأبحاث والكتب والترجمات حول النسوية من حيث النشأة والأهداف والأقسام وقادت في الانتخابات الأخيرة تحركا لمطالبات النساء من المرشحين، وشارك في تحركها ذلك نساء من كافة الأطياف من المحافظين والإصلاحيين وكذلك نساء علمانيات ويساريات، واللافت أن يجمع التحرك أعظم طالقاني السيدة التي ترتدي الشادور وابنة آية الله طالقاني وسيمين بهبهاني الشاعرة المعروفة بأنها من النسويات العلمانيات. ونشط في التحرك عدد من الشباب والشابات.

وتؤكد لاهيجي أن الحركة النسوية الناشطة في إيران تشهد في السنوات الأخيرة تعاونا وتنسيقا بين النساء الإيرانيات اللواتي يحملن توجهات فكرية وسياسية مختلفة، وتصف هذا التحرك بأنه “مدني مسالم ” يطالب بمجموعة من الحقوق المتعلقة بالنساء ويرى أن الكثير من القوانين تحتاج إلى مراجعة لأنها تتضمن ظلما وإجحافا بحق النساء.وتبدي لاهيجي أسفها لأن هذا التحرك قوبل بالعنف وتم الزج بعدد من ناشطاته في السجن في إشارة إلى اعتقال عدد من الناشطات في حملة “مليون توقيع لإزالة التمييز القانوني ضد المرأة”.

وإن كان البعض اليوم يحاول التشكيك بحركة المرأة في إيران ويسعى لربطها بالغرب فإن الدكتورة زهرا رهنورد تصر على وجود حركة نسوية في إيران نبعت من داخل الثقافة الإيرانية وإن كانت تفاعلت في مرحلة من تاريخها بالحركة العالمية للنساء، وترجع جذورها التاريخية إلى ثورة التبغ في فترة الحكم القاجاري.

واليوم يدور تجاذب لم يعد خفيا بين الحكومة ومجلس الشورى في إيران، ويجري الحديث عن توجه للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لتعيين وزيرات في حكومته وهو ما قيل أنه يواجه ممانعة من النواب الذين سيمنحون الثقة للحكومة، واللافت أن موقع “رجا نيوز” واظب في الأيام الأخيرة على نشر وجهات نظر تدافع عن شرعية إشراك النساء في العملية السياسية وتعيين وزيرات، ومن ذلك آراء آية الله الخميني الداعمة لذلك التي وردت في كتابه “صحيفة النور”.

وإن نجح نجاد في تعيين وزيرات في حكومته فستكون تلك خطوة ايجابية صغيرة على طريق مليء بالعقبات لترميم علاقته بالمرأة الإيرانية وهي العلاقة التي لم ترض عنها النساء خلال السنوات الماضية.

تنتخبني أو أفجرك؟

29 أغسطس 2009

جمال محمد تقي

وهل هذا سؤال؟

طبعا انتخبك!

امام خيارك لا خيار

وامام طلوعك تسقط الاقمار

طبعا انتخبك!

ودون تفجير او تخدير او تذكير!

وهل ينتخب غيرك؟

حتى في الاحلام سانتخبك!

من امثالك لا يسألون، بل يؤشرون فقط، امثالك خلقوا من اجل ان ينتخبون!

اصلا انت لست بحاجة الى سرقة بنوك حتى تشتري باموالها بطانيات كي تدفينا وقت البرد ونحن ذاهبون للتصويت لك، او لتزودنا بالمراوح وقت الصيف حتى لا ننتحب عرقا ونحن ننتخب، وانت لست بحاجة لفصل الاعظمية عن الكاظمية والثورة عن ابو غريب حتى تقينا من شرور الطائفية، وانت لست بحاجة للكونكريت حتى تحمي حزبك، وانت لست بحاجة لتحلفنا بالعباس كضمانة وكفالة لتصويتنا لك، وانت لست بحاجة لفيلق القدس او اسلحة قم وطهران، فالسلاح متاح وجموعك تسد وجه البدر، وانت لست بحاجة لاتهام البعثيين والتكفيريين بما تفعل او تنوي فعله، وانت لست بحاجة لفدرالية الجنوب او نفطه، فكل ارض البلاد وما عليها وتحتها ستكون لك!

والعباد هم عباد لك

الشعب كل الشعب كبش فداء لك!

المرجعية لك

وان لفت ودارت فمرجعها لك!

الدين لك

والدنيا لك

الجنة لك

والنار مجهزة لمن لا يبايعك

النجف لك وكربلاء لك

وكل منارة في البلاد تعود لك

الدولة لك

والجيش لك

والقصور السيادية لك

الخموس لك

والزكاة حق مقدس لاجدادك وهي صكوك لا تصرف الا لك

وانت لست بحاجة لائتلاف مذهبي

او تحالف مع اقران لك

لا في الشمال ولا في الوسط ولا في الجنوب

لانك سماء تضلل كل من يتبع لك

الماء لك

والكهرباء لك

وكل انواع اللحوم الطازجة لك

المتاع لك

والمتعة لك

حتى الله صار لك

كل هذا ولا تريدني ان انتخبك

سانتخبك نعم من بين كل الساقطين

وهذه المرة لافجرك!

طبعا سانتخبك!

الولايات المتحدة وفلسطينيوها

29 أغسطس 2009

لا تكذب السلطة إلا على جمهور (قطيع)

د. عادل سمارة

أينما كانت هناك سلطة/دولة كلما ترافق مع وجودها قمع وتلاعب واستخدام واستغلال فريق لآخر حتى الرمق الأخير ولا ندم. هذا حال عالم راس المال رغم بلاغة ومبالغة أدواته وأذياله ومريديه بالطبع.

قبل ايام فقط، صدر عن قنصلية الولايات المتحدة بالقدس “لوم” للكيان الصهيوني على رجم الفلسطينيين حاملي الجنسية الأميركية بمنعهم عن الدخول من المعابر إلى الأرض المحتلة 1948 حيث تحيلهم إلى جسر اللنبي للدخول مباشرة إلى الضفة الغربية (المحتلة- ع.س) مباشرة. وزعمت القنصلية أن جوازات سفر هؤلاء تُدمغ بخاتم حق السفر فقط إلى المناطق التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية. وبالطبع، لا توجد مناطق تسيطر عليها هذه السلطة بشكل فعلي (أنظر أدناه قول الأميركيين أنفسهم)، ومع ذلك لا أحد يعترض ويكشف الكذب الدبلوماسي للقنصل العام؟

بدورها قالت سابين حداد، عن الحكومة الإسرائيلية، أن مختلف الفلسطينيين محظور عليهم دخول إسرائيل بغض النظر عن اية جنسية يحملون، فطالما يقيمون في “المناطق الفلسطينية” فإننا نعتبرهم مقيمون محليون.

لعل الأهم ان هذه السيدة لم تُبالِ بكشف أكاذيب القنصل الأميركي العام. فهي لم تحصر التقييدات السيئة في اللحظة بل كشفت أنها مطبقة منذ عام 2003. ولذلك يكون السؤال: أين كان القنصل والقنصلية كل هذا الوقت؟ وبالطبع القنصلية الأميركية تعرف ما تريد وتتجاهل ما لا تريد. فالقنصلة الثقافية الأميركية قامت قبل عامين باحتضان معرض لمجموعة من الفنانين التطبعيين المحليين في بيتها، فلا عجب إذن أن يعرف القنصل عن مشكلة تمس عشرات آلاف الأميركيين في الضفة والقطاع!

لو قيل إنهم لم يسمعوا، ليس صحيحاً. فالمعاملة المُهينة موجودة حتى قبل عام 2003. ولذا، فالسيدة، لم تَصْدُق كذلك. فهي لم تكشف الحقيقة الأكثر وضوحاً وهي أن سلطة الكيان قررت في أعقاب فوز حماس في الانتخابات بأن تمنع الفلسطينيين حاملي الجنسيات الأجنبية من الدخول إلى المناطق المحتلة. وبدأ ذلك منذ أيار 2006، وكان الهدف منها هو:

□ الهدف الصهيوني الدائم بالرغبة والقرار بعدم رؤية اي إنسان غير يهودي من زيارة فلسطين، ولا حتى النظر إلى خريطتها.

□ وإشعار أهل الأرض المحتلة أن انتخاب حماس جاء بالكوارث وهذه إحداها.

لمست هذه السياسة العنصرية يوم 22 ايار 2006 حين مُنعت عناية زوجتي، التي تحمل الجنسية الأميركية، ولم تحصل على بطاقة هوية محلية، مُنعت من العودة عن جسر اللنبي دون إبداء الأسباب. وخلنا آنذاك أن الأمر ضد اسرتنا، لنكتشف أنها سياسة مضايقة جديدة.

أما بشأن علم القنصلية الأميركية فقد كتبتُ لهم عدة رسائل إلكترونية وإشعار وإخبار واحتجاج، ولكن لا حياة لمن تنادي. (كانت أولاها يوم 29 ايار 2006). وإثر ذلك بدأت بتشكيل لجنة للاحتجاج، وتوسعت لاحقاً. ولتوضيح علم القنصلية بالأمر اتصل بي ذات يوم شخص اسمه محمد الحسيني يعمل في القنصلية الإميركية بالقدس، وقال سمعت عن لجنة الاحتجاج، فهل يمكن لي حضور الجلسات؟ قلت له طبعاً، لكنه لم ياتِ، ولم يرد على رسائلي إليه التي سألته فيها لماذا لم يأتِ!

والحقيقة أن الاحتلال منع كثيراً حتى من غير الفلسطينيين، وليس ذلك من قبيل “المساواة في المعاملة” بل من قبيل كره قدوم اي بشر إلى الأرض المحتلة.

ومع ذلك تقول السيدة حداد أن التغيير هو قيام سلطات الاحتلال بختم جواز السفر للزوار بدل وضع تأشيرة الدخول على ورقة خارجية. وهذا غير صحيح بمعنى أن وضع الخاتم على الجواز حصل كثيراً كما أعلم من زوجتي منذ عام 1975 حين اتت للمرة الأولى. واستمرت زوجتي في المغادرة والعودة كل ثلاثة اشهر لتجديد إقامتها هنا في الوطن وكانت لها 128 رحلة إجبارية إلى الأردن، الولايات المتحدة، بريطانيا مصر قبرص، فرنسا. وليست هي الوحيدة التي عوملت بهذا العسف والقسر اللامسبوق من أي تظام في العالم.

لعل أطرف ما في اللعبة أن ناطقا باسم القنصلية الأميركية (إيان كيلي) قال: “لقد أوضحنا للحكومة الإسرائيلية أننا نحتج وسنواصل الاحتجاج كي يعاملوا كافة المواطنين الأميركيين بنفس الطريقة بغض النظر عن أصلهم القومي”.

لو كان هذا حقاً، لتم تطبيقه منذ عشرات السنين. أما زعم المعرفة المتأخرة هكذا بالأمر فهو أمر لا يليق بقنصلية حتى لو تابعة لمشيخة نفطية.

والأكثر طرافة أن القنصلية الأميركية قد وضعت في صفحتها الإلكترونية : “نصيحة للفلسطينيين الأميركيين الذين يجدوا أنفسهم محاصرين في الضفة الغربية بأن السلطات الفلسطينية لا حول ولا قوة لمساعدتهم…وأن مكتب الارتباط الإسرائيلي وحده القادر على المساعدة، ونادراً ما يفعل”.

وهكذا، فالسلطة الفلسطينية لا تملك من أمرها شيئاً والقنصلية الإمبراطورية تحتج فقط، وستستمر في الاحتجاج. ممتاز!

كما اشرت أعلاه، بادرت بتشكيل لجنة لهؤلاء المضطهَدين، ولاحقاً انضم إليها كثيرون واعطيناها تسمية “حقي في الدخول مجدداً” My right to re-enter- myrto. وهذه اللجنة ما تزال تتابع أمور حاملي الجنسيات الأجنبية وما يتعرضون له من معاناة.

وبودي أن أسجل هنا الملاحظات التالية:

أولاً: كانت هناك جمعية باسم جمعية الفلسطينيين الأميركيين التي يُفترض انها لخدمة هؤلاء الناس. وحين بدأت تشكيل لجنة الاحتجاج، فوجئت أن الجمعية شبه مشلولة، ولم تكن لدى كثير من أعضاء هيئتها الإدارية الجرأة على الاحتجاج، ولاحقا سافر رئيسها إلى أميركا وعاد بعد سنتين.

ثانياً: حصل اجتماع في قاعة بلدية البيرة كما اذكر عام 2004 وطرحت مسألة منع حاملي الجنسية الأميركية من السفر والعودة عبر مطار اللد (بن غوريون) وتسابق العرب الأميركيون على الصراخ حينها. وقد اقترحت عليهم أن نقيم دعوى على القنصلية الأميركية التي لا تخدم رعاياها كما يجب، وكان ذلك بحضور المحامي جوناثان كُتاب، ذي العلاقة بشؤون هؤلاء الناس، واقترحت أن أقيم الدعوى أنا نفسي، ولكن الجمهور لم يجرؤ على ذلك، علماً بأن الأمر ليس سوى درجة من حق المواطن في ذلك البلد الذي يعتبر نفسه موئل حقوق الإنسان، وهو بالطبع خارقها وحارقها!

لا يمكن للقنصلية أميركية أو غير اميركية أن تضغط على الكيان حين تكون الرعايا جبانة إلى هذا الحد. ولا أنسى أن كثيراً من القناصل الذين قابلناهم أثناء علاقتي باللجنة المذكورة كانوا يجيبون ( هذه إسرائيل This is Israel) . فما لزوم القنصلية إذا كانت تعتبر إسرائيل مكان الله! وبالطبع لم ينفع معهم أن إسرائيل كيان احتلال.

تجدر الإشارة أن اللجنة المذكورة ضمت لاحقاً اشخاصا من الجنسين ممن يعتبرون التطبيع مع الكيان أمراً عادياً، ولذا، فتحوا خطوط اتصال ولقاءات مع صهاينة يزعمون أنهم حريصون على حقوق الإنسان، وكان هذا سبب خروجي من هذه اللجنة، التي ما تزال تضم أناساً بسطاء إلى جانب غيرهم.

صحافي سويدي يروي فصلا من جرائم الاحتلال الاسرائيلي في الأراضي الفلسطينية

28 أغسطس 2009

ترجمة وتقديم: علاء الدين أبو زينة

منذ أوائل التسعينيات، وحتى الآن، يتهم فلسطينيون قوات الدفاع الإسرائيلية بسرقة أعضاء من أجساد ضحاياها من الشباب.

وقد عادت هذه القضية إلى التفاعل مجدداً عقب إلقاء مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي على وسيط لتجارة الأعضاء البشرية بين إسرائيل والولايات المتحدة أواخر الشهر الماضي، وهو ما شجع الصحافي والمصور السويدي دونالد بوستروم على إعادة نشر جزء من مقالته “بيت النجار” التي كان قد ضمنها كتابه الوثائقي “إن شاء الله”.

في هذا التحقيق، والذي حمل عنوان “فلسطينيون: أبناؤنا يسلبون أعضاءهم” ونشره في صحيفة “أفتونبلاديت” يوم السابع عشر من الشهر الجاري، يقص بوستروم حكاية أحد الشبان الفلسطينيين الذي يشتبه بأن أعضاءه قد سرقت.

يذكر أن دونالد بوستروم، هو مصور صحافي سويدي وناشط أمضى كثيراً من الوقت وهو يرسل صوره وتقاريره عما يحدث في الأراضي الفلسطينية إلى الصحافة السويدية. وقد ضمن كتابه “إن شاء الله” في العام 2003 عشرات الصور التي تحكي مختلف جوانب الحياة والمعاناة الفلسطينية تحت الاحتلال، كما ضم الكتاب عدة مقالات كتبها صحافيون سويديون، والتي تحدثوا فيها عن تجربتهم مع الحدث الفلسطيني-الإسرائيلي على الأرض.

وتنشر “الغد” ترجمة المقالة التي تحدث فيها بوستروم عن فضيحة زرع الأعضاء الدولية، وعن قصة بلال أحمد غنام، الفتى الفلسطيني الذي قتلته وحدة خاصة إسرائيلية في العام 1992 عن عمر ناهز 19 عاماً، وكيف استغلت قوات الاحتلال جسده كقطع غيار، كما أشارت القرائن.

وقد تمت ترجمة هذا التحقيق على مرحلتين، الأولى من السويدية الى الانجليزية، من خلال مترجم معتمد مقيم في ستوكهولم، كلفته “الغد” بهذه المهمة، ومن ثم جرى، في المرحلة الثانية، ترجمة التحقيق الى العربية، لتكون وثيقة تقدمها “الغد”، ولعلها تكون بذلك الصحيفة العربية الوحيدة التي تتصدى لهذا الجهد من أجل رصد واحدة من أبشع الممارسات التي اقترفتها وستظل تقترفها عصابات الاحتلال الصهيوني في فلسطين.

***

إنني ما يمكن أن تسموه “موفق أزواج”. هذا ما قاله ليفي إسحق روزنباوم من بروكلين، الولايات المتحدة، في تسجيل سري مع أحد عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف. بي. آي) معتقداً بأن الأخير أحد الزبائن. وبعد 10 أيام من ذلك، في نهاية شهر تموز (يوليو) من هذا العام، تم توقيف روزنباوم عندما تم الكشف عنن قضية فساد في نيوجيرسي: كان حاخامات، وأشخاص منتخبون جماهيرياً وموظفون موثوقون في جهاز الخدمة المدنية قد نشطوا طوال سنوات في غسل الأموال والاتجار غير القانوني بالأعضاء البشرية، وهو أمر تم الكشف عن تفاصيله مؤخراً ليظهر مثل شبكة عملاقة. وهكذا، لم تكن عملية “توفيق الأزواج” تجري في حقل الرومانسية والحب، وإنما في شراء وبيع الكلى من إسرائيل في السوق السوداء. ووفقاً لروايته هو، فإنه يشتري الأعضاء من الناس الفقراء في إسرائيل مقابل 10.000 دولار، ثم يبيعها إلى مرضى يائسين في الولايات المتحدة مقابل 160.000 دولار. ويقارب زمن الانتظار القانوني للحصول على كلية في أميركا ما يقارب 9 سنوات.

أحدثت هذه الاتهامات صدمة في مجتمع زراعة الأعضاء الأميركي. فإذا كان هذا صحيحاً، فستكون هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها توثيق تهريب الأعضاء في الولايات المتحدة، كما يقول الخبراء في أخبار “رل-تايم” في نيوجيرسي.

لدى سؤاله عن عدد الأعضاء التي قام ببيعها، أجاب روزنباوم “الكثير”. ومضى إلى القول متفاخراً: “إنني لم أخفق أبداً”، وكان نشاطه مستمراً من دون انقطاع لزمن يعتد به.

فرانسيس ديلمونيشي، أستاذ هارفارد في جراحة زراعة الأعضاء، وعضو مجلس إدارة “مجلس مديري مؤسسة الكلى الوطنية”، يقول في الصحيفة نفسها إن تهريب الأعضاء على نحو شبيه بذلك الجاري في إسرائيل يوجد أيضاً في أجزاء أخرى من العالم. ويقدر أن حوالي 10% مما يبلغ مجموعه 63.000 عملية زراعة كلى والتي تجرى في كامل أنحاء العالم تمارس بشكل غير قانوني، حسب ديلمونيشي.

أما الدول الساخنة حول هذه الأنشطة غير القانونية فهي الباكستان، والفلبين والصين، حيث يعتقد بأن الأعضاء تؤخذ من السجناء الذين يتم إعدامهم. لكن هناك شكوكاً قوية أيضاً بين الفلسطينيين بأن أبناءهم قد تعرضوا للاعتقال، واستخدموا كما هو الحال في الباكستان أو الصين، كاحتياطي أعضاء قبل قتلهم. وينبغي للشكوك القوية للغاية، والتي تضم الكثير من علامات الاستفهام أمام محكمة العدل الدولية، أن تطلق بكل تأكيد تحقيقاً حول ما إذا كانت هذه تشكل قضية أخرى في قائمة جرائم الحرب الإسرائيلية.

لقد وقعت إسرائيل بشكل متكرر تحت النار بسبب تصرفاتها غير الأخلاقية في التعامل مع الأعضاء البشرية وإعادة زراعتها. وقامت دول، مثل فرنسا من بين أخريات، بوقف تعاونها مع إسرائيل في مجال تبادل الأعضاء وراء في التسعينيات، وكتبت صحيفة “جيروسالم بوست” إن “دولاً أخرى في أوروبا يتوقع أن تحذو حذو فرنسا قريباً”.

نصف عدد الكلى التي زرعها الإسرائيليون في مواطنيهم منذ بداية هذا القرن كانت تشترى من تركيا، وأوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية. وتعرف السلطات الصحية في إسرائيل تماماً عن هذا النشاط، لكنها لا تفعل شيئاً لوقفه. وفي مؤتمر انعقد في العام 2003، أميط اللثام عن أن إسرائيل هي الدولة الغربية الوحيدة التي لا يدين فيها قانون المهنة الطبي الاتجار غير القانوني بالأعضاء، أو يتخذ إجراء قانونياً ضد الأطباء الذين يشاركون في هذا العمل الإجرامي. على العكس من ذلك تماماً، يتورط كبار الأطباء في المشافي الرئيسية في معظم عمليات زرع الأعضاء غير القانونية، وفقاً لما قاله داغنس نايتر. (ستوكهولم، 5 كانون الثاني-ديسبمر، 2003).

في جهد يرمي إلى التغلب على الافتقار للأعضاء في البلد، أطلق وزير الصحة الإسرائيلي آنذاك، أيهود أولمرت، في صيف العام 1992 حملة رئيسية لتشجيع السكان الإسرائيليين على التبرع بأعضائهم. وتم توزيع نصف مليون منشور دعائي في الصحف المحلية، والتي طلب فيها من السكان التوقيع على اتفاق يقضي بالتبرع بأعضائهم عندما يتوفون. وكان أيهود أولمرت نفسه أول الموقعين.

وبعد حوالي أسبوعين من ذلك، كتبت صحيفة “جيروسالم بوست” أن الحملة كانت ناجحة. لقد وقع الاتفاق ما لا يقل عن 35.000 شخص، مقابل 500 عقد تبرع شهرياً في الأحوال العادية. وفي المقال نفسه، كتب الصحافي جودي سيغال إن الفجوة بين العرض والطلب ما تزال هائلة. وقد ضمت قائمة منتظري الكلى حوالي 500 شخص، لكنه أمكن إجراء عمليات لمرضى بلغ عددهم 120 فقط. ومن بين 45 شخصاً ممن هم في حاجة إلى زراعة كبد، أتيحت لثلاثة منهم فقط فرصة إجراء العملية في إسرائيل.

بالتزامن مع حملة الأعضاء هذه، شرع الفتيان الفلسطينيون بالاختفاء، والذين كانوا يعادون إلى قراهم ليلاً بعد خمسة أيام من اختفائهم، ميتين ومشقوقي الجثامين.

هذه الظاهرة من الأجساد المشقوقة أخافت سكان الضفة الغربية وقطاع غزة. ودار الحديث عن زيادة دراماتيكية في أعداد الشباب الفلسطينيين الذين يختفون، وعن عمليات الدفن الليلي المتكررة لهؤلاء الشباب الذين تعرضوا للتشريح.

كنت في المنطقة، أعمل على تأليف كتاب عندما اتصل بي في عدة مناسبات عاملون في الأمم المتحدة، والذين كانوا يستشعرون الخطر بسبب تلك التطورات. وكان لدى أولئك الذين اتصلوا بي رأي يقول إن هناك عملية سرقة أعضاء كانت تحدث فعلاً، لكنهم لا يمتلكون الفرصة للتصرف. وقد تنقلت في الضفة الغربية وغزة لصالح إحدى محطات التلفزة، وتحدثت إلى عدد كبير من العائلات التي ادعت بأن أبناءها قد سلبوا أعضاءهم قبل قتلهم. وأحد الأمثلة التي صادفتها خلال تلك الرحلة المنهكة، كانت حالة رامي الحجارة الشاب بلال أحمد غنام.

كان الوقت يقارب منتصف الليل عندما سمع صوت ضجيج محركات القافلة العسكرية الإسرائيلية عند مشارف قرية “أم التين” في الجزء الشمالي من الضفة الغربية. وقد استيقظ سكان القرية البالغ عددهم 2000 عن بكرة أبيهم، ووقفوا مثل الظلال الساكنة في الظلام. البعض كانوا يستلقون على أسطح منازلهم، وآخرون وقفوا خلف ستارة نافذة، أو منزل أو شجرة يمكن أن تزودهم بالحماية، لكنها تتيح لهم مع ذلك رؤية كاملة لما كان سيصبح قبر أول شهيد من القرية. كان الجيش قد قطع كل خطوط الكهرباء حول القرية، وجعل المنطقة عسكرية مغلقة -ولم يكن بوسع حتى القطة أن تتحرك خارج الأبواب من دون المخاطرة بفقدان حياتها. كان الصمت الذي يصم الآذان لا تقطعه سوى شهقات بكاء مكتومة، ولا أستطيع أن أتذكر إن كان البرد أو التوتر هو الذي جعلنا جميعاً نرتجف. قبل خمسة أيام من تلك الليلة، في 13 أيار (مايو) 1992، كانت وحدة خاصة إسرائيلية قد تمركزت في كمين في دكان نجار القرية. كان الشخص الذي تجد الدورية في أثره هو فتى في التاسعة عشرة من عمره، بلال أحمد غنام، وهو أحد أولئك الشباب الناشطين في إلقاء الحجارة، والذين جعلوا حياة قوة الاحتلال الإسرائيلي بائسة.

كان بلال غنام، أحد أبرز رماة الحجارة، مطلوباً لقوات الشرطة منذ عدة سنوات. وقد أفضى ذلك إلى أن يعيش هو وأقرانه من رماة الحجارة الشباب تحت السماء المكشوفة في جبال نابلس. كان القبض عليه يساوي الموت بالنسبة إليه. كما أن القصص عن التعذيب الذي يسبق هذا الموت لم تجعل الأمور أفضل، ولهذا قطن الشبان الجبال. لكن بلال هبط لسبب ما من الجبال ذات يوم وسار بلا حماية في دروب القرية ماراً من أمام بيت نجار القرية في ذلك اليوم المشؤوم من أيام أيار. أما لماذا هبط بالضبط في ذلك اليوم، فإن أحداً لم يعرف السبب، حتى شقيقه الأكبر، طلال. “ربما أراد أخذ بعض الطعام بعد أن نفذت مؤونته هو ورفاقه”.

سار كل شيء وفق خطة الوحدة الإسرائيلية الخاصة. أطفأ عناصرها سجائرهم، وأبعدوا علب الكوكاكولا، وصوبوا بنادقهم بسلام عبر النافذة المكسورة. وعندما أصبح بلال قريباً بما يكفي، ما كان عليهم سوى الدوس على الزناد. وضربت الرصاصة الأولى صدره. ووفقاً للقرويين الذين رأوا الحادثة، فقد تم إطلاق رصاصة على كل من ساقيه بعد ذلك، ثم ركض جنديان نازلين من ورشة النجارة وأطلقوا النار عليه مرة أخرى في بطنه. وأخيراً، أمسكا ببلال من قدميه وجراه صاعدين الدرجات الحجرية العشرين إلى ورشة النجارة. وقال الناس حينذاك إن جماعة الأمم المتحدة والصليب الأحمر الذين كانوا في الجوار وسمعوا إطلاق النار حضروا إلى المكان للعناية بالجريح. لكن الجدل حول الطرف الذي سيعنى بالجريح انتهى إلى حمل القوة الإسرائيلية بلال المصاب بجراح خطرة في سيارة جيب، والتي ابتعدت خارجة به إلى أطراف القرية. وهناك، كانت طائرة عمودية تنتظر، والتي حملت بلال إلى مكان مجهول لا تعرفه عائلته.

بعد خمسة أيام من ذلك، عاد بلال في الظلام، ميتاً وملفوفاً في قماش المستشفى الأخضر. وعندما توقفت القافلة العسكرية التي أحضرت بلال من مركز تشريح أبو كبير خارج تل أبيب عند مرقت بلال الأخير، ميز البعض قائد المجموعة العسكرية الإسرائيلية، الكابتن يحيى. “الأسوأ من بينهم جميعاً”، كما همس أحد ما في أذني. وعندما أنزل رجال الكابتن يحيى الجثمان واستبدلوا المشمع الأخضر بقماش قطني أبيض، تم اختيار بعض أقاربه الذكور لأداء المهمة -حفر القبر وخلط الإسمنت.

مختلطاً الضجيج الهائل للمعاول، كانت ضحكات تسمع وهي تتردد بين فينة وأخرى من الجنود، الذين كانوا يقولون بعض النكات لبعضهم البعض بينما ينتظرون عودتهم إلى منازلهم. وعندما أدلي بلال في قبره، تعرى صدره لبرهة وعلى حين غرة، وفجأة هبط على أولئك الحاضرين وقع ما مر به وعاناه. كان بلال هذا بعيداً كل البعد عن بلال الذي عرفوه، وكان مشقوقاً من معدته وحتى ذقنه، ودارت الأسئلة والتوقعات حول السبب في ذلك الشق الطويل.

كانت العائلات الفلسطينية المتأثرة في الضفة الغربية وغزة متأكدة مما حل بأبنائها. وقال لي العديدون من أقارب خالد من نابلس: إن أبناءنا يستخدمون كمتبرعين إجباريين بأعضائهم. كما أخبرتني والدة رائد من جنين وأعمام محمود ونافز من غزة. كلهم غابوا لخمسة أيام، وكلهم أعيدوا تحت جنح الليل، وكانوا ميتين ومشرحين.

- لأي سبب آخر إذن يبقون على الجثث لخمسة أيام قبل أن يدعونا ندفنها؟ ما الذي حدث لتلك الجثامين في الأثناء؟ ولماذا يتم إجراء التشريح عندما يكون سبب الوفاة واضحاً، ويجري في كل الحالات ضد إرادتنا؟ ولماذا تعاد الجثث في الليل؟ ولماذا بمرافقة عسكرية؟ ولماذا يتم إغلاق المنطقة خلال الدفن؟ ولماذا يتم قطع الكهرباء؟ كانت أسئلة عم نافز كثيرة وتشي بمشاعر الصدمة.

لم تعد لدى أقارب الفلسطينيين المقتولين أي شكوك بعد إزاء المسألة.

المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، من الناحية أخرى، اعتبر اتهامات الفلسطينيين للجيش بسرقة الأعضاء ابتكاراً فلسطينياً. لقد تم تشريح كافة الفلسطينيين المقتولين بشكل روتيني، كما زعم.

كان بلال أحمد واحداً من 133 فلسطينياً ممن قتلوا بطرق مختلفة في ذلك العام. ووفقاً للإحصائيات الفلسطينية، فإن أسباب الوفاة كانت كما يلي: إطلاق النار على الضحية في الشارع، ضرر بدني هائل، الغاز المضاد للدموع، الدهس المتعمد بالسيارات والعربات، الشنق في السجن، التعرض لإطلاق النار في المدرسة، الموت بالرصاص في المنزل… إلخ. ومن بين 133 شخصاً الذين قتلوا، والذين تراوحت أعمارهم ما بين 4 أشهر إلى 88 سنة، تم تشريح جثث 69، أي نصف عدد المقتولين تقريباً. ولا يتوافق “التشريح الروتيني” الذي تحدث عنه الناطق بلسان الجيش مع الواقع في المناطق المحتلة. ويبقى السؤال قائماً.

إننا نعرف أن إسرائيل في حاجة ماسة إلى الأعضاء، بحيث توجد فيها تجارة هائلة غير قانونية بالأعضاء البشرية، وبأن هذا ظل يجري فيها لوقت طويل، وبأنه يستمر بالحدوث بموافقة وتواطؤ السلطات، وبأن الأطباء رفيعي المستوى في المشافي الرئيسية يأخذون الأعضاء، تماماً كما يفعل الموظفون المدنيون من مختلف المستويات. ونحن نعرف أن الشباب الفلسطينيين يختفون، وأنهم يعادون في الليل بعد خمسة أيام، مشقوقين ومخاطين.

لقد حان الوقت لمعرفة الحقيقة عن هذا النشاط المريب، عما يحدث وحدث في المناطق المحتلة على يد إسرائيل منذ بدأت الانتفاضة.

دونالد بوستروم - (أفتونبلاديت)

نُُشرت في صحيفة الغد بتاريخ 23/8/2009