سبتمبر 2009

الرياضة: بين الإستثمار المالي والإستغلال السياسي (الحلقة الثانية والاخيرة)

30 سبتمبر 2009

الطاهر المُعز

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2032 )

توظيف الرياضة لطمس القضايا الإجتماعية

في الرابع عشر من يوليو/تموز 1969، اندلعت حرب ضروس بين دولتين في أمريكا الوسطى، هما سلفادور وهندوراس، وكلاهما يخضع لحكم عسكري، وينتمي البلدان إلى السوق المشتركة لأمريكا الوسطى (مركومون) التي أسستها الولايات المتحدة لحلفائها… أما عن التعلة الرسمية لاندلاع الحرب، فكانت مقابلة كرة القدم في إطار تصفيات كأس العالم لعام 1970، بالمكسيك، حيث جرت استفزازات واعتداءات على لاعبي ومشجعي الفريقين، سواء في مقابلة الذهاب أو الإياب، وصلت حد القتل لمرافقي فريق هندوراس، وفاز كل فريق على أرضه، وانتصر فريق سلفادور، في مقابلة فاصلة جرت في مكسيكو.

عرفت هذه الحرب باسم “حرب كرة القدم”، ودامت من 14 إلى 19 جويلية/تموز، ولم يوقّع البلدان اتفاقية إنهاء حالة الحرب بينهما إلا عام 1980. أما خسائر الحرب فكانت ما بين 3 آلاف و6 آلاف قتيل، وآلاف الجرحى، الذين لم يعلن عددهم رسميا، وهدمت عديد القرى الحدودية، مما ترك50 ألف شخص بدون مأوى، واستغلت الشركات الإحتكارية والمالكين العقاريين الوضع، لشراء الأراضي التي باعها الفلاحون الصغار بثمن بخس، وغادر هندوراس 130 ألف سلفادوري كانوا مستقرين بها (من جملة 300 ألف سلفادوري كانوا في هندوراس عام 1969… كما استغل الحاكمان العسكريان في البلدين حالة الحرب للقضاء على عدد من النقابيين ومناضلي اليسار، فاغتيل ما يقارب 200 مناضل يساري في هندوراس وإخفيت جثثهم وادعت السلطات أنهم قتلوا أثناء الحرب.

أما خلفيات ما عرف بحرب كرة القدم فيتلخص بعضها في ما يلي:

طيلة عام 1968 وجزء من عام 1969، تكاثرت إضرابات العاملين الأجراء، في هندوراس، واحتل الفلاحون الأراضي الصالحة للزراعة أو الرعي، وعاشت البلاد عددا من المظاهرات المطالبة بإصلاحات سياسية وانفتاح ديمقراطي، في ظل حكم عسكري، يقوده العقيد “أسفالدو لوبس أرلانو” الذي قام بانقلاب عام 1963 وأطاح بالرئيس الإصلاحي “رامون فيليدا”، الذي بدأ إصلاحا زراعيا قبل عام واحد…أصبحت البلاد عبارة عن قاعدة عسكرية جوية أمريكية، استعملتها أمريكا فيما بعد ضد نيكاراغوا في عهد الصندينيين، وقاعدة لمحاربة ثوار سلفادور…كان يعيش في هندوراس حوالي 300 ألف سلفادوري، خصوصا من الفلاحين الفقراء، حيث يعملون في الأراضي الخصبة، لأن بلدهم أقل مساحة وأكثر سكانا: 4 ملايين نسمة في مساحة 23000 كم مربع عام 1968 في سلفادور، مقابل 3 ملايين نسمة في مساحة 120000 كلم مربع في هندوراس، وقبل مقابلة الذهاب، طردت هندوراس 500 عائلة من هؤلاء الفلاحين السلفادوريين، لتحويل الأنظار عن الإضرابات والحركات الإجتماعية، وللتعبير عن الغضب من اتفاقية التجارة لأمريكا الوسطى التي استفادت منها جارتها وغريمتها سلفادور، التي هي أكثر تصنيعا وتطورا اقتصاديا.

في السلفادور أيضا، حكم عسكري بقيادة الجنرال “فيدل سانشس هرناندس”، متحالف مع البرجوازية العقارية القوية ( 2بالمائة يملكون 50% من الأراضي )، إضافة إلى سيطرة الإحتكارات الأمريكية (خصوصا يونايتد فروت) على زراعة وتجارة الموز، مثلما هو الحال في كافة دول أمريكا الوسطى… قمع الجيش بشدة الحريات في المدن والأرياف واغتال قادة الفلاحين المطالبين بالإصلاح الزراعي، ثم اندلعت في ما بعد حرب شعبية بقيادة “جبهة فاربوندو مارتي للتحرير الوطني “، من 1980 إلى 1992… أما “أوغوستو فارابوندو مارتي” فهو قائد شيوعي، قاد انتفاضة “ماتنزا ” للفلاحين عام 1932، ضد تحالف العسكر وملاكي الأراضي الذين قتلوا أكثر من 30 ألف من الفلاحين، خلال هذه الإنتفاضة، وما أشبه اليوم بالبارحة.

سلفادور هي أيضا عبارة عن قاعدة عسكرية أمريكية، جيشها أقوى وأحسن تجهيزا من جارتها…وكان بها خبراء عسكريون صهاينة، دربوا الجيش على شن غارات جوية مفاجئة ضد مواقع استراتيجية هامة في هندوراس، مثلما فعل الجيش الصهيوني في حرب حزيران 1967، لكن هذا التكتيك لم يصمد طويلا، لأن الظروف مغايرة.

إضافة إلى المسألة الزراعية وانخرام التوازن الديمغرافي والإقتصادي بين البلدين، والعداء المتبادل الذي تغذيه الحكومتان، كما حصل دائما منذ 1861، فإن أمريكا كانت متخوفة من انتشار “عدوى” الثورة الكوبية، وحروب التحرير الشعبية في المنطقة، خصوصا بعد الحراك الإجتماعي والإضرابات الجارية في البلدين، فكانت الحرب فرصة للقضاء على المعارضين للحكم العسكري وحلفائه في البلدين، ولتحويل الغليان إلى شوفينية وغضب ضد الجيران… وما مباراة كرة القدم إلا الفتيل الذي كان سريع الإشتعال…ولم تتدخل أمريكا (في عهد الديموقراطي ليندن جونسون) لإيقاف الحرب، بل تركت منظمة الدول الأمريكية تفاوض ممثلي الدولتين المتحاربتين.

في تونس، ترشح الفريق الوطني لكرة القدم، لأول مرة في تاريخه، إلى كأس العالم التي دارت في الأرجنتين، عام 1978، بعد أشهر قليلة الإضراب العام الذي دعا له ونفذه “الإتحاد العام التونسي للشغل” (نقابات الأجراء)، يوم 26 جانفي(يناير) 1978 . تدخل الجيش لقمع الإضراب، مما أدى إلى قتل وجرح المئات وسجن أغلبية الكوادر القيادية النقابية… استغل النظام التونسي هذا الحدث الرياضي، قبل وبعد المباريات بعدة أشهر، للتغطية على القمع والمحاكمات والطرد من العمل، وانعدام الحريات والبطالة والفقر الخ. اجتاحت أخبار الرياضة صفحات الجرائد وبرامج الإذاعة والتلفزيون، ونجح النظام نسبيا في استعمال كرة القدم، لقمع اليسار (ثم الإسلام السياسي بعد سنوات التحالف معه)، وللتغطية على الأحداث الإجتماعية، التي سرعان ما عادت وفرضت نفسها، بسبب صمود الأجراء والنقابيين والديمقراطيين.

ويستعمل النظام التونسي، كما بقية الأنظمة العربية وغير العربية، استغلال الأحداث الرياضية المحلية والدولية، بجعلها في صدارة أحاديث واهتمامات الناس، واستغلالها لنشر الجهوية والنزعة المحلية الضيقة… ففي عام 1971، فاز فريق النادي الرياضي الصفاقسي على الترجي الرياضي التونسي في نهائي كأس الجمهورية، فغضب جمهور الفريق الخاسر وعاث في البلاد فسادا، حيث أحرق ودمر وخرب أملاك من يشتبه به من أصيلي مدينة “صفاقس ” واعتدى على الأشخاص الخ. وفي مناسبة أخرى اعتدى جمهور نفس الفريق بالعنف الشديد على أحباء فريق مدينة “باجة ” مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى. وفي الملعب يصيح أحباء الترجي الرياضي التونسي “ترجي يادولة ” (أي أن فريقهم في قوة الدولة)، وهو اندماج لا يشبهه إلا اندماج الحزب الحاكم بهياكل الدولة… وكثيرا ما أجبر رجال الأعمال على دفع “هبة ” إجبارية لهذا الفريق للحصول على ترخيص أو قضاء حاجة… الملاحظ أن فريق الترجي الرياضي التونسي تأسس عام 1919، في حي شعبي (باب سويقة)، بجهود محلية، لمنافسة فرق المستعمرين الفرنسيين، وبعده بعام واحد تأسس فريق النادي الافريقي في حي مجاور (الباب الجديد)، وكان الفريقان يحظيان بشعبية كبرى (ولا يزالان)، بسبب ما يمثلانه من وازع وطني في عهد الإستعمار المباشر… أما الآن فإن تنافسا غير شريف يحصل بين أحباء الفريقين، تغذيه السلطة، ويضاهي ما يحصل في القاهرة بين الأهلي والزمالك، غير أن الفرق يكمن في أن حي الزمالك يسكنه الأثرياء (القدامى والجدد) عكس الأهلي الذي يتكون مشجعوه من المواطنين البسطاء…أما الحيان التونسيان فهما شعبيان ولا تمايز طبقي بينهما، والمستفيد الوحيد من هذه الخلافات والخصومات هو النظام الحاكم وبائعوا الأزياء الرياضية وشركات الإشهار.

هذه بعض الأمثلة القليلة على طمس الهوية الوطنية ( فضلا عن الهوية القومية العربية) واستعمال الرياضة للإنحطاط بالوعي إلى الدرك الأسفل، وحصر الهوية في حي من أحياء عاصمة عربية ما، مثل الزمالك في القاهرة أو باب سويقة في تونس أو بلكور في الجزائر الخ. فضلا عن استعمال الفرق الرياضية لتغذية الشعوبية أو النزعة الإنفصالية، كما هو الحال بالنسبة لشبيبة القبائل الجزائرية…لأحباء الفرق الرياضية أناشيدهم وأعلامهم ويافطاتهم وشعاراتهم الخاصة، ويدفعون الكثير من مالهم لشراء القمصان والأعلام والشارات والرايات، إضافة إلى معلوم الدخول إلى الملعب واستهلاك الأغذية والمشروبات و”المنتوجات الفرعية” داخل الملاعب أو في محلات الفرق، بأسعار خيالية، والتنقل داخل المدينة وخارجها لمتابعة مقابلات الفريق المفضل الخ، لأن الملعب هو المكان الوحيد الذي يسمح فيه بالتجمهر والصياح والإحتجاج ورفع الشعارات ثم التظاهر خارج الملعب، بعد المقابلات سواء ربح الفريق، للتعبير عن الفرح أو خسر، للتعبير عن الغضب. لذا فهو متنفس للكبت، فالعشق الجنوني للرياضة أفيون مخدر، لكنه يسمح بالزفير، والإحساس بالإنتماء إلى مجموعة أو عائلة كبيرة كل نهاية أسبوع، والعيش على الأوهام أو الأمل الزائف… في غياب (أو ضعف) أحزاب ونقابات وجمعيات أهلية قادرة على توعية الناس بمصالحهم الحقيقية والنضال من أجلها، لتغيير الواقع على الأرض.

الرياضة والإستثمار السياسي

عام 1934، نظمت إيطاليا في عهد الفاشية بزعامة “بنيتو موسليني”، كأس العالم لكرة القدم وفازت بها. كان الملعبان الرئيسيان اللذين دارت بهما جل المقابلات يسميان “ملعب الحزب الفاشي” في روما وملعب “بنيتو موسليني ” في تورينو. استغل موسليني شعبية الفريق الإيطالي واستثمرها سياسيا لصالحه، مركزا على “قيم” الذكورية والشجاعة والنزعة الهجومية (العدوانية) التي يتميز بها حسب رأيه، الجيل الإيطالي الجديد، الذي لا يرضى بغير الإنتصار بديلا، فزادت شعبيته التي بدأت تهترئ بسبب عدم تحقيقه لوعوده تجاه العمال والفلاحين والفقراء الذين صدقوه…ووصل الأمر بقائد الفريق الإيطالي “جيوسبي ميازا ” الذي فاز بكأس العالم 1938 أيضا، في فرنسا، إلى تحية الرئيس الفرنسي “ألبير لوبران” بالتحية الفاشية، وقد كان ينتمي إلى “منظمة الشبيبة الفاشية”، وهو المنحدر من أصل طبقي فقير وكادح. استغلت الفاشية الصورة الإيجابية للفريق الإيطالي الذي فاز مرتين متتاليتين بكأس العالم، لإدماجها في دعايتها السياسية، وكأنها من إنجازات الفاشية، إذ اعتبر “بنيتو موسليني” انتصار الفريق انتصارا للفاشية وقيمها، التي تمثل المستقبل حسب زعمه… وبعد سنتين استغل أدولف هتلر الألعاب الأولمبية (برلين 1936) لينفث سمومه حول تفوق “العرق” الأبيض الأروبي، فكذبه العداء الأمريكي الأسود “جيسي أوينس” الذي حاز على أربع ميداليات ذهبية، في عقر دار النازية والعنصرية، وقد ساند أوينس العداءين سميث وكارلوس عام 1968.

أما الأرجنتين في عهد الإنقلابيين العسكريين فإنها نظمت كأس العالم عام 1978، وفازت بها، غير أن حملة دعائية جرت في جميع أنحاء العالم للتعريف بوضع الحريات الديمقراطية والسياسية. أما مدرب الفريق فإنه قال للاعبين: يجب أن تحرزوا الكاس، ليس من أجل الدكتاتورية العسكرية وإنما من أجل شعبكم الذي لم يبخل عليكم بالتشجيع، رغم الظروف الصعبة التي يعيشها.

أما “سيلفيو برلسكوني”، رئيس الحكومة الإيطالي الحالي، فإنه رجل أعمال، يملك مجموعة مؤسسات مالية و5 قنوات تلفزية تبث على كامل التراب الإيطالي، ومؤسسات إعلامية واقتصادية أخرى، أضافة إلى جمعية “ميلانو أ. س ” التي ضخ فيها أموالا لشراء اللاعبين، عادت عليه بالفائدة المالية من عائدات الإشهار والكؤوس، وبفائدة سياسية أكبر، حيث ضاعف الفريق من شعبيته عند هواة كرة القدم وجعله أكثر شهرة من أي سياسي إيطالي آخر، ثم كون حزبا أعطاه تسمية مستوحاة من شعارات جمهور كرة القدم ومن الشعارات الفاشية للثلاثينات: “فورزا إيطاليا” أي إلى الأمام إيطاليا، وأدمج معه مجموعة من الأحزاب الفاشية أو اليمينية المتطرفة، وأعلن عدة مرات أن العهد الفاشي ليس شرا كله، بل له إيجابيات عديدة منها فرض الإنضباط…

أما في أسبانيا، فإن الفاشية وضعت موالين لها على رأس كل الفرق الكبرى، رغبة في توسيع رقعة الموالين لها أو المحايدين… إلا أن فريق “أتلتيك بلباو”( بلاد الباسك )، أبقى على معارضة حكم فرانك، ومنع جلب لاعبين من غير الأصول الباسكية، للمحافظة على لغتهم أثناء اللعب والتمارين وعلى روابطهم مع الجمهور وعلى روح المعارضة للحكم المركزي (عكس فريق اتحاد أبناء سخنين الذي يتخاطب أفراده بلغة المحتل).

بشكل عام، تولي الدول والحكومات أهمية كبرى لللقاءات الدولية التي يعزف فيها النشيد الرسمي ويرفع فيه العلم، لأن ذلك بمثابة الدعاية التي لا مثيل لها، خاصة في حظور معظم قنوات العالم التلفزية…ويذكر الكثير كيف تآمر الفريق الألماني والفريق النمساوي (ومن ورائهما الحكومات والهيئات الرياضية الدولية )، اثناء دورة كأس العالم بأسبانيا عام 1982 لإقصاء الجزائر التي هزمت فريق ألمانيا العتيد (أحد لاعبية “ماتيوس” أصبح مدربا في الكيان الصهيوني)، وكان لا بد لألمانيا أن تفوز بنتيجة 2 مقابل 1 لكي يترشح الفريقان الأروبيان وتقصى الجزائر، ففعلا ذلك بشكل مفضوح وبارز للعيان، دون أن تحرك “الشرعية الرياضية الدولية” ساكنا، بل اعتبرت الأمر في صالحها لأن الفريقين الأوروبيين يجلبان جمهورا وإشهارا وأموالا أكثر.

أمأ الصين فاستغلت فرصة أولمبياد بيكين 2008، لتظهر للعالم أنها دولة رأسمالية “عادية” من الناحية الإقتصادية - وهذا هو الأهم- أما من الناحية السياسية فيجب الإنتظار، لأن الحريات السياسية تعني أحزابا ونقابات وإضرابات… وهذا ليس في صالح الإحتكارات التي حققت أرباحا هامة بهذه المناسبة، وضاعفت من حضورها في هذه السوق العملاقة، وتستثمر في المناطق الصينية التي لا تعرف أجرا أدنى أو نقابات أو إضرابات، لكي تجني أرباحا طائلة.

الإستغلال السياسي للرياضة ليس حكرا على الحكومات، ففي الملاعب الأروبية، أصبحت الشعارات الفاشية والعنصرية أمرا مألوفا، خصوصا في إيطاليا حيث يعرف فريق “لازيو روما” بكثرة اليمينيين الفاشيين في صفوف أحبائه الذين كثيرا ما رفعوا صور موسليني، وأدوا التحية الفاشية، وكثيرا ما أهانوا وشتموا اللاعبين السود، وصرح بعض اللاعبين أنهم يعلقون صور موسليني في بيوتهم، ويتمنون عودة الفاشية وانهم لا يحترمون اللاعبين ذوي البشرة السمراء، كما أن بعض المدربين مثل “دينو زوف” الحارس الدولي السابق الذي شغل منصب مدرب الفريق الوطني، وكذلك المدرب “أوجينيو فاشتي”، صبوا الزيت على النار بتبرير التصرفات العنصرية والتقليل من خطورة ما يجري في صفوف أحباء كرة القدم الإيطالية.

في فرنسا، يعرف أحباء فريقي باريس ومرسيليا بالعداء لبعضهما وبعداء أجزاء عريضة منهما للاعبين القادمين من الدول الفقيرة. أما في باستيا (جزيرة كورسيكا الفرنسية ) فإن حوالي 30 متفرج قاموا بالإعتداء بالعنف على لاعبين أسودين من “سانت إتيان ” بعد هزيمة فريقهم عام 2000.

لئن لم تكن الرياضة عنيفة في حد ذاتها، فهي تخضع لقوانين تنظمها، فإن الأموال الضخمة والرهانات الكبرى، تجعلها مجالا للإستثمار السياسي والمالي والإعلامي، ومتنفسا للجماهير المقهورة وأفيونا تنفس به عن بعض كربها وتحويل وجهة الغضب أو الطاقة الكامنة لدى الشباب، لاستغلالها فيما ينفع رأس المال.

الرياضة: إستثمار اقتصادي مربح

أصبحت الرياضة مجالا للإستثمار مثل كل المجالات الأخرى، وتخضع لنفس المقاييس، من دراسة الجدوى والأسواق ووضع مخططات قصيرة ومتوسطة المدى الخ… وتعكس كذلك علاقات الهيمنة بين البلدان الرأسمالية التي بلغت مرحلة الإمبريالية، والدول الفقيرة والمتخلفة اقتصاديا، حيث هجرة الرياضيين من “الجنوب إلى الشمال “، واستثمارات أوروبية في افريقيا وأمريكا الجنوبية، لتكوين أو انتقاء لاعبين بأبخس الأثمان وبيعهم في سوق كرة القدم الأروبية بعشرات أضعاف ذلك…أما تنظيم الدورات العالمية، مثل الألعاب الأولمبية وكأس العالم لكرة القدم، فهي حكر على الدول الغنية، لما تتطلبه من استثمارات (بنية تحتية، اتصالات، فنادق، مواصلات وطرقات ومطارات وملاعب…) ولما تدره من عائدات… وتلتجئ دول امبريالية للغش والرشوة، للفوز بتنظيم مثل هذه التظاهرات، مثلما فعلت أمريكا التي تعطي دروسا في “الحكم الرشيد” والنزاهة، والشفافية… بينما قامت بإرشاء لجنة تحكيم اللجنة الأولمبية الدولية (بزعامة “خوان أنطونيو سامارانش”، المعجب بفرانكو) للفوز بتنظيم الألعاب الأولمبية الشتوية في “سالت لايك سيتي” في فبراير 2000، والتي جنت منها 220 مليون دولار مقابل حقوق البث التلفزي وحده…كما وضعت اوروبا كل ثقلها السياسي والإقتصادي لكي تفوز أسبانيا بتنظيم كأس العالم 1982، ثم الألعاب الأولمبية ببرشلونة عام 1992 وساعدتها على الإستثمار في البنية التحتية، كي تلحق بمستوى الدول الأروبية الأخرى اقتصاديا، وتستقر أوضاعها السياسية، في مواجهة النزعات القومية في بلاد الباسك وكاتالونيا، والفقر في مناطق أخرى مثل الأندلس.

تعكس الرياضة، وكرة القدم بشكل خاص، علاقات الهيمنة التي تفرضها الدول الرأسمالية الإمبريالية على غيرها من الدول، وعلى افريقيا خصوصا، التي اختص الجزء الغربي منها في تصدير لاعبي كرة القدم إلى أروبا، والشرقي في تصدير عدائي المسافات الطويلة والمتوسطة، واختصت دول الخليج العربي في استقطاب الرياضيين المتقاعدين من كل الجنسيات. افريقيا وأمريكا الجنوبية، هما المنطقتان الرئيسيتان المصدرتان للاعبي كرة القدم، لتوفر “الجودة والثمن المناسب” للمنتوج، المتمثل في اللاعبين الشبان…ويخضع اللاعبون الأفارقة (كما العمال ) للإستغلال والإبتزاز والغش الخ. وللضغط على المصاريف و”ثمن الكلفة”، أصبحت الفرق الأوروبية الكبرى تتعاقد مع بعض الدول أوالشركات لفتح مراكز تدريب في ساحل العاج و الكامرون والسنغال وغانا… واختيار اللاعبين البارزين، الممكن بيعهم في القارة العجوز، الذين لا تتجاوز نسبتهم 12% من جملة اللاعبين، يتمكن نصفهم فقط من التعاقد كمحترفين مع فرق كبرى… وفي طرف 10 سنوات، ما بين 1995 و 2004، تطور عدد اللاعبين الأفارقة في 11 بطولة أوروبية من 160 إلى 316 وعدد اللاعبين القادمين من أمريكا الجنوبية من 155 إلى 431….واختصت الفرق السويسرية والبلجيكية في استقبال اللاعبين الأفارقة وغيرهم، الذين تريد الفرق الأنغليزية أو الألمانية والفرنسية تجربتهم، قبل استعادتهم أو بيعهم مع تحقيق فائض عريض… ففي عام 2000 اشترى فريق سويسري اللاعب الكامروني “تيموثي أتوبا” ب28000 أورو، وبعد سنة ونصف باعه إلى فريق آخر بثمن جاوز 10 مرات ثمن شرائه، وبعد سنتين، بيع بثمن تضاعف 10 مرات أخرى أي 2،8 مليون أورو لفريق توتنهام الانغليزي…أما اللاعب الغاني “ميخائيل إيسين” فقد اشتراه فريق “باستيا ” الفرنسي ب50 ألف دولار عام 2000 وباعه عام 2003 إلى فريق “أولمبيك ليون” الفرنسي ب8 ملايين أورو ثم باعه فريق ليون إلى فريق شيلسي الانغليزي عام 2005 ب38 مليون أورو… أي أن” ثمنه” قفز من 50 ألف إلى 50 مليون دولار في ظرف 5 سنوات، وما يتقاضاه اللاعب لا يساوي شيئا أمام ما يربحه فريقه والشركات المتعاقدة معه… فشركة “بوما” للمعدات الرياضية تكفلت بتوفير الملابس الرياضية للفرق الافريقية الثلاثة المشاركة في كأس العالم لكرة القدم عام 2006، مقابل بيع الأوهام والأحلام على لوحات إشهارية كبرى في عواصم ومدن هذه الدول وملاعبها وعلى شاشات تلفزاتها، مستعملة صورة اللاعبين كرمز للوصول إلى قمة المجد، ويساهم الإعلام الإفريقي والعربي في مغالطة الجمهور واستغلال سذاجة المراهقين، معرفا بحالات النجاح المادي القليلة، ومتكتما عن حالات الإحباط الكثيرة… ومن النتائج المدمرة لهذه الحملات الإشهارية على عقليات البسطاء ما تبرزه هذه دراسة قامت بها قناة “ب.ب.سي” البريطانية في 10 دول افريقية عام 2005 على شكل استطلاع لدى الشباب، فلم تتجاوز نسبة من يرغبون في العيش في بلادهم 40%، وفي ملاوي وساحل العاج، يود 84% منهم العيش في بلد آخر (أوروبي مثلا)… وهو مثال على تردي الأوضاع وانعدام البديل الجدي في المستقبل المنظور، إضافة إلى غسل الدماغ الذي قامت به الإحتكارات والحكومات على حد السواء. احتد نزيف اللاعبين منذ بداية الثمانينات، أثناء تواجد رونالد ريغن ومارغريت تاتشر في الحكم، وزمن “مخططات الإصلاح الهيكلي” التي فرضها صندوق النقد الدولي، والهجوم الإيديولوجي من أجل فرض هيمنة الفكر والإقتصاد اللبرالي، مما أدى إلى المجاعات والإنتفاضات..

أرقام ودلالات

كثر الحديث عن الأزمة المالية والإقتصادية، منذ نهاية ضائفة 2008، وتأثرت عديد قطاعات الإنتاج والتوزيع والإستهلاك، كما تم تسريح ملايين العاملين عبر العالم الخ. أما مجال الرياضة فلم يتأثر قط بذلك، بل يعيش ازدهارا غير مسبوق، فالأموال المتدفقة في تزايد مستمر (تجهيزات، ملاعب، ملابس رياضية، إشهار، إعلام)، وما زالت سوق بيع وشراء لاعبي كرة القدم مزدهرة، بل بلغ ثمن شراء اللاعب “كريستيانو رونالدو” رقما قياسيا أثار جدلا كبيرا… فالرياضة مجال استثمار تبلغ فيه الارباح (وفائض القيمة) حدودا يندر تحقيقها في مجالات الإستثمار الأخرى، غير أنها تحتوى بعض المخاطر، إذ يكفي أن يصاب لاعب بجروح أو رضوض حتى يبقى خارج الحلبة لعدة أسابيع أو أشهر، لكن مسؤولي المؤسسات ذات الصبغة الرياضية رجال أعمال فطنون، ينوعون مجالات الإستثمار، ويعقدون الصفقات بحنكة كبيرة، وكأن ما يهمهم أولا هو الربح السريع، أما الرياضة فهي تعلة لجني الأرباح، كأي مجال اقتصادي آخر.

نورد في ما يلي بعض الأمثلة والأرقام ذات الدلالة في مجال “الإستثمار الرياضي”:

في داخل أوروبا يتم انتقال 3500 لاعب سنويا، من فريق إلى آخر، بتحقيق فائض، عند كل عملية بيع وشراء، وبطبيعة الحال فإن هذا التضخم في أثمان وأجور اللاعبين والمدربين، لا بد وأن يسترجعه المستثمر من الجمهور بشكل أو بآخر… في موسم 2008/2009، بلغت الأجور السنوية لخمس لاعبين في البطوبة الأوروبية 116 مليون أورو، وبلغت أجور 20 لاعب حوالي 300 مليون أورو… أما أجور المدربين لنفس الموسم فقد بلغت بالنسبة لعشرة منهم، حوالي 85 مليون أورو، علما وأن معدل الأجر الأدنى السنوي للعامل في البلدان الأروبية الغنية، لا يبلغ 12000 أورو… ويجب لعامل عادي، في أدنى السلم أن يعمل حوالي 300 عام لكي يحصل على الأجر السنوي ل”دفيد بيكام”، بقي أن نقوم بعملية حسابية بسيطة لمعرفة عدد ملايين البشر تحت خط الفقرالذين يمكن أن تعيلهم هذه المبالغ، ولمدة كم سنة، أو احتساب مداخيل كم من لاعب للحصول على المنتوج الداخلي الخام لبلد فقير مثل هايتي أو بنغلاديش… أما فريق ريال مدريد فإنه صرف مبلغ 300 مليون أورو لشراء 5 لاعبين، واشترى اللاعب “كرستيانو رونالدو” بمبلغ 94 مليون أورو وهو ثمن تاريخي وقياسي، جلب بعض النقد لرئيس النادي، فما كان منه الا انتظار أسبوع واحد، قبل أن يعلن في ندوة صحفية بأن 120 مليون قميص كتب عليها رقم واسم هذا اللاعب، قد تم بيعها في العالم (منها 360 ألف في أسبانيا)، بثمن 80 أورو (115 دولارا) للقميص الواحد، أي أن “ريال مدريد” استرجع الثمن إضافة إلى مليوني أورو، قد تكون ثمن الكلفة للقمصان، في ظرف أسبوع واحد، دون احتساب مداخيل الإشهار التي كتبت على القميص… وهي مبالغ دفعها أحباء الفريق وأنصاره، من كافة الطباقات، وخصوصا الفئات متوسطة الدخل، ولم يدفعها نادي ريال مدريد، في نهاية الأمر.

يمثل الإشهار والبث التلفزي للمقابلات مصدر دخل للفرق الأوروبية الكبرى، التي بلغت مداخيلها 2،2 مليار أورو من بطولة الأندية الأوروبية في ظرف 4 سنوات، ووصل ثمن الدقيقة الواحدة للإشهار التلفزي أثناء المباريات الأوروبية 250 ألف أورو، وتمثل حقوق البث التلفزي نسبة 50 بالمائة من مداخيل الفرق الكبرى… هذه المبالغ الضخمة المتداولة، جعلت من الإتحاد الأوروبي لكرة القدم والإتحاد الدولي واللجنة الأولمبية الدولية، شركات معولمة، عابرة للقارات، تنظم هذه التظاهرات بغرض ” التنافس النزيه” ظاهريا، وبدقة متناهية لتحقيق الربح الوفير، والتثبت من توفر الظروف اللازمة لذلك…وعلى سبيل المثال حقق الإتحاد الأوروبي لكرة القدم، في موسم 2007/2008، عائدات بلغت 820 مليون أورو، وفاقت المرابيح الصافية قاربت 40 مليون أورو…

تشابك المصالح الإقتصادية والسياسية مع الرياضة

نكتفي في هذه الفقرة بالحديث عن شخصية “روبيرت لويس درايفوس” الذي كان فرنسيا قبل طلب الجنسية السويسرية عام 1995، تهربا من دفع الضرائب. توفي هذا الرجل يوم 4 يوليو/تموز 2009، وقدمته وسائل الإعلام الأوروبية على أنه شخص ضحى بالغالي والنفيس من أجل الرياضة والفريق الذي يملكه “أولمبيك مرسيليا” بفرنسا (ويملك أيضا فريق ستاندار دو لياج البلجيكي).

ينتمي الرجل إلى عائلة ثرية، اختصت في احتكار المضاربة بالحبوب والقطن مند 1851، وتملك أسطولا بحريا لنقل البضائع التي تحتكرها، للسيطرة على النقل ومسالك التوزيع… فالرجل ليس كما قدمته لنا وسائل الإعلام “سلف مايد مان” أي أنه انطلق من الصفر وأقام امبراطوريته الإقتصادية والمالية بعرق جبينه… أما مؤسساته الخاصة فهي متنوعة: المضاربة بالمواد الغذائية على اختلاف أنواعها، النقل البحري، الطاقة (البترول والغاز والخشب الافريقي)، الإعلام والإتصالات وشركات الهاتف، شراء حقوق نقل المقابلات الرياضية (وبالتالي السيطرة على مداخيل الإعلانات والإشهارلكأس العالم 2006)، شركات خدمات أو ذات صبغة مالية…. اشترى عام 1993 شركة “أديداس” للملابس الرياضية، التي قدرت قيمتها آنذاك بحوالي315 مليون أورو، واستحوذ على مؤسسات منافسة مثل “لوكوك سبورتيف” و”ريبوك” واشترى أسهما في “نايك”… وأصبحت “أديداس” متعاقدة مع عدة فرق دولية مشاركة في بطولات الفرق أو الأمم في أروبا والعالم، منها فريق الكيان الصهيوني… وباع دريفوس شركة أديداس عام 2007 بما قيمته 4،76 مليار دولار، وكانت تبيع سنويا 100 مليون حذاء (40 بالمائة من السوق العالمية) و150 مليون قطعة ملابس رياضية… ولأسباب مالية (التهرب من الضرائب)، غير جنسيته عام 1995، كما أسلفنا، مع الإبقاء على مصالحه في فرنسا، وهي نفس السنة التي صدر فيها حكم ضده، بسبب التلاعب والتهرب من الضريبة.

عام 1995، اتصل به الوزير السابق ورئيس بلدية مدينة مرسيليا “جان كلود غودان”، ونصحه بشراء فريق “أولمبيك مرسيليا”. الرجلان أصدقاء، يشاركان معا في الإحتفالات بالذكرى السنوية لتأسيس دولة الكيان الصهيوني، وفي جملة التظاهرات المساندة لجيش العدوان الصهيوني، وفي العشاء السنوي لمنظمة “كريف” الصهيونية الفرنسية… رغم تكتم “دريفوس” عن نشاطاته الصهيونية، فقد عرفنا أنه، في شبابه، عمل في “كيبوتسز” لتمتين تكوينه الإيديولوجي الصهيوني، ثم شارك كجندي في الإعتداء العسكري الصهيوني على الأمة العربية أثناء حرب 5 حزيران 1967، ولا توجد تفاصيل أخرى عن هذه المرحلة من حياته، لما كان شابا، ولا تتعرض لها وسائل الإعلام، حتى بعد وفاته، ولا نجد غير بعض الإشارات في وسائل الإعلام الصهيونية.

اشترى إذا فريق مرسيليا عام 1995، وبالطبع فإن الفريق أصبح يقتني أزياءه من شركة “أديداس”، ويشهرها على ملعبه، وتعددت محلات بيع هذه الأزياء للآحباء، الذين كانوا يقتنون حوالي 120 ألف قميص مقابل 75 أورو للواحد… غير درايفوس الإستراتيجيا “المالية/الرياضية” للفريق فأصبح يغير قمصانه كل موسم ويخصص قميصا للمباريات المحلية وآخر للمقابلات التي تدور خارج مرسيليا، وآخر للمقابلات الأوروبية الخ، ليضطر الأحباء لشراء خمسة أو ستة قمصان في الموسم الواحد… واصبحت فرق عديدة تنسج على منواله، لجني أكثر ما يمكن من المرابيح، من جيوب الأحباء ومن الإعلانات على الأزياء الرياضية…تقول الصحف أن السيد درايفوس صرف 210 مليون أورو “من ماله الخاص” على فريق مرسيليا في ظرف 10 سنوات، ويقول بعضها أنه جنى أرباحا طائلة من الفريق، منذ 2003، لكن عملية حسابية بسيطة تبين بجلاء أن أرباحه الصافية من فريق مرسيليا، تتجاوز 23 مليون أورو في الموسمين الأخيرين وحدهما، وقدرت مداخيل بيع القمصان لفريق مرسيليا في موسم 2007/2008 ب122 مليون أورو… فهو رأسمالي بارع “يعرف من أين تؤكل الكتف”، وإعلامي بارع أيضا ( يملك مؤسسات إعلام واتصالات)، ربح المال والجاه والشهرة، وأخفى التزامه الإيديولوجي والعسكري إلى جانب الكيان الصهيوني… من دلائل براعته في مجال الأعمال أنه كان على علاقة وطيدة برئيس الرابطة الدولية لكرة القدم “جوزيف سيب بلاتير” (منذ 1998 بعد أن كان أمينا عاما لها منذ 1981)، والذي خلف “جواو هافلانج”… عندما تم تعيين بلاتير في الرابطة الدولية لكرة القدم، كان يعمل بمؤسسة أديداس، التي تمكنت من فرضه على رأس هذا الأخطبوط الرياضي/المالي، حيث قال رئيس أديداس آنذاك، هورست داسييه “سننصبه على رأس الرابطة لأنه يخدمنا، فهو منا وإلينا”… تعاقدت الرابطة مع أديداس لتأطير وتنظيم التظاهرات الدولية من عام 2005 حتى 2014، ولا غرابة في ذلك إذ أن ابن بلاتير يشغل منصب مدير في أديداس، ورئيسه روبرت لويس درايفوس، صديق لأبيه.

هذا المستثمر الرياضي (متزوج من ابنة صاحب بنك “لازار”)، ترتيبه 77 لدى أكبرأثرياء العالم، يملك مجموعة مؤسسات تبلغ قيمتها 280 مليار دولارا وهي ثالث مؤسسة عالمية في مجال احتكار المواد الغذائية وتحويل المواد الغذائية إلى بنزين، وجنى 30 مليار أورو جراء ارتفاع أسعار المواد الغذائية عام 2007 ويسيطر على قدر هام من الإنتاج العالمي للقهوة والقمح والصويا والذرة والشعير والكاكاو والسكر(والمواد المعدلة جينيا)، وتحويل الغلال إلى عصير والقطن والبترول والغاز والكهرباءالخ… وتشغل المؤسسة 15 ألف عامل، وبلغت أرباحها الصافية للمواد الغذائية وحدها 750 مليون أورو عام 2006…مثل شراء “أولمبيك مرسيليا” واجهة لمؤسسته “أديداس” التي كانت على حافة الإفلاس، فأصبحت منافسة جدية ل”نايك” وابتلعت “ريبوك” وأضاف لهما “لوكوك سبورتيف”… لقد اتبع أسلوبا رأسماليا، بمنهجية مدروسة، ونجح في ذلك، ماليا وإعلاميا… وعندما مات عن عمر يناهز 64 سنة بكاه أحباء الفريق ومنهم العرب، رغم ماضيه وحاضره الإستغلالي والصهيوني.

خلاصة

أجرى فريق طبي دراسة تناولت 60 سنة من حياة الرياضيين، فتبين أن تناول المنشطات يؤدي إلى احتمالات الموت الفجائي (سكتة قلبية) قبل سن 45 سنة تفوق 5 مرات احتمالها لدى غير الرياضيين، مع العلم أن الفريق لم يدرس إلا الحالات التي تبين فيها بوضوح الموت نتيجة تناول المنشطات… وهذه الوفيات الفجائية ناتجة غالبا عن تغذية العضلات “اصطناعيا” بالأكسجين لإضافة عدد الكريات الحمر، مما يؤدي إلى تخثر الدم وبالتالي إلى السكتة القلبية، عندما تكون دقات القلب منخفضة، في أوقات الراحة… هدف المنشطات بشكل عام هو مقاومة الإرهاق والتعب، وخلق توازن بين فترات التعب والرحة، والنوم واليقظة… مما يؤدي إلى مضاعفات جانبية وأخطار (لا يعلمها الرياضيون أحيانا) على القلب والكلى، والعضلات التي قد تصاب بالتقلص الخ.

ما بين عامي 1967 و2007، توفي ما لا يقل عن 17 عشر من أبطال سباق الدراجات بسبب تناول المنشطات، إما أثناء فترة السباق أو بعدها بمدة قصيرة نسبيا… هؤلاء الرياضيون، مهما استفادوا ماديا، يعتبرون ضحايا المستثمرين والمخابر وشركات الأدوية والعقاقير، التي تراهن على التظاهرات الرياضية لتحقيق الربح الوفير، في إطار التنافس الرأسمالي.

أثناء موسم 2005/2006 لكرة القدم بلغ رقم الأعمال لهذه الرياضة في بلدان أروبا 250 مليار أورو أي 1 بالمائة من المنتوج الداخلي الخام للبلدان الرأسمالية المتطورة، وتتضاعف أجور الرياضيين 2،5 مرات كل 5 سنوات، بعكس أجور العاملين التي تتضاعف بمعدل مرة واحدة كل 20 سنة وتضاعفت أجور الرياضيين بمعدل 14 بالمائة في موسم 2007/2008، بينما لم ترتفع أجور بقية الأجراء إلا بمعدل 5 بالمائة، استفاد منها ذوو الأجور العليا… وبلغت عائدات دوري كرة القدم في 5 بلدان أوروبية 7،7 مليار أورو، في موسم 2007/ 2008، بينما صرفت 14،6 مليار أورو لشراء اللاعبين، وارتفع معدل حضور الجمهور في الملاعب بنسبة 2 بالمائة رغم الأزمة الإقتصادية والبطالة وغلاء ثمن التذاكر والإشتراكات السنوية وإمكانية مشاهدة المباريات على القنوات التلفزية، مقابل اشتراك لأن حقوق البث التلفزي تمثل 50 بالمائة من عائدات الفرق الأوروبية.

هذه الإستثمارات الكبرى ينتج عنها تنافس بين الشركات الرأسمالية، يبرز خاصة أثناء الألعاب الأولمبية أو كأس العالم لكرة القدم أو البطولات القارية الخ، ويذهب ضحيته عديد الشبان بأشكال مختلفة، ففي البرازيل، واعتمادا على الأرقام الرسمية فقط، قتل 42 شابا ما بين 1999 و2008، تتراوح أعمارهم بين 14 و25 سنة، إثر مشاجرات بين أحباء فرق كرة القدم، 80 بالمائة منهم فقراء، أما في كولومبيا فقد اغتيل في نفس الفترة 7 لاعبين… وفي عام 1989 أدى تدافع جمهور فريقي لفربول وتوتنغهام، بملعب “هباسبورغ” إلى وفاة 96 ونقل 300 إلى المستشفيات إثر جروح خطيرة إضافة إلى 800 آخرين أصيبوا بجراح خفيفة… وفي عام 1985 بمناسبة تهائي كأس النوادي الأوروبية بين لفربول وجوفنتس، في ملعب “هيزل” ببلجيكا، توفي 39 متفرجا إثر مشاجرات بين أحباء الفريقين… أما عن الحوادث المماثلة القاتلة في البلدان الفقيرة، مثل افريقيا، فإن عددها أكبر لكن الأخبار والأرقام غير متوفرة، أو لا تحظى بنفس الأهمية، حسب جنسية الضحية.

في آخر اولمبياد (بيكين 2008)، برعاية كوكاكولا وماك دونالدز وأديداس وكوداك…بلغت ميزانية التنظيم 65 مليار دولار وبلغ الفائض الصافي 146 مليون دولار، وركزت الصين دورها كدولة رأسمالية جديرة بالإعتبار مثل أمريكا وأوروبا واليابان… ولا زالت الصين تستغل البنية التحتية التي أقامتها بمناسبة الأولمبياد، ففي ظرف 9 أشهر زار هذه السنة، الملعب الأولمبي ببيكين 3،5 مليون صيني مقابل 8 دولارات للفرد وزار 3،5 مليون شخص المسبح الأولمبي مقابل 5،5 دولارات للفرد.

أليست الرياضة عملية استثمارية مربحة أكثر من القطاعات الإقتصادية الأخرى، بل أحسن بكثير لأن الإستغلال مقنع ولا يحتمل حصول إضرابات، ويجلب المال الوفير والوجاهة والشعبية، وقد يوصل إلى هرم السلطة.

السعودية: معضلة التنمية المسيجة

29 سبتمبر 2009

د. مضاوي الرشيد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2031 )

كان افتتاح جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية حدثاً إعلامياً سياسياً أكثر منه أكاديمياً حيث تم التركيز على كلفة الجامعة ومعداتها وتقنيتها وكونها تتوج رؤية إصلاحية جديدة دشنها الملك. وجاءت الجامعة كنقلة مستقبلية بديلة لنقلات كانت متوقعة على صعيد التنمية البشرية والسياسية والاجتماعية. وركز الإعلام السعودي على نقطة الاختلاط المتوقع في الجامعة وكأنه الأهم في مسيرة تعليمية تخالف ما هو متبع حالياً في مرافق التعليم الموجودة. وهو وحده ما سيفتح المجال لثورة تعليمية قادمة.

لقد افتقد الجدل حول الجامعة ركيزة مهمة اتسمت بها مشاريع التنمية السعودية منذ بدئها والتي توجتها شركة أرامكو منذ بدء عملها في السعودية في الثلاثينات من القرن المنصرم. قامت التنمية على مبدأ تسييج كل ما هو جديد وغريب عن محيطه الاجتماعي. وكانت نظرية السياج الذي فرضته أرامكو على عمالها الأجانب تكرس هذا المبدأ حيث خلقت منذ أيامها الأولى جداراً يعزلها عن محيطها وأنشأت مجمعات سكنية لعمالها وموظفيها فنمت المدن والمخيمات بعيداً عن الرقابة الاجتماعية وبمعزل عنها. وحتى بعد سعودة مؤسسات أرامكو ظل مبدأ السياج معتمداً بل حتى انه تحول إلى نمط يتبع في مناطق مختلفة. وحتى هذه اللحظة تظل المجمعات السكنية المسيجة والتي يقطنها الاجانب الغربيون هي المأوى الذي يفضلونه بينما يتوزع العمال ذوو الدخل المحدود على أحياء خاصة فقيرة. لقد خلقت التنمية المسيجة ازدواجية وشرخا في المجتمع السعودي حيث تطورت واحات تقنية ومهارات متقدمة معزولة عن محيطها ورغم أن المجتمع السعودي قد استفاد من انجازات ومدخول النفط خلال السنوات الماضية وخاصة من الناحية المادية والتكنولوجية إلا انه ظل منعزلاً عن الفكر الذي يقف خلف هذه الانجازات. ولم يكن من المستغرب أن يحدث انفصام مجتمعي لم تتخلص منه السعودية حيث يعتبر البعض هذه المرافق التنموية واحات فيها من الحرية ما هو غير موجود على الساحة الاجتماعية. أما البعض الآخر اعتبرها بؤر فساد تخالف طبيعة المجتمع. ولم تكن مفاجأة كبيرة عندما طال العنف مثل هذه المجمعات منذ التسعينات حيث استهدفت من قبل القاعدة.

وتأتي الجامعة الجديدة لتكرس مبدأ التنمية المسيجة والتي ستكون حمايتها وحماية العاملين بها من اكبر الهموم السعودية خاصة وأنها تبشر بنمط معيشي يختلف تماماً عن مفاهيم المجتمع وتقاليده. وبينما جامعات العالم تكتفي ببعض العاملين الذين يضمنون أمن المباني الجامعية لحمايتها من السرقة والعبث إلا أن الجامعة السعودية الجديدة ستحتاج إلى فرق أمنية لتضمن عدم اقتحامها من قبل المعترضين على توجهها الاجتماعي وليس العلمي أو الأكاديمي. ويظهر ذلك بوضوح من خلال مراقبة أي نشاط جديد أدخلته القيادة السعودية ولو كان فنياً أو فكرياً فمن مسرح إلى سينما مروراً بمعرض كتاب يظل الأمن مرافقاً للأنشطة المختلفة وهاجساً يرافق افتتاح المرافق الجديدة. بالإضافة إلى معضلة الأمن وأهم منها هو كون التنمية المسيجة مدخلاً لترسيخ ازدواجية اجتماعية واقتصادية حيث تنمو طبقة متعلمة ومتمكنة من إجادة التعامل مع التقنيات الحديثة ومؤهلة علمياً ولغوياً وتعيش بمعزل عن محيطها وتستفيد من فرص عمل متقدمة على حساب أكثرية اكتسبت مهارات محدودة أو حتى منعدمة نتيجة انخراطها بمؤسسات تعليمية قديمة مترهلة وغير قادرة على تهيئة جيل جديد يقتحم السوق الاقتصادية الحديثة لما تتطلبه من مهارات متقدمة وتقنيات عالية المستوى. تعمق التنمية المسيجة هذه الطبقية التي تتجاوز أبعادها الناحية الاقتصادية وتطال تركيبة المجتمع في الصميم. فتخلق أقلية متمكنة وأكثرية مهمشة. تصبح الأولى واجهة تخفي الوضع المزري للثانية وتستغل الأولى كواجهة إعلامية تقدم للعالم علّها تحجب واقع المجتمع وتخلف فرص التعليم المتاحة له والمرافق الاقتصادية المحدودة المتوفرة له.

ويرافق هذا الشرخ الاجتماعي شرخ فكري وسلوكي مرتبط بالفرص المتاحة الجديدة حيث تنعزل الأقلية في نمط عيشها وتفكيرها عن الأكثرية بل أنها تفضل العيش في مجمعات معزولة حيث تستطيع أنتعيش حسب مبادئ جديدة ومعطيات لا يسمح المجتمع بممارستها خارج أسوار المجمع السكني أو الواحة العلمية من مدرسة مختلطة مرورا بقيادة السيارة. تماما كما يحصل حاليا في المراكز السكنية التابعة للمنشآت النفطية. ستظل السعودية تعيش حالة انفصام اجتماعي مرتبطة بمبدأ التنمية المسيجة التي تمثل الجامعة الجديدة نموذجا له. ولهذا الانفصام تداعيات مهمة على تطور المجتمع في المستقبل. وتستهلك هذه المبادرة من الجهد والمال على حساب التنمية المفتوحة التي تستوعب اكبر شرائح اجتماعية دون أن تعزلها في منشآت نائية بعيدة عن الأعين. وتم التسويق للجامعة على أنها للعالم بأجمعه بينما هي معزولة عن مجتمعها القريب بفكرها والسلوكيات التي تروج لها ومن هنا جاء استقبال الطلبة من الخارج الذين تتكفل الدولة بمصاريف تعليمهم وقد تجاوز عددهم عدد الطلبة السعوديين المنخرطين في السنة الدراسية الأولى. وبينما تصرف الأموال الطائلة على البعثات الدراسية للطلبة السعوديين في الخارج نجد الدولة تؤمن التعليم المجاني لطلبة الخارج المتقدمين إلى مقاعد البحث في جامعتنا الجديدة. وحتى هذه اللحظة لم نسمع أن جامعة عالمية قد سمحت للسعوديين بالتعليم المجاني بينما ارتبط تسويق المشروع الجديد بهذه الهبة. وربما تفتقد السعودية حاليا إلى عدد كبير من الطلبة المهيئين للبحث العلمي العالي على مستوى الماجستير والدكتوراه حاليا لذلك توجب استقبال هذا العدد الكبير من الطلبة الأجانب.

مما يطرح سؤالا عن إمكانية مؤسسات التعليم القديمة توفير المؤهلات العالية التي تمكن الطالب من الانخراط في صرح علمي متطور وكان على الحالمين بهذا المشروع الجديد أن يربطوه بمؤسسة تحضيرية تؤمن عددا معقولا من الطلاب الذين يهيئون للدراسات العليا. وكما تستورد القطاعات الاقتصادية والعلمية كوادر التعليم من الخارج يبدو أن الجامعة بدأت باستيراد الطلبة مع طاقم التدريس ورئيس الجامعة.

تطرح فكرة الجامعة المسيجة معضلة قديمة هي علاقة التطور العلمي بالحالة الفكرية والاجتماعية. ونحن نعلم أن صروح البحث العلمي العالمية والجامعات العريقة كانت قبل أن تخترع الانجازات العلمية صروحا فكرية. ومعظم هذه الجامعات كانت في السابق مدارس للنقاش الديني. خذ مثلا تاريخ أعرق جامعتين في بريطانيا وهما جامعة كيمبردج وأكسفورد حيث نمت سجالات دينية وفكرية مهدت لاختراعات علمية فتحولت هذه الجامعات من مراكز لاهوتية إلى مراكز علمية حديثة استطاعت أن تجمع بين الدين والفلسفة والاختراع العلمي تحت سقف واحد. عندها فقط استطاعت هذه الجامعات أن تنهض بمجتمعها وتعمم تجربتها على جامعات أخرى استفادت من سجالاتها وانجازاتها واستقطبت الكوادر التعليمية والمهارات من بلدان العالم المختلفة.

ففكرة الجامعة تتجاوز المختبر المسيج والكافيتريا المختلطة والمعدات الحديثة والمبنى العتيد والكمبيوتر الجديد إلى ما هو أكثر جوهرية ومركزية. الحرية الفكرية هي قاعدة الجامعة الأولى والأخيرة حيث تضمن للباحث تجاوز الحدود مهما كان اختصاصه ومجاله. فيقفز ويشطح باختراعه علميا كان أم إنسانيا دون وصاية فوقية أو بهرجة إعلامية والقيد الوحيد المفروض عليه هو ما تفرضه أخلاقية البحث العلمي التي يحددها المجتمع بمؤسساته. فتفتح مجالات البحث الواسعة ضمن حدود أخلاقيات تكرسها قوانين البحث العلمي. عندها فقط يستفيد المجتمع من أي اختراع أو انجاز ولا يظل هذا التقدم واحة معزولة عن مجتمعها تصرف عليها الأموال الطائلة دون أنتصل فائدتها إلى محيطها. علاقة الجامعة بمجتمعها علاقة عضوية ابعد ما تكون عن مشروع التنمية المسيجة.

:::::

* كاتبة وأكاديمية من الجزيرة العربية

الرياضة: بين الإستثمار المالي والإستغلال السياسي (الحلقة الاولى)

29 سبتمبر 2009

الطاهر المُعز

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2031 )

تقديم

نسمع أو نقرأ أحيانا عن مبالغ طائلة، لشراء لاعب أو لبعض الثواني الإشهارية أثناء البث التلفزيوني للتظاهرات الرياضية المختلفة، كما نقرأ عن بعض المآسي التي عاشها بعض شباب افريقيا الذين تم التغرير بهم، والتلويح لهم بمستقبل رياضي باهر، ثم ألقي بهم في شوارع باريس وميلانو ومدريد. وقد أثار انتباهي خلو شوارع عاصمة عربية من المارة والسيارات، مع تواجد عدد هائل من أفراد الشرطة المدججين بالعتاد والسلاح، والسبب مقابلة في كرة القدم. وقالت صديقة أروبية أنها شاهدت مظاهرة وأعلام ولافتات، في إحدى شوارع عاصمة عربية، لا يجتمع فيها إثنان حتى يكون الشرطي ثالثهما، وبعد تمحيص، تبين أن ما شاهدته ليس حلما، لكن الألوان واليافطات والأعلام لم تكن رموزا لحزب أو نقابة، بل كانت رموزا لفريق رياضي، تظاهر أحباؤه تعبيرا عن الفرح لفوزه في مباراة كرة قدم. وفي شهر يوليو/تموز 2009، رأيت شبابا عربا يبكون حسرة على مالك فريق مرسيليا الفرنسي عند وفاته، وبعد البحث، اكتشفت أن الرجل وعائلته من أكبر أثرياء العالم وأن مؤسساته العديدة مسؤولة عن عدد من المآسي والمجاعات في الدول الفقيرة وأنه يربح أموالا طائلة من مغفلي أحباء الفريق الذي يملكه، وتقدمه وسائل الإعلام على أنه “حاتم الطائي”، يجود بماله ووقته الثمين حبا في فريق مرسيليا لكرة القدم، واكتشفت (صدفة) أنه صهيوني ملتزم ماليا وعسكريا وسياسيا وإعلاميا، منذ شبابه. لهذه الأسباب وغيرها، حاولت كشف ما وراء الرياضة وما وراء ادعاءات الأخوة والمحبة والسلام الخ، فالرياضة لا تشذ عن أي مجال آخر، فهي سوق يمكن استثمارها وجني الأرباح منها، باستغلال الرياضيين الأفارقة أوالمبتدئين، ومشاعر الجمهور… الرياضة، كأي حدث أو فعل، ليست خارج الزمان والمكان، وتخضع للظرف السياسي والإقتصادي محليا وعالميا، وكلما كانت الرهانات والإستثمارات كبيرة، كانت المرابيح المنتظرة كبيرة أيضا.

قد تكون الرياضة أفيون الشعوب، لكن الملاعب الرياضية مكان يسمح فيه للمقموعين بالزفير، في ظل أوضاع عديمة الروح، في عالم لا قلب له… مع الإعتذار لكارل ماركس، إذ حرفت مقولته (عن الدين) بعض الشيء.

لا شك أن ممارسة الرياضة مفيدة للجسم وللعقل: “العقل السليم في الجسم السليم”، لكن هناك رياضات “شعبية” يمكن ممارستها في أي مكان تقريبا (كالعدو وكرة القدم) وأخرى نخبوية تتطلب تجهيزات خاصة باهضة الثمن (كالتنس والغولف)، وأصبحت الرياضات الشعبية والنخبوية، الفردية منها والجماعية، ميدانا للتنافس والإستثمار والربح… تتناول هذه الورقة استعمال الرياضة كمجال استثمار سياسي واقتصادي، وأداة لتخدير الشباب والشعوب، وتغذية الإقليمية والشوفينية والعنصرية والتعصب الأعمى والأنانية والنزعة الفردية (الهداف، البطل، الفائز)، وعسكرة اللغة (الجناح، الهجوم، الدفاع، القذف، التصدي)، كما أصبحت الرياضة موردا للمخابر وشركات الأدوية ومواد التدليك، التي استفادت من بيع المنشطات “المشروعة” وغير المشروعة، ذات التأثير السلبي، تسببت في الموت الفجائي (في الملعب أحيانا) لعدد من الرياضيين، في ريعان الشباب. أما اللجنة الأولمبية الدولية أو الفدرالية الدولية لكرة القدم، فأصبحت مؤسسات احتكارية كبرى، وشركات عابرة للقارات، تميزت بمساندة الرجعيات والأنظمة الدكتاتورية، تنظم وتدير التظاهرات الرياضية بعقلية أصحاب المؤسسات الكبرى، وتدعي أن الرياضة محايدة وفوق كل الخلافات والصراعات السياسية والإجتماعية والإيديولوجية، بل هي “وسيلة تقارب بين الشعوب”، تزول أمامها الفوارق الطبقية والجنسية والأثنية… أما في صفوف مشاهير اللاعبين والمدربين، فهناك من دافع عن الإيديولوجيات الفاشية والعنصرية، بوعي كامل، كما تسعى الحكومات، والعربية منها على وجه الخصوص، للسيطرة على قيادات كل الجمعيات الرياضية وتنصيب رؤسائها وأعضاء مجالس إدارتها، واستعمال المباريات الدولية لتغذية القطرية والشوفينية والعنصرية، وخلق إجماع وهمي أو مصطنع (ضد الشعوب المجاورة)، خاصة أثناء أو إثر الأزمات الإقتصادية والإجتماعية، مثل الحرب التي جرت بين هندوراس وسلفادور، عام 1969، والتعلة كانت مباراة في كرة القدم… كما أصبح الرياضيون، وكذلك الأحباء والمشجعون (في زمن العولمة) لوحة إشهارية متنقلة، وكذلك الملاعب وشاشات القنوات التلفزية التي تقوم بنقل المباريات الرياضية، واستعملت الرياضة أداة للوصول إلى سدة الحكم، شأن رئيس الحكومة الإيطالية الذي يملك فريق “ميلانو أ.س” فخدمه أكثر من القنوات التلفزية الخمس التي يملكها برلسكوني أيضا، واستغل فريق ميلانو في حملاته السياسية والإنتخابية، لاستهواء الشباب ومحبي كرة القدم… أما الجمهور فإنه يقتطع من قوت يومه لشراء تذكرة دخول للملعب أو شراء قميص فريقه أولاعبه المفضل، الذي تزداد ثروته وثروة شركات الأزياء الرياضية المتعاقدة معه، لأن الرياضة نشاط اقتصادي، يخضع للمقاييس والمفاهيم المتعلقة بالربح والخسارة، والإستثمار، وبالتالي رسم أهداف، منها تحقيق رقم معاملات ونسبة نمو، وترويج “منتوجات” جديدة، لزيادة حجم المبيعات ونسبة المرابيح. ويتحول مشجعو الفرق الرياضية إلى مغفلين من طراز رفيع، حيث يدفعون ثمنا باهضا للقميص الذي يحمل دعاية وإشهارا لأكثر من مؤسسة، فيصبح حامل القميص عاملا متطوعا لفائدة عدة شركات عابرة للقارات، ويدفع ثمنا مرتفعا لللوحة الإشهارية التي يحملها بفخر واعتزاز (القميص)، ولا يتبادر إلى ذهنه الطالبة بأجرة، وبدلة مجانية، لقاء هذا العمل الإشهاري وبذلك فهو “متخوزق بمحض إرادته”، ويكبر الإحساس بالنشوة التي تغمره كلما كان الخازوق أكبر…

قد تُستعمل الرياضة كأداة صمود، أو دفاع عن الهوية، وهناك بعض الحالات التي استعمل فيها الرياضيون ساحات الملاعب أو وسائل الإعلام للتعبير عن رفض الظلم أو مساندة قضية عادلة، وهي حالات قليلة، لكن التاريخ سجلها لأصحابها، وبقيت راسخة في أذهان الملايين من مواطني العالم، منها فريق الجزائر لكرة القدم عام 1958، قبل الإستقلال، والعداؤون الأمريكيون السود عام 1968، والملاكم كاسيوس (محمد علي) كلاي… كما احتج عمال افريقيا الجنوبية ضد نسق العمل الذي فرض عليهم، لإتمام بناء الملاعب والطرقات والقرى الرياضية، التي ستحتضن فعاليات كأس العالم لكرة القدم 2010، فأضربوا عدة مرات بمساندة نقاباتهم، مطالبين بتحسين أجورهم وظروف عملهم، وتبعهم موظفو البلديات والمستشفيات وغيرهم، رغم دعوات الحكومة للحصول على “إجماع وطني” و”سلم إجتماعية” في مرحلة التحضير لكأس العالم.

تتناول هذه الورقة الجانب النضالي لبعض الرياضيين، في مناسبات محدودة، كما تتناول بتفاصيل أكثر، الرياضة كمخدر ومتنفس في نفس الوقت للجماهير، وكمصدر ربح وفير للشركات الكبرى والمؤسسات الإعلامية (التلفزيون) ولفئة من الرياضيين المحترفين… كما تحاول دراسة الأجواء المحيطة ببعض الأحداث “الرياضية” الهامة، التي تعكس وضع العلاقات الدولية، والأوضاع الداخلية.

الرياضة والهوية والإنتماء

كثيرا ما تحصل اشتباكات بين مشجعي الفرق الرياضية داخل الملعب أو خارجه، وكثيرا ما يكون الفريقان (في كرة القدم مثلا ) ينتميان لمدينة واحدة، كالأهلي والزمالك في القاهرة، وهناك فرق ينسبها أحباؤها إلى حي معين داخل مدينة، مثل فريقي الترجي الرياضي والنادي الافريقي في تونس، ويبلغ التباين والتنابز والعنف بين أحباء بعض الفرق حد فقدان الأرواح، في عدد من البلدان منها تونس (مباراة بين الترجي الرياضي وفريق أولمبيك باجة)… هذه أمثلة على التقزيم الأقصى لمسألة الإنتماء والهوية، حتى تنحصر في حي ما من مدينة ما… نفس الجمهور يعشق ويتابع بحماس نتائج فرق الدوري الإنغليزي أو الإيطالي أو الأسباني، ويتحمس لفرقها الوطنية… ضاربا عرض الحائط بالحدود الجغرافية واللغوية، ومتناسيا أيضا مشاركة هذه البلدان الثلاثة في احتلال العراق وأفغانستان الخ، بدعوى عدم الخلط بين السياسة والرياضة… والمرجح أن هذا الإهتمام المبالغ فيه بالرياضة ونتائجها، مرده إلى أن الرياضة (كرة القدم خاصة) تكاد تكون المتنفس الوحيد الذي يسمح بالإحتفال ببعض الإنتصارات، في زمن تعددت فيه هزائمنا، كعرب، وحرمنا فيه من التعبير عن الرأي ومن النقد لأوضاعنا، والملعب يكاد يكون المكان الوحيد الذي تتوفر فيه حرية التعبير عن الفرح والغضب، والصياح، والتفوه بالعبارات النابية، ضد الفريق المنافس وضد الحكومة أحيانا الخ.

سخنين” أو الرياضة كمتنفس ضد الكبت والإضطهاد

سخنين، مدينة فلسطينية تقع في الجليل، احتلها الجيش الصهيوني في أكتوبر 1948، يقطنها حاليا حوالي 25 ألف ساكن… انطلقت مظاهرات “يوم الأرض ” في 30 مارس1976 (وقبله) من سخنين، بسبب مصادرة 5000 فدان من الأرض الزراعية للأهالي، بغرض بناء مستعمرة “كرميئيل”… قتلت الشرطة الصهيونية 3 من أبناء سخنين المتظاهرين… أثناء “هبة اكتوبر” عام 2000 لمساندة فلسطينيي الإحتلال الثاني (1967)، واحتجاجا على استفزازات أرييل شارون فقتلت الشرطة 2 من شباب سخنين، من جملة 13 ضحية.

في الموسم الرياضي لكرة القدم2003/2004، فاز “اتحاد أبناء سخنين” بكاس “الدولة” (دولة “اسرائيل”)، بعد انتصاره على فريق “هيوعيل حيفا” بأربعة أهداف لواحد، يوم 18 ماي 2004…عمت الفرحة فلسطينيي الداخل فخرج أكثر من 35 ألف للتعبير عن الفرح، أي أكثر من سكان سخنين كلهم، وأكثر من عدد المتظاهرين في يوم الأرض أوفي هبة أكتوبر، وجاء المتظاهرون من مدن الجليل الأخرى ومن النقب (جنوب) والمثلث، ربما لتناسي قهر المستعمر الصهيوني الذي احتفل قبل 3 أيام بذكرى النكبة، التي يسمونها “عيد الإستقلال”، وكأن المستعمر البريطاني كان يستعمر هؤلاء القادمين من أروبا وأمريكا… تأسس الفريق عام 1991، وكان الفريق “العربي” الوحيد في الدرجة العليا للبطولة (فريق إخاء الناصرة يوجد أيضا هذا الموسم في الدرجة العليا)، وكان ولا يزال يتميز بضعف ميزانيته (حوالي 3 ملايين دولار هذا الموسم أي أقل من عشر1/10 ميزانية الفرق اليهودية في تل أبيب أو القدس أو حيفا) ولم يكن له ملعب قابل لاحتضان هذا النوع من المباريات… تبرع أمير دولة قطر ب6 ملايين دولار لإصلاحه وأصبح يسمى “ملعب الدوحة” فكانت فرصة لتبرز قطر كفاعل خير، لدى أحباء الفريق وفلسطينيي الداخل، وقامت في نفس الوقت بخطوة تطبيعية إضافية، تزامنا مع زيادة عدد القواعد العسكرية المنتصبة على أرض “دولة قطر”، وإمعانا في التطبيع، اختارت القناة المملوكة لحاكم دولة قطر”الجزيرة”، مباراة الفريق الصهيوني “مكابي حيفا” وبايرن مونيخ، لبثها مباشرة من حيفا المحتلة، في إطار بطولة أروبا للفرق، يوم 16 سبتمبر 2009… اعتبر أهالي سخنين ومعهم فلسطينيو الأراضي المحتلة عام 1948، فوز فريقهم ضد فريق يهودي، بمثابة انتصار لهم على مستعمريهم ومضطهديهم، مع أن إحدى مصادر التمويل الرئيسية الحالية للفريق متأتية من عقود الإشهار التي وقعها مع شركة “سالكوم” للهواتف والإتصالات بمبلغ يقارب 1،2 مليون دولار، ولهذه المؤسسة الصهيونية باع في الحملات الإشهارية العنصرية المتهكمة من العرب والفلسطينيين (ككل المؤسسات الصهيونية)، ولكنها تريد في نفس الوقت ربط اسمها بالفريق لاستقطاب زبائن جدد من الأحباء، ومن فلسطينيي 1948… وتأتي البلدية في المرتبة الثانية من حيث التمويل (حوالي 300 ألف دولار) إضافة إلى نصيب الفريق من تمويلات جامعة كرة القدم “الإسرائيلية”، والبقية تأتي من الإشهار وتبرعات الأحباء وذوي المصالح، وكذلك من إعارة بعض اللاعبين الأفارقة والرومانيين، الذين يشتريهم الفريق بثمن زهيد، ويعيرهم أو يبيعهم للفرق اليهودية الأغنى محققا بعض الأرباح… أما عن تركيبة الفريق، فإن المدرب وقائد الفريق يهوديان، واللاعبون يتوزعون كالتالي: 10 لاعبين يهود و 10 لاعبين فلسطينيين و5 أجانب، ولغة التخاطب أثناء التدريب والمباريات هي العبرية، فالمحتل لا يتعلم لغة أهل البلاد، بل يفرض لغته، حتى وإن انتحل صفة التقدمي، أو المناهض للإحتلال (والإحتلال عندهم لا يعني إلا بعض أراضي1967 )… ورغم نعت هذا الفريق بفريق”كل العرب” (أي فلسطينيي 1948 )، فإن الأحباء (وهم من النقب والمثلث والجليل ) يكرهون فريق وأحباء مدينة الناصرة، الذي يتمتع بميزانية أكبر وطاقم فني محترف، ولكنه لم يبرز مثل فريق سخنين، ويتهمون كل من يوجه نقدا ولو منطقيا وموضوعيا لفريق “اتحاد أبناء سخنين”، بأنه من مشجعي وأحباء غريمهم “إخاء الناصرة”، والعكس صحيح… فرقعة الهوية والإنتماء تضيق أو تتسع بحسب الظروف، ومن الثغرات التي ما انفك يستغلها الإحتلال الصهيوني: العشيرة والعائلة والدين والمذهب، وتصنيف الفلسطينيين إلى عرب وبدو ودروز… وغير ذلك لطمس الهوية العربية الفلسطينية للسكان الأصليين، كما يجند أبناء الدروز في الجيش، لمحاولة فصلهم عن بني وطنهم… وتمتلك مدينة سخنين أعلى معدلات الفقر والبطالة بين فلسطينيي الداخل، الذين هم بدورهم أفقر من أبناء اليهود الفلاشا، الذين هاجروا حديثا من أثيوبيا، ويعانون العنصرية، كما كان حال يهود اليمن سابقا، واليهود العرب، الذين هاجرو لفلسطين، بشكل عام… فالفريق إذا فقير ولم يكن له ملعب لائق ولا يمكنه دفع مبالغ كبرى كأجرة ومنح لمدرب ولاعبين محترفين مقتدرين، وما انفك يدفع مبالغ طائلة لوزارة الداخلية مقابل أعداد الشرطة التي تجندها السلطات الصهيونية، كلما لعب الفريق ضد فرق يهودية معروفة بعنف وهمجية وعنصرية مشجعيها مثل بيتار القدس ( التي استعانت بالمدرب الفرنسي لويس فرننديس، مدرب باريس سابقا ولاعب دولي في الفريق الفرنسي) ومع ذلك فهو يتميز عن الفرق اليهودية بثبات المشجعين وعدم الإنفضاض عنه لما نزل للقسم الأسفل، ربما لأنه يمثل رمزا لهويتهم التي أراد الصهاينة طمسها، خلافا لفريق الناصرة الذي لا يرغب في التركيز على العروبة، بل يحاول التركيز على الأخوة المزعومة بين العربي الفلسطيني واليهودي القادم من امريكا أو روسيا، ولا غرابة في ذلك، فمدينة الناصرة مهد الحزب “الشيوعي” “الإسرائيلي”، الذي لا زال يبحث عن “الإخاء العربي اليهودي” والمساواة والديمقراطية، بين أهل البلاد الأصلانيين، ومن جاؤوا لاستعمارهم ومصادرة أرضهم.

الجزائر: الرياضة في مرحلة الإستعمار

كانت فرنسا تعتبر الجزائر جزءا منها، قسمتها إلى ثلاث ولايات (محافظات )، لكن سكان الجزائر الأصليين لا يتمتعون بنفس الحقوق، فلهم مدارسهم (القليلة) الخاصة بهم ولا يشاركون في الإنتخابات ولهم بطاقة هوية خاصة ويمنع عليهم دراسة العربية، باستثناء القرآن الخ…في مجال الرياضة، وكرة القدم على وجه الخصوص، كان تكوين فرق رياضية من قبل السكان الأصليين المحليين يخضع لترخيص من وزارة الحرب، وحاولت السلطات فرض نسبة معينة من الأروبيين داخلها (ولم تفعل ذلك مع فرق الأروبيين واليهود)، ورغم هذه العراقيل فقد تكونت، ما بين 1921 و1926، في المدن الكبرى الثلاثة (الجزائر ووهران وقسنطينة) فرق اختارت لنفسها من الأسماء والألوان ما يزعج السلط الإستعمارية، كما تكونت في منطقة وهران منذ عام 1913 فرق لليهود (بدون أغيار ) تقوم بالدعاية للصهيونية، قبل وعد بلفور، وكانت متسببة في عديد الحوادث ذات الصبغة العنصرية، ضد الجزائريين “المسلمين”، دون حصول أي تتبع أو إنذار أو لفت نظر… أما الكاتب “ألبير كامو”، صاحب جائزة نوبل للآداب، فقد كان يقطن حي بلكور في الجزائر ولكنه اختار اللعب في فريق غلاة الإستعمار “راسينغ جامعة الجزائر” وبرر ذلك لاحقا بأنه كان يفضل اللعب في فريق عتيد وذي شهرة،على اللعب في فريق بلكور، الذي كان فوق المتوسط… رغم العراقيل تمكن “حزب الشعب الجزائري” (شيوعي ) من التواجد بكثافة في مجلس إدارة بعض الفرق مثل “الهلال الرياضي”، والقيام بتعبئة الجمهور على أسس وطنية… بين عامي 1930 و1936، عرقلت سلطات الإستعمار عديد الفرق الرياضية الجزائرية بسبب عدم قدرة الشرطة على مراقبة الشباب الجزائري الذي كان يهتف بشعارات وطنية أثناء المباريات ضد الفرق الإستعمارية، ولم تحرك السلطات ساكنا إزاء فريق مكون من إيطاليين، يحيي لاعبوه الجمهور بالتحية الفاشية أثناء دخوله الملعب وخروجه منه أوعند تسجيل الأهداف…وصل الأمر بالشرطة الفرنسية إلى اعتقال أطفال من أبناء المتفرجين الجزائريين، تتراوح أعمارهم بين 12 و15 سنة، وحوكموا وسجنوا بتهمة “الإخلال بالنظام العام” داخل الملاعب… لم تنفع الإجراءات القمعية ضد الفرق الجزائرية، ففي عام 1945، كان أحباء فريق مدينة “عين تيموشانت” (غرب الجزائر ) ينشدون أناشيد ثورية تدعو للإستقلال، مثل نشيد “من جبالنا”… اندلعت الثورة المسلحة في الأول من نوفمبرعام 1954، فجندت فرنسا كل ما لديها من قوة لمحاربة الثوار (بعد هزيمتها في “ديان ديان فو” بالفيتنام في أيار1954)، خصوصا بداية من 1956- سنة العدوان الثلاثي على مصر- وفي عام 1958، استنبط الجيش الفرنسي طرقا قمعية عسكرية جديدة لاستئصال الثورة من المدن، ومن الجزائر العاصمة بالذات، وأصبحت هذه الممارسات تدرس في مختلف بلدان العالم، التي بها حرب عصابات أو حركات مقاومة شعبية، ويصور شريط “معركة الجزائر” (للمخرج بونتي كورفو) التحقيقات العنيفة والتعذيب والإغتيالات، والإيقافات بالجملة ومحاصرة المدن ومنع التجول الخ… صدر الجيش الفرنسي أساليبه القمعية إلى دكتاتوريات أمريكا الجنوبية والوسطى وآسيا الخ.

كرة القدم: جبهة مفتوحة من أجل الإستقلال

في منتصف أبريل/نيسان من عام 1958، أي قبل شهرين من مباريات المرحلة النهائية لكأس العالم لكرة القدم بالسويد، التي ترشح لها الفريق الفرنسي، غادر 31 لاعبا جزائريا التراب الفرنسي خلسة، ومنهم من كان ضمن القائمة الرسمية للفريق (بما أن الجزائريين فرنسيون بالقوة). التقى الجميع في سويسرا وإيطاليا، ومن ثم رحلوا إلى تونس، لتشكيل الفريق الوطني الجزائري الذي مثل الحكومة الثورية المؤقتة وجبهة التحرير الوطني من 1958 إلى غاية استقلال البلاد عام 1962، ولعب 91 مباراة في أروبا الشرقية وآسيا والبلدان العربية ففاز في 65 مباراة وتعادل في 13 وخسر 13، وسجل 385 هدفا مقابل 127، أي أن الفريق كان قويا، ومثل الجزائر المناضلة من أجل الإستقلال على أحسن وجه، رغم العراقيل وتهديدات الجامعة الدولية لكرة القدم، التي رفضت الإعتراف به واعتبرت رفع العلم الجزائري انتهاكا “للشرعية الدولية “… ومن النوادر التي يذكرها “رشيد مخلوفي” أن الفريق كان في بلغراد عام 1961 لملاقاة نظيره اليوغسلافي، وأبلغهم “المفوض السياسي” محمد علام، الذي كان يرافق الفريق دائما، أن السفير الفرنسي موجود بالمدارج، فاستماتوا ليبينوا له أن الجزائريين أناس جديون في كل الميادين، وانتصروا بنتيجة ستة أهداف لواحد… كان معدل العمر لهؤلاء الشبان لا يتجاوز 22 سنة، لكنهم كانوا مقتنعين بعدالة قضيتهم وبحتمية الإنتصار (نتيجة التأطير السياسي الذي لاقوه) إضافة إلى التزام جبهة التحرير الوطني بتأمين أجورهم التي كانوا يتقاضونها في فرقهم الفرنسية وتحمل كراء مساكنهم في تونس، وتوفير إطار كفء لتدريبهم والإحاطة بهم، لذا فلم يكونوا خاسرين من الناحية المادية.

على المستوى الرياضي، كان عام 1958 عام كأس العالم لكرة القدم في السويد، وكانت فرنسا تعول على 10 من الرياضيين الجزائريين الشبان الذين انتقلوا سرا إلى تونس، وصاروا يحيون العلم الجزائري عوضا عن العلم الفرنسي. أما أثناء مباريات كأس العالم، فقد برز لاعبون أصبح لهم شأن كبير في عالم كرة القدم، مثل الهداف الفرنسي “جوست قونتان” الذي سجل 13 هدفا أثناء الدورة، وهو رقم قياسي لم يحطم بعد، كما برز حارس المرمى السوفياتي العملاق”ليف ياشين” الذي لم يعرف عالم كرة القدم حارسا يضاهيه. أما فريق البرازيل فكان بدون منازع أحسن الفرق، وهو الذي فاز بالكأس بعد انتصاره على السويد (البلد المضيف ) يوم 29/06/1958، وبرز لاعبوه العظماء بيلي (ذو 17 سنة فقط ) وغارينشا وفافا وزاغالو… وكانت أول تظاهرة رياضية عالمية تبثها تلفزيونات العالم مباشرة، فشاهد العالم هذا الفريق الذي جمع بين اللعب الجميل والتهديف، أي بين الفرجة والجدوى.

على الصعيد السياسي، كان اجتماع باندونغ (1955) حاضرا في الأذهان، وكان لحركة عدم الإنحياز وزنها على الساحة الدولية، فرفضت الفرق الرياضية الآسيوية والافريقية التباري مع فريق الكيان الصهيوني وقاطعته، ومن يومها وقع إلحاقه بالبطولات الأروبية، أي تمت إعادة المستعمرين إلى أصولهم الأروبية، كما فرضت إقصاء رياضيي جنوب افريقيا… في لبنان، ولتصفية خلافات سياسية داخلية، دعى الرئيس اليميني، المنتهية ولايته “كميل شمعون”، الجيش الأمريكي للتدخل المباشر لقمع خصومه السياسيين الذين تظاهروا واعتصموا، احتجاجا على مناورات اليمين، بزعامة حزب الكتائب (حليف شمعون )، وعدم اعترافه بفوز الجنرال فؤاد شهاب، المتهم بالتقارب مع مصر وسوريا (ما أشبه اليوم بالبارحة )… أرسلت أمريكا 15000 من قوات “المارينز” الذين احتلوا لبنان، وجندت الأسطول السادس، لمحاصرة لبنان ومنطقة المشرق العربي، التي شهدت أحداثا أخرى أزعجت أمريكا ومن معها: إعلان الوحدة بين مصر وسوريا (الجمهورية العربية المتحدة )، بعد عامين من العدوان الثلاثي على مصر، نهوض القوى التقدمية في الأردن منذ 1956… والضربة الأكبر جاءت من ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 في العراق، حيث تم إعلان الجمهورية وإسقاط الملكية وخادمها “نوري السعيد”، وسقط معها “حلف بغداد”، النسخة الأصلية لمشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي أعادت أحياءه الإمبريالية الأمريكية… جسد عام 1958 تبديل أمريكا لفرنسا، كإمبريالية حامية للقوى الرجعية في لبنان، كما أصبحت أمريكا - بالنتيجة- أكثرتقاربا مع الكيان الصهيوني، الذي ما انفك يعزز دوره الوظيفي في منظومة الرأسمالية المعولمة والإمبريالية…

هذه العوامل الموضوعية، إضافة إلى الوازع الوطني وإرادة التحرر، والتجربة الطويلة لعمل الفرق الرياضية الجزائرية داخل أوساط الشباب، والترويج لأهداف تتجاوز المجال الرياضي، جعلت تكوين الفريق الجزائري ممكنا، واحتضنه الجمهور التونسي، بعد أقل من شهرين من افتراف الطيران الفرنسي لمجزرة قرية “ساقية سيدي يوسف” الحدودية (يوم 08/02/1958 )،التي لا زالت قرية مشتركة، جزائرية تونسية، يؤم أبناؤها نفس المؤسسات ويتمتعون بنفس الخدمات…وكان اللعب الجميل والنتائج الرياضية الباهرة للفريق الجزائري عاملا إضافيا جعله محبوبا ومهابا.

الألعاب الأولمبية في المكسيك عام 1968 وقضية الأمريكيين السود

قبل افتتاح الألعاب الأولمبية التاسعة عشر بمكسيكو بعشرة أيام، فتح الجيش المكسيكي النار على الطلبة المتظاهرين، لمساندة الإضرابات العمالية، فسقط ما بين 200 و300 قتيل ولم تتناول وكالات الأنباء هذا الخبر إلا لماما، مركزة الحديث عن تحضيرات الألعاب الأولمبية التي بدأت يوم 12 أكتوبر 1968.

جرى سباق 200 متر يوم 16/10/1968 وفاز تومي سميث بالميدالبة الذهبية والأسترالي بتر نورمان بالميدالية الفضية وجون كارلوس بالميدالية البرنزية… اتفق الفائز الأول والثالث، وهما زنجيان أمريكيان، على استغلال فرصة البث التلفزي (حوالي نصف مليار متفرج في العالم ) للتعبيرعن تضامنهم مع إخوانهم الذين يناضلون من أجل المساواة في الحقوق وضد التمييز العنصري في أمريكا، فيما سمي بالحركة من أجل الحقوق المدنية… على منصة التتويج، أثناء رفع العلم الأمريكي وعزف النشيد الرسمي، كان تومي سميث وجون كارلوس يوجهان بصرهما نحو الأرض، إجلالا لمن قتل من السود، ورفعا قبضتيهما المغلفتين بقفازأسود، تعبيرا عن قوة السود حين يناضلون جماعة من أجل حقوقهم، كما خلعا أحذيتهما وبقيا حافيين، تعبيرا عن الفقر المدقع الذي يعانيه زنوج أمريكا… أما الأسترالي بيتر نورمان فقد خفض بصره هو الآخر ووشح صدره بميدالية “المشروع الأولمبي من أجل حقوق الإنسان”، تعبيرا عن تضامنه معهما، إنسانيا وسياسيا وربما طبقيا، فالفائزون الثلاثة ينحدرون من أصول عمالية… بعد يومين فاز بالميدالية الذهبية والفضية والبرونزية، في سباق 400 متر، ثلاث زنوج أمريكيين: لي إيفانس، ولاري جيمس، ورون فريمان، وعلى منصة التتويج رفع الثلاثة قبضاتهم، وعلى رؤوسهم قبعات حركة “الفهود السود” للزنوج الأمريكيين، غير عابئين بالتهديدات والعقوبات التي سلطت على تومي سميث وجون كارلوس… كما رفض جيم هينس الفائز بالميدالية الذهبية لسباق 100 متر ب9ثواني و95 عشرا وزميله الفائز بالميدالية البرنزية شارلي غرين، مصافحة رئيس اللجنة الأولمبية الدولية، الأمريكي آفيري برونداج، المعروف بمواقفه العنصرية المعلنة والذي أعلن مساندته لهتلر أثناء تنظيم الألعاب الأولمبية ببرلين عام 1936، وهو الذي طالب اللجنة الأولمبية الأمريكية بطرد سميث وكارلوس من المدينة الأولمبية وترحيلهما فورا إلى أمريكا… تهاطلت الشتائم والحملات الصحفية ضد هؤلاء الرياضيين الذين عبروا، بشكل سلمي وهادئ، عن رفضهم التمييز العنصري المسلط ضدهم في بلادهم، ووضع القائمون على الرياضة حدا لحياتهم الرياضية، ولم يتجاوزوا بعد 24 سنة. أما الأسترالي بيتر نورمان، فإن حياته كمدرس للرياضة تحولت إلى جحيم وأطرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، ورفضت اللجنة الأولمبية الأسترالية (لأسباب سياسية بحتة) مشاركته في اولمبياد مونيخ 1972 رغم نتائجه الرياضية التي تسمح له بذلك وزيادة… توفي نورمان يوم 3 أكتوبر 2006، ووقع تأبينه بحضور سميث وكارلوس، في نفس القاعة التي ألقى فيها نورمان خطاب مساندة من المدرسين لعمال الموانئ المضربين، لما كان ناطقا نقابيا باسم زملائه، طيلة 20 سنة… أما الرياضي الأسود الوحيد الذي شذ عن القاعدة، أثناء أولمبياد مكسيكو 1968، فهو الملاكم جورج فورمان، الفائز بميدالية ذهبية في الملاكمة، فرفع علما أمريكيا صغيرا يلوح به في يده، وقام بتصريحات لاحقة يتهم فيها حركة الإحتجاج بالخيانة، ووقع استعماله طيلة حياته، ضد التقدميين الزنوج (سيأتي الحديث عنه لاحقا في فقرة أخرى)…وبذلك أصبح فورمان وبيليه (إدسون أرانتس دو ناسيمنتو) وأوزيبيو (لاعب كرة قدم برتغالي من أصل موزمبيقي) من الرياضيين الزنوج القلائل الذين أنكروا وجود العنصرية، وتمسحوا بأعتاب السلطة، من أجل مصالحهم المادية (الحكم العسكري في البرازيل منذ 1964،والفاشية الإستعمارية في البرتغال في عهد سالازار وكايتانو، حتى 1975). لقد نجح الرياضيون الزنوج الأمريكيون في لفت أنظار العالم لما يحصل في أمريكا من قمع واضطهاد وتفرقة، واستطاعوا مزج هذا الحدث الرياضي بالحدث السياسي، وأصبحت صورتهم، رافعين قبضاتهم، على الصفحات الأولى لصحف العالم، إضافة إلى نصف مليار من مشاهدي الشاشة الصغيرة، ومئات الملايين من مستمعي المذياع.

المناخ الذي جرت فيه اولمبياد مكسيكو 1968

على الصعيد الأروبي وعدد آخر من بلدان العالم، حصلت حركة شبابية واسعة واحتجاجات عمالية، طالت حتى أمريكا وأستراليا، وجوبهت هذه الحركات بقمع شديد، لكن الحكومات اضطرت إلى بعض التنازلات… في الصين كانت الثورة الثقافية في أوجها، وأثارت عددا من النقاشات ذات الأهمية حول الطبقات وأساليب الحكم وتوزيع الثروات والعلاقة بين الحزب والسلطة الخ، وقد أثرت أيما تأثير على شباب العالم، وعديد الحركات والأحزاب السياسية… قبل 6 أشهر من الأولمبياد، تم اغتيال القس “مارتن لوثر كينغ “، الداعي إلى المطالبة بالحقوق المدنية للزنوج، بشكل سلمي، مستعملا مكانته الدينية وقدراته الخطابية للتأثير على اتباعه، في أمريكا وخارجها، ولم تشفع له دعوته لنبذ العنف فاغتيل في أبريل 1968، وكانت أمريكا غارقة في حربها العدوانية ضد فيتنام، وتلقي طائراتها الضخمة (فانتوم وب 52 ) يوميا، آلاف الأطنان من القنابل المدمرة والحارقة (نابالم)، في عهد الرئيس الديمقراطي” ليندون جونسون”. وقبل مارتن لوثر كينغ، اغتيل مالكوم أيكس (عام 1964 )، الذي لم يكن متفقا معه في الطرق والأساليب والأهداف، كما اختلف كثير من الشباب مع القس لوثر كينغ، فأسسوا حركة “بلاك بانتير” (الفهود السود) عام 1966، في نفس السنة التي أعلن فيه الملاكم كاسيوس كلاي (محمد علي )- الفائزبالميدالية الذهبية للملاكمة في أولمبياد 1960 - رفضه آداء الخدمة العسكرية والذهاب لمحاربة الفيتناميين، قائلا: ليس لي أي عداء معهم، ولم يشتمني أي فيتنامي أو ينعتني بالعبد الأسود القذر، مثلما يفعل ذلك معي البيض الأمريكيون… جرد كلاي من لقبه، وحكم عليه بالسجن 5 سنوات وبغرامة مالية باهضة، ولم يسترجع حقوقه إلا عام 1971، بعد معاناة مالية ونفسية قاسية، ثم استرجع لقبه بعد أن انتقم من “جورج فورمان” (ذلك الذي نعت أسياده المناضلين بالخونة)، في كنشاسا عام 1974، في مقابلة شهيرة بثتها تلفزات العالم… في عام 1967، أسس بعض الرياضيين السود في أمريكا “المشروع الأولمبي لحقوق الإنسان” (أولمبيك بروجكت فور هيومن رايتس)، بمبادرة من “هاري إدواردس “، رياضي سابق في ألعاب القوى ومدرس سوسيولوجيا في جامعة “سبيد سيتي ” بكاليفورنيا، حيث كان يدرس كارلوس وسميث وغيرهم من الرياضيين السود، الذين لا يتمتعون بنفس حقوق الطلبة البيض، ولا بنفس الدروس ولا بنفس الحقوق والإمتيازات كطلبة وكرياضيين… وقد كان العدّاء الأسترالي بيتر نورمان الذي تضامن معهما، متعاطفا مع هذه المنظمة.

قبل الألعاب الأولمبية، قررت اللجنة الأولمبية الدولية إعادة قبول جمهورية جنوب افريقيا (التي كانت تحت نظام الميز العنصري المقنن )، بعد طردها عام 1964، فأعلنت 32 دولة افريقية مقاطعتها لألعاب مكسيكو لو شاركت جنوب افريقيا وأعلن الرياضيون الأمريكيون السود نفس الموقف، فتراجعت اللجنة الأولمبية الدولية (التي يقودها اليميني العنصري الأمريكي “آفري برونداج “)، ولم تقع دعوة جنوب افريقيا، بهدف إنقاد الأولمبياد وسمعة اللجنة الدواية.

دفع هؤلاء الرياضيون غاليا ثمن مواقفهم، ومبدئيتهم، فرغم تحقيق العدائين الأمريكيين أرقاما قياسية، لم يستفيدوا من أي امتياز، بل حرموا حتى من حقوقهم العادية، كالمنح والعلاوات والترقيات في الوظيفة… غير أن العالم شهد لهم بشجاعتهم النادرة، واحترمهم العدو قبل الصديق، لثباتهم على مبادئهم.

لقاح انفلونزا الخنازير حفلة ضخمة من أجل خمسين ملياراً

28 سبتمبر 2009

د. ثائر دوري

تشبه التصريحات الصادرة عن مسؤولي منظمة الصحة العالمية قول الشاعر الفرنسي أراغون “قسمت ثمرة حياتي قسمين توأمين، كما يتشابه الصمت والصوت لدى الأصمَ، فخذ الحكمة أو اختر الجنون”.

الحكمة والجنون يسيران معاً في كل إعلانات الصادرة عن المنظمة منذ اندلاع أزمة الوباء المزعوم المسمى أنفلونزا الخنازير، حيث لعبت المنظمة دور حمالة الحطب كي تبقى نيران هذا الوباء المزعوم، التي أضرمتها شركات الاحتكارات الدوائية العلمية، مشتعلة. وآخر إعلانات هذه المنظمة كان بتاريخ الجمعة 25 ايلول / سبتمبر يقول “… أن القدرة الإنتاجية لشركات الأدوية العالمية من لقاح أنفلونزا الخنازير لن تتجاوز ثلاثة مليارات جرعة سنوياً، وهو أقل بكثير مما كان متوقعاً، حيث كان من المفترض أن يتم إنتاج خمسة مليارات جرعة لقاح سنوياً،إلا أن المنظمة أكدت أن الأمر الذي يدعو للتفاؤل هو أن الفيروس إلى الآن يبدو معتدلاً وأن الكثير من الأشخاص الذين أصيبوا به قد تماثلوا للشفاء بسرعة، الأمر الذي يشير بحسب المنظمة إلى أن الكثيرين يمكنهم مقاومة هذا الفيروس من دون الحاجة الى لقاح” (وكالات ).

فالجنون هو في القسم الأول من الخبر، وهو الرغبة بإنتاج خمس أو ست مليارات جرعة لتلقيح كل أفراد البشرية. هذا هو الجنون بعينه فمن المعلوم أن المدة التي يتوجب انجاز هذا التلقيح خلالها يجب أن تكون قصيرة ولا تتجاوز الشهر العاشر وذلك قبل حلول الشتاء، فبعد ذلك تكون الإنفلونزا قد انتشرت ولم يعد هناك فائدة من التلقيح، لكن من يقدر على انجاز عملية هائلة كهذه في مدة قصيرة في ظروف مناخية مختلفة، وتضاريس مختلفة مع وجود ملايين البشر الذين يعيشون في أماكن نزاعات عسكرية، وملايين أخرى في مخيمات لاجئين، وملايين ثلاثة بالكاد يحصلون على قوتهم اليومي ويعيشون في مجاعة أو على حافة المجاعة؟ الجواب لا أحد، ثم من أين لنا بالكادر الطبي القادر على إنجاز هذه العملية، خاصة إذا علمنا أن حملة أبسط مثل التطعيم ضد الجدري أو شلل الأطفال، وهي لشريحة عمرية ضيقة محددة هي الأطفال، استغرق انجازها عقوداً حتى اكتمل تطعيم كل أطفال العالم، وأُعلن العالم خالياً من الجدري، في حين فشل الأمر حتى الآن بالنسبة لشلل الأطفال فبقي موجوداً رغم كل حملات التلقيح. ويزداد الجنون في القسم الأول حين تقرأ الحكمة في القسم الثاني من التصريح الذي يقول إن المرض بسيط فالفيروس معتدل وأن الأشخاص يمكنهم مقاومته دون الحاجة إلى لقاح.

لم إذاً اللقاح؟ خاصة أن الشتاء الذي تخشى منظمة الصحة العالمية من انتشار الفيروس فيه قد مر في نصف الكرة الجنوبي بدون مشاكل، لا بل إن أستراليا في 17 تموز (ذروة الشتاء) أوقفت كل الاختبارات الخاصة بهذا المرض، كما أوقفت إجراءات الوقاية على الحدود وفككت أجهزة المراقبة في المطارات، وأعلن أكبر مسؤول عن القطاع الصحي هناك أن كل ما يجري حول هذا المرض قرقعة إعلامية سخيفة ( وكالات ). فلم اللقاح؟

الجواب بسيط ويفسر نوبات الجنون، والتنبؤات القيامية عن هلاك مليار أو مليارين من البشر، كما يفسر سبب رفع منظمة الصحة العالمية درجة الخطر إلى السادسة رغم رفض كثير من الدول لهذا الأمر. الجواب هو ذاك الذي يربط اللقاح بتجارة حجمها.. احبسوا أنفاسكم خمسين ملياراً من الدولارات كل عام. وأنت لا تحتاج إلى آلة حسابية فالحساب بسيط، فثمن الجرعة الواحدة من اللقاح عشر دولارات، ومنظمة الصحة العالمية تطالب بخمس مليارات جرعة، فالثمن خمسون ملياراً وسنوياً لأن الفيروس متبدل وينتج عنه ذراري جديدة كل عام، وبالتالي فلقاح العام لن ينفعك في العام القادم وأحياناً لن ينفعك بعد ستة أشهر، وستذهب هذه المبالغ الهائلة إلى شركات الدواء الكبرى التي أعلنت منظمة الصحة العالمية شراكة معها منذ أوسط التسعينات. نعم خمسون ملياراً، انتبهوا فأنتم تتحدثون عن نقود حقيقية، فمن أجل مبالغ أقل بكثير تسيل أنهار من الدماء، فلم لا تصطنع منظمة الصحة العالمية الجنون من أجل هذا المبلغ!

ويضاف إلى الجنون جريمة الصمت. الصمت عن الأخطار الصحية التي يشكلها هذا اللقاح، ومن أجل هذه الأخطار ارتفع صوت كثير من المنظمات والأطباء في الغرب مطالبين بوقف كارثة هذا اللقاح، الذي أطلق عليه أحد الأطباء الأمريكان “يشفي المرض و يقتل المريض” فهذا اللقاح الذي أنتجته عدة شركات، وسيبدأ استخدامه في تطعيم أطفال المدارس رغم معارضة أكثر من نصف أهالي الطلبة، كما كشف أحدث استطلاع للرأي أجراه مستشفى (موت) للأطفال بالتعاون مع جامعة ميتشيغن إذ أجرى مسحاً وطنياً شمل 1678 والدا في آب/ أغسطس الماضي، ونشرته صحيفة القدس العربي في 25 -9، وأشار “أن 56% من الأهل الذين رفضوا تلقيح أولادهم إلى أنهم يخافون من آثار اللقاح الجانبية، بينما أفاد 46% منهم أنهم غير قلقين من أن يصاب أولادهم بالمرض” هذا اللقاح يحتوي مادة التيمروزال thimerosaL وهي مادة قاتلة للفطور والجراثيم اكتشفت في الثلاثينات من القرن المنصرم، وهي تُضاف إلى اللقاحات لحفظها من التلوث بالفطور والجراثيم، لكن المشكلة أن نصف وزنها الجاف يتكون من أملاح الزئبق التي هي مواد سامة للجهاز العصبي، كما تتراكم في الجهاز العصبي والقلب والكلية، ويتأثر بها الأطفال أكثر من الكبار، ويُشك على نطاق علمي واسع أن هذه المادة هي سبب إصابة الأطفال بمرض التوحد مما دعا الإتحاد الأوربي وأمريكا منذ أواخر التسعينيات إلى منع تلقيح الأطفال تحت عمر ست سنوات باللقاحات الحاوية على هذه المادة، فأمنت شركات الأدوية للأغنياء الأوربيين والأمريكان الشماليين لقاحات لا تحتويها، لكن منظمة الصحة العالمية أوصت باستمرار التلقيح باللقاحات الحاوية على التيمروزال لرخص سعرها، فقط في العالم الثالث، فأطفال العالم الغني الآن لا يتعرضون للزئبق ومخاطره أما أطفال العالم الثالث فليذهبوا إلى الجحيم، وهذا التصرف ليس بمستغرب من منظمة لم تعترف حتى اليوم أن اليورانيوم المنضب الذي استخدمته الولايات المتحدة في عدوانها على العراق مرتين في عامي 1991و 2003، وعلى يوغسلافيا عام 1999 م يشكل خطراً على الصحة العامة، ولم تربطه بزيادة تشوهات الأطفال وزيادة نسبة حدوث السرطانات وقصور وظائف الأعضاء المختلفة في البلدين رغم نداءات المختصين بهذا المجال، والبحوث العلمية الرصينة التي لم تترك شكاً حول الأمر، ورغم أن المحاكم البريطانية فعلت وبدأت تصدر أحكاماً بهذا الشأن “في العاشر من أيلول عام 2009 قررت هيئة المحلفين الخاصة بالتحقيق في أسباب الوفيات في منطقة مدلاندز الغربية في بريطانيا أن اليورانيوم المنضب قد سبب السرطان القاتل للجندي البريطاني ستيوارت دايسون الذي خدم ضمن قوات العدوان على العراق في عام 1991.. كما قررت هيئة المحلفين أن تعرض الجندي المتوفى دايسون لليورانيوم المنضب هو الذي أدى إلى وفاته. وبموجب هذا القرار كسبت عائلة الجندي حقها في التعويضات من وزارة الدفاع البريطانية”. هزيمة اليورانيوم المنضب أمام المحاكم البريطانية - د. هيثم الشيباني - شبكة البصرة.

مشاكل اللقاح تبدأ بهذه المادة لكنها لا تنتهي بها، فهناك مادة السكوالين المضافة له، وهي من الحموض الدسمة غير المشبعة، وتوجد في زيت الزيتون أساساً، وتدخل في تركيب الأعصاب والدماغ، كما أنها مادة وسيطة لتصنيع الهرمونات الجنسية عند كل من الذكر والأنثى، ويقول كثير من الخبراء إن إدخال هذه المادة عبر الجلد سيحفز جهاز المناعة ضدها ويجعلها تبدو كمادة غريبة وبالتالي فإن الجسم سيبدأ بعد حين بمهاجمة السكوالين الطبيعي الموجود في دماغه وأعصابه لينتج عن ذلك ما يسمى بأمراض المناعة الذاتية حيث يدمر الجسم خلاياه الطبيعية. ويشير كثير من الخبراء أن هذه المادة سببت ما يسمى “بتناذر حرب الخليج” الذي ظهر عند الجنود الأمريكان المشاركين في العدوان على العراق عام 1991، وأنا أعده نوع من لعنة العراق التي ستطارد إلى الأبد كل من يد آثمة ألحقت الأذى بهذا البلد. يقول الخبراء إن هذا التناذر الغامض يعزى إلى وجود هذه المادة “السكوالين” في لقاحات الجمرة الخبيثة التي لُقح به الجنود في ذلك الوقت.

كما أن تجربة تلقيح حدثت ضد انفلونزا الخنازير عام 1976م في أمريكا أدت إلى عدة مئات من الدعاوي القضائية ضد أضراره، و 1.3مليار دولار من التعويضات دفعتها شركات الأدوية للمتضررين. وخلاصة الأمر أن شخصاً واحداً مات بسبب تلك الإنفلونزا عام 1976، وبالمقابل مات 25 شخصاً بسبب اللقاح قبل إيقافه، كما أصيب عدة مئات من الأشخاص الأصحاء بمتلازمة غيلان باريه، وهي نوع من الشلل في الأطراف قد يكون مميتاً وقد يتحسن وقد لا يتحسن.

والجنون الأكبر هو استخدام لقاح لم يمر بمراحل الاختبارات المعروفة لأي دواء من الاختبار على حيوانات التجربة إلى الاختبار على عينة من المتطوعين، قبل تعميمه على نطاق واسع، فقد تذرعت شركات الدواء بضيق الوقت لعدم إجراء هذه الاختبارات، وبالتالي فإن البشر الذين سيتلقون اللقاح هم من سيكونون فئران التجارب، وعلى مسؤولية البشر، لأن شركات الدواء باتت منذ الثمانينيات محمية من الملاحقة القضائية تجاه الأضرار التي تسببها اللقاحات، فالأشخاص المتضررون من اللقاح عام 1976 قبضوا تعويضات، أما اليوم فلا تعويضات، وزيادة في الحيطة من قبل شركات الدواء المنتجة لهذا اللقاح، والتي يُقال أنها أنتجته على خلايا الكبد بدلاً من البيض كما هو معتاد في لقاحات الإنفلونزا السابقة ولا يعرف ما سيترتب على هذا التغيير، وهل هو أسوا أم أحسن. تبيع هذه الشركات اللقاح مع تعهد من السلطات الصحية المشترية بإعفائها من أي ملاحقة قضائية ضد ما سيتركه من أضرار على البشر. والتقطت السلطات الصحية بدورها هذا الأمر، فالسلطات المصرية ستلقح الحجاج هذا العام إجبارياً ضد إنفلونزا الخنازير، لكن سيتعهد كل حاج أن ذلك تم على مسؤوليته الخاصة!

حين يبدأ الحديث عن النقود تختفي الحكمة، الحكمة التي ما زال يتحلى بها الكثيرون لكن أصواتهم تضيع، أو تتشابه مع الصمت كما عند الأصم، و من هؤلاء الذين ما زالوا يتمتعون بالحكمة المفكر السويسري جان زيغلر الذي لخص الأمر برمته بالقول:

“أن إنفلونزا الخنازير تستغل على حساب فقراء العالم، وأنه بينما يستنفر الإعلام من أجل 45 شخصا توفوا بالفيروس خلال الأسابيع الأولى منه فإن مائة ألف شخص يموتون يومياً من الجوع وتداعياته المباشرة”.

وقال أنه من “التبجح” أن يظهر مسؤول من منظمة الصحة العالمية أمام وسائل الإعلام المختلفة قائلا إن فيروس إتش 1 إن 1 يهدد ملياري إنسان، مشيراً إلى أن مسؤولي المنظمة يتعاملون “بشكل غير مسؤول” مع التصريحات حول خطورة الفيروس.

وأضاف إنه لا ينكر أن منظمة الصحة العالمية ملزمة بمراقبة الصحة العالمية” ولكن عليها ألا تبالغ في تصوير الأشياء”، وأن تعطي كل حدث قدره الضروري من الاهتمام وألا تدخل الخوف في قلوب الناس لأنها تعرف أكثر مما يعرفه الناس من حقائق عن المرض.

وتابع أن نحو 953 مليون إنسان يعانون بشكل دائم من نقص التغذية، كما أن العالم يشهد وفاة طفل تحت سن عشر سنوات كل خمس ثوان، مضيفا “نحن نقبل ذلك وكأنه أمر طبيعي للغاية”.
وأكد أنه “ليست هناك مؤتمرات صحافية عن هؤلاء الناس ولا استنفار دولي من أجلهم، في حين أن منظمة الصحة تدعو وسائل الإعلام يوميا لمقرها الرئيسي في جنيف لإطلاعها على آخر المستجدات الخاصة بإنفلونزا الخنازير”. وقال زيجلر “عندما يتعلق الأمر بالكبار فإن الضمير العالمي يهتز، إن هذا يدل على العمى الذي أصابنا وعلى برودة عواطفنا المتدنية للغاية وتهكمنا من الواقع”.

كما يرى البروفيسور السويسري أنه من المثير للدهشة أن يتم توجيه الإعلام في التعامل مع أزمة الخنازير، وقال إنه لن يستغرب لو تبين فيما بعد أن شركات الأدوية الكبرى هي الممسكة بدفة هذا التوجيه الإعلامي في ضوء الركود الذي أصابها جراء الأزمة المالية والاقتصادية العالمية. وأضاف أن إنفلونزا الطيور عادت على شركات الأدوية العملاقة بالمليارات من بيع الأدوية بعد أن كانت “تكدس” براءات الاختراع التي تمتلكها”.

لكن في حالة الصمم يتساوى الصمت مع الكلام. ومن الذين أصيبوا بالصمم السلطات الصحية العربية التي تضيع وقتاً، وجهداً، ومالاً على مكافحة مرض بسيط كالكريب، فتعطل المدارس، وتوزع الكمامات، وتخزن الأدوية مبددة ميزانيتها الهشة أصلاً كحال مصر التي اشترت دواء التامفلو بمائة مليون دولار، وكذلك فعل المغرب، وأغنياء العرب في الخليج لم يقصروا فقد صرفوا مئات الملايين على الأمر، و كان من الأجدى أن تصرف هذه الأموال على حملات استئصال التهاب الكبد، أو على البلهارسيا، أو على مكافحة الحمى الرثوية التي تفتك بقلوب ملايين الأطفال العرب ولا يتطلب استئصالها إلا جرعة بنسلين ثمنها لا يتجاوز عدة سنتات. وهذه الدول تستعد الآن لدفع ثمن لقاحات لتجربها على شعوبها.

الأمر الوحيد الذي يدعو للتفاؤل وسط كرنفال الجنون ويدعونا للتمسك بعقلنا على عكس ما توصي به الحكمة الشعبية العربية ” إن أهلك جنوا عقلك ما يفيدك “هذا هو يقظة العقل لدى شرائح واسعة من الناس ليسوا في مواقع القرار الآن لكنهم سيكونون كذلك ذات يوم، وهؤلاء باتوا يدركون أن منظمة الصحة العالمية يديرها لوبي خفي من شركات الدواء الكبيرة، ويدركون أن السلطات الصحية محلية ودولية تعبث بصحتهم فهم عندما يقارنون بين الضجة حول انفلونزا عادية وصمت القبور عن المشاكل الصحية الكبرى التي يعاني منها العالم وهي الجوع وسوء التغذية، والملاريا، واللشمانيا، والسل، والإيدز، كما يقارنون سرعة إنتاج لقاح لمرض متغير التركيب مثل إنفلونزا الخنازير مع تعثر إنتاج لقاح لأمراض مستقرة التركيب مثل اللشمانيا والملاريا وتفتك بملايين البشر، وبعد ذلك يشيرون إلى النقود على أنها سبب لكل ما يجري هؤلاء يستحقون التحية و يستحق أن يرفع الإنسان صوته من أجلهم، فالصمت والصوت لا يتساويان في هذه الحالة.

هؤلاء البشر هم الوحيدون الذين يجعلون لصوتنا معنى لا يتشابه مع الصمت. أما المتخمون الذين يحكمون العالم وتنتج لهم شركات الدواء خافضات شحوم وصادات للشهية كي يتوقفوا عن الأكل قليلاً، فالصوت والصمت عندهم سيان لأنهم صم لا يسمعون وإذا سمعوا فهم لا يعون، وهم يأكلون ولا يشبعون.

العراق المحتل: انتخب وعيش حياتك!

28 سبتمبر 2009

جمال محمد تقي

نصيحة مجانية :

اذا اردت التخلص من مطاردات مواكب المرشحين يوم الانتخابات، اشتري محبرة بنفسجية واغمس اصابعك العشرة بها، وعندما يسالونك عن مذهب صوتك ليطالبوك بالتصويت لهم، ضع اصابعك العشرة امام وجوههم دون ان تقول لهم شيئا، سيفهمون انك ابصمت لهم بالعشرة كلها!

عيش حياتك :

تمعن ببطاقتك التموينية ومستحقاتها المؤجلة والمعجلة وتأكد انها متطابقة مع صفاتك وعيش حياتك!

تمعن في حالتك منذ اول موسم لبصمات الاصابع البنفسجية وحتى مرحلة تحفظك الحالية وعيش حياتك ان اعطوك الكهرباء خذها وعيش حياتك

ان اعطوك الماء خذه وعيش حياتك

ان اعطوك الدواء فخذه وعيش حياتك

ان اعطوك البطانية فخذها ـ وبدربك حبيبي خذ المدفئة والمروحة ـ وعيش حياتك!

وان استحلفوك بالعباس ابو رأس الحار وكفه واصابعه فتلمس اصابعك واحلف، فليس على المحلفين حرج وعيش حياتك!

لكن ان وعدوك بالجنة وحور العين كدين عليهم يوفونه يوم الدين، فجادلهم وعاملهم بالتي هي احسن تحت شعار الدين ممنوع والعتب مرفوع والرزق على الله وعيش حياتك!

انت وضميرك، الاقتراع سري، والله شاهد

وانت للاعلانات شاهد،

واقرأ لانه على قبر كل ميت ذهب من اهلنا شاهد

الايتام والارامل والجوع والمرض والهجيج كلها شواهد تعيشها انت اليوم وهي ليست فلم ومشاهد

اما تسترجع السلة بعنبها او تكتفي بالسلة وعليهم تكون علامة وشاهد!

الاهلية الانتخابية :

انت تنتخب اذن انت موجود، مقولة صادقة وكاذبة بنفس الوقت وبحسب الظرف الملموس!

تعليمات غير ملزمة :

تامل سجل الناخبين وتاكد انك من الاحياء وليس الميتين وعيش حياتك!

افحص القوائم التي اغلقت ابوابها وشبابيكها وعيش حياتك!

افحص القوائم ان فتحت ابوابها وشبابيكها وعيش حياتك!

اذا وجدت الاسماء بلا ملامح اقفل راجعا وعيش حياتك!

اذا وجدت قوائم بلا اسماء فامسح بها بلل الحبر من اصبعك وعيش حياتك!

اذا وجدت كل القوائم متشابهة خذها معك لتمسح بها زجاج النوافذ وعيش حياتك!

وعندما تحين الساعة :

بلل اصبعك بالحبر البنفسجي ذا الصبغة المغشوشة وضعه في عين اقرب مرشح تجده امامك معلنا انتخابك له وعيش حياتك!

ملاحظات اعلانية :

في فترة الاعلانات مدفوعة الاجر دقق في اعلانات المرشحين، فاذا ظهرت بقوة الاعلانات المدبلجة، حول القناة بحثا عن اغنية قد تساعدك في فهم الاعلان، ومن المفضل ان تجد واحدة من الاغاني غير المفبركة، كاغنية ” يمعيبر ولك عبرني “، وان لم تجدها فابحث عن اغنية ” زحمة يادنيا زحمة لاحمد عدوية “، وان لم تجدها فابحث عن اغنية ” حاصودة اوبيدي المنجل لمائدة نزهت “، وان لم تجدها فابحث عن اغنية ” دوريتك لياس خضر”، وان لم تجدها فغني انت وبشوق لنجاة الصغيرة اغنية ” كل شيء راح راح وانقضى ما دام زمانُ مضى، بس وحياة الي فات والي اصبح ذكريات عمري ماتمنيت غيرك انت يا حبيبي”، وان لم تستطع غناء هذه الاغنية بسبب قدمها، غني اغنية شبابية من اختياراتك، اما اذا ظهرت الاعلانات بدون اجر لان اصحاب القناة انفسهم هم من اتباع هذا المرشح او ذاك فما عليك الا التحول الى قناة دسكفري!

وعد انتخابي :

ان طبقت بابداع كل النصائح اعلاه ومع ذلك فازت الاسماء ذات الاجر المدفوع، فستخرج الحياة من حياتك!

في ذكرى الآلام العظيمة.. جريمة الانفصال، وذكرى رحيل عبد الناصر

28 سبتمبر 2009

أي مستقبل لأمتنا و أي وطن نريد؟؟

فائزة عبد الله

صفاقس- تونس

“إن القومية العربية هي التي خلقتني لست أنا الذي أثيرها بل هي التي تحملني، إنها قوة هائلة ولست إلا أداتها المنفذة و لو لم أكن موجودا لوجد غيري، واحد، عشرة، ألفا يحلون محلي.. إن القومية العربية لا يمثلها رجل أو جماعة من الرجال.. إنها لا تتوقف على جمال عبد الناصر أو أولئك الذين يعملون معه. أنها كامنة في ملايين العرب الذين يحمل كل منهم مشعل القومية. إنها تيار لا يمكن مقاومته، ولا تستطيع أية قوة في العالم تدميره طالما احتفظ بثقته في نفسه”. جمال عبد الناصر

بهذه الكلمات نتذكر وتذكر أمتنا اليوم رجلا من أخلص أبنائها وفارسا من أنبل فرسانها المقاتلين المقاومين، الذين ضحوا بجهدهم وفكرهم وحياتهم ودمائهم في سبيل أن تبقى هذه الأمة مرفوعة الرأس عالية الهامة بالغة العزة والكرامة والكبرياء بالرغم مما حيك ويحاك ضدها اليوم من خيانات ومؤامرات وعدوان.

إن تاريخ 28 من سبتمبر 1970 (ذكرى وفاة جمال عبد الناصر) لم يكن مجرد رحيل عادي.. إنما كان ذلك اليوم يوم جرح وحزن عميقين ودعت فيه الجماهير العربية وفي مشهد غير مسبوق قائدها الذي عاش من أجل أمته واستشهد في سبيلها. كما كان الشأن بالنسبة لكل أحرار العالم الذين رأوا فيه نصيرا وناصرا لقضاياهم.

وبالرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود (39 سنة) على رحيله فان جمال عبد الناصر يبقى، بلا منازع، شاغل الناس، ورمز العروبة والوحدة والوطن العربي الواحد، فهو الغائب الحاضر فينا على الدوام.. مازال يثير في نفوس العرب وكل الأحرار في العالم، الأشجان والأحزان والأمل و الرغبة في النصر وما زال يمشي بيننا كأنه على قيد الحياة مما يؤكد أن فكرة القومية والعروبة والوحدة والأمة الواحدة ما زالت حية، وستبقى حية على الدوام.

إن الحديث في ذكرى الرحيل هذه وفي هذه الظروف بالذات التي تمر بها أمتنا اليوم لا يمكن أن يكون مجرد إثارة للآلام و المشاعر بقدر ما هو تعميق للصبر واستدعاء للآمال ودعوة إلى الصمود والاستبسال.. وحث على الفهم والعمل والاستفادة من كل تلك الدروس والمعارك التي خاضها جمال عبد الناصر بمعية جماهير أمته حتى قضى شهيدا في سبيلها.

ولئن كان من الصعب على أي قارئ أو كاتب متخصص باحث في تجربة هذا الرجل أن يلم بكل جوانبها و تفاصيلها وصورها، فإنني ومن موقعي كانسان عربي.. وكعينة من جماهير الأمة التي تربت على مبادئ وقيم هذا القائد الرمز سوف أحاول أن أبين وأستخلص بعض النقاط والدروس التي صار لها من الدلالة اليوم أكثر مما كان لها في الماضي.

1) الثقة بالنفس:

لقد كان امتلاك الثقة بالنفس أو فقدانها احد المحاور الرئيسية التي دار عليها الصراع الإنساني عبر التاريخ كله.. فكان هناك دائما من يعظّم ثقته بنفسه ويفعّل العناصر المكونة لها ويرفع وتيرة أدائها، وهذا في حد ذاته يعد مدخلا إلى الانتصار وامتلاك الشرط الحاكم للنصر.. الذي يعد بدوره مدخلا رئيسيا لتحقيق أي ظاهرة عند هذه النقطة بالذات نستطيع أن نقول أن فقدان الثقة بالنفس هو شرط حاكم للهزيمة أيضا بمعنى أننا سوف نهزم- قطعا- عند النقطة التي نفقد فيها الثقة بأنفسنا وقدرتنا وإيماننا.. مهما كان الشكل الخارجي الذي نبدو عليه أو نحب أن نكون عليه أو الذي أريد لنا أن نكون عليه.. وأننا ننتصر- قطعا- عند النقطة التي يكون امتلاكنا لثقتنا بأنفسنا وقدراتنا قد وصل إلى أوجه. (د. محمد يوسف- كتاب الناصرية ج1) لذلك ليس من باب الصدفة أن نقرأ في تلك المقولة التي جاءت في مقدمة هذا المقال إصرار عبد الناصر على تأكيد هذا المبدأ (مبدأ الثقة بالنفس) الذي هو في الأساس حالة معنوية يصح أن نسميها -الإرادة- تلك الإرادة التي لا يمكن تدميرها بالصواريخ والدبابات ولا تطالها طلقات الرصاص، ومن ثم فمن الممكن أن تخترق أجسادنا رصاصة لكنها لا تخترق في ذات الوقت إيماننا وإرادتنا بل إنها في ذات الوقت تستنهض هذه الإرادة و تعظمها وتستدعي التحدي الفطري في الإنسان، بمعنى آخر أننا وفي كل الأحوال نستطيع أن نحتفظ بإرادتنا بمنأى عن التدمير المادي الذي إذا ما حاق بنا فان إرادتنا هي الشرط الحاكم لتجاوزه.

2) عقيدة المقاومة:

إن عقيدة المقاومة لدى الشعب العربي عامة لا بد أن تتعامل مع الصراع العربي الصهيوني باعتباره مركز الدائرة ورأس العوائق على طريق التوحد العربي وتحقيق التنمية وبناء المشروع النهضوي القومي العربي المبتغى.. وطالما أن الإقليمية مازالت تحاصر الشعب بالقوة الباطشة والحيل الخفية بالسجون والمشاريع الواهية تقوده من فشل إلى آخر و من هزيمة إلى أخرى وتستكثر عليه حتى لحظات الانتصار العابرة، وتحول دونه ودون دولته الواحدة بالوعود الكاذبة والبدائل الفاشلة، فان عقيدة المقاومة عند الشعب العربي عامة ولدى شعبنا في فلسطين خاصة لا بد أن تتعمق وتتصاعد أكثر، وفي هذا الظرف بالذات.. فليس ثمة شريعة ولا تشريع ولا قانون في الكون كله يمكن أن يخول لأحد أن يطلب من شعب أن يوقع بالموافقة على وثيقة عبوديته وبيع وطنه وإنهاء كفاحه ووأد ثورته.

التاريخ كله لم يعترف بمثل هذا المنطق..ولا اعترفت به الشعوب، بدءا من ثورة “العبيد” بقيادة “سبارتاكوس” في العصور القديمة إلى عدم اعتراف الشعب العربي في الجزائر باحتلال واحتواء فرنسي دام 132 عاما إلى عدم اعتراف شعب جنوب إفريقيا بالاستعمار الاستيطاني البريطاني الذي ظل جاثما على أرضه أكثر من أربعمائة عام متواصلة حتى أصبح أمرا واقعا، إلى عدم انكسار الفيتنام أمام أكثر من ستمائة ألف جندي أمريكي مدججين بكل أنواع السلاح.. وكسرتهم بمقاومتها واضطرتهم للهروب وليس الانسحاب ذعرا من انتقام المواطنين غير المسلحين، إلى عدم اعتراف أي من دول الحلفاء باحتلال القوات الألمانية لبلادهم وبيوتهم وإذلالهم بكل أنواع الذل والاهانة.. وإصرارهم على تحرير بلادهم فحرروها، ووصولا إلى ما نراه اليوم من نهوض وصمود لطلائع المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق الذي كسرت مقاومته الباسلة أنف العدو ومرغته في التراب. لذلك كله ليس أمام جماهير أمتنا من خيار سوى التمسك بخيار المقاومة عقيدة ونهجا حتى تحرير كل الأرض العربية المغتصبة.

3) وحدة الأمة في الضمير و الوجدان العربي:

ليس من المصادفة أن يكون تاريخ نفس اليوم من نفس الشهر( مع اختلاف السنة) ولكن نفس العقد من الزمن الذي شهد رحيل عبد الناصر، هو نفسه التاريخ 28 سبتمبر1961 الذي تصاب فيه الأمة، بلوعة كبرى لا تقل إيلاما عن لوعة فقدانها لقائدها، كانت تلك جريمة الانفصال التي نفذتها فلول الإقليمية الخائنة.. فكانت تلك المؤامرة بمثابة الخنجر الذي طعن به أعوان وعملاء الاستعمار من الانفصاليين، حلم أمتنا وفارسها النبيل الذي ظل ينزف منذ ذلك التاريخ حتى رحل. ولكن بالرغم من كل تلك الآلام العظيمة، وبالرغم من كل تلك الخيانات وبالرغم من كل ذلك التآمر.. وإكراما وإجلالا لكل الذين قاتلوا من أجل الوحدة العربية ومن أجل تحقيقها.. ولللذين استشهدوا منعا لجريمة الانفصال. نقول إن الأمة باقية والحلم باق.. ليس فقط رمزا معنويا في وجداننا العربي، لكنه خيار مستقبلي علمي وموضوعي صحيح لكسر قوى الاستعمار وأعوانه وإفشال مخططاته ومشاريع اغتصابه للأرض والثروة والإمكانيات العربية.

يقول جمال عبد الناصر “إن الأمة العربية لم تعد في حاجة إلى أن تثبت حقيقة الوحدة بين شعبها، لقد تجاوزت الوحدة هذه المرحلة وأصبحت حقيقة الوجود العربي ذاته. يكفي أن الأمة تملك وحدة اللغة التي تصنع الفكر والعقل، ويكفي أن الأمة العربية تملك وحدة التاريخ الذي صنع وحدة الضمير والوجدان، ويكفي أن الأمة العربية تملك وحدة الأمل التي تصنع وحدة المستقبل و المصير”.

بهذه الكلمات العميقة حدد عبد الناصر نقطة الانطلاق الصحيحة لمفهوم الوحدة العربية “فالعرب أمة واحدة من حيث هي حصيلة تكوين اجتماعي من الأرض والشعب، وحضارة متميزة هي حصيلة تاريخية متراكمة من تفاعل الشعب و الوطن، حقيقة لم تعد في حاجة إلى إثبات بمعنى أن النضال العربي لا يمكن أن يكون هدفه إلا تحقيق الوحدة العربية التجسيد السياسي لوحدة الوجود القومي ذاته.. من هذا المنطلق بات لزاما وواجبا على كل المناضلين والمقاومين الأحرار من أبناء أمتنا أن يبنوا أداة نضالهم القومي الصحيحة وأن يتسلحوا بالعزم والإرادة والإيمان في مواجهة هذا العدو الغاصب المدعوم امبرياليا، ومن كل قوى الاستعمار القديم الجديد في العالم ولا خيار للقوميين والناصريين منهم على وجه الخصوص إلا أن يكونوا في طليعة هذه القوى، على خط النضال و المواجهة حتى يحرروا أمتهم ويساهموا في بناء مشروعها التحرري القومي الديمقراطي.

4) قضية فلسطين في المشروع التحرري العربي:

أن الحديث في هذه النقطة بالذات يعد على قدر كبير من الأهمية والخطورة في نفس الوقت “فالثورة الفلسطينية” التي واصلت قيادة الكفاح المسلح للشعب العربي في فلسطين (1-1-1965) حيث تفجرت شاراتها الأولى بدعم وتنسيق و تسليح كامل من عبد الناصر مستلهمة من تجارب أمتها، ومستفيدة من كل ذلك الرصيد والزخم النضالي الذي عمّده الشعب في فلسطين منذ ظهور البوادر الأولى للاستيطان الصهيوني، وقدمت في سبيل ذلك الآلاف من الشهداء والآلاف من الجرحى والآلاف من الأسرى والآلاف من المهجرين والآلاف من البيوت المهدمة والآلاف من المزارع المجرفة نجدها اليوم وقد ارتطمت بالسد، سد الإقليمية في داخلها وحصار الإقليمية من خارجها، تفاوض من أجل “جيتو” لبعض من شعب فلسطين على بعض من أرض فلسطين (مشروع الدولة الذنب) وفي المقابل يمارس عليها العدو وعلى كل أبناء الشعب العربي هناك كل أنواع الضغوط والحصار والقتل والأسر والتدمير والتجويع والإذلال وزرع الفتنة والتناحر بين فصائل المقاومة، وليس هذا الحديث انتقاصا ولا انتقادا من انجازات “الثورة الفلسطينية” بل تذكير بما تذكير بما كان نبه إليه الفكر القومي وتأكيدا لصحته حيث حذر مبكرا من التقدم على الطريق المسدود الذي انتهت إليه اليوم منظمة التحرير وأداتها النضالية.

يقول المفكر القومي الكبير د. عصمت سيف الدولة سيف الدولة: “إن تحرير فلسطين يمر عن طريق وحدة الأمة العربية مجسدة في وحدة قواها التحررية ولن تتحقق وحدة الأمة العربية إلا إذا توحدت قواها الثورية فتتحرر فلسطين وكل الأرض العربية المحتلة، إن بدائل الممكن قد استنفذت ولم يعد هناك مجال للتجربة و السفسطة”.

في النهاية يفترض أن أكون قد أجبت على السؤال المعنون لهذا المقال (أي مستقبل لأمتنا.. وأي وطن نريد؟؟)

أو على الأقل قد وضعت الإصبع على موطن الداء الذي يحول دون أن تتحول تلك التضحيات العظيمة التي تقدمها جماهير أمتنا.. إلى فعل عظيم في الواقع.

ختاما ليس لي أبلغ من هذه الكلمات أنهي بها كما جاءت على لسان قائلها تحية إلى كل شهداء أمتنا ودعوة واستنهاضا لكل شرفائها وأحرارها: “إن مرحلة من كفاحنا قد انتهت، ومرحلة جديدة توشك أن تبدأ.. هاتوا أيدكم وخذوا أيدينا وتعالوا نبني وطننا العربي من جديد”. جمال عبد الناصر.

:::::

موقع “الطليعة”

http://groups.google.com/group/altaleaa/web

قراءات: التقرير السياسي للحزب الديمقراطي الشعبي

27 سبتمبر 2009

الوضع الدولي

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية بداية تسعينيات القرن الماضي، راجت حملة مبرمجة من التنظير شارك فيها مفكرو وايديولوجيو البرجوازية وبعض المتساقطين من اليسار حول نهاية الحلم الاشتراكي بزوال الرأسمالية كنظام اقتصادي ـ اجتماعي ـ سياسي متكامل، وركزت هذه الحملة على محاولة حرف الوعي عن الصراع الطبقي بتجلياته الاجتماعية والوطنية، لتسليطه على الصراع بين الحضارات والثقافات، والذي تجلى لاحقاً من خلال المشروع الامبريالي العالمي الساعي لتفجير الصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية في أكثر من منطقة في العالم.

ولم تُمهل حركة التاريخ هذه الافكار الكثير من الوقت، حتى أُعيد الاعتبار للصراع الطبقي على مختلف مستوياته ومضامينه الوطنية والسياسية والاجتماعية، واستعادت حركة الشعوب وقواها الثورية وحركات التحرر الوطني والأنظمة الاشتراكية الصامدة المبادرة من جديد، عبر حركات الاحتجاج على السياسات الاقتصادية الليبرالية المتوحشة، والحركات المناهضة للعولمة، وفي التصدي للهجمة الامبريالية ولسياسات المؤسسات المالية العالمية كصندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، وفي الحركات المناضلة ضد الفقر والمديونية وتدمير البيئة، وصولاً الى عودة وتصاعد حركات المقاومة المسلحة للعب دورها في مواجهة الاحتلال والاستغلال والنهب الامبريالي.

وإذ دفعت أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 الى ذروة تصعيد الامبريالية العالمية وخاصة الاميركية حيث أمّنت الذرائع المطلوبة لشن حرب عالمية جديدة ضد الشعوب والدول الرافضة للهيمنة الاميركية تحت ستار محاربة الارهاب، إلا أن هذه المحطة شكلت أيضاً الذروة في مأزق الامبريالية العالمية واستراتيجيتها العدوانية، وكشفت حجم الرفض الشعبي العالمي لسياساتها ومشاريعها الاقتصادية والسياسية والأمنية، ودفع بالطبقة العاملة والعديد من القوى السياسية والشعبية في العالم لمواجهة العدوان الاميركي بالكفاح المسلح والنضال الشعبي على نطاق واسع.

وفي هذا السياق الصراعي المحتدم على الصعيد العالمي، تحررت العديد من الدول من قبضة الهيمنة الأميركية، وخاصة في أميركا اللاتينية وفي مقدمتها فنزويلا وبوليفيا، حيث أُنجزت تحولات ديمقراطية واجتماعية هامة هي ثمرة نضال شعوبها التاريخي للخلاص من السيطرة والقهر الامبريالي ومن الديكتاتوريات الفاشية التي حكمت هذه الدول بالحديد والنار والموت بدعم أميركي علني وفاضح، وحيث كان وما زال للنموذج الاشتراكي الثوري لكوبا تأثير كبير في حصول هذه التحولات.

مع هذه التطورات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وبحكم بنية النظام الرأسمالي العالمي والقوانين الناظمة لحركته، وبسبب تخمة الأسواق العالمية بالسلع المنتجة والفائضة عن طاقة الاستهلاك، ومع نمو الاقتصادات الناشئة وتوسعها وحجز مساحة لها من السوق العالمي ( الصين - الهند - البرازيل ) جرى تراكم هائل في الرأسمال المالي بحكم الأرباح المحققة، فنزعت المصارف والشركات الكبرى العالمية الى التوظيف في أسواق الأسهم والبورصات وفي المضاربات المالية والعقارية في محاولة يائسة لتأجيل الازمة، ومع انفجار الفقاعة المالية والعقارية في المراكز الرأسمالية والتي طالت شظاياها اقتصاديات دول الاطراف وشعوبها، دخل النظام الرأسمالي ككل أزمة ركود وانكماش اقتصادي، ظهرت جلياً في افلاس المصارف والشركات الكبرى وفي حجم البطالة وتشريد الملايين من البشر من أصحاب القروض السكنية.

ويسعى النظام الرأسمالي العالمي جاهداً للخروج من أزمته الحادة بالتدخل المباشر عبر تعويم المؤسسات والشركات الكبرى بالدعم المالي الحكومي لإنقاذ ما يمكن انقاذه والحد من خسائر هذه المؤسسات المالية، في مقابل تحميل العمال والفقراء والفئات المتوسطة في الدول المتطورة والنامية على السواء تبعات الازمة مباشرة بخسارتها فرص العمل والتأمينات الاجتماعية والصحية حيث تدنت المستويات المعيشية لما دون الحد الأدنى لأكثر من ملياري انسان من جهة، وتبعات الهجوم الامبريالي المتجدد لتشديد عمليات النهب والسيطرة على الموارد الطبيعية العالمية وتحديداً النفط وخاصة في الدول النامية من جهة ثانية.

لقد كشفت الازمة الاقتصادية العالمية هشاشة النظام الرأسمالي العالمي في مواجهة الازمات الدورية، ونزعته الفاشية في محاولته الخروج منها على حساب البشرية والموارد الطبيعية والبيئة، وفشل توجهاته النيوليبرالية ومؤسساته المالية الدولية ومعها منظمة التجارة العالمية، بحيث لجأ في العديد من المواقع الى تدخل الدولة لاحتواء تداعيات انهيار وافلاس المصارف والشركات الكبرى من أموال المكلَّفين وعلى حساب مصالح العمال والفقراء والطبقات المتوسطة، بعد أن نظّر طويلاً لانتهاء دور الدولة في النشاط الاقتصادي، مما أعطى دفعاً قوياً لإعادة الاعتبار الى مفاهيم الفكر الاشتراكي العلمي واسقاط فلسفة تحرير الاقتصاد وسياسات الخصخصة، كما انكشف ضعف الامبريالية العدوانية في مواجهة الشعوب المناضلة وحركات التحرر الوطني وقوى المقاومة التي تستطيع، متى امتلكت القرار والارادة والرؤية العلمية والقيادة الثورية، افشال استراتيجية الامبريالية ومشاريعها في أي مكان في العالم. وإنْ كانت كلفة مواجهة الامبريالية والتضحيات الشعبية عالية، إلا أنها تبقى أقل كلفة من تمكين المشروع الاستعماري من التحقق والنجاح، لأنه سيمتد لعقود طويلة من الاحتلال والقهر الوطني والطبقي.

ولا يجب التقليل من المخاطر المترتبة عن أزمة النظام الرأسمالي، فالنزعة العدوانية والفاشية الى تصاعد، ومحاولات الاستيلاء على الثروات الطبيعية تتسارع، وإثارة النزاعات بين الدول والشعوب هي المدخل الامبريالي للسيطرة والتحكم، ويبقى انقاذ النظام الرأسمالي هو الهدف الاساس بغض النظر عن تبعات ذلك على حياة البشرية وعلى السلم العالمي.

وستنعكس ازمة الرأسمالية العالمية واخفاقات المشروع الامبريالي في المنطقة والعالم تحسناً في الموقع الدولي للأقطاب الناشئة كالصين وروسيا والبرازيل والهند، وإنْ كانت الازمة العالمية تطال الاقتصاد العالمي برمته وتصيب معظم دول العالم بحكم تداخل الاقتصاد العالمي، إلا أن التفاوت في الخسائر بين الدول يعود الى حجم الاقتصاد ومستوى عولمته ومجالات التوظيف والاستثمارات ونسبة اعتماده على الاقتصاد الريعي على حساب الاقتصاد المنتج، من هنا نرى السياسة ” الناعمة ” للادارة الاميركية الجديدة التي اطلقت شعارات التغيير الداخلي والخارجي وتراجعت عنها بعيد تسلمها السلطة، والتي تسلمت رزمة من الملفات والقضايا المأزومة داخليا وعالميا في مراهنة على استعادة قوتها ودورها الفاعل، وتأكيد استمرار سياستها الامبريالية بالسيطرة والاستغلال وفي تأزيم الاستقرار والسلم العالمي، في مرحلة تداعياتها الاقتصادية والسياسية وضرب هيبتها العالمية وسقوط سيطرة القطب الواحد، ومن تجلياتها التخفيف المحدود للحصار على كوبا وان مازالت قضية الابطال الكوبيين الخمسة المعتقلين في السجون الاميركية دون حل رغم حملة التضامن الدولية للافراج عنهم، وكذلك التراجع عن نشر الدرع الصاروخي الاميركي في اوروبا الشرقية.

الوضع العربي

بالرغم من ازمة الامبريالية العالمية الاقتصادية والسياسية والعسكرية، ومع الاخفاقات والعثرات التي تعرض لها المشروع الامبريالي في منطقتنا والعالم، تترسخ باستمرار تبعية والتحاق النظام الرسمي العربي بالسياسة الاميركية. ورغم النجاحات والانتصارات الهامة التي حققتها قوى المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق، ووأد مشروع الشرق الاوسط الجديد، وضرب المفاصل الرئيسية في المشروع الاميركي ـ الصهيوني، واهمها انتصار المقاومة في تموز 2006 في لبنان وانتصار كانون الثاني 2009 في غزة، وبالرغم من اعتراف العدو بالاخفاق والفشل في تحقيق اهدافه، تصر الانظمة الرجعية العربية على سياسة الالتحاق بالمشروع المعادي لمستقبل المنطقة العربية وشعوبها، وتكريس الانقسام والشرذمة وافراغ العروبة من مضامين التوحد الفعلي والمصالح المشتركة، كما تصر على انكار انتصار المقاومة، بل وادانتها على خيارها المقاوم لانه يشكل احراجا لدورها التاريخي المتواطئ مع العدو والعاجز عن استرجاع الارض المحتلة او حتى ادانة العدوان الاميركي ـ الصهيوني، وفوق ذلك تصر هذه الانظمة على التمسك بما يسمى مبادرة السلام العربية التي رفضها العدو قبل ان يجف حبرها، والتي هي في فلسفتها اعترافا رسميا بالكيان الصهيوني والتطبيع معه مقابل التعهد بالتنازل عن بعض شروطه واستعداده للتفاوض حول المطالب العربية، ان هذه المبادرة ليست اكثر من صك استسلام للعدو وان زينت بالتعابير الجوفاء التي لا تعني شيئا.

وخلال العدوان الاميركي - الصهيوني على لبنان وغزة، ةتبرع الحكام العرب بادانة نهج المقاومة وتحميله مسؤولية العدوان وما نتج عنه من خسائر بشرية ومادية، كما حرضوا عليه باعتباره نهجا مغامرا وخاسرا، حتى اذا تحقق الانتصارين بلعوا السنتهم وسارعوا لابداء استعدادهم للمساهمة في اعادة اعمار ما تهدم لامتصاص نقمة شعوبهم الغاضبة من المواقف الرسمية والمتضامنة مع المقاومة، بل والمستعدة للقتال معها لو اتيح لها ذلك. ورغم ادانة التحقيق الدولي في تقرير غولدستون الكيان الصهيوني بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية تسعى الولايات المتحدة ومعها المجتمع الدولي الى منع ادانته ومحاسبته وحتى السعي الى عدم عرض التقرير الدولي على الجمعية العامة للامم المتحدة.

وما زال الهم الشاغل للانظمة العربية هو الاحتفاظ بالسلطة، ولتأمين ذلك لا بد لها من تشديد قمع شعوبها وضرب الحريات العامة والديمقراطية وتمكين الطبقات الطفيلية الحاكمة من مراكمة الثروات وتأمين التوريث الهادئ للسلطة من جهة، والخضوع للارادة الاميركية لتأمين حماية العروش مقابل اباحة الاوطان امام النهب الامبريالي من جهة ثانية. ولتحقيق ذلك لا بد من القضاء على خيار وفكر المقاومة والممانعة والرفض الشعبي. وفي المقابل، ولديمومة سيطرتها عمدت الامبريالية الاميركية الى اشغال الدول العربية بصراعات تأخذ اشكالا مختلفة تبعا لطبيعة النظام وبنيته، وتبعا للقضايا الداخلية التي تشغله، وابعادها عن القضايا المصيرية للامة.

في القضية الفلسطينية

اختزلت القضية الفلسطينية في المشروع الاميركي الصهيوني الرجعي العربي والمحلي بقضايا الامن والاستيطان، انجرارا خلف الاستراتيجية الصهيونية القائمة على خلق الوقائع الجديدة كالتهويد والاستيطان والحواجز وجدار الفصل العنصري، فتتحول المفاوضات العقيمة والمناشدات والمبادرات الدولية لتتركز حول هذه العناوين وتطمس في المقابل القضية الجوهرية وهي الاحتلال نفسه وما نتج وينتج عنه من تهجير مستمر ومجازر وحشية وحروب ابادة وتطهير عرقي وتهويد القدس وتهجير اهلها وتغيير الاسماء العربية لضرب ذاكرة الاجيال القادمة، ويقود هذا المشروع ويؤمن غطاءه المجتمع الدولي بقيادة الامبريالية الاميركية وتواطؤ رسمي عربي لا يقل خطورة عن الاحتلال في التعامل مع الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية. ان طرح ادارة اوباما لما يسمى حل الدولتين انما لفرض مناخ من الاسترخاء والتهدئة يساعد دول الاعتدال العربي على الترويج للتفاوض مع العدو والتطبيع معه والاستسلام لارادته، وتأتي في السياق جولات جورج ميتشل المكوكية لاقناع الانظمة العربية للبدء بخطوات التطبيع لابداء “حسن النية” للعدو، كما ان اقتراح اوباما وجولات ميتشل لن تؤديا حتى الى مسخ دولة او حكم ذاتي مكبل بالشروط الصهيونية ومجرد من الحد الادنى من مقومات الوطن المسلوب السيادة والحرية، كما ان حل الدولتين يشترط شطب حق العودة وتهجير القسم الاكبر من الفلسطينيين الى المنافي البعيدة وتوطين من تبقى في البلدان المضيفة. من جهة اخرى، اننا في الحزب ومن موقع المقاومة للمشروع الاستعماري لمنطقتنا، ومن موقع التضامن والمساندة لقوى المقاومة في فلسطين لا نرى بديلا عن ضرورة استمرار هذه القوى في تعزيز قوتها العسكرية وقدراتها الميدانية وجهوزيتها الدائمة، لان انجاز التحرير وبناء الدولة الحرة والمستقلة لن يتحقق بأوهام التفاوض والتنازل بل بالتصميم والارادة على متابعة المقاومة والكفاح المسلح وتعزيز الوحدة الوطنية، ومع الاعتزاز بالانجازات المحققة في القتال ضد الاحتلال وخاصة الانتصار على العدوان الفاشي ضد قطاع غزة، ومع التقدير للتضحيات الغالية التي قدمها الشعب الفلسطيني في الصمود واحتضان لخيار المقاومة ضد خيار التنازل والاستسلام، الا انه يجب التنبه الى بعض ظواهر التطرف والتضييق على الحريات العامة والفردية في القطاع، فالشعب الفلسطيني يختزن تراثا نضاليا وديمقراطيا في تاريخ نضاله الحافل، وينعم بالتعددية الفكرية والتنوع السياسي وهي من العوامل التي ساعدته على القتال والصمود على مدى عمر الثورة الفلسطينية، كما لا يجب ان يغيب عن البال ان اجبار الاحتلال على الانسحاب من القطاع والانتصار على العدوان انما هو ثمرة نضال كافة القوى والفصائل المقاومة والصمود الشعبي العظيم، بدعم من التحالف السوري ـ الايراني ومن كافة القوى الوطنية والتقدمية والثورية العربية والعالمية.

وفي مصر، ورغم الدور السافر للنظام في خدمة المشروع الاميركي - الصهيوني وتمسكه باتفاقات كمب ديفيد الخيانية واستمراره في تطبيق قانون الطوارئ منذ ثلاثين عاما، واشتراكه في العدوان على غزة، وتشكيل حرس حدود للعدو وارشاده الى شرايين الحياة للقطاع (الانفاق) واعتقال المقاومين، والتخريب على السودان، وتعطيل المصالحات العربية - العربية، والضغط على المقاومة الفلسطينية للتخلي عن خيارها تحت شعار المصالحة الفلسطينية، رغم هذا الدور الوظيفي الخادم للامبريالية، يجري تحريك النعرات الطائفية من وقت لآخر، ويتم تصنيف مصر من الدول القامعة للحريات الدينية لابقائها في فلك التبعية والارتهان الكامل.

وفي اليمن تجري محاولات لاعادة تقسيمه على اساس قبلي وجهوي بتحريك قوى انفصالية في الجنوب تحت مسمى ” الحراك الجنوبي “، وتحريض نظام صنعاء على الحسم العسكري مع التمرد في محافظة صعدة. ان ما يجري في اليمن ليس الا جزءا من المشروع الاميركي لتقسيم وتجزئة المنطقة العربية واغراقها في مستنقع الصراعات الداخلية والحدودية. فبينما تدعم دولة عربية كبرى مجاورة لليمن تمرد ” الحراك الجنوبي ” ترسل نفس الدولة طائراتها الحربية لمساندة الجيش اليمني في مواجهة تمرد صعدة، ما يدلل على الخطة المرسومة لاضعاف اليمن، في الوقت الذي لم يوفر نظام صنعاء جهدا في الانتقام من جنوب اليمن وتجربته الاشتراكية، فجرى الانقضاض على كل المنجزات التي تحققت في تلك المرحلة وقمعت الاحزاب مما خلق مناخا شعبيا حاضنا لبعض قوى الانفصال.

وتسود الاردن اجواء من العنصرية ضد الفلسطينيين يغذيها النظام هناك تحت شعار “الاردن اولا” وادعاء حمايته من مشروع الوطن البديل، هذا النظام الذي اصبح اسير التوجهات الامبريالية والصهيونية، فبدلا من شن الحملة ضد الكيان الصهيوني صاحب المشروع الاساسي لشطب حق العودة وتوطين الفلسطينيين خارج ارضهم، تتركز الحملة ضد الشعب الفلسطيني الرافض لاي خيار او بديل عن وطنه فلسطين، باستثناء السلطة الفلسطينية الرسمية التي تأمل بدولة تحكمها بعد فقدان الامل بدولة فلسطينية على ارض فلسطين. ان السياسة الرسمية الاردنية اذا ما تصاعدت ستؤدي الى خلق مناخ من التوتر وربما الحرب الاهلية تأخذ طابعا فلسطينيا - اردنيا ويكون وقودها الشعبين الشقيقين.

وفي العراق حيث اكتسبت المقاومة الوطنية شرعيتها التمثيلية لشرائح واسعة من الشعب العراقي، ويدلل على ذلك توسع منطقة عملياتها وتمددها من الوسط الى مناطق الجنوب وبعض مناطق الشمال، وسعي السلطة وحتى الاحتلال لفتح قنوات الحوار معها. ان هذه المقاومة التي اجبرت العدد الاكبر من الدول المشاركة في العدوان على العراق على الانسحاب الكامل من بلاد الرافدين، واجبرت الاحتلال الاميركي والغربي على الانسحاب الجزئي من المدن الرئيسية، والبحث عن مخرج لها من العراق كله، والتي ستحبط مشروع التقسيم والفيدرالية، بدأت تتظهر صورتها على شكل جبهات واطر وطنية تضم مختلف تشكيلات المقاومة وتنظيماتها على طريق بلورة اطار جامع يوحد قواها وجهودها وامكاناتها على الساحة العراقية كلها لتتحول بفعل دورها النضالي الى الممثل الوحيد والحقيقي للشعب العراقي، ان المقاومة هي الاسلوب الوحيد القادر على هزيمة العدو الاميركي والصهيوني وتحرير الارض المحتلة واقامة النظام الوطني الديمقراطي. وبحكم عجز السلطة العراقية صنيعة الاحتلال عن القيام بدورها في ضرب المقاومة وتأمين الاستقرار الداخلي وفي انقلاب مفاجئ على موقفها السابق وبناء على التوجيهات الاميركية وجهت سهام اتهاماتها لسوريا بالتفجيرات الاخيرة الدامية، بينما بات من المعلوم للجميع ان التفجيرات والجرائم المرتكبة بحق المدنيين هي من صنع الاحتلال الاميركي والغربي وادواته المحلية، كما انه وراء مشاريع الفتن والانقسام الداخلية لتأمين استمرار دوره وبقائه في العراق.

اضافة الى ذلك لا بد من التوقف عند الاوضاع السائدة في السودان والصومال نتيجة التدخل الاميركي في شؤونهما الداخلية، والاوضاع في دول المغرب العربي التي يتفشى فيها الفساد والقمع وانتهاك الحريات العامة والديمقراطية وتحول معظم الانظمة فيها الى انظمة شبه ديكتاتورية.

ومما تقدم يبدو جليا ان المخطط الاميركي - الصهيوني يعتمد سياسة مزدوجة، من جهة استخدام الامم المتحدة ومجلس الامن للتهديد والعدوان وفرض العقوبات والحصار والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، ومن جهة ثانية السعي لتقسيم وتجزئة الدول العربية تحت مسميات شتى: انفصال الجنوب واقليم دارفور عن السودان، فيدرالية في العراق، كونفيدرالية في الاردن، اعادة طرح الفيدرالية في لبنان، انفصال الجنوب عن اليمن الموحد، تشجيع الانفصال بين الضفة الغربية وقطاع غزة. اضافة الى ذلك تدور حملة سياسية واعلامية مركزة اميركية وعربية تستهدف حرف الصراع في المنطقة عن حقيقته التاريخية لتظهيره صراعا عربيا ـ ايرانيا.

ويبرز الى جانب الوضع العربي المأساوي حراك اقليمي جدي طرفاه ايران وتركيا، والمفارقة ان هذا الحراك يتمحور حول الوضع العربي نفسه بمبادرات واقتراحات تتعلق بالوضع العربي، والقضية الفلسطينية، والصراع العربي - الصهيوني، والبحث عن اشكال من التعاون الاقتصادي، وعن دور فاعل في المجال النفطي، والبحث بمستقبل المياه، في ظل غياب شبه كامل لاصحاب الشأن في هذا المجال، الذين يهرولون لارضاء السيد الاميركي واسترضاء العدو الصهيوني للاعتراف به والتطبيع معه بينما يعلن العدو في كل مناسبة عدم استعداده للتراجع عن الشروط الصهيونية، فلا حق لعودة الفلسطينيين، ولا بحث في مستقبل القدس، ولا دولة فلسطينية ولو على جزء بسيط من الارض المحتلة، بل انه يشدد من عمليات التهويد ومحاولات التهجير والطرد للسكان من كل الاراضي المحتلة.

هذا المناخ الرسمي العربي يقابله على المستوى الشعبي حالة من الاستنهاض العام انتجتها قوى المقاومة وانتصاراتها الرائعة في لبنان وفلسطين والعراق، والحقت الهزائم المتكررة بالعدو المحتل، ما ادى الى ضرب الدور الوظيفي للكيان الصهيوني الغاصب وكقاعدة عسكرية متقدمة للامبريالية في منطقتنا العربية لحماية مصالحها الاستراتيجية، هذه القاعدة العدوانية وبفعل المقاومة ودورها باتت تحتاج الى الحماية والدعم لتأمين وجودها في المنطقة مما استدعى التدخل العسكري الاميركي المباشر، وصدور سلسلة القرارات الدولية بدءا من القرار 1559 وصولا الى القرار 1701 والتي هدفت جميعها الى حماية العدو وضرب المقاومة او الحد من فاعليتها ودورها على الاقل. لقد غيرت قوى المقاومة العربية المعادلات وموازين القوى على المستوى العربي والاقليمي وحتى الدولي، اذ شكلت قوة رادعة في مواجعة العدوان الاميركي - الصهيوني وامتدت تأثيراتها الى داخل المجتمع الصهيوني الذي ولاول مرة في تاريخ كيان العدو يطرح وبقوة سؤال الوجود والبقاء، هذا الكيان الذي يسير باتجاه الزوال على المدى التاريخي.

الوضع اللبناني

احتل لبنان موقع الاهتمام العربي والدولي بحكم وجوده على التماس مع فلسطين المحتلة، ولدوره التاريخي في مواجهة العدوان الصهيوني على ارضه وشعبه منذ قيام الكيان الصهيوني على ارض فلسطين من خلال دفاع الجنوبيين عن قراهم، والوجود المبكر للمقاومة الوطنية اللبنانية والفلسطينية في موقع الدفاع عن الوطن والشعب، هذه المقاومة التي مرت في الكثير من التجارب والاختبارات، ومن النجاحات والاخفاقات، وتطورت تبعا لتطور الصراع مع العدو واكتسبت الخبرات واستفادت من الدروس والعبر وخاصة بعد اجتياح العام 1982، حتى وصلت الى ما وصلت اليه من حركة مقاومة منظمة تمتلك استراتيجية عسكرية وقدرات بشرية وتسليحية وارادة صلبة وواضحة، فرضت على العدو الاندحار عن معظم الاراضي اللبنانية المحتلة واسقطت اتفاق 17 ايار الخياني حتى التحرير في العام2000 دون قيد او شرط، كما اوقعت به هزيمة ساحقة في عدوان تموز 2006، ما شكل ردعا حقيقيا للعدو ومنعه من المبادرة الى العدوان التي كان يتميز بها لعقود طويلة، وقد تجاوز تأثير المقاومة ودورها وانتصاراتها الحدود المحلية ا المدى العربي والاقليمي والدولي وبات نموذجا ثوريا للشعوب العربية التواقة للحظة انتصار على العدو، ولكل شعوب العالم المناضلة من اجل التحرر من الاحتلال والاستغلال والقهر الامبريالي.

الانتخابات النيابية

وهزيمة الكيان الصهيوني في لبنان، وهو المستند الرئيسي للاستراتيجية العامة للامبريالية وخاصة الاميركية، فرض على الولايات المتحدة التدخل العسكري والسياسي المباشر في لبنان والمنطقة لتغيير المعادلات والوقائع التي فرضتها قوى المقاومة محليا وعربيا. لذلك تركز الجهد الدولي والرجعي العربي على دعم قوى 14 آذار طوال السنوات الاربع الماضية، وبالتحديد في الانتخابات النيابية الاخيرة لتحقيق انتصار حاسم لمصلحتها، فجرت تدخلات مباشرة لدعم هذه القوى وتوحيد صفوفها وتخطي خلافاتها، ووضعت الامكانيات الهائلة بتصرفها، بحيث اشارت احدى الصحف الاميركية الى ان كلفة الانتخابات النيابية اللبنانية فاقت كلفة الانتخابات الرئاسية الاميركية، وقد اثر هذا التدخل في نتائج الانتخابات، اضافة الى استقدام اعداد كبيرة من المغتربين، وان كنا نقر بحق المواطن المقيم والمغترب بالمشاركة السياسية لاختيار ممثليه الا ان طريقة الاستقدام والاغراءات المالية والخدماتية من شأنها الغاء حرية التعبير والاختيار، اضف الى كل ذلك، بل والاخطر من ذلك حملات التحريض المذهبي واثارة النعرات الطائفية ضد قوى المعارضة الوطنية.

وفي المقابل لا بد من تقويم موضوعي ونقدي لقوى المعارضة لدخولها المعركة الانتخابية دون برنامج وطني موحد يرتكز على حماية المقاومة وتحصين دورها ويحدد رؤية المعارضة للتغيير ويتناول القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمالية والتربوية والصحية والخدماتية والاصلاح السياسي، كما شاب اداؤها الكثير من الاخطاء والارتجال والتردد، كما عمل بعض اطرافها منفردين واقتصر الامر على التشاور الذي لم يرتق الى مستوى التنسيق في اطار معركة واحدة على الساحة اللبنانية مع التسليم بضرورة مراعاة الخصوصيات المحلية.

ان تطور الاوضاع السياسية والنتائج التي اسفرت عنها الانتخابات تتطلب من اطراف المعارضة الوطنية الوقوف بجدية امام مسؤولياتها التاريخية لصياغة برنامج للتغيير الشامل ينطلق من تطبيق اتفاق الطائف وتحديدا بنوده الاصلاحية المتعلقة بتشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية ووضع قانون عصري للانتخابات النيابية خارج القيد الطائفي، ومن ثم البحث في الضرورة الوطنية لتعديل الدستور خاصة اننا شهدنا ونشهد جدلا حول صلاحيات رئيس الجمهورية دون ان يكون للمعارضة الوطنية موقفا موحدا من هذا الموضوع. والبرنامج المنشود هو نفسه برنامج المعارضة في الحكومة القادمة لانه يشكل المدخل الصحيح للخروج من حالة الانقسام الطائفي والمذهبي وتثبيت الوحدة الوطنية واخراج المقاومة وسلاحها من البازار السياسي الرخيص خاصة بعد تصريحات قادة العدو وتهديداتهم للبنان وشعبه ومقاومته والاعتداءات الاخيرة في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا واستحداث المواقع العسكرية ورفض الانسحاب من بلدة الغجر والاستمرار في سرقة مياه الوزاني، مع السعي الاميركي ـ الصهيوني لتعديل القرار 1701 وتغيير قواعد الاشتباك وبالتالي تغيير مهام ودور القوات الدولية.

التوطين والتهجير ـ التقسيم والفيدرالية

ومن الخطأ النقاش بشأن التوطين من زاوية قدرة لبنان على تحمل اعداد الفلسطينيين والتغيير الديموغرافي الذي يحدثه ذلك، ليتحول النقاش الجدي اولا حول اصحاب المشروع والمستفيدين منه وهم المعسكر الاميركي ـ الصهيوني ـ الرجعي العربي، وتاليا حول سبل تعزيز شروط الصمود والرفض لدى الفلسطينيين في لبنان لمؤامرة التوطين والتهجير الدولية، وذلك باقرار كامل الحقوق المدنية والانسانية في العمل والسكن والتملك والتنقل والتعليم والاستشفاء وتأمين مقومات الحياة الكريمة لتمكينهم من النضال لضمان عودتهم احرارا الى وطنهم فلسطين. ان الموقف الوطني من مشروع التوطين وبالتالي التهجير يجب ان يرتبط بالموقف من مشروع التقسيم والفيدرالية، فاليمين اللبناني ومنها قوى 14 آذار الملتحق بالسياسة الاميركية، والذي يدعي رفضه للتوطين انما يسعى الى فرض معادلة قائمة على مقايضة التوطين بالفيدرالية بعد تنفيذ حملة تهجير واسعة لاعداد كبيرة من الفلسطينيين، تبرز مقدماتها في الحملة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، ومواقف التحريض ضد المخيمات وتصويرها بؤرا امنية خطيرة لتوفير مناخات التوتير والتفجير عندما تدعو الحاجة. ان الخطاب العنصري لليمين القديم والجديد ضد الفلسطينيين وعودة الحديث عن التقسيم والفيدرالية انما يؤشر الى التوجهات الاميركية والصهيونية القديمة ـ الجديدة، واستعادة الحملة ضد المقاومة وسلاحها يأتي في سياق نفس المشروع باعتبار وجود المقاومة مانعا حقيقيا للتوطين والتقسيم معا. في المقابل ان المطلوب من اطراف المعارضة الوطنية بلورة موقفها من هذا الملف وتوحيده لتجنب الانجرار الى مواقف تتقاطع مع مواقف قوى 14 آذار العنصرية وتشكل تغطية لها، والمدخل لذلك هو الموقف الوطني الموحد من التمسك بحق العودة، والاسراع باعادة اعمار مخيم نهر البارد، ورفع التضييق عن المخيمات والسماح بادخال مواد البناء لتحسين شروط الحياة الانسانية للفلسطينيين وتحصينهم ضد الضغوط والمؤامرات وتصليب مواجهتهم لها.

ونشهد تشديد الهجوم الاميركي ـ الصهيوني رغم الضربات والاخفاقات التي وجهت له بحكم الطبيعة الفاشية للامبريالية، ما يستدعي رفع مستوى الاستعداد واليقظة الثورية وتصعيد النضال الوطني والاجتماعي والشعبي، وهذا يتطلب:

على المستوى العربي

- جبهة عريضة للأحزاب والقوى الوطنية والديمقراطية العربية ذات قاعدة شعبية تضم كافة الفئات والشرائح المتضررة من المشروع المعادي للامة العربية للانخراط في مواجهته مستفيدة من التقويم العلمي للنضال الوطني والقومي ومن كل ما هو ايجابي في تاريخ وتراث حركة التحرر الوطني العربية.

- تشكيل الأطر الشعبية والنقابية والثقافية والديمقراطية المحلية والعربية لخلق البيئة الحاضنة لحركات المقاومة العربية خاصة في فلسطين والعراق ولبنان.

- بناء المؤسسات الديمقراطية لانتزاع الحريات العامة والديمقراطية وحق التنظيم النقابي وحرية الرأي والتعبير والمعتقد والاستفادة من طاقات شعبنا العربي في الوحدة العربية والتنمية الحقيقية.

في القضية الاقتصادية والاجتماعية

- دعم القطاعات المنتجة خاصة الصناعة والزراعة وحمايتهما من المنافسة، ووضع سياسة حمائية للاقتصاد الوطني، والخروج من اتفاقية الشراكة الأوروبية، ورفض الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، وتطوير الصناعات الغذائية والزراعية وصناعة الأدوية، والحد من الدور الاستغلالي للقطاع المصرفي والرأسمال المالي وهيمنته على النشاط الاقتصادي المحصور بالمجال الريعي والعقاري وأسواق المال وسندات الخزينة، وقد اكدت وقائع الازمة الاقتصادية العالمية كارثية الخيارات الاقتصادية النيوليبرالية للحكومات المتعاقبة بعد الطائف.

- وقف الاستدانة والتحقيق الجدي في أبواب صرف الأموال وحجم الهدر والنهب من مجموع الدين العام واستعادة المال المنهوب. والتصدي لمشروع نهب القطاع العام “الخصخصة”وتحصينه عبر إصلاحه وتطويره ومنع القوى المالية والطائفية من إفساده وإفلاسه لبيعه لقوى الرأسمالية المتوحشة المحلية والأجنبية، ما يؤدي إلىاحتكار الخدمات الحيوية وغياب الرقابة الرسمية فتتحمل الطبقة العاملةوالفئات الشعبية هذه الأعباء.

- التصدي لوصفات صندوق النقد والبنك الدوليين وشروط الانضمام لمنظمة التجارة العالمية والتصدي لمشاريع التعاقد الوظيفي وتخفيض رواتب التقاعد والزيادات في الرسوم والضرائب الغير مباشرةوزيادة ساعات العمل دون مقابل.

- تغيير فلسفة السياسة الضريبية باعتماد الضريبة المباشرة التصاعدية، وتخفيض الضرائب الغير مباشرة بما يؤمن الحد الأدنى من العدالة الضريبية.

- الدفاع عن الضمان الاجتماعي وتحصينه في وجه محاولات ضربه وافلاسه عبر المشاريع المطروحة في السر والعلن (مشروع ضمان الشيخوخة، خفض الاشتراكات، الضمان الاختياري بدون توفير التغطية اللازمة، تمنع الدولة عن تسديد الديون المتراكمة للضمان).

- بناء حركة نقابية على أسس ديمقراطية بوصفها منظمات طبقية جماهيرية والغاء القوانين التي تحد من الحرية والاستقلالية النقابية، وإزالة التشوهات التي إصابتها بفعل تأثيرات القوى الطائفية والمذهبية والمالية، وتدخل السلطة ووضع اليد عليها لتتحمل من جديد مسؤولياتها في الدفاع عن حقوق الطبقة العاملة والكادحين، وتشارك في وضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتعلقة بالأجور والأسعاروالحماية الاجتماعية.

- وضع خطة وطنية لمواجهة البطالة وإيجاد فرص العمل عبر تحقيق النمو في الاقتصاد المنتج، وإنشاء هيئة وطنية وصندوق خاص للتعويض عن العاطلين عن العمل.

- معالجة أزمات قطاعات الكهرباء والمياه والنقل العام والسكن بدءا بتحريرها من سلطة المحاصصة والفساد والتعاطي معها باعتبارها قطاعات حيوية للاقتصاد الانتاجي وللمواطنين.

- بناء السدود والبحيرات والمساقط المائية لتوليد الطاقة والري وتطوير الثروة السمكية واقامة المشاريع السياحية وتوظيف الثروة المائية في الاقتصاد الوطني وحرمان الكيان الصهيوني من الاستيلاء على مياه الجنوب.

- الاهتمام بالبيئة وإصلاح ما خربه جشع البرجوازية في الكسارات والمقالع المحمية، والحفاظ على سلامة مصادر المياه الجوفية ومياه الأنهر من النفايات الصناعية وحماية الشواطئ من التلوث وإنشاء مشاريع الصرف الصحي ومكبات النفايات النموذجية الحديثة، واستعادة الاملاك البحرية والعامة المنهوبة.

- إنشاء مراكز البحث العلمي في المجالات الصحية والبيئية والزراعية والصناعية والتنقيب عن الثروات الخامية والنفطية.

- تعزيز التعليم الرسمي وتطويره وتجهيز المدارس الرسمية بالتجهيزات العلمية والتقنية، وتطبيق إلزامية التعليم ومجانيته والتصدي للتسرب المدرسي، وتطوير التعليم المهني تبعا لحاجات سوق العمل، ودعم الجامعة الوطنية وزيادة موازنتها وتجهيز كلياتها ومختبراتها العلمية والعملية، ووقف التدخل في شؤون الجامعة، وإعادة العمل بالمجالس التمثيلية وإحياء الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية، ووقف الترخيص لمؤسسات التعليم الطائفية الخاصة وتوحيد المناهج بما يؤسس لثقافة وطنية موحدة.

- اعتبار تصحيح الأجور بندا دائما على جدول اعمال الحركة النقابية والعمالية والشعبية، خاصة ان التصحيح الاخير للاجور كان دون مستوى حقوق العمال والموظفين والمعلمين وسائر ذوي الدخل المحدود، واعتباره سلفة على المستحقات ورفع الحد الأدنى للاجور بما يؤمن مستوى معيشي لائق للأسرة.

أما في الشأن السياسي، فان تعقد الأزمة الوطنية وترابطها مع الازمات العربية والاقليمية تشير إلى استحالة المعالجات الجزئية لازمة النظام البرجوازي الطائفي التابع الذي بات يعيق تطور البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمع اللبناني، وذلك بالرغم من الضعف الذي يعانيه اليسار بمختلف تياراته، وإذا كان التغيير الثوري لطبيعة هذا النظام هو الحل على المدى التاريخي، الا انه يمكن الحد من المخاطر المتولدة من طبيعته مرحليا عبر إصلاحات جذرية لتعالج بعض مكامن العطب فيه، وتوفر هامشا من الحرية والديمقراطية يتيح للقوى الثورية والوطنية والديمقراطية خوض النضال الطبقي الاجتماعي والوطني تأسيسا للتغيير الثوري.

في البرنامج السياسي

- الدعوة لتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية حسب وثيقة الطائف، ونشر ثقافة المواطنة والعروبة والمساواة في الحقوق والواجبات، والانتماء الوطني بدل الطائفي والفئوي، وتحرير الشعب من الارتهان لمرجعياته الطائفية لمصلحة الالتزام بالأحزاب والتجمعات السياسية والديمقراطية والعلمانية، وفصل الدين عن الدولة وتحقيق العلمنة الشاملة في مجال والتربية والتعليم وإقرار قانون موحد للأحوال الشخصية.

- تحقيق إصلاح سياسي شامل يطال مؤسسات الدولة وتشريعاتها، وإصلاح مالي يوقف الهدر والنهب، وإداري لتطهير الإدارات العامة من الفساد وحماته، ومن موظفي التنفيعات والمحسوبيات، وتفعيل عمل المؤسسات الرقابية.

- إلغاء او تعديل القوانين والتشريعات المجحفة بحقوق المرأة الإنسانية والسياسية والاجتماعية والطبيعية في مجال الإرث والمساواة في العمل والأجر وإعطاء الجنسية، وتوسيع مشاركتها في الحياة السياسية على أن يكون المعيار لذلك كفاءتها ونضاليتها وتمثيلها الشعبي لا على قاعدة التوريث السياسيأو المال السياسي، ولا يتم تحرر المرأة الكامل إلا بتحرير المجتمع من القهر الوطني والطبقي.

-وضع قانون جديد للانتخابات يؤمن التمثيل الشعبي الصحيح على أن يكون لبنان دائرة انتخابية واحدة على أساس النسبية وخارج القيد الطائفي وخفض سن الاقتراع إلى 18 سنة والاقتراع في مكان السكن وتحديد سقف للإنفاق المالي والدعاية الانتخابية للحد من تأثير رأس المال والإعلام في التقرير عن الناخبين، مع تنقية لوائح الناخبين من الشوائب والتزوير والموتى لضمان الحد الأدنى من نزاهة الانتخابات.

- الدفاع عن الحريات العامة والديمقراطية كحرية المعتقد والرأي والتظاهر والإضراب والتجمع والاعتصام، والنضال لتكريسها وتوسيعها كي لا تبقى أداة ابتزاز بيد السلطة.

- تفعيل دور المنظمات الشبابية والطالبية في أماكن العمل والجامعات والمدارس وإشراكهم في الحياة السياسية، والدفاع عن حقهم في العلم والعمل، وودورهم في الدفاع عن الوطن ضد العدوان الأميركي - الصهيوني.

إن ترجمة هذا البرنامج يتطلب أوسع تحالف سياسي - طبقي من اليساريين والوطنيين والديمقراطيين والعلمانيين، ونسعى لان يشكل اللقاء الوطني للاصلاح الديمقراطي النواة الصلبة لهذا التحالف لما يضم من القوى الحاسمة في خياراتها الوطنية والسياسية والاجتماعية، وببرنامج نضالي حول القضايا السياسية والاجتماعية، وتعبئة أوسع الجماهير الشعبية لفرض تحقيقه على الطبقة الحاكمة، وإفشال التوجه النيوليبرالي المتوحش الذي أدى إلى تعميق وتعميم حالة الإفقار والبطالة والتهجير والقمع والفساد والمديونية، وإطلاق النضالات المتواصلة والحملات المناهضة للاستغلال والاحتلال والعولمة والداعية لمقاطعة المصالح والبضائع الأميركية والشركات الدعمة للكيان الصهيوني، والتضامن مع نضال الشعوب المقهورة ومع حركات التحرر الوطني وخلق الشروط المادية لقيام أممية ثورية جديدة في مواجهة الإمبريالية العالمية، والتحالف الثوري بقيادة الطبقة العاملة المتحالفة مع الفلاحين الفقراء وسائر الكادحين عبر أحزابها السياسية ومنظماتها النقابية والشعبية وعلى أساس فكرها العلمي يؤمن سيرورة تاريخية تفضي إلى بناء الاشتراكية العلمية على أسس الديمقراطية الشعبية.

بيروت في 20 / 9 / 2009

الحزب الديمقراطي الشعبي

موسى ويوسف وبلقيس وليلى مراد

27 سبتمبر 2009

موفق محادين

أتمنى أولا، أن يكون اختيار الأربعة: موسى ويوسف وبلقيس وليلى مراد لمسلسلات وبرامج تلفزيونية رمضانية، مجرد مصادفة تقف خلفها نوايا حسنة، فقناة الحوار المصرية تعرض برنامجا يوميا للداعية الليبرالي عمرو خالد عن قصة النبي موسى، وقناة المنار اللبنانية تعرض مسلسلا عن النبي يوسف، إضافة لمسلسلين آخرين عن الملكة بلقيس والمطربة المصرية اليهودية ليلى مراد.

وخطورة ذلك انه رغم التمييز القرآني بين اليهود وبني إسرائيل والأنبياء الذين أرسلوا لهم، ألا أن الإسقاطات والتأويلات غالبا ما تتجاهل ذلك وتسقط المعالجات الدرامية في المحظور:

أولا: يكرر المسلسل المعروض على قناة المنار الإسقاطات نفسها حول النبي يوسف “الراعي الذي يعلم الفلاحين المصريين الزراعة” وذلك علما بان الدراسات اللغوية تؤكد بان اسم يوسف نفسه اسم مصري قديم “أوزير سف” كما يلاحظ في المسلسل خلط زمني “ليس هذا مكان التعليق عليه”.

ثانيا: أما برنامج عمرو خالد فيذكرنا بما تتحدث عنه أوساط إسرائيلية حالية عن طريق موسى القادم من مصر عبر جنوب الأردن الذي يتقاطع مع طريق آخر هو طريق إبراهيم القادم من العراق حيث يلخص “الطريقان” الشعار الصهيوني الشهير “حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل” بل أن الداعية المذكور قرر أن مجمع البحرين الذي ذهب إليه موسى وتحدث عنه القرآن هو التقاء النيلين في السودان، فيكون النيل كما البحر الميت ونهر الأردن، حسب السيد عمرو خالد، جزءا من “الأرض المقدسة” في التوراة وذلك علما بان موسى كما يوسف اسم مصري يعني المُنْتَشَل من الماء ومنه أيضا الاسم المصري “تحت موس” كما يؤكد مانيتو وفرويد، وقد يكون أي موسى الفرعون أخناتون نفسه أو أحد قادته الذين هربوا عبر سيناء بعد فشل ثورة التوحيد وعودة كهنة الإله أمون في طيبة.

ولا ندري أخيرا، ما هو سر المصادفة، كذلك في اختيار بلقيس التي يعرف الجميع قصتها مع سليمان الذي قد يكون أحد وكلاء الفراعنة المصريين في الشرق ولا علاقة له بالنبي سليمان.. والأمر نفسه ينطبق على اختيار المطربة اليهودية المصرية ليلى مراد مادة الثلاثين حلقة وحولها ثلاثة ملحنين يهود رأيناهم من قبل في مسلسل أسمهان: والدها زكي مراد وشقيقها مراد والملحن داود حسني..

لماذا يعرض التلفزيون المصري مسلسلات أثناء الإعلانات؟

27 سبتمبر 2009

د. أحمد الخميسي

كعادته خلال شهر رمضان أمتعنا التلفزيون المصري بالكثير من الإعلانات الفنية الراقية التي كنت أتابعها باهتمام وتشوق يوما بعد آخر. وعلى سبيل المثال لا الحصر لا ينسى أي منا - حتى لو حاول - ذلك الإعلان الجميل الذي نبهنا فيه النجم أحمد السقا إلي أفضل شرائح البطاطس المقلية. أو الإعلان عن السمن البلدي الذي تفوق فيه الممثل حسن حسني على نفسه في دور بطولة مطلقة. ثم حاول أن تنسى الإعلان المبتكر الذي قدمه مسحوق غسيل عن ابتسامة رجاء الجداوي! الإعلانات كانت جميلة من دون شك ومفيدة، لكن لنا عتابا على التلفزيون وكلمة حق ينبغي أن تقال : لماذا أفسد التلفزيون علينا جمال الإعلانات بفواصل من مسلسلات لم أعرف لها اسما ؟ أذكر بمرارة أن منة شلبي قطعت علي استغراقي في إعلان السمن البلدي بظهورها مرتين، واحدة في القاهرة، والثانية في تل أبيب، وكانت حسبما أذكر تجري - لا أعرف لماذا - من رجال أشرار بنظارات سوداء لا أدري من هم. القصد أننا شاهدنا كمية إعلانات مهولة أبعد ما تكون عن رسالة وزارة الإعلام ودور التلفزيون ورسالته. نعم لقد جلبت الإعلانات للتلفزيون المصري هذا العام نحو نصف مليار جنيه أي مئة مليون دولار، بينما بدت المسلسلات مجرد وسيلة للإعلان عن كل شيء، عن السلع الغذائية والمبيدات والسيارات وشركات المحمول، وتروج معظم تلك الإعلانات لمبدأ استهلاكي يصل حد الضرر البالغ. فقد أغرقتنا شركات المحمول بدعوتها العجيبة إلي التكلم ليل نهار في المحمول! كأن الناس لا عمل لها سوى الكلام! فهل يضحي التلفزيون بدوره من أجل الفلوس؟ وهل تهدر وزارة الإعلام طاقة التلفزيون في الترويج لفكرة ” تكلموا ليل نهار في المحمول ولا تهتموا بغير الثرثرة ” ؟! لمجرد أن هذه الفكرة مربحة لشركات المحمول ؟!. السؤال المطروح هو : هل مؤسسات الدولة مؤسسات ربحية ؟ أم أنها مؤسسات ينفق عليها الشعب وواجبها هو الاهتمام بحالة المجتمع وبتثقيفه وبتطويره ؟

لقد ظهرت وزارة الإعلام في مصر للمرة الأولى بعد الثورة، في نوفمبر 1952 وزارة الإرشاد القومي، وكان أول من تولاها هو المثقف الكبير فتحي رضوان، وجاء في تحديد الغرض من إنشائها : ” توجيه أفراد الأمة وإرشادهم إلي ما يرفع مستواهم المادي والأدبي وتقوية روحهم المعنوية وشعورهم بالمسئولية وحفزهم إلي التعاون والتضحية خدمة للوطن، وتيسير سبل الثقافة الشعبية “، واستمرت وزارة الإرشاد القومي على حالها حتى عام 1970 حين تقرر ضم قطاعي الإعلام والثقافة إليها فظهرت وزارة الدولة للإعلام، وفي عام 1986 صارت وزارة الإعلام فحسب، ووفقا للقرار الجمهوري رقم 310 لعام 86 تحددت مهام الوزارة في ثلاثة عشر بندا أتوقف عند أهم بنودها القائل ب : ” توجيه أجهزة الإعلام لتبصير الشعب بمكاسبه والدفاع عنها في مواجهة التحديات وتنمية المبادرات الفردية والحفر على العمل وإبراز القيم الروحية “.

هذه هي مهام وزارة الإعلام والتلفزيون، فما الذي رأيناه خلال شهر رمضان ويمت بصلة لموضوع ” تيسير سبل الثقافة الشعبية ” ؟

هل شاهدنا حملة لمحو الأمية ؟ هل شاهدنا حملة للتوعية بأخطار الفتن الطائفية ؟

هل شاهدنا حملة للتوعية الصحية ؟

لا شيء سوى طوفان من المسلسلات التي يتسم معظمها بالسطحية وقد أغرقتها الإعلانات ثم الإعلانات التي تخلق بالصورة والكلمة وتأثير حاجة مصطنعة لسلع استهلاكية، وإعلانات عن فن تضييع الوقت، وأخرى عن أحدث أنواع السيارات في الوقت الذي لا يدري الناس فيه كيف يصلون لأعمالهم بالمواصلات من شدة الزحام والتدافع والتقاتل على أبواب الميكروباصات العشوائية. وإذا كانت الدولة تكف يدها تدريجيا عن دعم الثقافة ( مع الاحتفاظ برقابتها على المؤسسات الثقافية ) فلا ينبغي لتلك السياسة أن تمتد إلي التلفزيون لأن ما يقدمه هو الغذاء الفكري المباح للملايين في بلد تنتشر فيه الأمية.

:::::

أحمد الخميسي. كاتب مصري

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com

أوباما في الأمم المتحدة..حُـطْ بـالخُـرج !

25 سبتمبر 2009

بسام الهلسه

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2027 )

* “يُقرَأُ المكتوب من عنوانه” كما يقال في الكلام الدارج. والعنوان -والمحتوى أيضاً- في خطاب الرئيس الأميركي أوباما في الجمعية العامة للأمم المتحدة واضح جلي: هل أنتم ترون: لا جديد أقدمه لكم.

فالتغيير الذي وعد به إبّان حملته الانتخابية، لم يكن سوى تزيينات طفيفة لتجميل وجه أميركا البشع أمام أنظار العالم. وكان أهم عنصر فيه هو وصول رجل أسود إلى البيت الأبيض لأول مرة كرئيس للولايات المتحدة. تماماً كما تضيف نساء لبنان حبة زيتون سوداء إلى صحن اللبنة لإضفاء لمسة جمالية عليه!

أعاد الخطاب مجدداً التأكيد على ثوابت السياسة الأميركية وأولوياتها، بعد تقليم وتهذيب الفظاظة اللغوية التي اتسمت بها في عهد بوش.

وهو ما سبق لأوباما وأن قاله في خطابه الشهير في جامعة القاهرة. أما مشكلات العالم -وأبرزها الصراع العربي الصهيوني- فلم يكن لديه ما يقدمه لحلها سوى الوعود والتسويفات. ومن هذه الزاوية يمكن الاستفادة من خطابه كنموذج للتأليف في فن التسويف! وهو فن تحتاجه الدول والحكومات المأزومة كجزء من آلة الكذب المؤسسي المنهجي التي تستخدمها للتلاعب بشعوبها وخداع شعوب العالم. وما من دولة في العالم أكثر مهارة واتقاناً لهذا الفن من الولايات المتحدة، بما تملكه من قدرات مالية وإعلامية وتخصصية جبارة.

ورئيسها المتذاكي، الذي قطف بدون أدنى جهد، ثمار تضحية وكفاح أجيال عديدة من المناضلين والمناضلات السود من أجل الكرامة والعدالة، يريد إقناع العالم أن لدى إدارته معرفة كاملة بهموم البشر والطبيعة والكون! وأن لديها الحلول المثلى الناجعة لها. وكل ما على قادة ودول العالم أن يفعلوه هو أن يتبعوه كهادٍ جديد أوفدته العناية لنجاتهم وخلاصهم!؟

وبالطبع، لم يقل “المُصلح” أوباما شيئاً عن أزمة بلاده: المُوفِد والباعثُ الحقيقي له. لكن عدم التحدث عن موضوع لا يعني أنه غير موجود. ولن تنفع كل تقنيات التحايل والتستر في إخفاء ما هو مكشوف ومعروف. فرجل الانقاذ المزعوم هو في الحقيقة مستغيثٌ يطلب النجدة لإخراج بلاده مما هي فيه: أزمة اقتصادية داخلية متعددة الجوانب، بلغت معها البطالة حتى الآن نسبة 10% (حوالي ثلاثين مليون أميركي)، وهي مرشحة للتفاقم خلال الشهور القادمة. وعجز في الحرب على “العدو” في أفغانستان، التي اتضح بعد كل هذه السنوات أن جيشه غير قادر على كسبها كما يصرّح قادته الميدانيون بشكل شبه يومي. أما وضع جيشه في العراق فيمكن وصفه بكلمة واحدة: عالق.

فلا هو قادر على السيطرة بإحكام على الوضع، ولا هو قادر على الخروج والانسحاب النهائي -وليس من المدن فقط- لتوفير الخسائر والنفقات الباهظة.

هذا الوضع الأميركي المأزوم مرئي لكل المعنيين بالشأن الأميركي: حلفاء، أو منافسين، أو أعداء. وسيسعى كل منهم للإفادة منه حسب مصلحته وموقعه.

وإذا كان ما هو مرئي أصدق وأوثق مما يُقال ويُسمع، فإن من الحمق تصديق ما يقوله أوباما والتعويل عليه. فالمأزوم يحتاج لمن يُعينه لا لمن يطلب منه العون. والخلاص لا يهبط بالمظلات في حدود ما نعلم، بل تصنعه الشعوب بنفسها.

أما خطبة أوباما ومواعظه الإنشائية المنمقة، فهي من نوع الكلام الذي يقول عنه الدمشقيون: حُطْ بالخُرج!

فالشيء الوحيد الحقيقي الذي ورد فيها هو الإقرار المعلن على رؤوس الأشهاد بالتخلي عن حكاية إلتزام الولايات المتحدة بتعميم الديمقراطية في العالم.

وبهذه المناسبة أود أن أتقدم بمواساتي لليبراليين الجدد العرب بمصيبتهم في خذلان أميركا لهم، وبتهنئتي للمستبدين العرب بهذا الإنعام والرضى الأميركي عنهم.

ودامت الأفراح حليفة دياركم المكنوبة!

alhalaseh@gmail.com