أكتوبر 2009

عرض لكتاب عن الجامعة العربية وتحقيق قضائي مع كاتبة العرض

31 أكتوبر 2009

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2061 )

كتاب: “جامعة الدول العربية ماذا بقي منها؟”لكوكب نجيب الريس
بقلم ظبية خميس

اسم الكتاب: جامعة الدول العربية ماذا بقي منها؟
المؤلفة: كوكب نجيب الريس.
نشر: رياض الريس للكتب والنشر، الطبعة الأولى، أغسطس 2009 - بيروت.

كوكب الريس تفتح جرح جامعة الدول العربية:

دائماً، الحديث عن دور الجامعة العربية في الحياة السياسية. لا أحد يتطرق لما يحدث داخل هذه المؤسسة، كيف تتم إدارتها، ما هو وضع أولئك المغتربين من دولهم الأخرى فيها وكم من التخبط والانحيازات التي يتعرضون لها.

وكوكب نجيب الريس التي عملت في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في تونس أولاً، والقاهرة ثانياً قررت أن تتحدث ولو بالإشارة والتوثيق لأروقة الجامعة العربية في الداخل، والمعاناة التي عاشها ويعيشها الكثير من موظفين الجامعة العربية ممن لا يوافق هوى إدارتها - وما أكثرهم - في كتابها الصادر حديثاً “جامعة الدول العربية ماذا بقى منها؟”.

ولا شك أن كوكب الريس عانت كثيراً في أروقة هذه الجامعة وحرمت من الكثير من حقوقها الوظيفية داخل المؤسسة ومن التحيز وعدم العدالة في التعامل مع عدد كبير من موظفي الجامعة العربية.

وقد تفاقم الحال مع ما سمي بعهد إعادة الهيكلة حيث تم تجميد عدد كبير من قدماء موظفي الجامعة وإزاحتهم من إداراتهم والإلقاء بهم إلى إدارة وهمية اسمها إدارة البحوث والدراسات خارج مبني المقر في التحرير وداخل حي هادئ يتثاءب في المعادي. إدارة لا علاقة لها بالبحث ولا الدراسة إلا بالاسم حوت ضمن ما حوت مدراء إدارات ذوي خبرة طويلة معظمهم كانوا ممن عملوا في تونس سابقاً وأغلبهم من شتى الجنسيات العربية وكانت كوكب الريس أحدهم منذ عام 2002. وتقدمت بطلبات كثيرة لتلتحق ببعثات خارجية دون استجابة في الوقت الذي كانت خبرتها، وعمرها الوظيفي، ومعرفتها بثلاث لغات الفرنسية والإنجليزية والعربية تؤهلها لرئاسة بعثة غير أن الجامعة وإدارتها فضلت الاستعانة لرئاسة البعثات الخارجية ببعض متقاعديها وبعض متقاعدي وزارات الخارجية العرب أو من ترشحهم حارمة موظفيها من هذه الخبرة السياسية والمنصب الذي يحق لهم، ولهم، أولاً وأخيراً.
بل إنه درج في السنوات الأخيرة إرسال درجات لم تتجاوز سكرتير ثان أو ثالث وبعض المتعاقدين لملء شواغر تلك البعثات بدلاً من الوزراء المفوضين في الجامعة.

تقاعدت كوكب نجيب الريس في صيف 2009 وكتبت كتابها “جامعة الدول العربية ماذا بقى منها؟”، خلال العامين الآخرين لتنشره متوجة نهاية عملها في الجامعة العربية بآراء موثقة تسرد حال الجامعة وتطرح أسئلة وانتقادات لا بد من الإجابة عليها في يوم ما والتنبه لأهميتها في الداخل والخارج.

ومما لا شك فيه أن أعماراً بأكملها لبشر تغربوا وعاشوا أحلامهم وانكساراتهم داخل هذه المؤسسة ملاحقين بخيبة العمل العربي المشترك في الداخل والخارج ومطاردين بأوضاع تدعو بعضهم للسقوط موتاً من شدة الضغوط النفسية فجأة كما حدث حديثاً مع العراقي نافع مطلوب، والمصري شكري سعد، والصومالي عمر شعيب، والأردني عمر خريس، والسوداني أسامة الفولي، والسوداني علي أحمد عباس وحسن النور، والأردني مشعل القاضي، والفلسطيني حسين الصباح والسوري صخر بكار وغيرهم.

هؤلاء معظمهم لم يكن قد تجاوز الأربعين أو الخمسين من عمره يسقطون فجأة موتى وهم لم يصلوا بعد إلى درجاتهم الوظيفية المتأخرة. والبعض فضل الاستقالة المبكرة كما حدث مع بعض الإماراتيين والكويتيين والجزائريين مفضلين ألا يقضوا أعمارهم في ردهات إدارات بعضها مفرغ تماماً حتى من توصيف مهامه ومصائر ينتاب الكثير منها الاكتئاب والغضب لموظفين لا يتم إشراكهم لا في المهام الداخلية أو الخارجية أو الوظيفية في حين أن حفنة من الموظفين والمتعاقدين يجوبون الكرة الأرضية في مهام لا تنتهي.

“جامعة الدول العربية ماذا بقى منها؟” كتاب بثمانية فصول مدعمة بالوثائق وفهارس الإعلام والأماكن. ومن المقدمة تستند كوكب الريس إلى أحمد الشقيري أول زعيم لمنظمة التحرير الفلسطينية وكتابه، “كيف تكون جامعة… وكيف تصبح عربية” والتي نصحوها حين التحقت بالعمل في جامعة الدول العربية في تونس عام 1981 بقراءته لتدرك وضع المؤسسة التي تعمل بها. وتكتب أنها وحتى بعد أن قرأت الكتاب: “لم أتخيل أبداً أنه سيأتي يوم - ولو في الألفية الثالثة - لن تبقى فيه جامعة! وتضحي فيه قزماً دبلوماسياً”، كما وصفها عبد اللطيف الفيلالي.

وتحتوي عناوين الفصول على آراء مبطنة فالفصل الأول يحمل عنوان جامعة عربية… أم أفريقية؟ وتشير فيه كوكب الريس إلى تفضيلات الأمين العام للمصريين وعدد مكيل من جنسيات الدول العربية لملء نشاط الجامعة العربية وهما كما تذكر من السودان والجزائر. وتوثق لموقف الأمين العام الحالي من موظفي الجامعة العربية عبر تصريحاته التي أدلى بها للصحف والإعلام تدل على نظرة دونية يحملها للعاملين في المؤسسة.

- أما الفصل الثاني فعنوانه - “مصر والسودان… نصف الأمة العربية”. وهي مقولة لأنور السادات.

- والفصل الثالث بعنوان: الأمين العام للجامعة العربية، شخصيته، وجنسيته. وتشير كوكب الريس إلى “أن شخص الأمين العام لجامعة الدول العربية - سواء أكانت دبلوماسية أم هادئة أم عنيفة - وحتى جنسيته والدولة التي ينتمي إليها، كل هذه العوامل تلعب دوراً أساسياً ومحورياً في تعزيز العمل العربي المشترك أو تعقيده، وحتى عرقلته وإعاقته”. وتستعرض شخصيات الأمناء العاميين للجامعة العربية، وتطور ارتباط دور الأمين العام للجامعة العربية بعد عودتها من تونس إلى القاهرة بخطوات وتحركات السياسة الخارجية المصرية أولاً وأخيراً. وتوثق لذلك عبر أحداث وآراء وردت في الصحافة المصرية والعربية.

- الفصل الرابع بعنوان مؤتمرات القمة العربية وحياد الأمين العام ودولة المقر. وتعرض المؤلفة إلى أن في فترة الأمين العام عصمت عبد المجيد ولمدة 10 أعوام من 1991 إلى 2001 لم تعقد قمة عربية واحدة رغم الأحداث المشتعلة في العالم العربي. واستعرضت أوضاع وقضايا القمم العربية التي تمت بعد ذلك أثناء فترة تولي الأمين العام الحالي وما انتابها من قصور أو تهميش لبعض القضايا أو حتى طلبات بعض القادة العرب.

- الفصل الخامس بعنوان الجامعة العربية والاتحاد من أجل المتوسط - وعنوان جانبي “تطبيع مجاني مع “إسرائيل” استناداً إلى عنوان ورد في جريدة الأهرام.

- الفصل السادس بعنوان جامعة عربية… أم مصرية؟ مشيرة إلى مقولة السادات : “العرب من دون مصر يساوون صفر”.

وتقول كوكب الريس في هذا الفصل:

- “وهكذا نصب عصمت عبد المجيد وعمرو موسى نفسيهما أمينين عامين فقط للدفاع عن حقوق الكوادر المصرية، في وجه مرشحي الدول العربية الأخرى الذين وصفهم عصمت عبد المجيد بأنهم “تنابلة السلطان” في مقابلة أجراها معه الإعلامي عرفان نظام الدين في محطة MBC الفضائية خلال شغل عبد المجيد منصب الأمين العام في التسعينات، فيما عقد عمرو موسى مؤتمراً صحافياً لدى تسلمه منصبه في ربيع 2001، وقال إن مقر الأمانة العامة للجامعة العربية في القاهرة ليس “جراجاً”، وفي هذا إشارة إلى الكوادر العربية من غير المصريين، الذين وصفهم موسى في قمة تونس 2004 “بالضعف كما وكيفاً”.

وأوردت الكاتبة في هذا السياق آراء الكثير من كبار الكتاب والمفكرين المصريين أنفسهم في المؤسسات في مصر وفي من يديرونها.

- أما الفصل السابع فيحمل العنوان التالي: آراء الحكام والمسئولين العرب في منصب الأمين العام للجامعة العربية وتذكر الكاتبة الكثير من الآراء والمواقف التي وردت على ألسنة عدد من الزعماء العرب تجاه الأمين العام للجامعة العربية موثقة ذلك بدلالة كبرى.

- والفصل الثامن يحمل عنوان: “جامعة بلا شخصية وميثاق من غير أخلاق” - وهي جملة لأحمد الشقيري.

وتختم كوكب الريس كتابها بسؤال مهم بعد أن استعرضت أوضاع الجامعة العربية وما آلت إليه إدارياً وسياسياً فنسأل: “إذاً أين” الماهية “العربية في جامعة الدول العربية؟”.

وتستند كوكب الريس في كتابها إلى عدد كبير من الوثائق أفردت له ملفاً خاصاً جاوز نصف حجم الكتاب من بروتوكول الإسكندرية وميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع المشترك وميثاق التضامن العربي ورحلة السادات إلى (إسرائيل) وملحق خاص بشأن الانعقاد الدوري لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة وعقد التنمية العربية ومشروع الإتحاد العربي ، والإعلان عن قيام جامعة الوحدة العربية وغيره.

إن كتاب جامعة الدول العربية ماذا بقي منها؟ وثيقة حية ، وكتاب ذكي ومستند إلى التوثيق لكاتبه ودبلوماسية ذات خبرة عريقة في مجال عملها، وهو صرخة موجعة ضد الانهيار الداخلي للمؤسسة بكافة أشكاله، وهو أيضاً إشارة تنبيه حمراء لاستعادة مصداقية الجامعة الإدارية والسياسية وقد دفعت كوكب الريس ثمن تجربتها من عمرها، وفكرها، وغربتها ورغم أنه كتابها الأول إلا أنه يبشر بولادة كاتبة سياسية مهمة ومن الطراز الرفيع.

القاهرة: 27/ 9/ 2009

::::

موقع: “كلنا شركاء”، سوريا.

( *** )

الجامعة العربية تحقق مع االسفيرة والكاتبة ظبية خميس بتهمة عرض كتاب عن الجامعة اقرأ مقال ظبية خميس الذي كان سبب التحقيق معها اسفل الخبر الخميس 29/10/2009 الجيران ـ القاهرة ـ وار ـ أحالت الجامعة العربية السفيرة والكاتبة الأماراتية ظبية خميس الى التحقيق بتهمة عرضها لكتاب “جامعة الدول العربية ما الذي تبقى منها “! . وظبية خميس تعمل وزير مفوضة ومديرة أدارة شؤون قسم البعثات والمراكز في الجامعة العربية فضلا عن كونها كاتبة وشاعرة ومترجمة إماراتية بل هي واحدة من ابرز الشخصيات العربية الابداعية .

وقد قامت الكاتبة ظبية خميس بعرض لكتاب : « جامعة الدول العربية ما الذي تبقى منها ؟!» للكاتبة كوكب نجيب الريس، نشره في مدونة على شبكة الانترنت.. مما أثار اعتراض أدارة الجامعة العربية التي لجأت الى التحقيق مع الكاتبة بأعتبارها من موظفي الجامعة .

وفي تصريحات صحفية اكدت الكاتبة أنها ستخضع بالفعل للتحقيق حول هذا الموضوع، دون أي سند قانوني أوموضوعي، وأنها قدمت احتجاجا رسميا لمراجعها الوظيفية، ومن بينهم الأمين العام لجامعة الدول العربية، تتساءل فيه عن دوافع هذا التحقيق، وتتمسك فيه بصفتها كاتبة وأديبة.

وتقول فيه : بصفتي كاتبة ودبلوماسية أنظر إلى مثل القرارات المذكورة أعلاه كشكل من أشكال استخدام سلطتكم السياسية والإدارية لإرهابي فكرياً ووظيفياً».

كما أكدت ضرورة تمسك قيادة الجامعة بـ «حقوق الإنسان وحرية التعبير ومناصرته للثقافة».
هذا إلى جانب التساؤل بالحاح عن جدوى هذا التحقيق ودوافعه، لكنها لم تتلق أية اجابة، بل «شكلت لها لجنة تحقيق» ، بدلا «عن لجنة المساءلة الاولي» حسب تعبير ها.

يشار إلى ان الكاتبة السفيرة ظبية خميس المهيري تعمل وزيرة مفوضة ومديرة إدارة شؤون البعثات والمراكز بجامعة الدول العربية، ولدت عام 1958 في دبي. وحصلت على بكالوريوس العلوم السياسية من جامعة إنديانا 1980، وأتمت دراساتها العليا في جامعتي إكستر ولندن 82- 1987 والجامعة الأميركية بالقاهرة 92- 1994، و عملت نائبة مدير إدارة التخطيط بأبو ظبي 80- 1981، ومشرفة على البرامج الثقافية في تليفزيون دبي 85- 1987، ودبلوماسية باحثة بجامعة الدول العربية منذ 1992، مارست في نفس الوقت العمل الصحفي في مجلات وصحف عربية مختلفة. انتقلت للعيش في القاهرة مع بداية عام 1989.

دواوينها الشعرية: خطوة فوق الأرض 1981- الثنائية: أنا المرأة الأرض كل الضلوع 1982- صبابات المهرة العمانية 1985- قصائد حب 1985- السلطان يرجم امرأة حبلى بالبحر 1988- انتحار هادئ جداً 1992- جنة الجنرالات 1993- موت العائلة 1993.

أعمالها الإبداعية الأخرى: عروق الجير والحنة ( قصص) 1985- خلخال السيدة العرجاء (قصص).ومن مؤلفاتها:الشعرية الأوروبية - ديكتاتورية الروح - الشعر الجديد- شعراء البارات والمقاهي والسجون. إلى جانب ترجمات من لغات أخرى إلى العربية.

:::::

موقع الجيران

http://www.aljeeran.net/wesima_articles/reports-20091029-159868.html

______

كتاب: “جورج حبش: الثوريون لا يموتون أبداً”

31 أكتوبر 2009

مقدمة الكتاب بقلم أنيس صايغ

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2061 )

أعترف بأني أشعر بشيء من الرهبة التي تبعث بعضاً من تحفّظ وتردّد وأنا أشرع في كتابة هذا التقديم لمذكرات جورج حبش. إنه أشبه بورع المؤمن حينما يلج مصلّى للتعبّد. حيث يتضاءل الإنسان ويكاد يتلاشى بفعل ما يسمع من ترتيل وتكبير ودعاء، وما يحيط به من خشوع وتقوى. هذا ما يفعله عالم جورج حبش بالمرء الذي يحاول أن يسبر غور هذا العالم وأن يتعرّف إليه وأن يُعرّف غيره به. فجورج حبش، من بين المئات من زملائه ورفاقه في مراكز القيادة في دنيا العرب، ومن بين عشرات الآلاف من مناضلي شعبه على مدى قرن من الزمان، معلمٌ بارز ومنارة متميّزة، بل هو ظاهرة فريدة أضاءت لمرحلة طويلة من تاريخنا القومي، والنضالي خاصة، المعاصر، وبنت حولها هيكلاً شامخاً يلتحق به ويعمّره ويخصّبه ويطوّره كل من استنار بفكر حبش وتدرّب على أسلوبه ودرس تجربته واعتنق دعوته ورفع رايته وشارك في حمل رسالته. إنه هيكل حاول المؤسّس القائد أن يحفظ له نقاوته ويصون براءته ويرسّخ مصداقيته، مقارنة مع هياكل وبيوت نضال حوّلها بعض مؤسّسيها أو قادتها أو الدخلاء عليها إلى مغارات للّصوص وتجار المبادئ ومزوّري الشعارات. غير أني لا أقدّم لكتاب عن رجل اسمه جورج حبش بل لمذكرات قيّمة لهذا الرجل الذي كُتب عنه الكثير في مدى نصف قرن وما زال حتى اليوم يستحق أن يحظى بكثير آخر من الكتابات والمعالجات ومحاولات التعرف إليه والتعريف به. وأنا أحرص على أن أدعوها «مذكّرات» وإن كانت نوعاً غير مألوف كثيراً من المذكّرات. صحيح أن صاحبها لم يسجّلها بنفسه، ولا اختار هو بالذات موضوعاتها وحلقاتها، بل كانت مادّتها إجابات عن أسئلة طرحها غيره عليه (وغيره، في هذه الحالة، صحافي أجنبي). لكنّ أحاديثه هذه، وإجاباته عن أسئلة الصحافي واستفساراته، جاءت عفوية وشاملة وصادقة لا تقلّ في قيمتها وصدقيّتها وأثرها عن صفحات أيّ سيرة ذاتية ومذكّرات شخصيّة. والخوف الذي ينتاب المرء أحياناً حينما يقرأ هذا النوع من المذكّرات (ولنسمِّه المذكّرات غير المباشرة) إنما مبعثه أن يكون الكاتب/المحرّر الذي قام بالتسجيل قد تلاعب بردود محدّثه محور المقابلة (أو قد زوّر أو بدّل أو أضاف أو حذف، وغير ذلك من ألوان التدخّل المرفوض والمسيء إلى كلٍّ من صاحب السيرة والقارئ، وإلى علم التاريخ ومصداقيّة التوثيق). وكذلك أن يكون المحرّر قد فرض على صاحب السيرة أسئلة معيّنة وتجنّب نواحي أخرى من حياته، عن جهل أو سوء نيّة، ولا فرق بين الاثنين من الناحية العملية. لكنّ هذين المحظورين الخطِرين والخطيرين سقطا هنا في حال كتابنا هذا. فمن الجهة الأولى انكبّ الصحافي (وهو خبير إلى حدّ ما في الشؤون العربية مع أنه أجنبي) على دراسة المرحلة الحاضرة من تاريخنا المعاصر، الفلسطيني والعربي، عموماً، وعلى دور حبش، وحركته القومية العربية وجبهته الشعبية الفلسطينية، في أحداث هذا التاريخ المعاصر، وعلى تأثير حبش في الأحداث المتعاقبة، وعلى انعكاسات هذه الأحداث على الرجل وحركته وجبهته. وكانت محاور المقابلات التي تضمّنها هذا الكتاب (وقد استغرقت أكثر من تسعين ساعة) تشمل كل الوقائع التي كان لحبش دور مباشر فيها، وجاء الكتاب، بالتالي، سجلاً تاريخياً كاملاً لعالم جورج حبش وسيرته النضالية. وحرص جورج حبش في الأشهر القليلة التي امتدّت بين عقد هذه المقابلات ورحيله (كما حرصت أسرته من بعد رحيله: زوجته وابنتاه اللواتي رافقن من قبل جلسات الحوار الطويلة مع صاحب السيرة) على التدقيق المعمّق المضني في الصيغة التي جاءت بها الأحاديث على صفحات الكتاب مع الصيغة الأصلية المسجّلة على الأشرطة. وهكذا يسقط أي زعم (وقد يكون زعماً مغرضاً يُساء به إلى صاحب السيرة أو إلى محرّرها) بأن المادة ليست مذكرات بالمعنى الضيّق لأن الكاتب هو صحافي أجنبي وليس صاحب السيرة نفسه. والواقع أنه إذا كانت المقابلات قد استغرقت أكثر من تسعين ساعة فإن التدقيق والتفحّص قد استغرقا مئات الساعات. حتى أنني أستطيع أن أؤكد هنا أنّ ردود حبش على الأسئلة التي وجّهت إليه هي صحيحة مئة في المئة، وهي تنطبق تماماً على ما أراد صاحبها أن يقول معبّراً به عن أفكاره ومواقفه. حتى أصبح من المبرَّر أن نزعم أن محتويات الكتاب تتساوى تماماً مع أيّة سيرة ذاتية يسجّلها صاحبها، سواء من حيث المصداقية أو من حيث الشمول والإحاطة التامة بحياة إنسان تشعّبت مجاريها وتعدّدت اهتماماتها وحفلت أيامها ولياليها بالعطاء والجهد والأثر، سواء على الصعيد الشخصي لصاحبها وأسرته أو على الصعيد الوطني والقومي العام. مع الإشارة هنا إلى أن الحوار الذي جرى إنما كان آخر أحاديث حبش قبل رحيله. وهذا الأمر يجعل الكتاب أكمل من أي كتاب آخر في حياة حبش … لا شك في أن القارئ أخذ ويأخذ فكرة جيّدة عن جورج حبش في قراءاته عشرات المطبوعات السابقة. إنه يتعرّف من خلالها إلى تاريخه الشخصي وعلاقاته بأحداث بلده وأمّته، فلسطينياً وعربياً. ويتعرف كذلك إلى جهوده وأعماله ونضاله السياسي والتنظيمي والحزبي والمجتمعي، وإلى المؤسس والقائد والرمز والطبيب والمنظّم والمحاور وغير ذلك

إن كلاًّ من تلك الصفحات يظهر بشكل أو بآخر في هذا الكتاب أو ذاك من بين آلاف الصفحات التي تناولت جورج حبش. غير أنني أعتقد أن جورج حبش الإنسان، الإنسان بكل ما في الكلمة من معنى سامٍ ورفيع، لا نراه مثلما نراه ونتعرف إليه في مذكراته التي بين أيدينا: ليس الإنسان السياسي والمناضل والمفكر والقائد فقط بل الإنسان الذي صبغ السياسي والمناضل والمفكر والقائد بصبغة خاصة من الإنسانية، أو الأنسنة الخاصة التي يتميّز بها عن سائر زملائه من السياسيين والمناضلين والمفكرين والقادة. إن جوهر الإنسان في جورج حبش هو الحب: حبّ الآخرين، حبّ الغير. ذلك الحب الذي يتحوّل تلقائياً إلى تفانٍ في خدمة الآخرين واستعداد للبذل والعطاء المستمرَّين، بكرم وطيب خاطر وتضحية بدون حساب، وإلى اعتبار الآخرين في رأس أولويات الحياة وإيثارهم بالعطاء والاهتمام ولو على حسابه الخاص، الشخصي والعائلي الضيّق والواسع. فلا المنصب ولا المركز أو الموقع، ولا سعة العيش ورغدها، تسمح له بأن يحيل الآخر فصيلاً كان أو شعباً أو طبقة أو قضية إلى درجة ثانية أو مؤجّلة إلى أن يحقق شؤونه الخاصة

حياة جورج حبش هي سلسلة من الأعمال الشاقّة على طريق النضال من أجل مبادئ معيّنة: تحرير فلسطين ووحدة العرب ورفاهية المجتمع، ومقاومة العدو (صهيونياً كان أو استعمارياً، أو عميلاً عربياً أو فلسطينياً، أو مستغلاً أو مستبداً أو ظالماً محلياً). على هذا الدرب النضالي يهون السجن والاعتقال والتشرّد، وتصبح حماية الوطن وصيانة القضية أهم بكثير من حماية الذات والأشخاص. وشرط هذا الاستعداد لبذل التضحيات المتواصلة أن يتمّ بلا شكوى ولا تذمّر ولا أنين ولا عتب ولا نفاد صبر. جورج حبش الإنسان الذي نكتشفه في هذا الكتاب هو إنسان متصالح مع نفسه وراض عن قدر وحال قبل بهما وقنع بأن لا معنى لحياته بدون السعي المتواصل، الحافل بالعطاء والشقاء، لتحقيق القِيَم الإنسانية العليا: الحرية والاستقلال والسيادة والوحدة، ورخاء المجتمع ورفعته وعدالته والمساواة بين أبنائه وعناصره. إننا نقرأ في مذكرات جورج حبش، في عشرات الأماكن والصيغ والأشكال، حبّه لزوجته وابنتيه، وامتنانه لهنّ واعترافه بأثرهنّ في مواصلته النضال ولو على حساب راحته وراحتهن. ونقرأ تقديره لرفاقه في العمل النضالي، الحزبي والتنظيمي والحركي

ونقرأ اعترافه بحمله المبادئ أو المفاهيم الأخرى، المغايرة أحياناً لمبادئه ومفاهيمه والمتنافسة بل المتصارعة معها في أحيان كثيرة. نجد في هذه المشاعر والمواقف النادرة في المجال السياسي والحزبي العربي (والفلسطيني) المعاصر اعترافاً بالآخر قائماً على حقه في الاختلاف. والأمثلة كثيرة: إنه يتحاشى ذكر أسماء معظم المسيئين إليه، من خصوم في الساحة السياسية ومن رفاق درب منحرفين وآبقين وضالّين ومن أصحاب غايات خاصة وطامعين بمكاسب غير شرعية وساعين وراء صفقات مشبوهة. ومن اللافت أنه لم يذكر أسماء أيّ من هؤلاء المتآمرين عليه وعلى قضيته ومنظمته إلا في حالتين اثنتين فقط حيث اضطرّ إلى ذكر اسمي رجلين تآمرا عليه وحاولا اغتياله، وذلك لأن الاسمين معروفان جيداً ولم يكن بالإمكان إخفاء هويّة أيّ منهما. .. إن من يتتبّع مسيرة جورج حبش النضالية على مدى خمسين عاماً على الأقل لا يستطيع أن يتجاهل وجود علاقات خاصة طبعت تلك المسيرة مع قائدين فلسطينيين كبيرين هما وديع حدّاد وياسر عرفات

كانت علاقة حبش بحدّاد، التي بدأت وهما على مقاعد دراسة الطبّ في الجامعة الأميركية في بيروت منذ أواخر أربعينيّات القرن الماضي، مضرباً للمثل لا من حيث توثّقها وعمقها وصفاؤها واستمرارها طويلاً، ولا من حيث المشاركة الكاملة في كل الأعمال والجهود ومجالات النضال والتأسيس والتأثير والمواقف، فقط، بل أيضاً من حيث البذل والتضحية والوفاء للالتزامات الوطنية والقومية. حتى أصبح كل من «الحكيمين» توأماً فكرياً ونضالياً للآخر. إلى أن اجتهد كل منهما، وبعد عشرين سنة، اجتهاداً مختلفاً عن الآخر في مجال أسلوب النضال من أجل المبادئ التي آمنا بها إيماناً مشتركاً كاملاً. وافترق الحكيمان والتوأمان، وتابع كل منهما مسيرته النضالية بحسب أسلوبه المختلف عن أسلوب زميله. وتلك واقعة تحصل بين الرفاق والزملاء دائماً وفي كل مناحي العمل السياسي والحزبي. لكننا في حالة حبش ـ حداد لا نسمع من أي منهما كلمة واحدة تسيء إلى الآخر أو تطعن به أو تغمز من قناته. ظل الاحترام والتقدير وسموّ المشاعر والتعابير بينهما بعد افتراقهما بالقوة والقدر نفسيهما اللذين كانا يميّزان علاقاتهما في السنوات العشرين التي سبقت الفراق. وقراءة ما ذكره حبش عن رفيقه عند رحيله تدلّ على صفاء حبش. ولا شك بأن حدّاد لو بقي حياً عند رحيل حبش لكان نطق بالمشاعر النبيلة نفسها

ومن الجهة الأخرى، يستدلّ متتبّع العلاقة السياسية بين جورج حبش وياسر عرفات على اختلاف كل من القائدين الفلسطينيين الكبيرين طيلة الأربعين عاماً التي اشتركا خلالها في العمل السياسي الفلسطيني/العربي، وكان لكل منهما أسلوبه الخاص البعيد جداً عن أسلوب الآخر. بل كان كل من الأسلوبين نقيضاً للآخر. وكان كل من الرجلين نقيضاً للآخر. لكنّ حبش، الذي يتحدّث مطوّلاً عن خلافاته مع عرفات واختلافاته معه في المفاهيم والأساليب والأدوات والأداء، لا يُخفي عاطفة ودّية خاصة تجاه خصمه في عشرات الأماكن، ويحاول أن يقدّم لنا أحياناً صورة لعرفات تغاير الصورة التي يتخيّلها الآخرون من معارضي نهج عرفات. وعندما رحل عرفات كانت كلمات حبش تصدر من قلب محبّ وحنون ولا علاقة لها بالصراع السياسي. لن أسترسل في الأمثلة على أصالة قائد يعلو في صراعاته السياسية فوق المستوى المألوف ويصرّ على الحفاظ على نقائه ونبله لأن ذلك الصفاء يتوافق مع معتقداته وأساليبه في العمل ومواقفه من الآخرين، حتى لو كان الآخرون يتعاملون معه بطرق أخرى. وأكاد أقول إن حبش ما كان يستطيع أن يتصرّف تصرفاً آخر

إن ضميره وقلبه ووجدانه وتربيته ما كانت لتسمح له بأن يكون غير ما كان عليه طيلة حياته وفي جميع ممارساته. ومثل أي قائد سياسي، نجد جورج حبش في مذكراته يدافع عن مواقف وسياسات معيّنة، فلسطينية وعربية ودولية، اتخذها في حياته شخصياً أو عبر الحركة أو الجبهة التي تولّى قيادتها، وربما كان بعضها يتعارض أحياناً، ولو شكلياً، مع إجراءات أخرى قام بها، ولا شك بأن بعضها يتعارض مع آراء سياسيين آخرين ومواقفهم. وقد يقنعك هذا الدفاع (أو التحليل أو التفسير أو التبرير) وقد لا يقنعك. فالمسائل سياسية وعالم السياسة واسع ويحتمل الاختلافات، بل التناقضات أيضاً. وكما كان الزعيم الكبير جمال عبد الناصر يقول فإن من لا يعمل أو من لا يأخذ مواقف محددة لا يجد من يعارضه. ومن المنطقي أن تكون أعمال حبش التي لاقت تأييداً واسعاً، من الجماهير ومن النخبة ومن المحازبين، قد لاقت أيضاً وفي الوقت نفسه معارضة من قطاعات أخرى من الجماهير والنخب والجماعات المعارضة له. والمهم في هذه الأحاديث مع محاوره أن حبش مرّ على هذه المسائل كلّها، ولم يتهرّب من أي منها، وكان في جميع أجوبته واضحاً ومنطقياً

وأحسب أنه كان مقنعاً في معظم الأحيان إنني، كدارس للتاريخ، أرحّب بصدور هذه المذكرات وأحيّي الجهد الذي بذلته السيدة هيلدا وابنتاها ميساء ولمى في الإشراف على إعداد المذكرات في صيغتها العربية، وأُكبر العمل الشاق الذي قام به الصحافي الفرنسي جورج مالبرونو

وأنا كفلسطيني يؤمن بتحرير فلسطين من بحرها إلى نهرها وكعربي يؤمن بوحدة الأمة عبر نضال مشترك، ألمح في سيرة جورج حبش بريقاً قادراً على هداية الأجيال الطالعة نحو طريق يصل بنا نحو التحرير والوحدة وما يتبعهما من عدالة وحداثة وحرية ومساواة، وهي كلها مُثل التزمها صاحب السيرة وكرّس لها حياته الحافلة بالعطاء. إن الوفاء الأكبر من الأجيال الطالعة لجورج حبش يتمثل بأن لا يبقى الرجل مجرّد ظاهرة فريدة في زمانه. فالمطلوب والمأمول أن ينهض بين هذه الأجيال من يجسّد ظاهرة جورج حبش النادرة ويجدّدها

وبذلك يكون الرجل قد أدّى رسالته ورحل مرتاح البال

:::::

http://farewellhakeem.blogspot.com/2009/10/blog-post_25.html

أوضاع الإقليم الكبير، أو الدار الكبيرة

30 أكتوبر 2009

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2060 )

في ظلّ الاحتلال الفرنسي، قبل أكثر من خمسين عاما، نشر الأديب الجزائري محمد الديب روايته الشهيرة (الدار الكبيرة) فشبّه القطر الجزائري بدار كبيرة واحدة تسكنها عائلة كبيرة واحدة مكوّنة من مختلف أنواع الأسر الجزائرية، وكيف أنّه، على الرغم من استقلال كلّ أسرة بغرفة من غرف الدار، كانت حياة الأسر واحدة، متداخلة عائلياً تداخلاً يبلغ حدّ الانصهار، بحيث لا سبيل لخلاص أسرة من الشقاء والبؤس والذلّ والهوان إلاّ بخلاص العائلة بمجملها، فاستقلال الأسرة في غرفتها كان وهميا،ً ولم يكن يعني الخلاص، طالما أنّ العائلة لم تكن كذلك، وبالطبع فإنّ الخلاص المقصود هو التحرّر من نير الاحتلال العسكري والاستعمار الاستيطاني العنصري!

على طريقة الأديب الجزائري، إنّما مع بعض التعديلات الشكلية، يمكن وصف الأقاليم العربية الأربعة بالدور الكبيرة أو العمارات الكبيرة: الإقليم المغاربي، وإقليم وادي النيل، وإقليم بلاد الشام والعراق، وإقليم الجزيرة العربية! إنّها الأقاليم التي يتشكّل منها الوطن الكبير وتسكنها الأمة الواحدة، والتي يمكن تشبيه كلّ واحد منها بالدار أو العمارة، وتشبيه سكانه بالعائلة الكبيرة، وأقطاره بالغرف الأسرية الصغيرة!

والآن، عندما نطلق من مواقع أقدامنا وننظر إلى واقعنا المعاش، المباشر والملموس، في إقليم بلاد الشام والعراق، ما الذي نراه بالعين المجرّدة، ونلمسه باليد العارية، في هذه الدار أو العمارة الكبيرة؟

إننا نرى الأعداء الأجانب وقد احتلّوا دورين أو طابقين بكاملهما من هذه العمارة، ونراهم وقد احتلّوا غرفاً أو شققاً من البيت الواحد أو الطابق الواحد من الطوابق الأخرى، بحيث أصبح حوالي ثلثي بيوت العمارة محتلاُ، وأصبح حوالي ثلثي السكان، من الأسر أبناء العائلة الواحدة، يعيشون تحت سلطة الاحتلال، أو يتشبّثون بركن من أركان البيت، أو يلجؤون إلى بيوت إخوانهم غير المحتلّة، أو يعيشون على مقربة في العراء، أو يهيمون على وجوههم خارج الإقليم وخارج الوطن الكبير! فإذا كان الحال كذلك، وهو كذلك حقاً، فأي استقلال يمكن أن يكون باقياً للثلث المتبقّي من البيوت، أو من الطوابق/الأدوار، أو من الدار/ العمارة الكبيرة، أو من الإقليم؟

إنّ المساحة الإجمالية لإقليم بلاد الشام والعراق هي في حدود 755244 كيلو متراً مربعاً، أمّا المساحة الإجمالية المحتلة منها فهي في حدود 463784 كيلو متراً مربعاً! أي معظمها! فمن يجرؤ على القول أنّ الإقليم (أو الدار/العمارة) ليس محتلاً بكامله بالمعنى الاستراتيجي للكلمة؟

وإنّ العدد الإجمالي لسكان إقليم بلاد الشام والعراق يتراوح ما بين 60 إلى 70 مليوناً، غير أنّ ثلثهم أو نصفهم تحت الاحتلال المباشر وتحت مطرقة الاستيطان والاستئصال! فكيف يمكن لأحد منّا أن يجرؤ على القول أنه خارج نطاق الاحتلال، وفي منأى عن الخطر، متناسياً حقيقة شمول الاحتلال لجميع سكان الإقليم، أو الدار/ العمارة، أيضاً بالمعنى الاستراتيجي للكلمة؟

غير أنّ الأكثرية الساحقة من سكان الإقليم (من العائلة المشرقية الشامية العراقية) تعي جيّداً أنها إن تناست حقيقة الاحتلال وشموليته فسوف يبقى مصيرها جميعها في مهب الرياح والضياع والعذاب آجالاً قد تقصر أو تطول، هذا إن نجت من الهلاك، وبناءّ على ذلك فهي تستوعب جيّداً الأبعاد الوجودية لما يحدث في فلسطين (والعراق) حيث يريد العدو الاستيطاني اختصار الأسرة الفلسطينية من عشرة ملايين إلى أربعة ملايين، ويريد من الأربعة ملايين فلسطيني أن يندثروا ويذوبوا في الطبقة السفلى من بنيته الاستيطانية العنصرية (الاقتصادية)، ويريد اختصار مساحة البيت الفلسطيني من 27 ألف كيلو متر مربع إلى حوالي ستة آلاف كيلو متر مربع، هي الضفة والقطاع، على أن تكون هاتين المنطقتين مزروعتين بالمستعمرات الاستيطانية، وأن تعيش أشباح الفلسطينيين في كانتونات مطوّقة بالأسلاك والقضبان والجدران العازلة، أي في ما يشبه الحظائر في حدائق الحيوان، بل في ما هو أسوأ منها!

في مقابل هذه الصورة الواقعية القاتمة لإقليم بلاد الشام والعراق ولسكانه (العائلة الواحدة في الدار الكبيرة الواحدة) هناك افتراض واقعي هو أن ينجح سكان هذا الإقليم في امتلاك إرادتهم، وفي انتزاع واسترداد حقوقهم الدنيا في الاستقلال والحرية، وهو الأمر الممكن طبعاً، فكيف سيكون حالهم عندئذ؟

من دون الحديث عن الأقاليم الأربعة الشقيقة مجتمعة، التي يعني نهوضها الموحّد المستقل تغيير العلاقات الدولية أو تغيير العالم قطعاً، فإنّ حجم هذا الإقليم العراقي/الشامي، جغرافياً وبشرياً، يسمح بقيام دولة موحّدة، أو اتحادية (أو كونفدرالية) ولا نقول قيام وحدة اندماجية، تحتل في حال قيامها موقعاً دولياً مكافئاً لتركيا، أو إيران، ومتكاملاً معهما إيجابياً استناداً إلى الوشائج التاريخية الحميمة الموغلة في القدم التي تجمعه بهما (وهو ما يحدث بينهما وبين سورية) ولن نذهب بعيداً ونقول أنّ نهوض هذا الإقليم لوحده حرّاً مستقلاً موحّداً سوف يجعله مكافئاً لروسيا أو بريطانيا، حيث الخصائص الثقافية والعلمية والعملية التي يمتلكها الإنسان في هذا الإقليم لا تقل عن الخصائص التي يمتلكها الإنسان الروسي أو الإنكليزي، وحيث المعضلة تتلخص بالضبط في افتقاره إلى الشرط السياسي، ففي غياب الشرط السياسي تحديداً تحوّلت الأرقام الجغرافية والبشرية العراقية/الشامية الكبرى، في معظمها، إلى مجرّد أصفار!

تلكم هي حال العائلة الشامية/ العراقية في حاضرها المرفوض ومستقبلها المنشود، ولن نتحدث هنا عن بقية أطراف الأمة الكبيرة التي تعدّ أكثر من 350 مليوناً، وتنتشر مجزأة مبعثرة محاصرة على مساحات تعادل قارة: 14 مليون كيلو متراً مربعاً! ليس تجنّباً للتهمة الساقطة: “الرومانسية والقومجية”! بل لأنّ هذا الوصف لحال هذا الإقليم ينطبق في الأساسيات على الأقاليم الثلاثة الأخرى.

الورقة المصرية الجديدة: اتفاقية للوفاق أم لشرعنة التنازلات؟

30 أكتوبر 2009

محمد العبد الله

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2060 )

جاءت نتائج إعادة طرح تقرير غولدستون في الجلسة الخاصة لمجلس حقوق الانسان العالمي في جنيف، لتهدىء قليلاً حالة الغضب الشعبية الواسعة التي استهدفت كل مكونات سلطة رام الله المحتلة، أفراداً ومؤسسات، لكنها لم توقف الحملات الاعلامية المتبادلة بين رموز وهيئات السلطة، وقوى المعارضة الفلسطينية _فصائل وهيئات أهلية وشخصيات سياسية وفكرية واعلامية مستقلة_ المتصاعدة على خلفية الصيغة المصرية الجديدة لـ”المصالحة”، التي تضمنتها “اتفاقية الوفاق الوطني الفلسطيني _ القاهرة 2009″. خاصة وأن الموقف الرسمي المصري، كان حاسماً في الطلب من الفصيلين المتنازعين ” فتح و حماس” التوقيع على الاتفاقية، لأنها ” غير قابلة للتعديل أو التطوير أو المناقشة “!.

مابين الورقة السابقة “الرؤية المصرية لإنهاء حالة الانقسام الفلسطيني” التي استلمتها الفصائل في العاشر من شهر أيلول/سبتمبر الفائت، والورقة الجديدة “اتفاقية الوفاق… ” التي استلمتها “فتح وحماس” في العاشر من هذا الشهر، جرت مياه كثيرة في نهر الخلاف، مما أدى لارتفاع منسوب التجاذبات على أكثر من صعيد. وإذا كان مفهوماً مبررات السرعة الخاطفة التي جعلت “فتح” تضع توقيعها على الاتفاقية، نظراً لما تضمنته من ترسيم وشرعنة للسلطة، ومركزة لـ”السلطات” بيد رئيسها المنتهية ولايته منذ شهر كانون الثاني/يناير المنصرم، الذي أصبح “المرجعية” للعديد من اللجان والهيئات” لجنة الانتخابات، لجنة تنفيذ المصالحة، لجنة تفعيل منظمة التحرير، الهيئات الأمنية”. فإن رفض حماس التوقيع الفوري على الاتفاقية، يجد له مسوغاته الكثيرة نظراً لخطورة هذه القضايا، التي حاول وفد قيادي رفيع المستوى اجتمع مع مدير المخابرات العامة بالقاهرة، توضيح أسباب ذلك، لأن الحركة فوجئت بإضافة صلاحيات ومهمات جديدة لرئيس سلطة الحكم الذاتي المحدود، لم تكن مدرجة في الورقة السابقة “الرؤية المصرية…” مما يتطلب ذلك مناقشة تلك المستجدات. لكن ماتسرب عن ذلك اللقاء العاصف بين عمر سليمان ووفد الحركة يشير إلى استعصاء جدي في حوار الطرفين، انعكس بعد ذلك في عدم سفر الوفد مجدداً للقاهرة تحت تبريرات بروتوكولية، لاتصمد أمام حقيقة رفض القاهرة استقبال الوفد قبل وضع توقيعه على الوثيقة.

وقد جاء الموقف العلني للقوى الفلسطينية والشخصيات الوطنية المستقلة_بعد سلسلة حوارات ومداولات، قبل أسبوع تقريباً_ الرافض لبعض الاضافات الجديدة، ليعبر عن الموقف الوطني الصحيح تجاه الاتفاقية. خاصة وأن هذه الاتفاقية قد غيبت بشكل مقصود الثوابت الوطنية لشعبنا، فالوطن المنكوب باحتلالي عام 1948 و1967 أصبح “الضفة والقطاع”. وشعبنا الذي يخوض معركة صموده في مناطق تواجده على امتداد أرض فلسطين التاريخية، أو من أجل عودته لأرضه من المنافي القسرية، والمغتربات، يصبح فقط ” إبن الضفة والقطاع”. والقدس التي تلتهمها المستعمرات، والرؤى الصهيونية بأن_ القدس العاصمة الموحدة للكيان الاحتلالي_ لم تجد لها مكاناً في الأوراق المصرية المتداولة. وفي هذا الجانب، فإن كلمات الكاتب الكبير “فهمي هويدي” في مقاله الأخير “مغالبة لا مصالحة” قد لخصت بشكل دقيق مخاوف الوطنيين من الاتفاقية (الوثيقة تعاملت بغموض مع عناوين مثل الاحتلال والمقاومة والحصار والتحرير. وكأنها تجنبت التذكير بواقع الاحتلال الذي هو أصل المشكلة، والمقاومة التي هي السبيل الذي لا بديل عنه لمواجهة الاحتلال والحصار الذي هو قضية الساعة، والتحرير الذي هو الهدف الذي يرنو إليه الجميع، وحين تخلو وثيقة الوفاق الوطني من موقف واضح إزاء هذه العناصر الأربعة فإننا نصبح إزاء نص محير، يحتاج المرء إلى بذل جهد كبير كي يحسن الظن به، وتتحول الحيرة إلى دهشة حين يلاحظ المرء أن معدي الوثيقة هونوا من شأن الاحتلال والمقاومة والحصار والتحرير، وإن ذكرت الكلمة الأخيرة فقط حين تمت الإشارة إلى منظمة التحرير، التي تحولت إلى مجرد اسم لا مدلول سياسي له، تماما مثل ميدان التحرير أو مقهى التحرير في قلب القاهرة ).

في ظل الحملة الاعلامية التي تقودها رموز فتح/السلطة في رام الله، عبر البيانات والتصريحات والمؤتمرات الصحفية، واللقاءات التنظيمية الداخلية المنقولة على الهواء _اجتماع المجلس الثوري و اللقاء بكوادر فتح _تتوضح مع كل عبارة، حقيقة الموقف من الحوار. فالحديث عن “الامارة الظلامية” و “تحرير شعب غزة وليس أعضاء فتح فقط من اعتقال حماس لهم، ستكون المهمة الأولى على أجندة قيادات الحركة”، يكشف الخداع اللفظي حين الحديث عن “المصالحة”، لأن الموافقة على اتفاقية الوفاق الآن، وعلى الرؤية المصرية قبلها، هو خطة طريق فتحاوية لانهاء “الإنقلاب الأسود” في غزة، رغم ما يكرره أصحاب خطة الطريق تلك، من حرص على “الاستحقاق الدستوري” المستند على بنود القانون الأساسي للسلطة. والاستحقاق هنا من أجل مَنْ ولمصلحة مَنِْ ؟، خاصة وأن سلطة الحكم الذاتي ليس لديها دستور، مما يؤكد أنها لم تمتلك الاستقلال، بمقدار ما أصبحت “كياناً” يموه الاحتلال ويشيع الوهم بأننا أصبحنا احرارا. اما الحديث عن أهمية الوفاق الوطني لتحقيق المصالحة التي ستترتب في ظلها الانتخابات، فلا يعدو كونه محاولة أخرى لتشويه الوعي ومصادرة الذاكرة الوطنية للشعب. فالوفاق والائتلاف الوطني تجسده القوى السياسية والمجتمعية على قاعدة البرنامج الوطني. وفي وضعنا الفلسطيني، فأي برنامج لا تكون المقاومة والتحرير عناوينه ومضامينه، سيكون برنامجاً للتنازل والاذعان للمحتل. كما أن الانتخابات المعقودة في ظل الاحتلال المباشر أو المستتر، ستكون محكومة وخاضعة لقوانين واشتراطات المحتل، كما تضمنها اتفاق أوسلو المذل، مما يفقدها ديمقراطيتها. فالذهاب لصندوق الاقتراع في المناطق والدول المستَعَمَرة، ليس هو معيار الديمقراطية، بمقدار ما تعني مواجهة المحتل بالسلاح والاعتصام والاضراب، الديمقراطية الصحيحة، لكونها التعبير الحقيقي عن قناعات الشعب. وبالرغم من مشاركة القوى السياسية الفلسطينية بالانتخابات الأخيرة، باستثناء حركة الجهاد الاسلامي التي تميزت بموقف وطني مبدئي ينسجم مع موقفها الرافض لاتفاق أوسلو واستحقاقاته، أكدت من خلاله على القطيعة الكاملة مع المشاركة بالانتخابات او الحكومات، فإن 24% من المواطنين الذين يحق لهم الانتخاب قاطعوا صناديق الاقتراع، وهذا ما يوحي بتكرار المقاطعة وتوسيعها، كما بدأ يظهر من خلال التحرك الواضح داخل مناطق “السلطتين” والداعي لمقاطعة الانتخابات القادمة.

إن الدعوة لـ”المصالحة” في ظل الاشتراطات الامريكية والاوروبية، التي تحدث عنها “جورج ميتشل”، والناطق الرسمي للخارجية، وكما كررها رئيس سلطة المقاطعة في أكثر من مناسبة، ستكون على قاعدة الالتزام بشروط اللجنة الرباعية: وقف العنف _أي المقاومة_، والاعتراف بالكيان الصهيوني، والالتزام بالاتفاقيات الموقعة. وهذا يعني أن تمارس قوى المقاومة الانتحار الذاتي، معلنة شهادة وفاتها.

في ظل هذا المشهد الشديد القتامة، تبدو هناك امكانية للتوقيع “الإلزامي” على اتفاقية الوفاق، بفعل مجموعة التفاهمات/الضغوط المحلية والاقليمية والدولية، لكن التوقيع في حال حصوله، هل يعني صفاء القلوب، والقناعة بالتوحد حول برنامج العمل للمرحلة القادمة، ليبرز تلقائياً السؤال الأهم حول طبيعة ومضمون البرنامج. وهذا يدفع للتساؤل عن مصير الاتفاق الجديد، مقارنة بـ”اتفاق مكة” الذي لم يصمد أمام طبيعة الواقع.

فهل الاتفاقية الجديدة فيما لو تم التوقيع عليها ستصمد أكثر مما صمد الاتفاق السابق؟

سؤال ستجيب عليه الأيام القادمة.

انتحارالعملية السياسية في العراق مسألة وقت لا اكثر!

30 أكتوبر 2009

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2060 )

قد يقول قائل ان الوقت ما زال مبكرا لمثل هكذا مؤشرات، وقد يذهب اخر ابعد من ذلك بوصف مايجري في العراق وكانه حالة مخاض ستلد جنينا مقبلا على الحياة، معتبرا ان سرعة انجاز الدستور الدائم وسرعة الاستفتاء عليه وتتابع عمليات الانتخاب المحلي والعام وتداول ثلاثة رؤوساء وزارة ورئيسين للجمهورية ـ اياد علاوي، ابراهيم الجعفري، نوري المالكي، غازي عجيل الياور، جلال الطالباني ـ على واجهة الحكم فيه، منذ انطلاقة العملية السياسية بعد 9 نيسان 2003 وحتى الان هوعلامة للحيوية والثبوت والثقة بالاستمرار، والبقاء، وان وجود برلمان بخصائص متنوعة، كخاصية الكوتا النسوية 25% نساء، وكذا الحال بالنسبة لتمثيل الاقليات ـ الكلدو اشوريين والشبك والصابئة واليزيدية ـ هي تزكيات لمساره العامر، معتبرا ازدواج الجنسية لنسبة تعادل حوالي 50 % من اعضائه هي علامة انفتاح، ومن باب الكفاءة يترجم اقامة نفس النسبة مع عوائلهم خارج العراق، واصفا اياهم بانهم نواب متمرسين في تمثيل احزابهم المعبرة عن تطلعات كل المكونات العراقية ـ السنية والشيعية والكردية والعربية والتركمانية ـ!

الحقيقة ولكي اكون واضحا اكثر، ليست مجرد نقمتي على الفوضى غير الخلاقة التي تلف العراق من تحت وفوق، ولا على القتل الامريكي المفخخ وغير المفخخ والمشع والمنطفيء الذي يضرب العراق بالطول والعرض باياد جنود بلاك ووتر ومن استخلفهم او برجال الميليشيات السرية والعلنية، وليس لان شخوص العملية السياسية منغمسون حتى الثمالة بكل الهموم المعروفة وغير المعروفة التي تفتح عيونهم عليها مخابرات الامريكان او فيالق الجيران او هموم استقطاع ما يمكن من الجسد المسجى لاقامة امارة كردستان، وليس لان هم الوطن والمواطن لا يعني لهم هم، وليس لانهم ظل من ظلال المحتل الامريكي وشبحه المخيم على كل اعصاب العراق والعراقيين رئسيا وافقيا، ما يجعلني اتوصل الى حقيقية الانتحار القادم للعملية السياسية انما هو واقع الدائرة المغلقة التي تدور بها تلك العملية وحتمية سقوطها بانتحار موضوعي، مسبب بانعدام قوى الدفع الذاتي لديها، وهذا ما يؤدي حتميا الى انفجارها ومن ثم اندثارها غيرالاختياري، اي انها نهاية موضوعية خارج اطار الارادات والرغبات ايا كان منبعها، فهذه العملية مبنية اساسا على اطلال دولة كان مركزها يدور بقوة دفع وحدة وتكامل عناصرها، ولم يكن همها تكتيل المكونات والهويات وانما تكتيل الجميع بالدولة، اي انها وعلى الرغم من كل ذنوبها وعللها كانت نتاج لصيرورة ستؤدي في حالة تواصلها لانطلاقة دولة الامة، دولة المواطن، وتفجير هذه الصيرورة باحتلالها وجعل همها هو تكتيل مكوناتها سيؤدي حتما وباضرورة لانفجار الاطار الذي تسبح به، اطار الدولة العراقية قيد التجاذب بين من ينتخبون على انهم ممثلون لكتل مكوناتهم وليس تمثيلا للمواطن والوطن العراقي، وبطبيعة الحال فان خرائط الطريق التي تسير عليها هي مستنسخة عن خرائط قديمة جديدة لاصحاب المصلحة الاولى في احتلال العراق وتمزيق نسيجه الوطني!!

اذا كان هناك نزوع موضوعي لانتحار العملية السياسية القائمة، اذن ماهو دور العوامل الاخرى التي تعتبر مساعدة على التجسير بين ما هو موضوعي وذاتي من العوامل ؟

من معاينة واقع الحالة العراقية نستخلص ان مقاومة الجسد العراقي للاجسام الغريبة ـ جرعات من الطائفية والاثنية التقسيمية، واعتماد المحاصصة في كل مؤسسات الدولة، رهن اقتصاد العراق بعجلة الاحتكارات العالمية ـ والتي يراد لها ان تهضم وتتمثل داخله، هي واحدة من اهم العوامل التي تربط بين الذات والموضوع في عملية الصراع المحتدم بين قوى ربطت مصيرها بمصير الوصاية الامريكية على العراق وتريد قولبة الواقع بمقتضيات مصالح هيمنتها على السلطة والدولة كمشروع قيد الانشاء، وبين قوى الجسد ذاته ومناعته الداخلية، وهذه المقاومة تجلت بصور مختلفة ومستويات متعددة، منها العسكري والسياسي والاجتماعي والفكري، بل وحتى الاقتصادي!

ان اخطر التجليات لمفعول هذه الجرعات هو الانقسام المؤسسي الحاصل بين كيان الدولة العراقية والكيان الكردي الاستقطاعي المتحقق في شمال العراق، اداريا وعسكريا وسياسيا وثقافيا واقتصاديا ايضا بحيث لم تتبقى اي رابطة اقتصادية تذكر غير تسليم حصة الكيان من الميزانية العامة، علاوة على ان الكيان الكردي وبدعم من قوى اقليمية معروفة ـ اسرائيل ـ وبدفوع من الكارتلات النفطية المهتمة بنفوط شمال العراق بما فيها نفط كركوك، يعمل على نحت قنوات خاصة به لاستجلاب الاستثمارات الاجنبية والتعامل معها مباشرة وبدون تنسيق مع الكيان العراقي، والاخطر ايضا هو بناء قوات مسلحة نظامية ذات عقيدة قتالية غير وطنية ـ عقيدة حراسة الاقليم من اي تواجد عراقي عسكري او مدني فيه ـ!!

ان استمرار وجود العامل الخارجي ـ قوات الاحتلال وامكانياتها الكبيرة ـ كدرع حيوي لحماية استمرار دوران العملية السياسية غير الوطنية الجارية في العراق، هو ايضا اسير لتفاعلات مجمل العوامل الموضوعية والذاتية الخاصة بالعراق وشعبه وبامريكا وسياستها والمؤثرات التي تخضع لها، فالخسائر الكبيرة التي منيت بها وما زالت في العراق والتي اتفق اغلب المحللون على انها اثمان باهضة لنتائج غير مضمونة بل تكاد تكون على كف عفريت في حالة الانسحاب العسكري الفعلي للامريكان من العراق!

امريكا تخوض حربا ضروس في افغانستان وهي ورطة عسكرية وسياسية تستنزفها كثيرا وبلا طائل، والازمة الاقتصادية والمالية المتصاعدة من عقر الدار تنخر العملاق الامريكي وتضعف من ثقل ضرباته وتزيد من تشتته!

امريكا تخيم على الشرق الاوسط الكبير بجناحين كبيرين احدهما في العراق والاخر في افغانستان والاثنين اصابهم حريق من لهيب الجحيم المشتعل، وبمقتضى الدعوة لاطفاء حرائق الاجنحة الامريكية واستعادة الانفاس حتى لو تطلب الامر تغيير في الاولويات الاستراتيجية، رجحت كفة اوباما في منافسة خصمه الجمهوري على منصب الرئاسة. ففقدان الثقة بنهج الحروب الاستباقية وعسكرة السياسة الخارجية جعلت من اوباما وما يعلنه من خطاب تصالحي تغييري هو البديل الانسب لامريكا في هذه المرحلة مرحلة الحرائق!

المقاومة العراقية المسلحة تتفاعل مع المتغيرات في وسط عراقي يتسم بالمقاومة العامة، ولكنها ايضا تعاني من ضغوط ومن تشويه وتأمر مخابراتي امريكي واقليمي ومحلي. فالتصعيد المتعمد لاعمال العنف العشوائي والقتل المجاني ونشر الرعب بارتكاب ابشع المجازر بحق الابرياء من قبل كل خصومها، جعلها تعيد حساباتها كي لا تختلط الاوراق، فالارهابيون هم عينهم المحتلون واعوانهم ومرتزقتهم، وكذا الحال بالنسبة لفرق الموت الايرانية التي تشاغل الامريكان بتقتيل العراقيين، اضافة للمتسللين من جماعات الجهاد القاعدي وغيرهم من التنظيمات المتطرفة، ومع اقتراب ساعة الاستحقاقات الكبرى والتي لاشك في ان للمقاومة العراقية وبكل اشكالها دورا حاسما في تقريبها، تزداد شدة الضغوط لصياغة ترتيبات تؤمن استمرار الحال على ما هو عليه كحد ادنى، فاطراف العملية السياسية اخذت تستعد للاستعانة المباشرة بالولاءات الاقليمية وتحديدا الايرانية بالنسبة للقوى الطائفية الشيعية، والسعودية بالنسبة للطائفيين السنة، اما جماعة البارزاني والطالباني فهم سيعتمدون على مساحة انفتاحهم المغري للاستثمارات الغربية والاسرائيلية اضافة الى اللعب على تناقضات الدول المحيطة بهم!

لهذه الاستحقاقات انعكاساتها على اطراف المقاومة السياسية والعسكرية ايضا، فالسياسية تجدها بقصد ودونه في كل مكان، هي بين الناقمين وبين المؤيدين لكل معارضة سلمية للوضع الشاذ القائم، وليس من باب المبالغة اذا قلنا ان بعضها يعمل داخل حتى ما يسمى بالعملية السياسية الجارية، اما المقاومة العسكرية فهي متواصلة رغم انحسار بعض جبهاتها نتيجة لانسحاب قوات الاحتلال من المدن وتحصنها بالمعسكرات، وايضا لحرص المقاومين المضاعف على عدم التسبب بوقوع ضحايا من المدنيين وتركيزهم على العمليات المضمونة النتائج!

مقاطعة فعاليات العملية السياسية الجارية وتعرية زيف مضامينها وفضح تبعيتها للمحتل الامريكي ووصايته عليها من خلال اطار الاتفاقية الامنية طويلة الامد، هو فعل مقاوم مباشر، لكن ذلك لا يتعارض مع الادوار التي يمكن ان يؤديها كل عراقي يطالب بالتغيير الحقيقي للاوضاع ومن موقعه وفي اي جهاز او وظيفة يعمل بها!

ان الدعوة لمقاطعة الانتخابات القادمة باعتبارها مسرحية ممجوجة لا تغير من حقيقة الاوضاع شيئا هي موقف عام يجب التعامل معه بجدية من قبل كل الاطراف المقاومة لحالة الانحطاط التي يعاني منها العراق وعلى كافة الصعد، فتآكل هذه العملية السياسية بدأ فعليا منذ اقرار دستورها المناقض لتطلعات كل الوطنيين الاحرار في العراق، وهي تنحدر بنفسها من سيء الى اسوء ناقلة اعراضها لكل اطراف الجسد العراقي المثخن بالجروح.

ان نهاية هذه العملية السياسية اللاوطنية حتما هو السقوط المدوي بهاوية الانسداد القاتل الذي يزداد قربا مع اقتراب موعد كل اضطرار امريكي باتجاه الانسحاب الفعلي من العراق، والذي ستعجله ضربات المقاومين وعلى كافة الميادين!

المستشرقون الجدد في إسرائيل

29 أكتوبر 2009

سراج عاصي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2059 )

لعلّ أحد أكبر المفارقات التاريخية في العصر الحديث، كما يرويها كل من الراحل إدوارد سعيد والباحثة إيلا شوحاط من جامعة نيويورك، هي تحوّل اليهود من ضحايا للنظريات المركزية الأوروبية ذات النزعة الاستشراقية إلى منتجين ومصدّرين لها منذ النصف الثاني من القرن العشرين، وذلك بعد أن تبنّى الخطاب الصهيوني عن فلسطين والفلسطينيين المقولات المركزية للاستشراق الغربي ليتحوّل الفلسطينيون في الأدبيات الصهيونية إلى ‘ضحايا ضحايا الاستشراق الغربي’.

في مقاله ‘الصهيونية، الاستشراق والفلسطينيون’ في مجلة الدراسات الفلسطينية (2003) سعى حايم غربر، المحاضر في التاريخ الإسلامي من الجامعة العبرية في القدس، إلى تقويض ثلاثة من الادعاءات المركزية التي يتأسس عليها الخطاب الصهيوني الرسمي حول فلسطين والفلسطينيين. أولا: لم يكن هناك قومية فلسطينية محددة. ثانيا: المجتمع الفلسطيني كان متخلّفا، مشتّتا وغير متماسك. ثالثا: الانهيار المفاجئ لفلسطين عام 1948 كان نتيجة طبيعية لخلل جوهري في بنية المجتمع الفلسطيني. هذه الأطروحات، كما يقول غربر، ليست حكرا على التأريخ الصهيوني الرسمي، وإنما هي مقولات مُؤسسة حتى في أدبيات ‘المؤرخين الجدد’ وعلى رأسهم بيني موريس.

مقال غربر يدحض جل الأطروحات الاستشراقية في الخطاب الإسرائيلي مبرهنا على أن الثورة العربية الكبرى (1936-1939)، وهي الأكبر في تاريخ الإمبراطورية البريطانية خلال القرن العشرين، هي دليل واضح على أن الشعور القومي عند الفلسطينيين كان قويا ومتناميا. ويضيف غربر أنه منذ 1886 تأسست إدارة الإمبراطورية العثمانية على البرلمانات التي، رغم وجود بعض الثغرات، قامت على انتخابات حرة شارك فيها الفلسطينيون. لكن على الرغم من موجة الانتقادات العنيفة التي تعرض لها الخطاب الاستشراقي في الغرب بدءا بكتاب إدوارد سعيد الشهير ‘الاستشراق’ مرورا بحركة ‘ما بعد الكولونيالية’ في الأكاديمية الغربية، فإن هذا الخطاب لا يزال حيا في إسرائيل. هذا الخطاب الذي تبنّته الأكاديمية الإسرائيلية على مدى ستين عاما يعود الآن بقوّة من خلال الصحافة والإعلام في إسرائيل ليتّخذ طابعا أكثر تعبوية ودعائية وشعبوية.

ولعلّ من أبرز هؤلاء ‘المستشرقين الجدد’ ران برايمن، مدير دائرة الأكاديميين للتحصين السياسي والاقتصادي 2001-2005. في مقال له في صحيفة ‘هآرتس’ الإسرائيلية بتاريخ 2009-10-04 بعنوان ‘المحتل الحقيقي’، كان برايمن قد حذّر مّما أسماه ‘الاحتلال العربي لأرض إسرائيل’، موجّها نقدا لاذعا إلى ‘اليساريين’ الإسرائيليين الذي يدعون إلى إنهاء ‘الاحتلال’ الإسرائيلي (واضعا عبارة ‘احتلال’ بين مزدوجين) ، ومعتبرا أن ‘حل الدولتين’ هو بمثابة ‘نكسة بحق أرض إسرائيل الكاملة’. برايمن يرى أن إنشاء ‘جبهة تحرير فلسطين’ في عام 1964، أي قبل ‘احتلال الضفة’ (الذي لا يعتبره احتلالا)، كان يهدف في الأساس إلى ‘احتلال أرض إسرائيل’ وليس إلى استعادة الأراضي المحتلة (التي يعتبرها أراضي محررة) مصرّا على أن مصطلحات من قبيل ‘احتلال’ و’الأراضي المحتلة’ تزيد من تغريب شعب إسرائيل عن وطنهم الحقيقي واغترابهم عن الأراضي التي تم احتلالها (هذه المرة من دون مزدوجين) على أيدي الجيش الأردني عام 1948 ولمدة 19 عاما.’

ويهاجم برايمن اتفاق أوسلو، الذي كان قد أطلق عليه في مقال سابق (نكبة اليهود) عبارة ‘النكبة’، والذي، على حد تعبيره، ‘مكّن ياسر عرفات ورعيانه (هكذا) من القدوم إلى أرض إسرائيل مع جيش من المخرّبين والمحتلين. ويضيف الكاتب أنه بعد موت إسحاق رابين، وضع اتفاق أوسلو المحتل (المحتل العربي-من دون مزدوجين) في مدن يهودا والسامرة لتتحول من أراضٍ محررة إلى أراضٍ محتلة (من دون مزدوجين). وفي حملة ‘حومات مغين’ (الحملة التي قام بها الجيش الإسرائيلي بين 29 اذار (مارس) و10 ايار (مايو) 2002 للإجهاز على ما اعتبروه آنذاك ‘البنى التحتية للإرهاب الفلسطيني’ في الضفة الغربية) اضطر جيش الدفاع الإسرائيلي من جديد لدفع ثمن دموي باهظ لتحرير الأرض من الاحتلال العربي’. ويعتبر برايمن أن ‘الدعوة لمنح دولة للمهاجرين العرب في أرض إسرائيل ولجيوشهم المنشأة، بسبب العمى الذي أصيب به بعض اليهود ودول العالم، هي دعوة ليس لها أي أساس، بل تعطي شرعية للواقع الذي أوجده السماح الآثم للجيوش المحتلة (العربية والإسلامية) بالدخول إلى أرض إسرائيل’. كما ويحذر برايمن من ‘التضحية بالحلم الصهيوني على مذبح ‘السلام’ (كلمة السلام أيضا وُضعت بين مزدوجين) ومن ‘حل الدولة ثنائية القومية’. الحل الوحيد الذي يقترحه برايمن هو’ تحويل العرب جغرافيا وديموغرافيا وديمقراطيا (ترانسفير ديمقراطي؟) من أرض إسرائيل إلى شرق الأردن’. ويختم الكاتب مقاله بالدعوة إلى ‘إنهاء الاحتلال العربي لأرض إسرائيل’.

ويتأسس مقال برايمن على طرح أساسي وهو أن ‘غالبية العرب المتواجدين في أرض إسرائيل قد قدموا في أعقاب موجات الهجرة اليهودية إلى أرض إسرائيل’. يعني ذلك، بتعبير برايمن، ‘الصهيونية والعمران الذي أتت به هما اللذان أنتجا ‘الشعب الفلسطيني’، فمنذ الاحتلال العربي لأرض إسرائيل في القرن السابع الميلادي، وعلى مدار قرون من الاحتلال الإسلامي، كانت أرض إسرائيل مجرد معاقل إمبريالية’ (أي قبل أن تأتي الصهيونية بالحضارة والمدنية والاستقرار إليها). في الواقع، مقال برايمن يستمد شرعيته من المقولات الأساسية للخطاب الصهيوني عن الفلسطينيين الذي يتبنى الفرضية المركزية للاستشراق الغربي المتورط مع الحركة الكولونيالية في الشرق وهي أن احتلال الشعوب الشرقية كان يدفعه الطموح الغربي إلى إعادة هذه الشعوب إلى مسار الحضارة الإنسانية وتصدير فضائل الحضارة الغربية إلى الشرق، وهو الخطاب نفسه الذي تبناه المحافظون الجدد في البيت الأبيض في سياق حملتهم الدعائية خلال الحرب على العراق تحت شعار ‘إحلال الديمقراطية’.

يمكن قول الكثير عن الأطروحات الواردة في مقال برايمن وما تحمله من تحريف للتاريخ القديم والحديث (الذي لا يكاد يتجاوز عمره الستين عاما)، وعنصرية تنم عن عقلية ‘استشراقية’ (وهنا أعني الاستشراق ذا النــــزعة الإمبريالية وليس الاستشراق الموضوعي). هذه الأطروحات لا تزال تعــــتبر الوجــــود الصهيوني في فلسطين بشارة ومنحة حضارية لشعــوب لم تكن لتعرف معنى الحضارة والمدنية لولا وجود الصهــيونية وإقامة دولة إسرائيل. في الواقع، مقال برايمن يعيد من الباب الخلفي أحد أكثر الأطروحات الصهيونية ذات النزعة الاستشراقية مركزيةً والتي تصوّر أرض فلسطين ما قبل قدوم ‘الفاتح الصهيوني’ أرضا قاحلة وخاوية وخالية من السكان ومن أدنى معالم الحضارة والمدنيّة.

هذا ليس جديدا على الخطاب الصهيوني الذي لا يزال يعتبر العرب والفلسطينيين مدينين للصهيونية حضاريا وثقافيا وإنسانيا وقوميا، مصرّا على أن الوعي القومي الفلسطيني، والعربي، مصدره الوجود الصهيوني في إسرائيل، وأن المجتمع الفلسطيني لم يكن مجتمعا بالمعنى الحديث للكلمة، بل بناء متخلفا تعوزه الوحدة والتماسك الاجتماعي. ويقود ذلك إلى الاستنتاج المركزي الذي تقوم عليه الرواية الصهيونية وهو أن ‘هرب’ الفلسطينيين في عام 1948 كان نتيجة طبيعية لخلل بنيوي ولغياب الوحدة والتماسك الاجتماعي في المجتمع الفلسطيني. لكن المفارقة، كما جاء في مقال غربر، هي أن أصحاب هذه الفرضية ليس لديهم ما يقولونه عن آلاف الإسرائيليين الذين نزحوا من كريات شمونة ومدن الشمال إلى تل-أبيب ومنطقة المركز في أعقاب حرب لبنان الثانية، ولا عن مواطني سديروت الذين فرّوا من ‘صواريخ يدوية’ إلى تل-أبيب والمدن المجاورة.

لعلّ الجديد في مقال برايمن هو أن بعض الأكاديميين الإسرائيليين قد بدأوا الآن في الكشف عن الوجه الحقيقي للخطاب الإسرائيلي في أعقاب تـــصاعد الضغــوطات الدولية على إسرائيل بقبول حل الدولتين. فما كان يُصرح به يوما من وراء الكواليس الصحافية والإعلامية يقال اليوم علنا في إسرائيل ويحظى بشعبية متصاعدة، الأمر الذي يفضح البعد الإيديولوجي العميق لرفض الكثير من الإسرائيليين لأي شكل من أشكال السلام مع العرب والفلسطينيين. ولعلّ خطورة مثل هذه الأطروحات ليست محصورة في دورها التعبوي والعنصري فحسب، بل إن فاعليتها الديناميكية تتجاوز مستوى الخطاب السياسي والإيديولوجي إلى مستوى المخططات السياسية والإستراتيجية، فمثل هذه الأطروحات تتغذى من السياسة الإسرائيلية وتغذيها في آن، وتثير الكثير من التساؤلات حول مستقبل المنطقة في ظل هذا المد الإيديولوجي المتصاعد في الخطاب الإسرائيلي.

الانتخابات و”العملية السياسية” في العراق

29 أكتوبر 2009

عوني صادق

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2059 )

منذ أسابيع وما يسمى “الكيانات السياسية” في العراق تنفرط وتتشكل من جديد بالعشرات استعدادا للانتخابات العامة المقبلة، والمقرر لها أن تكون في مطلع كانون الثاني من العام المقبل. وبالرغم من أنه لا ديمقراطية تحت الاحتلال، ولا شرعية لما تسفر عنه انتخابات تتم تحت سلطته، كما ترى المواثيق الدولية، إلا أن الضجة العالية المسموعة في بغداد والتي تكاد تعلو على أصوات التفجيرات، التي تجعل من أكذوبة “الاستقرار واستتباب الأمن” أوضح من أن تحتاج إلى دحض، تفرض على المراقب أن يتوقف أمام بعض ما تثيره هذه الانتخابات من مسائل، كالأهداف المرجوة منها، ثم أثرها على مستقبل العراق.

ومن المفيد، بداية، أن نتذكر أن الانتخابات المقبلة هي الرابعة من نوعها، حيث جاءت الأولى ببرلمان مؤقت وحكومة انتقالية، في 13/2/2005، وجاءت الثانية للتصويت على ما سمي الدستور الدائم، في 15/10/2005، الذي نظر إلى الشعب العراقي باعتباره طوائف وأعراق، فأسس ل “المحاصصة الطائفية والعرقية” التي قتلت الزرع والضرع بعد ذلك ولا تزال. وجاءت الثالثة ببرلمان وحكومة لأربع سنوات، في 15/12/2005، أقرت من خلالهما “الاتفاقية الأمنية” التي شرعنت الاحتلال وكرسته مرجعية عليا للبلاد. وكما يرى كاتب عراقي، كان الغرض من كل ذلك “إيجاد آلية سياسية تمكن أميركا من حكم العراق بطريقة تبدو غير مباشرة، بعد فشل الحكم المباشر عبر الحاكم العسكري جي جارنر، ثم الحاكم المدني بول بريمر”.

وبعد إجراء الانتخابات المحلية الأخيرة، في شهر شباط الماضي، وظهور نتائجها بفوز قائمة نوري المالكي، رأت الأوساط السياسية والصحفية الأميركية أن تلك النتائج مثلت “انتصارا للأهداف الأميركية في العراق”، وعززت صورة المالكي كرجل العراق القوي، كما رأت صحيفة (لوس أنجلوس تايمز- 5/2/2009). أما صحيفة (واشنطن بوست- 5/2/2009)، فرأت أنها “أظهرت نزعة لدى العراقيين لدعم ذوي التوجهات المعارضة للتدخل الإيراني وتقسيم العراق، ونوعا من التعب والملل من الأحزاب الدينية التي حكمت منذ 2005 ولم تقدم شيئا للمواطنين على صعيد تحسين الأوضاع الأمنية والخدمات الأساسية”. وعزت الصحيفة الأميركية فشل كتلة الحكيم إلى: “ولاءاته الدينية، وعلاقته بإيران، ودعوته إلى الفيدرالية”.

وفي آخر زياراته لبغداد، قال نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، المسؤول عن الملف العراقي، شارحا أهمية الانتخابات المقبلة: “نجاح الانتخابات المقبلة شرط ضروري لحل بعض المسائل العالقة في العملية السياسية، وإنجاز المصالحة الوطنية وإشراك قوى وأحزاب جديدة في العملية”. عند هذا الحد ينبغي أن لا ننسى أن أميركا لا تزال المتحكم بالعراق وبالعملية السياسية فيه، وكل المشاركين في سباق الانتخابات لا يزيدون عن بيادق على لوحة شطرنج تخصها، وهي التي تقرر أي بيدق يجب أن يفوز في السباق، وهو دائما من تعتقد أنه الأكثر قدرة على خدمة السياسة والأهداف الأميركية في العراق.

وباستذكار ما أشارت إليه الصحف الأميركية وثيقة الاطلاع حول نتائج ودلالات الانتخابات المحلية الأخيرة، وما حدده نائب الرئيس الأميركي عن معنى نجاح الانتخابات المقبلة، وما صدر عن الرئيس أوباما نفسه حول الموضوع، نستطيع أن نتبين بشكل جيد إلى أي مدى يلتزم المالكي بالتوجيهات الأميركية في ما يقول ويصرح استعدادا لخوضها، أملا في تحقيق فوز مشابه لما حققه في الانتخابات المحلية. فمن خلال أقواله وتصريحاته، يحاول المالكي (لفظيا) أن يوهم مستمعيه أنه تخلى عن كل ما أوصله إلى السلطة، أحزابا ومنطلقات وأنصار، فيقول في واحد من تلك التصريحات: “يجب أن نغلق باب الطائفية لإكمال المشروع العراقي لبناء دولة المواطنة والمؤسسات”، مؤكدا على “المصالحة الوطنية” سبيلا إلى ذلك المشروع، مع التأكيد على انه “لا صلح مع من قتل الشعب وتلطخت يداه بدماء العراقيين”. ويبدو أنه يغيب عن ذهن المالكي أن من يريد أن يغلق باب الطائفية عليه أولا أن يلغي الدستور الذي أقر الطائفية كأساس أول لبناء “العراق الجديد الديمقراطي”، أي عليه أن يلغي “الدستور الدائم” المعمول به. وإذا كان المالكي قد تجرأ وتحدث عن الحاجة إلى “مراجعة” هذا الدستور، فهل يتجرأ على التفكير بإلغائه، وهل يقدر على ذلك؟ ألا يحتاج قبل ذلك إلى إلغاء “الاتفاقية الأمنية” حتى يستطيع التفكير ببنية دستورية جديدة؟ وهل يمكن التفكير بذلك ما دام هناك مائة وخمسون ألف جندي أميركي على أرض العراق؟ ثم إذا كانت “المصالحة الوطنية” ضرورية لمشروع “طموح” كالذي يتحدث عنه المالكي، وكانت مقولة “لا صلح مع من تلطخت يداه بدماء العراقيين” هي القاعدة، فمع من ستكون هذه المصالحة، وعلى أية قواعد سيجري الحوار بشأنها؟ وماذا عن آلاف المعتقلين، وعن “قانون اجتثاث البعث”؟ لقد أوضح المالكي أن “المصالحة مع من نختلف معهم”، فمن هم هؤلاء؟ هل يعنى المالكي الأطراف المشاركة في “العملية السياسية”، أي مع القابلين بالاحتلال وسياساته ومخططاته في العراق؟ ألا يعيده هذا إلى المشروع الأميركي في العراق وليس إلى “المشروع العراقي”، وإلى الأسس الذي وضعها الاحتلال “لبناء العراق الديمقراطي الجديد” وأولها المحاصصة الطائفية والعرقية؟!

الوطنيون العراقيون يعرفون جيدا أنه لا يمكن بناء “عراق المواطنة والمؤسسات” قبل أن يوجد العراق المستقل، والعراق المستقل لن يوجد قبل أن يطرد أخر جندي أميركي من أرض العراق وقبل أن يصبح سيد قراره. وهم يعرفون أيضا أن ذلك لن يتحقق بدون مقاومة وطنية لها هدف واحد هو التحرير، والمقاومة الوطنية العراقية التي أفشلت الغزوة الامبريالية الأميركية ومشروعها في العراق، قادرة على تحقيق الهدف إن توحدت وتخلصت مما أصابها من وهن. أما “العملية السياسية” الجارية منذ احتلال العراق فهي ليست أكثر من آلية لتحقيق أهداف الغزوة الأميركية الفاشلة.

الدور الحقيقي للأدب

29 أكتوبر 2009

د. أحمد الخميسي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2059 )

أنا من عشاق يوسف إدريس ، ليس فقط لعبقريته وموهبته الباهرة ، ولكن أيضا لحرارة قلبه التي ساقته دوما لاقتحام أهوال المعارك الاجتماعية ، خلافا لتلك الحيادية الفاترة التي تميز بها العظيم الآخر نجيب محفوظ . وما زلت أذكر بالعرفان أن يوسف إدريس أول من قدمني ككاتب قصة في مجلة الكاتب عام 1967 .

وقد تجددت في عقلي صور من روايته الحرام مؤخرا وأنا أقرأ مجموعة من الأدب القصصي الكوري بعنوان ” أمي والحب الراحل ” صادرة عن دار الآدب ، إذ استوقفتني فيها قصة رائعة بعنوان ” بطاطس ” للكاتب كيم دونج إن . في رواية الحرام ، سنجد أن جذر البطاطا الذي اشتهاه زوج عزيزة وهو مريض ، هو من ناحية رمز للجوع ، ومن ناحية أخرى هو رمز جنسي ، وفي ظل حياة البؤس التي يعيشها عمال التراحيل تغيرت عزيزة ، تحت وطأة الجوع بمعانيه المركبة . أما عند الكاتب الكوري ” كيم دونج إن ” فسنجد فتاة هي ” بوكنيو ” تدهور الحال بأسرتها واضطرت وهي شابة صغيرة للزواج من رجل يكبرها بعشرين عاما عاشت معه في حي فقير تسوده الجريمة والزنا والسرقة والتسول ، وتخرج بوكنيو للعمل باليومية تجمع ” الدودة ” في الحقول ، ويسعى ملاحظ العمال لاصطياد الفتاة الصغيرة الجميلة ، فتقاوم في البداية قليلا كما فعلت عزيزة ثم تسقط مقابل قروش قليلة ، وتتغير حياتها ، بل إنه منذ ذلك اليوم ” تغير سلوك بوكنيو الأخلاقي وحتى نظرتها للحياة” .

ولا أريد هنا أن أعقد مقارنة بين العملين ولا أريد حتى أن أتوقف عند مغزى التشابه الذي تخلقه الظروف الاجتماعية والاقتصادية المتقاربة حتى بين شعبين لا تربطهما صلة مباشرة . ما أريد قوله هو أنك بعد أن تقرأ القصة الكورية ، وتتذكر “الحرام” لإدريس ، تفكر في معنى الأدب ودوره . فقراءة العملين ، لابد أن ترسخ في الذهن فكرة أن البشر متشابهون ، وأنهم جميعا أخوة ، وأن لعزيزة في مصر أختا في كوريا هي ” بوكنيو ” ، وأن الأدب تحديدا هو الذي يخلق هذا التعارف الإنساني بحيث نتعرف نحن القراء على القاسم المشترك بين حياتنا في مصر وحياتهم في كوريا .

وبوعي أو بدون وعي ستتسرب إلينا فكرة أن الفن وسيلة للتواصل الروحي بين البشر ، وأن هذا هو دوره . وحين يقوم البعض بمختلف الطرق وفي ظل مختلف المدارس بإعلاء القيمة الجمالية للفن على أي شيء آخر ، فإنهم في واقع الأمر يقلصون دوره الرئيسي الحقيقي بصفته شرطا من شروط التواصل الإنساني مثله مثل اللغة بالضبط .

والتركيز على فكرة أن الفن نوع من إبداع الجمال ، ومهمته الأولى هي الإمتاع ، والابتكار ( وكل هذا صحيح ضمنيا بقدر ما هو لازم للدور الخاص للأدب ) شرط ألا ينفي كل هذا حقيقة الدور الرئيسي للأدب والفن . فالقيم الجمالية تختلف من بلد لآخر ، ومن عصر لآخر . وفي وقت ما كان جمال المرأة يتمثل في امتلاء بدنها ، ثم اختلفت هذه النظرة . وتعرف شعوب بعض البلدان الآسيوية التقبيل بالأنف باعتباره جمالا ، أو تعتبر أن قدمي المرأة لابد أن تكونا صغيرتين جدا لأن هذا نوع من الجمال ، بينما لم تتنشر مثل هذه النظرة لجمال المرأة عندنا نحن العرب . القيم الجمالية تتباين ، لكن يبقى دور الأدب والفن الرئيسي ليتجاوز هذه القيم ، ويعلو فوقها ، بحيث يظل وسيلة للتعارف والتقارب الروحي بين البشر، وسيلة توحد البشر - أو القراء في هذه الحالة - في نفس مشاعر عزيزة عند يوسف إدريس ، ثم توحدهم في نفس مشاعر ” بوكنيو ” عند الكاتب الكوري كيم دونج إن ، وصولا إلي فكرة القاسم المشترك بين العذابات البشرية ، ورؤية نفسك وهمومك في الآخرين ، ورؤية الآخرين في نفسك .

ويظل هذا الدور الذي ينهض به الأدب هو دوره الأساسي ، وبفضله أتعرف أنا وغيري إلي ” بوكنيو ” وسط عمال تراحيل كوريا ، ويتعرف قراء كوريا إلي عزيزة وسط عمال تراحيل مصر .

:::::

أحمد الخميسي . كاتب مصري

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com

رسالة مفتوحة من ليث فرحان الشبيلات إلى نايف سعود القاضي…

28 أكتوبر 2009

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2058 )

الأخ العزيز نايف القاضي

وزير الداخلية المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد، 28-10-2009

فقد اتصل بي زميلي نقيب المهندسين المفضال المهندس عبد الله عبيدات مساء أول أمس، وأبلغني بأنك اتصلت به، معلماً إياه بجدية الحكومة في إجراء التحقيق في حادثة الاعتداء علي، وأنك تطلب مني، عبره، التعاون في هذا الأمر. ورأيت أن أوثق خطياً ما أجبت الزميل عبيدات به، إضافة إلى أقوال أخرى أود عرضها عليكم.

قلت: لماذا يكلمني نايف من خلالك؟ ألا يفترض أنه صديق! ألا يجدر بابن القاضي (مش الوزير) أن يسأل عن ابن الشبيلات في المستشفى ليطمئن عليه خصوصاً إذا كان الاعتداء كما يدعون” طوشة بين مواطنين”؟.

لماذا لم يسأل أي مسؤول عني… لولا أن المريب كاد أن يقول خذوني؟ لو تعرض سائح صهيوني أو غربي لاعتداء أبسط من هذا، لتراكض أكبر المسؤولين لتفقد المصاب في المستشفى. ثم إنني، في بادئ الأمر، أحجمت عن اتهام أحد حتى رأيت تصرفات الأمن العام وكيف أنهم أخذوا الذين كانوا موجودين في المخبز إلى مخفر المدينة وأرهبوهم وأتوقع أنهم أجبروهم على أقوال تؤيد رواية الأمن الرسمية بأن الاعتداء علي كان “طوشة” ليست داخل المخبز كما أقول، وأنها حدثت بسبب ملاسنة حول تعليقي على لباس “خمسة قبضايات من البلطجية”. يا عيب الشؤم!

وبهذه المناسبة أشكر الأشخاص الأربعة أوالخمسة الذين كانوا في المخبز وحاولوا رد العدوان عني عندما هوجمت من الخلف، واعتذر من الذين احتجزوا لساعات طويلة بذنب أنهم شاهدوا الجريمة.

لا أرغب، حتى هذه اللحظة، في اتهام الأجهزة الأمنية بتدبير الحادث، ولكنني أتهمها، حتما، بالتواطؤ والتزوير لتغطية الجهة التي ارتكبت الإعتداء ـ والتي سآتي على ذكرها ـ الجهة التي لم تستشر الحكومة أو ا لمخابرات أو الأمن بنيتها للإعتداء علي. الجهة التي أصبحت من القوة والطغيان بحيث باتت لا تقيم وزناً لأية حكومة أو لأي جهاز أمني. هذا ما أسماه عبد الحليم قنديل ب”البلطجة الرسمية” وهو يفنّد إدعاءات الصحافي الأردني الفصيح ـ لا فض فوه ـ على” الجزيرة”.

ولذلك، وقبل أن يصدر تصريح الناطق الإعلامي للأمن العام حول ” الطوشة “، أجبت أحد الصحفيين على سؤاله: هل تعتقد أن الحكومة وراء الاعتداء؟ بقولي: “ليش هل هنالك حكومة بمعنى الحكومة حتى أعتبرها خصماً. هؤلاء الذين في الحكومة لا هم بالعير ولا وهم بالنفير. إنهم لا يستشارون.[1] فلما صدر التصريح الأمني العتيد الذي حرف الحقائق مستنداً إلى إرهاب الشهود وأكد أن الحادث ليست له أبعاد سياسية وأن الأجهزة قد باشرت بالتحقيق( سبحان الله: إنه الوحي الذي يخبرنا عن النتائج قبل المباشرة بالتحقيق؟!). ثم عندما رأيت أنه لا أحد من السلطة أو ممن هم محسوبون على السلطة قد أطل علي، أو هاتفني، أيقنت أن الخنادق قد تمايزت وأن الحكومة قد وضعت نفسها في خندق البلطجية المعتدين.

فكيف تريدني أيها الزميل النقيب أن أثق بتحقيق يبدأ بهذا الشكل! خصوصاً وأن جميع التحقيقات في الحوادث المشابهة نامت نومة أهل الكهف منذ سنوات.

أخي نايف

قبل حوالي ثماني سنوات، تعرضت لاعتداء مشابه وتكسير سيارتي. وعندها فبرك مدير شرطة العاصمة آنذاك، على الملأ، قصة ” أن ابني هو الذي قام بتكسيرها”، بينما قال لي بيني وبينه:” المرة القادمة بنكسر راسك إذا تطرقت لما يخص سيدنا”. ووقتها وثّقت ذلك كله في مقال نشرته صحيفة ” القدس العربي “.

وكان ذلك الإعتداء قد تم على إثر محاضرة لي في مجمع النقابات حول ” المواطنة الصالحة” ذكرت فيها أن المواطن الصالح لا يسكت عن تسجيل أراضي خزينة المملكة باسم أي شخص مهما علا شأنه وأن علي أبو الراغب ارتكب جرماً بوضعه لغماً تحت العرش يستحق الحساب على فعلته تلك لأنه هو المحاسب دستورياً وليس الملك،. حينها، كتبت ” القدس العربي ” ما معناه: كلما نسي الناس ليث الشبيلات المعتزل الذي ليس له نشاط إلا أن يدلي برأي من وقت لآخر كأي مواطن صالح قامت الحكومة بإعادته للأضواء في تصرفات حمقاء.

أنذاك، بعد عدة أيام من المحاضرة، وبفضل الإعتداء علي، اضطرت “الجزيرة” التي لم تكن قد أذاعت ما قلته إلى إذاعته رابطة إياه بالحادثة. فلم يبق أحد في العالم العربي إلا وعلم بقصة الأراضي بعد أن لم يكن قد سمع ما قلت حولها إلا خمسون شخصاً. وها هي الفصاحة ذاتها مستمرة!.

وأكشف اليوم، ولأول مرة، بأنني لم أعلن موقفي ذاك إلا بعد ان استنفذت النصح. فقد زرت يومها الأخ زيد الرفاعي رئيس مجلس الأعيان في بيته خصيصاً لهذا لطرح هذا الموضوع وقلت له: يا أبوسمير! الموضوع الذي سأحدثك فيه لا ينبغي أن يصدر مني لأنهم سيتهمونني في نيتي كمعارض. أليس من مسؤوليتك أن تدافع عن العرش وأن تبادر لإبلاغ الملك وأنت الغيور عليه ولا يشك في نيتك أن الرئيس علي أبو الراغب قد غشه ووضع لغماً تحت عرشه بتزيينه له تسجيل أراضي الخزينة باسمه. ظناً من أن ذلك سيخلده في رئاسة الوزراء! فأذهلتني إجابته “المخلصة” للعرش: إنكم لا تفهمون سيدنا! سيدنا عنده مشاريع كثيرة لخدمة الناس وتصطدم بالروتين وبهذه الطريقة يستطيع أن يخدم أكثر”. فخرجت من عند رئيس مجلس الأمة وأنا ألطم حظ الشعب الأردني بمسؤوليه.

هل هنالك إخلاص أكثر من هذا؟ هل كان هذا التصرف مني طلباًً للنجومية؟ أن أبدأ النصح بهذه الطريقة مستعيناً بزيد الرفاعي ظاناً أنني بذلك قد حصلت للشعب على “رأس كليب”. أقسم بالله عليك يا أخ نايف إن كنت قانعاًً بمنفعة ذلك للعرش وأنه لا يشكل أي خطر عليه فإنني سأعلن على الملأ بأنني مخطئ. فإذا كان جيداً. فلماذاً السرية والكتمان والاعتداء على الذين يعتقدون في رأيهم أنهم يدافعون عن خزينة الشعب؟ سيأتي يوم أرجو ألا أشهده يقول الملك فيه: آه! لو أنني استمعت إلى ذلك المزعج ولم أسمح للمنافقين بتزيين الألغام لي على أنها ألعاب نارية احتفالية.

وتذكر قبل ذلك محاضرتي في إربد حول وعد بلفور التي حوكمت عليها بإطالة اللسان. لم يدر عنها، أولا، سوى مئتي شخص من إربد ثم قامت الحكومة بإشهار المحاضرة بمحاكمتي، فنشرت قرار الإدعاء في الصحف اليومية، فلم يبق إردني إلا وقرأها ثم نشرت في كل الإعلام العربي. وخذ يا فضيحة! ومن المضحك أن ما قلته في المحاضرة عام 1995 لا يرقى إلى كثير مما هو مذكور في كتاب ترحب به حكومتكم وتتبناه وتفتخر به وقد نفذ عدة مرات من مكتبات عمان، أعني كتاب أفي شلايم الذي يؤرخ للملك الراحل وعنوانه:”The Lion of Jordan. ” (قد يكون أنني لو ألقيت المحاضرة بالإنكليزية لما حوكمت). والآن، وبعد أن أصبح الموقف الرسمي موافقا لما قلته سابقاً، ألا يستدعي ذلك اعتذاراً من الحكومة؟

بعد أن عدت إلى المنزل من المستشفى زارني جيراني، وهم رواد المسجد المجاور لبيتي، فأعلموني بأنهم شاهدوا أشخاصاً عديدين من خارج الحي، وكلهم جسام، يحومون حول الجامع وبالقرب من بيتي بشكل غريب في ذلك الصباح. وحدثني بعض من تأخر منهم لما بعد شروق الشمس أن هؤلاء غادروا بعد الشروق بمدة وهو الوقت الذي خرجت فيه من منزلي. وقد ربط جيراني بين زوار الفجر هؤلاء بالحادث عندما سمعوا به.

سألت زميلي نقيب المهندسين: قبل أن أتعاون في التحقيق حول الإعتداء علي، فليعلمك الوزير عن نتيجة التحقيق في الاعتداء عليكم وعلى زملائكم أمام وزارة الزراعة!

وما هي نتيجة التحقيق في الاعتداء على النائب المعارض الشيخ علي العتوم؟

وما هي نتيجة التحقيق في الاعتداء على الكاتب ناهض حتر الذي فقد جزء من أمعائه جراء الضرب من مجهولين، وما يزال يعاني من ذلك حتى اليوم؟

وما هي نتيجة التحقيق في حادثة خطف الشاعر الضرير ماجد المجالي وضربه وإلقائه في الفلاة؟

ثم ما هي نتيجة التحقيق في الاعتداء على الزميل بادي الرفايعة أمام النقابات؟

وكذلك ما هي نتيجة التحقيق الذي أمر به صاحب الجلالة في حادثة الاعتداء على مدير مكتب الجزيرة ياسر أبو هلالة (وهذا تحقيق بأمر ملكي!). وغيره وغيره وغيره….

وأخيراً وليس آخراً ألا تذكر تصريح وزير الإعلام الفصيح يوم حادثة خالد مشعل[2]؟ ولولا بطولة أبو سيف الحارس الشخصي لخالد مشعل وإمساكه بالمجرمين الصهاينة وإصراره على عدم تغيير أقواله في المخفر لثبت التصريح الرسمي الكاذب للأمن العام وقتئذ بأن أبو سيف اعتدى على سياح كنديين؟ إنها أفلام بلطجة متكررة.

متى يتوقف هذا العيب؟

أنا أتمنى أن تكون هنالك حكومة قوية يمون فيها الوزراء ولو خاصموني لأنني مهما اختلفت معهم فإنني لا أفقد الحس بالأمان.

يأ أخ نايف أليس معيباً أن لا أشعر بالأمن وأنت وزير داخلية؟

الدمع يسيل في عيني حزناً على الأردن وأنا أقارن بينك وبين ما سمعته من والدي رحمه الله عن والدك وصديقه الشيخ حديثة الخريشة رحمهما الله، فمما يذكره،عندما كان الوالد رئيساً لديوان الملك المؤسس الذي يحترم الرجال ويعرف مقامهم أن إثنين من زعماء العشائر بالخصوص ملآ عيني فخراً والآخرين لم يكونوا بعيدين عن هذا المستوى: الشيخ حديثة خريشة والشيخ سعود القاضي. قال الوالد: كان عندما يجلس أحدهم إلى الملك عبد الله الأول وما أدراك ما الملك عبدالله وأنا رئيس الديوان أنظر إليهما محدثاً نفسي قائلاً: الله أكبر من فيهم الملك؟ من شدة ما يظهر على الشيخين من عزة وكبرياء. فيا ابن ذلك العملاق ويا أخا المرحوم البطل العفيف طراد أنا على عهد فرحان، فكن أنت على عهد سعود وطراد من أجل الأردن الذي نحب لا من أجل ليث. إذا لم ننصح صاحب الشأن بما يجنب بلدنا ويجنب عرشه الاهتزاز فبئس الإخلاص مثل ذلك الإخلاص؟

لماذا يخافون من معتزل للنشاط السياسي (لا يمكن أن يعتزل المواطنة الصالحة بالسكوت عن الباطل) وهو يعلن بجرأة على الملأ وعلى الفضائيات: أنا أحب بلدي ولا أسمح لنفسي بإدخاله في مغامرات داخلية تسبب الفتن. لا أقول ذلك متذبذباً كالآخرين الزاعمين عشقهم النفاقي للملك، بل أعترف بأنه لا يجمع بيننا كثير من الحب المتبادل فما ضر ذلك؟ فإنما يأسى على الحب النساء! لكنني أحب الأردن والأردن يحتاج في استقراره إلى استقرار العرش أحببت الجالس عليه أم لم أحب ويحتاج إلى عدم التلاعب بالنظام واستقرار العرش يحتاج إلى جهد من صاحب العرش تماماً كما يحتاج إلى جهدنا. فمن الذي يتلاعب بالنظام ويتسبب في اهتزاز العرش؟ أأنا وصحبي ممن يحاولون النصح أم رؤساء الحكومات والوزراء الذين يرون المسيرة نحو الحفر والألغام فلا يجرؤون على تنبيه من “يعشقون” زعماً بأن هذا ضار له ولعرشه ولبلده.

أخي نايف

إذا توقف المسؤولون عن تفكيك النظام فالنظام بخير.

أنا لم أعتزل النشاط السياسي خوفاً من حكومة أو من بلطجة رسمية ـ بل لا يزيدني العنت إلا صلابة، وأعلم أن المقصود هو تخويف الآخرين حتى لا يدافعوا عن البلد والعرش ـ وإنما إعتزلت السياسة يأسا من الإصلاح الرسمي… فإن أردت أن تخدم النهج الأليم الذي تسيرون عليه فابتعدوا عن إعادتي إلى الأضواء وافرحوا بتفرغي لعملي الهندسي الذي عاد يملأ وقتي بعد أن كنت متفرغاً للسياسة ولكم قبل سنوات. أما إن أردت أن نخدم، أنت وانا، وطننا فأهلاً بك في زيارة أخوية لبيت أخيك ابن فرحان نتحدث فيه عما ينفع إذ يسعدني أن أنصح لكم من أجل بلدي.

والسلام مع الاحترام

المهندس ليث الشبيلات

نسخة إلى الزميل نقيب المهندسين وفقه الله بالإشارة إلى المحادثة الهاتفية.


[1] بالمناسبة أخبرني خفيف الظل صديقنا المشترك عارف البطاينة بعد تركه الوزارة بأن الوزراء قد لا يستشارون وفي بعض الأحيان يوقعون قبل أن يقرأوا وذكر بأنه طلب منه مرة أن يوقع فوقع ثم سأل: أخبرونا الآن على ماذا وقعنا فقيل له: على الإفراج عن ليث الشبيلات.

[2] أعلمني الكاتب خالد محادين أن الملك الراحل قال له ولآخرين في القصر يوم الحادثة متذمراً: لقد اعتدى ثمانية من الصهاينة على خالد مشعل ويصرح وزيري للإعلام بأنها طوشة مع سياح!!!

آن الأوان لتشكل لجان عربية للتنسيق في مناهضة التطبيع

28 أكتوبر 2009

رسالة من عادل سمارة

عمّان

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2058 )

تحياتي

خرجت من الأرض المحتلة قبل يومين، بعد نقاشات وخلافات وانتقادات مستفيضة بل وعتبا كلها متعلقة بالتطبيع مع العدو الصهيوني.

كنت قد دخلت اشتباكا مطولا حينما سمح في تموز الماضي للموسيقار الصهيوني دانييل بارنباوم ومعه فرقة من هرب ويهود ليعرض ويعزف في القصر الثقافي في رام الله.

ملخص الموضوع أن بارنباوم أيد مذبحة غزة. وقد تحدثنا مع القائمين على القصر الثقافي أقصد المجلس البلدي برام الله، لكن أكثرية الأعضاء الذين حضروا جلسة التصويت قرروا تأجيره القصر. كما دعمهم في ذلك مكتب رئيس السلطة الفلسطينية وذلك مثبت في محضر جلسة التصويت. ودخلت إثرها في مشكلة مع عضو من المجلس والذي ما زال بصدد رفع دعوى قانونية ضدي.

سؤال التطبيع

قبل ايام كتب السيد زكريا محمد مقالة نقدية لمسرح القصبة برام الله بما هو مسرح تطبيعي.

المسرح أسسه الراحل الشاعر د. عبد اللطيف عقل، وحين اشتراه صاحب القصبة أو استأجره…الخ وافتتحه كنت ممن وقفوا إعتصاماً أمام المبنى احتجاجا عليه كمسرح تطبيعي. لكن هذا المسرح وقد تمول كما يبدو بشكل كبير وشكل مجلس امناء من مؤيدي التسوية وأوسلو، فاستمر. وكان من أعضاء مجلس امنائه الراحل محمود درويش.

بعد مقالة زكريا محمد التي نشرناها في موقع كنعان واقترحنا توقيع عريضة موسعة عربيا ضد التطبيع، كتب الصديق خليل نخلة اعتذاراً على عضويته في مجلس أمناء مسرح القصبة. وأعتقد أنها مساهمة هامة وكبرى في هذا الصدد لأن خليلاً يعرف المسألة من الداخل، ورجل مجرب. والأهم أنه لا يخجل من الاعتذار، بل يكتبه ويعلنه.

وأعتقد أن موقف خليل يجب أن يصل ألى كل العرب.

لماذا؟

أنا اليوم في عمان للمشاركة في المؤتمر الثامن للجمعية الفلسفية الأردينة، وقد التقيت اصدقاء وصديقات عرباً وتحدثنا في التطبيع. أدهشني أن الإخوة العرب لا يعرفون مدى خطورة الأمر.

علينا نحن الفلسطينيين أن نتعرف ونعتذر أننا لم نقدم للعرب صورة الحقيقية. من يقوم بالتطبيع هو عملياً يحل محل جندي صهيوني، لأنه يتحول من عربي ضد الكيان ولأنه عربي فذلك يعني أن على الاحتلال اعتباره عدوا، وحين يطبع يُريح الاحتلال من الحذر منه.

هل الأمر بهذه الحدة؟

نعم.

يقول الإخوة العرب انهم يدخلون دون أن تختم أوراقهم من جسور الاحتلال، وأن هناك جسورا تختم الأوراق وأخريات لا…الخ.

أيتها السيدات والسادة، لا يوجد للسلطة الفلسطينية سلطة ولا سيادة على سنتمتر واحد (حتى غير مربع) في الأرض المحتلة:

ـ أنا شاهدت بعيني دوريات جيش الاحتلال تمر على يعد 100 متر من منزل أبو مازن.

ـ تمر في مدن الضفة فترى بابا مغلقا مكتوب عليه “أغلق بأمر من قوات جيش الدفاع الإسرائيلي”؟

ـ أي طفل يولد يجب أن يدخل اسمه كمبيوتر الاحتلال أولا. كل شبكة الكمبيوتر في كل وزارات السلطة مرتبطة بشبكة الاحتلال…الخ.

ـ لا يمكن ان يدخل شخص واحد للضفة دون تنسيق مع الاحتلال، يعني إذن من الاحتلال.

أنا أتحدى أي شخص حصل على إقامة في الأرض المحتلة من السلطة، أو حتى تأشيرة زيارة.

زوجتي عناية عاشت في الأرض المحتلة 33 سنة كزائرة تجدد إقامتها كا 3 اشهر؟ فلو كان للسلطة سيادة ألم يكن بوسعها منحها جواز فلسطيني؟

ليس هذا مبحثا في السيادة، ولكن على كل فلسطيني أن يحكم ضميره، لا سيادة لنا على شيء في الأرض المحتلة.

هل التطبيع على الورق؟

يقول إخوة عرب طالما الأوراق لا تختم فلا مشكلة، هذا حديث نقابة االمهندسين؟

أليس هذا تبريراً مخجلا؟

الاحتلال لا يهمه ختم الأوراق، ما يهمه وضع اختامه في العقل والنفسية؟

أنا اسأل اي عربي دخل للأرض المحتلة هل جرأ بسيارة هو فيها أو يقودها أن يتجاوز دورية احتلال وهي تسير في وسط الشارع أي شارع بسرعة 20 كم؟

باختصار، إما أن يأتينا العرب للتحرير، وإما أن نزورهم نحن. هذه هي المعادلة.

يقول البعض هناك أسرا في الأردن تزور أقاربها في الضفة والقطاع، هذا أمر مختلف ويحصل منذ أن (أنعم) علينا موشيه ديان بفتح الجسور.

وبالمناسبة بين عامي 1948 و 1967 هل مات أهل الأرض المحتلة هناك لأنهم لم يزوروا بعضهم؟ ومع ذلك هذه مسألة محسومة.

المشكلة في الذين لهم موقع اعتباري سياسي او نقابي أو ثقافي أو فني: هؤلاء الذين يغريهم الاحتلال بأن يطبعوا.

مررت ذات يوم مقابل محكمة الصلح برام الله، فناداني أحد الكتبة على الرصيف: استاذ تعال،

يقف بجانبه رجل قال: أنا كاتب مغربي دعاني حسن خضر لزيارة فلسطين وقال لي انها محررة، اكتشفت الحقيقية وأريد التحدث مع كاتب.

طبعا الرجل ذهب إلى كتبة باب المحكمة ليستدل على أحد يفش له قلبه.

ايها السيدات والسادة نحن لا نتحدث عن بلد مجاور، نتحدث عن احتلال استيطاني اقتلاعي امني. لذا فالعلاقة معه إما مقاومة وإما لا.

يقول البعض ان التطبيع هو الدخول في مشروع مشترك مع العدو. تعريف سمعته من صديقي د. زهير صباغ حين جلسنا لتنقية الجو بينا بعد ان استخدم اسمه أحد المطبعين ضدي. لا بأس، ولكن من لا يعلم بعد أن أوسلو هو المشروع الأكبر مع الاحتلال؟ فمن يدخل عبر أوسلو يدخل في التطبيع.

السلطة هي بلدوزر التطبيع، ومن لا يوافق فليسألها؟

لعل الأهم الآن هو ان على لجان مناهضة التطبيع في الوطن العربي أن تتعاون وتتواصل ميدانيا لا أن تكتفي بالحديث النظري.

لماذا لا تتشكل لجنة مشتركة للتواصل بشأن التطبيع؟

لماذا لا نتواصل؟

د. عادل سمارة

ملاحظة: كتبت هذه في مقهى إنترنيت في عمان، حيث نهضت باكرا بل لم أنم. لذا معذرة على الأخطاء.