نوفمبر 2009

جبهة العدو الأخرى

30 نوفمبر 2009

موفق محادين

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2089 )

للعرب عموما ولبلدان الشرق العربي خصوصا، عدو رئيسي واحد، هو الكيان الصهيوني المدعوم أمريكيا، والباقي تناقضات ثانوية متحركة تحتاج إلى مقاربات تكتيكية في كل مرة.

ولا يقتصر تشخيص معسكر العدو الصهيوني على العملاء المباشرين المكشوفين أو الجواسيس بل يمتد هذا التشخيص إلى عشرات الحالات الأخرى، غير المباشرة التي تخدم العدو، بسوء أو حسن نية، على حد سواء، ومن هذه الحالات:

1- إذا سلمنا بان إستراتيجية العدو تقوم على تحويل كيانه إلى مركز إقليمي وسط محيط عربي من الكانتونات الإقليمية والطائفية والجهوية والعشائرية .. الخ فان كل من يدعو إلى أو يحرض أو يتبنى أو يتورط أو يشارك في إثارة أي شكل من أشكال التخندق أو التمحور أو الانغلاق أو التعصب الإقليمي (أردني أو فلسطيني أو سوري أو لبناني) والتعصب الطائفي والمذهبي (سني- شيعي أو مسلم -مسيحي) أو الجهوي أو العشائري، هو عمليا في خدمة هذا العدو وجزء من معسكره أيا كانت نواياه وتصوراته.

2- إذا سلمنا بان ثمة صراعا أو تنافسا إقليميا بين هذا العدو والقوى الإقليمية الأخرى مثل تركيا وإيران، فمن الحكمة عربيا تطويق التناقضات الثانوية مع هذين البلدين وتوسيع تناقضاتهما مع العدو الصهيوني وليس العكس دون أن يعني ذلك إلغاء أو إخفاء التعارض بين المصالح القومية العربية والمصالح التركية والإيرانية ولكن مع الحذر الدائم من تحويل هذه التعارضات إلى مستوى التناقض الرئيسي وإحلال أي منهما أو كليهما محل الصراع مع العدو الصهيوني.

وانطلاقا من ذلك فكل من يدعو إلى خلط معسكر الأعداء ويضع تركيا أو إيران في الموقع نفسه مع العدو الصهيوني، هو عمليا في خدمة هذا العدو وجزء من معسكره مجانا أو غباء أو غير ذلك.

3- إذا سلمنا بان الاقتصاد امتداد للسياسة وكذلك العكس، فان أية سياسات اقتصادية تعزز التبعية وإخضاع البلاد للشركات الأجنبية والأنماط الاستهلاكية، وكل سياسة تبدد القيمة المضافة ولا تلحظ العلاقة بين الإنتاج وميزان المدفوعات، وكذلك كل سياسة ترهن الاقتصاد لرغبات واملاءات البنك وصندوق النقد الدوليين والمافيات المالية وغسيل العملة والفساد وسرقة المال العام… الخ هي سياسات تخدم العدو الصهيوني.

4- إذا سلمنا بان جوهر إستراتيجية العدو تقوم على القهر الوطني وتيئيس الناس من فكرة المقاومة وآفاقها، فان كل إهدار للكرامة ومصادرة للحريات واستحقاقات المواطنة الحرة، هو امتداد لسياسة العدو وفي خدمته.

لعبة نتنياهو… عرب وأمريكان وساعة حقيقة!

30 نوفمبر 2009

عبداللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2089 )

مع الأيام يمعن الإسرائيليون والأمريكان أكثر فأكثر في مأثرة إعفائنا من عناء التفكر ومشقة التحليل لفهم سياساتهم واستهدافاتها ضدنا. لعل هذا هو ما يخصوننا به اليوم، عندما يبادروننا بجديد مواقفهم وتحركاتهم وقراراتهم العدوانية تجاه قضايانا العربية جميعاً. إذ تعفيهم الحالة العربية البائسة من مجرد اللجوء إلى المواربة أو تهمة إخفاء المرامي. كما أنهم ويوماً فيوم يخيبون أكثر فأكثر آمال الواهمين من بني جلدتنا، هؤلاء الذين أصبح من الصعب عليهم إقناع أنفسهم لا إقناع سواهم بأن هناك ثمة احتمالات لتباين أو فوارق، أو حتى مجرد بعض من شوائب مؤثرة، يمكن أن تغشى تليد العلاقة العضوية، أو الأكثر من تحالفية، الراسخة بين واشنطن وتل أبيب. لقد كان هذا هو السائد دائماً، لكنه الذي غدا اليوم ثابتاً لا يقبل جدلاً مهما اختلفت الإدارات الأمريكية أو تبدلت العهود واستبدلت المسميات وتمايزت الوجوه.

في الأيام الأخيرة، مثل الطرفان على خشبة قهرنا دون أن يرفّ لهما جفن آخر خدعهم المكشوفة، والتي لم تعد خدعاً بقدر ما هي نوع من الإملاءات غير المباشرة، والتي كان قد سبق تسريبها وتداولها خلال الأشهر الماضية. تخلى الإسرائيليون أكثر من ذي قبل عن تليد المناورة والمداورة المفضوحة والمعتادة، وابتعد الأمريكان أكثر هذه المرة عن نفاقهم المعهود. لقد فعلا هذا بالتزامن الذي يشي بالتنسيق المسبق بينهما وبهدف التكامل. ظهرا على التوالي، نتنياهو في القدس المحتلة تلفزيونياً، وجورج ميتشل في مؤتمر صحفي في واشنطن. أعلن الأول بالعبرية ما يعني “تأخير” الإستيطان مؤقتاً، ثم أردف مكرر إعلانه بالإنكليزية لكن بما يعني “تعليقه”… تعليقه، ولمدة عشرة أشهر، مستثنياً من هذا القدس، وواعداً بالعودة إلى وتيرته السابقة بعد انتهاء هذه المدة… وهكذا تتابع المشهد، ما أن يفرغ نتنياهو من تلاوة بيانه وتغادرنا اطلالته من على الشاشة حتى يطل علينا من خلالها جورج ميتشل مرحباً بهذه المكرمة الإسرائيلية، أو متلقفاً هذا ال” أكثر من أي شيء فعلته حكومة إسرائيلية من قبل”، مع تكرار ذات اللازمة التي لم تعد ذات معنى أو قيمة أو مصداقية، معبراً عنها هذه المرة بقوله: أنه “تبقى السياسة الأمريكية حول المستوطنات غير متأثرة ومن دون تغيير”… ثم لم يكد المعروف بالمبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط، الذي حث الفلسطينيين على اغتنام الفرصة التي أتاحتها أريحية نتنياهو، والالتحاق فوراً بطاولة المفاوضات، داعياً العرب إلى التجاوب مع هذه الخطوة تطبيعياً، ينهي ما كان منه إلا ولحقت به السيدة كلينتون، وزيرة الخارجية، لتخبرنا بأن القرار الإسرائيلي في نظرها سوف “يساعد على المضي قدماً نحو حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني”!

ما الذي تعنيه لعبة نتنياهو، هذه التي صفق لها الأمريكان، وشاركوه يداً بيد في تدبير ثنائي ومسبق لإخراجها… هذه اللعبة المعهودة التي يعفيه الإنحدار العربي المقيت هذه المرة حتى من محاولة مداراة عوراتها المكشوفة، ويعفي الأمريكان من مواصلة مفضوح نفاقهم وخداعهم المزمن والمبرمج حيال حصري امتياز رعايتهم الدائمة لعملية التصفية الدائرة للقضية العربية المركزية في فلسطين!؟

لقد اتخذ مجلس وزراءه المصغر ما دعاه قرارات “صعبة” و “تاريخية”… كان قد سبق وأن اتخذ مثلها سلفه أولمرت واستغلها في حينه أيما استغلال في تسريع مخططات تهويد القدس. وكان قد تم، كما قلنا، تداولها خلال الأشهر الماضية، وكان قد ثار حولها الجدل منذ خطابه الشهير في جامعة بارإيلان، ولطالما سمعنا دعوات وجهت للفلسطينيين من واشنطن والقدس المحتلة تدور حولها… لكنما هي جاءت الآن وكأنما هي موجهة حصراً للإدارة الأمريكية، هذه التي يريد رئيسها، وفق ما يقوله الإسرائيليون، إنجازاً ما يأخذه معه وهو يتوجه لاستلام جائزة نوبل للسلام في العاشر من الشهر القادم، أكثر مما هي موجهة للعرب والفلسطينيين… ردت عليها واشنطن مباشرة، وكأنما نحن حيال حوار أمريكي إسرائيلي يترجم فورياً ضغطاً مباشراً على مدمني “السلام خياراً إستراتيجياً وحيداً” في بلادنا، ولاسيما منهم عشاق المفاوضات من المهد إلى اللحد… ما جوهر ما اتخذ؟

أعلن نتنياهو تبنيه لمبدأ “الدولتين”… مكرهاً، أي خشية من أن لا يتبقى أمامه سوى خيار “الدولة الواحدة” أو مواجهة الخطر الديموغرافي الفلسطيني… دولتان، واحدة يهودية مسيطرة، وأخرى، هي عبارة عن شيء من “بانتوستانات” فلسطينية هشة ومسخاً مقطعاً، هي أقرب إلى الحاويات البشرية أو معسكرات الإعتقال التي ينوب عن الإحتلال في إدارتها جندرما أو تكوينات انكشارية محلية. بيد أنه لا بأس إن كان لهذا المخلوق “الدولة” علماً وما تختاره من مسميات لنفسها حتى وإن كان إمبراطورية… وأخرج القدس وحق العودة من دائرة ما تدعى مفاوضات الحل النهائي، وترك فلسطينيي المحتل العام 1948 تحت استحقاقات “يهودية الدولة” الترانسفيرية، وصولاً إلى “دولة الحدود المؤقتة”… وفي خطوة تشرّع “الاستيطان” بموافقة أمريكية، أعلن “بالم” أن حركة التهويد في بقايا الضفة سوف “تكبح” لأشهر… باستثناء آلاف الوحدات التي تمت المصادقة على إنشائها، وتلك التي بدء في بنائها، والمنشئات العامة والحكومية بأنواعها وما قد يدرج تحت هذا العنوان… وطبعاً التأكيد على استمراره بوتيرة أعلى في القدس… والجدار… كان جاداً، إذ فقط بعد يوم واحد، وفي نطاق هذا “التجميد” أو “الكبح” الذي يترجم عبرياً ب”التأخير”، وافق نتنياهو على بناء عشرات مما دعي مؤسسة أو مرفقاً أو مبنى عاماً جديداً، إلى جانب عشرات المشاريع المقرة!

هذا “المؤلم” الذي اتخذه نتنياهو، أو ما دعاه “خطوة غير سهلة، خطوة مؤلمة، ونحن نتخذها من منطلق اعتبارات قومية واسعة” يحظى باجماع إسرائيلي، ورضا من قبل “المستوطنين”، الذين أعلنوا سلفاً أن الاستيطان “غير قابل للتجميد”، و استرضى به الأمريكان، هؤلاء الذين كانوا يريدون منه بعض ما يعطونه لأصدقائهم الصدوقين العرب ويستغلونه كورقة ضغط على فلسطينيي التسوية لاستدرار آخر ما يقدرون عليه من تنازلات ليس إلا… ورغم أن هذا يأتي في سياق هذا الإجماع الإسرائيلي وتحت خيمته، فهو يعبّرعنه في موقفين: واحد توافق عليه إئتلافه الحاكم بأطرافه المختلفة، لسان حاله بعض ما يقوله وزير الحرب باراك حول ضرورة “التفاهمات مع الولايات المتحدة”، والواضح أكثر من قبل يعلون وبني بيغن، من أن ما اتخذه نتنياهو ليس تجميداً للاستيطان بل “إرجاءاً” له، ولا ينطوي على جديد، وهو فقط لإرضاء الأمريكان… طبعاً باستثناء حزب شاس المتغيب عن التصويت في المجلس الوزاري المصغر”، الذي يقول قائله مزاوداً أننا “لا يمكن أن نوافق على تجميد الاستيطان ولو ليوم واحد”!

والثاني، موقف غلاة الليكود، حزب نتنياهو، الذين تنوب عنهم الوزيرة ليمور لفنات في الحملة على الأمريكان وإدارتهم الأوباماوية، التي تراها أنها الأسوء من بين هذه الإدارات، لاسيما وأنه “بعد أسبوع سيبدأ بناء الوحدات السكنية المصادق عليها وحينها سيهب العالم قائلاً أننا مخادعون ونصابون ولن يبقى معنى للقرار” الذي أجبرنا الأمريكان عليه! كما أن نائباً ليكودياً في الكنيست اعتبر قرارات نتنياهو الذي يتزعم حزبه والذي يحكم باسمه “مناهضة لليهودية ومناهضة للصهيونية ويرفرف فوقها علم أسود”!

وعليه، نحن حيال ذروة الوضوح التصفوي المعد للقضية الفلسطينية، وجلي المرامي بالنسبة للمخططات الإسرائيلية ومعتاد النفاق لكن بمستوى جديد من الشفافية غير المسبوقة أمريكياً… وصل الأمر بأن يقولها ليبرمان وزير الخارجية وبدون مواربة: “الكرة في الملعب الفلسطيني… وإننا قدمنا لأبي مازن كل ما بوسعنا فعله… وإذا أرادوا فليأتوا للمفاوضات وإذا لم يريدوا فليفعلوا ما يشاؤون”!!!

إذاً هذا هو كل ما لديهم للتسوويين الفلسطينيين، وهذا هو ما يخصون به الوادعين من عرب “السلام خياراً استراتيجياً وحيداً”… وهنا لا يمكننا إلا الموافقة مع ليبرمان بأن الكرة فعلاً قد أصبحت في ملعب الفلسطينيين والعرب، والتي إن أرادوا ردها إلى الملعب المقابل فيتطلب الأمر منهم واحدة من اثنتين: إما مزيداً من التنازل أو المواجهة. وحيث لم يبق ما يستطيعون التنازل عنه سوى أمران لا يقوى أحد ولا يجرؤ، حتى لو أراد، التنازل عنهما، وهما القدس وحق العودة، أو ما يعني في الجوهر التنازل عن فلسطين، أو التسليم التام بضياعها وقبول تصفية قضيتها نهائياً برفع الأيدي والأرجل معاً… فإنه، وإذا ما تفاءلنا، ليس أمامهم سوى وقفة مع الذات، وانعطافة مستحقة باتجاه المراجعة المستوجبة وتقييم كامل التجربة الخاسرة من ألفها إلى يائها، وبالتالي العودة بالصراع وحقائقه إلى مربعه الأول. بمعنى الانحياز نهائياً وكلياً إلى النهج الأسلم والخيار الأصح الذي ما ثم سواه، أي المقاومة… خيار الشعب الفلسطيني والأمة العربية، والذي وحده ينسجم مع ثوابت وأسس هذا الصراع منذ أن بدأ وإلى يوم أن يحسم لصالحهما… وعليه فإن مجرد الكلام عن رفض المفاوضات مع الاستمرار المعهود في الاستجابة لشروطها ليس بديلاً، ولا يعني أكثر مما كان حينما كانوا يشتكون من أن “الاستيطان” و “الجدار” يدمر المفاوضات، واستمروا يفاوضون، أو يستجدون المفاوضات، إلى أن أوصلونا إلى ما وصلنا إليه… واليوم، وحيث لم يعد أمام الواهمين ما يبرر إيهامهم لأنفسهم بأن هناك فرق بين نتنياهو وأسلافه، وبين بوش ومن يخلفه الآن في البيت الأبيض، هل هناك من بدائل أمام التسوويين الفلسطينيين والعرب سوى نعي التسوية التصفية، وعودتهم عن بائس مقولة “السلام خياراً استراتيجياً وحيداً”… هل هذا المأمول ممكن؟

إن الإقدام على هكذا خطوة يتطلب تغييراً جذرياً في الاستراتيجيات والنهج والتحالفات… تغييراً بدايته أو أقل ألفه وبائه هو إيقاف التنسيق الأمني من قبل سلطة أوسلو مع الاحتلال، والكف عن التطبيع الرسمي العربي مع المحتلين… نعم، إنها ساعة الحقيقة، وقديماً قالوا، رب ضارة نافعة، إذ لعل من حسنات وضوح نتنياهو، ووقاحة ليبرمان، في ظل دراما تراجعات أوباما، التي محت وهم اختلافه عن سلفه، أنهم اليوم قد ألقوا فعلاً بالكرة في ملعب التسوويين الفلسطينيين ومرمى “معتدلي” العرب، وقالوا لهم بالعربي الفصيح والذي لا يقبل تأويلاً، لقد سقطت رهاناتكم ومعها سالف خياركم “الاستراتيجي الوحيد” الذي أدمنتموه وتشبثتم به أو هربتم من مسؤولياتكم التاريخية إليه، وإلى غير رجعة، فهل بقي لكم من خيار آخر سوى خيار الأمة… العودة إلى أبجديات الصراع… إلى ضرورة المواجهة؟!

فرحة صحفية السروال السودانية

30 نوفمبر 2009

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2089 )

ألم تسأل صحفية السروال السودانية نفسها هذا السؤال البسيط: هل يقبل وزيرالخارجية الفرنسي المهرج برنار كوشنر أن يستقبل إحدى نساء غزة، ثم يظهر معها في مؤتمر صحافي لتشرح مأساتها بسبب جرائم المحتل الصهيوني من الحصار إلى القصف وقتل الأخوة والأبناء والأصدقاء؟ وهل إذا ظهر ، وهو لن يظهر حتى لو أشرقت الشمس من الغرب وغربت من الشرق. هل سيبدي تعاطفاً مع مأساتها، أو يروج لكتاب يتحدث عن مأساتها؟

هل سألت صحفية السروال ما الذي يدعو الوزير المهرج والمنظمات الغربية لتبني قضيتها في حين أن نفس الوزير ونفس المنظمات لا يأبهون لمصير ملايين النسوة اللاتي يمتن من الجوع والحصار والحروب التي يتسبب بها الغرب، ونساء غزة تجسيد حي؟

عندما انفجرت هذه القصة أدركت أن الموضوع سياسي وأن وراء الأكمة ما وراءها، فقد كنت قبل أشهر في الخرطوم وشاهدت بأم عيني على شاطيء النيل الأزرق المقابل لفندق برج الفاتح حيث أقيم، شاهدت الأحبة من طلاب جامعة النيلين يجلسون أزواجاً ملتصقين على الشاطيء مديرين ظهورهم إلى الشارع غير عابئين بأحد، كما شاهدت الجنوبيات ساكنات الخرطوم يرتدين الجينز الأزرق الضيق، ونساء الطبقات الفقيرة يمارسن البيع والشراء في أسواق الخرطوم دون حاجز بين الرجال والنساء. كما أن الصحفيات السودانيات كن يملأن أروقة المؤتمر وهن يرتدين لباسهن التقليدي الذي يُظهر من شعر الرأس أكثر مما يخفي. لا يعني هذا أن نساء السودان يعشن في ظروف مثالية، بل إن ظروفهن صعبة لكن مشكلة اللباس ليست ضمن مشاكلهن الرئيسية.

القضية منذ البداية ليست قضية سروال، يبدو أن الصحافية قد أدركت ذلك فرفضت في البداية تدخل المنظمات الدولية، وأصرت على خوض معركتها القضائية مع محاكم بلدها حتى النهاية عبر رفضها حصانة الأمم المتحدة مع أن ذلك كان بين يديها لأنها تعمل مع هذه المنظمة. لكنها لم تكمل بل ما لبثت أن وقعت في اغواء الغرب الذي يبحث عن أمثال هذه القصص فيعزز مخيلته الاستشراقية عن الاضطهاد الذي تتعرض له المرأة الشرقية، وليستغلها في أجندة الغزو والنهب، فيجعل تحرير المرأة مع نشر الديمقراطية حججاً لقصف تلك الشعوب بصواريخ كروز وتوماهوك. لقد أعادت صحفية السروال إنتاج قضيتها وفق أجندة الغرب الذي يتبنى قضايا الجندر وفق رؤية خاصة، فهو يغضب لقمع المرأة المسلمة الجسدي المزعوم ويطالب بتحررها من لباسها لكنه يصمت عن قصفها بطائرات الـ F16 . لقد فعلت لبنى حسين ما يريد الغرب منها تماماً فكتبت كتاباً يدل عنوانه على مضمونه “40 جلدة من أجل سروال”. كتاب يلعب على مخيلة الغرب الاستشراقي وأوهامه عن الحريم الشرقي، ثم ظهرت في مشهد مأساوي مع وزير الخارجية الفرنسي السمج برنار كوشنر الذي طلب تقبيلها، فردت عليه بسخرية بأن ذلك مدعاة لجلدها في بلدها. نقول مشهداً مأساوياً لأنه استمرار للدائرة الجهنمية التي تُحكم الخناق على مجتمعاتنا العربية، فمن جانب أول أنظمة استبدادية متخلفة في أحسن حالاتها وعميلة في أسوأها، ومن جانب آخر معارضون يبحثون عن الشهرة والمجد الشخصي والنجومية والراحة والرفاهية لذلك يلجأون لأقصر الطرق لتحقيق ذلك فيرتمون بأحضان الغرب، كما فعلت الصحافية السودانية، محولين مآسيهم الشخصية إلى رصيد للغرب يحارب به مجتمعاتهم. وبين قطبي هذه الرحى تُزحن الشعوب لتتحول إلى طحين في أهراء الغرب.

في مؤتمرها الصحفي مع الوزير المهرج سُئلت صحفية السروال عن إمكانية «استغلال» قضيتها لأغراض سياسية ضد السودان، فأجابت بأن السلطات السودانية هي التي جعلت ملابس النساء شأناً سياسياً وزجت به في القوانين، وبالتالي لا بد من التصدي لها”، وسكتت. لكن المسكوت عنه بات واضحاً وهو أنها قررت التصدي لسلطات بلدها مستعينة بالغرب.

في إحدى قصص تشيخوف واسمها فرحة نرى البطل ميتيا قد اندفع إلى شقة والديه منفعلاً منفوش الشعر في وقت متأخر من الليل، فيوقظ أهل البيت جميعاً ليشاركوه فرحته لأن روسيا كلها أصبحت تعرفه فقد ذكرت إحدى الصحف أنه كان خارجاً من حانة في حالة سكر شديد عندما دعسته زحافة يجرها حصان، ففقد الوعي وأُسعف إلى مخفر الشرطة حيث حُرر ضبط بالواقعة وقُدمت له الإسعافات الأولية. وبالمثل يحق لصحفية السروال أن تفرح فقد باتت مشهورة في كل أنحاء العالم. لقد استحقت لبنى حسين لقبها الذي اشتهرت به “صحفية السروال”.

إختراق الثقافة الوطنية: روح العصر الجديد الذي تجاوز الالتزام في الفن وعلاقة الفكر بالمجتمع!

29 نوفمبر 2009

د. ناديا خوست

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2088 )

نبشت السيدة سعاد جروس في الكفاح العربي، بجرأةِ إعلاميةٍ ذات رؤية واسعة، هموم الوضع الثقافي العربي. ورددت تساؤل المواطن: أين الأصوات التي صعدت على أكتاف القضية الوطنية والقضية الفلسطينية؟ وما أعجب أن يتزامن التساؤل مع الاحتفال بذكرى الشاعر الشابي، ونحن نستعيد قصيدته “إذا الشعب يوما أراد الحياة”!

النخبة البديلة والموضوعات البديلة

مهما تميّزنا بالتفاؤل وبطيبة القلب، لا نستطيع أن نتجاهل أن العدو يضع الاختراق الثقافي في أسس مشروعه السياسي. فلابد للتنازل السياسي من دعاة ينخرون الثوابت التي تؤسس البنية الروحية. واستبدال نخبة ثقافية “قديمة” ذات منظومة فكرية وطنية، بأخرى جديدة تحول المناخ العام من الاهتمام بمسائل كبرى إلى تفاصيل صغيرة. فهذا المناخ يمكن أن يُفقد السياسيين الوطنيين الظهر والسند. تصاغ هذه النخبة الجديدة من مثقفين وكتاب معروفين ثبطهم الانهيار العالمي فشعروا بأنهم ضيعوا العمر في مسار لم يحمل لهم ربحا كبيرا. واندغموا في المشروع الجديد كي يظلوا في الصدارة. وقد ظهر بعضهم في الحفلة التي قاد فيها إسرائيلي الفرقة السيمفونية المصرية. إلى ذلك، تصنّع مجموعة من مثقفين متوسطين يرغبون بالشهرة السريعة، ويعون بالحدس أن التمرد دون مشروع سياسي يناسب روح التجديد. فيقفزون إلى مؤتمرات عالمية ويجلسون إلى جانب شخصيات ثقافية مشهورة. وترتب لهم قراءات في مهرجانات الثقافة في الحانات والمطاعم والساحات، يمكن أن يخزنوا منها ذكريات ينشرونها في بلادهم. الثمن الذي يجب أن يدفعوه: أن يثبتوا أنهم بعيدون عن الصراع العربي الإسرائيلي. وأنهم يحادثون يهودا ليسوا من أعداء الصهيونية، ويذكرونهم في مذكراتهم عندما يسردونها مكتوبة. فيسجلون هنا وهناك أنهم صافحوا الأيدي التي رمت إخوتهم بالرصاص والقنابل، وجالسوا “أبناء عمنا”. أبناء عمنا، وهم مستوطنون مستوردون غرباء عن المنطقة؟! وهم يحاصرون غزة فيعيش أهلها بين أنقاض بيوتهم ولاماء للشرب؟! وممثلة اونروا، نفسها، ترسم صعوبة الحياة اليومية هناك، ومن أبسطها: لاأحذية للأطفال تلائم مقياس أقدامهم! وتقرير غولدستون يكشف أنواع الجرائم الإسرائيلية!

فصل الفن عن الواقع السياسي

يختلق المشروع الاستعماري الغربي خرائط للمنطقة العربية يوطّن فيها إسرائيل، وينظّم الغزو والاغتيالات، ويسوق الخطاب الإعلامي العالمي والمؤسسات الدولية لتستر قهر الاحتلال وقصف الأحياء السكنية وفظائع السجون. فهل يمكن فصل الفكر والفن عن معاناة الناس ومصائر الشعوب، أي عن محور الصراع المركزي؟ هل يُقبل أن يغيب المشروع الثقافي المتصل بالحاجات الروحية والوطنية؟ كأن رسوم أحمد معلا تعبّر، بالتجمعات الإنسانية التي تظهر ملامحها العامة فقط، عن انحسار المجموعات أو استبعادها. في مستوى آخر يلاحظ في الفن التشكيلي الجديد الانصراف إلى التقنية، ومزج الألوان بمهارة، وابتكار الأشكال دون موضوعات كبرى. وتحتل الزهور مساحة واسعة. ويصبح الفن زينة جمالية. في هذا السياق يظهر الترفع على علاقة الفن بموضوعات الحياة الحارة، كأنها رؤية قديمة مهزومة. ويتقدم الانبهار بمصطلحات الحداثة ومابعد الحداثة. وتعلّق الأشكال الأدبية خارج ما تؤديه. وتظهر نساء يكتبن عن الجنس مع “رشة ملح” تذكر السياسة والمنظمات والحرب. ويمتزج ضرب الرجل المرأة بحريتها في خيانة المحبوب والزوج وحقها في تعدد العلاقات بالرجال. تسوّق الجرأة في كشف العلاقات الجنسية ونبش الأسرة الشرقية. في هذا الموكب نلوك في النقد الكتب التي هجرها الغرب، ونتزين بأسماء نقاد غربيين مهجورين، كي نظهر أننا نتابع الثقافة الغربية. ويصبح كونديرا أحد أنبيائنا المعاصرين. وننساق في الضجة التي رفعته في الغرب بعد ردّته وهجرته من بلاده. ونحاول أن نكتب على طريقته فنمزج الجنس والتوافه اليومية بالسياسة لنحط من العمل السياسي. وكأننا نحقق بذلك كله ما يراد لنا: ألا نصل التعبير الفكري بمسائلنا.

هل نتذكر أن البديل عن الصراع الاجتماعي والوطني، الذي أعلن في تسعينيات القرن الماضي، في خضم الانقلاب العالمي، هو الحريات الشخصية، حرية العلاقات الجنسية، حرية المرأة كحق فردي مقطوع عن الحقوق الاقتصادية وعن البنية الاجتماعية والإنسانية، البيئة دون علاقتها بالأنظمة الاقتصادية التي تبددها، حقوق القوميات كأنها ضد القوميات الأخرى، ونبش الأحقاد المذهبية. أفادت الموضوعات البديلة من التوق الإنساني إلى الحرية، والرغبة في علاقات إنسانية رحبة، والحق في التمايز الثقافي القومي والفردي، والمسافة الواسعة بين الواقع والقوانين، والحاجة إلى التجدد. لكنها دفعت في دروب متعرجة وقاتلة! وليست المسألة استبعاد الموضوعات الحساسة في مجتمعات وهبتها الحضارات القديمة تنوع ألوان النسيج البشري. بل المسألة غياب الرؤية الواسعة التي تضعها في مكانها التاريخي، وغياب الأداء العلمي الذي يجب أن تتميز به الأبحاث. والانتباه إلى الزمن الذي توظف في سياقه.

غياب المشروع الثقافي الحاضن

يعتمد الإبداع الفني العمل الفردي، والصوت المتفرد. لكن الزمان والمكان يصوغ المبدع نفسه. وعندما يرتقي المبدع يعبّر عن جوهر الزمن ومحاور الحياة. وقد يكون محظوظا بأن يسنده مشروع ثقافي واسع وجذاب يقرأ الحاجات التاريخية والإنسانية. فأي مشروع مؤهل لاحتضان الثقافة اليوم؟ ما هي معاييره ورموزه، ومن هم حمّالوه؟ هل يمكن أن يوجد مشروع سياسي وطني دون مشروع ثقافي وطني يسنده؟ يقول أنطونيو غالا: “الثقافة هي سيدة البيت وحاميته، الدين والاقتصاد والسياسة ليست إلا خدمها”. (غرناطة بني نصر. ص86). وفي ظروفنا العربية الثقافة هي الحصن والحصانة، هي المقاتلة التي تواجه الخطر الصهيوني، والمؤهلة لكشفه. فمهما تمنينا السلام وحلمنا بالأمان فنحن وسط عدوان على بلاد الثروات العربية والإسلامية. في واقع انفلتت فيه الوحوش دون قانون دولي يعقلها. واعتُمدت إسرائيل قاعدة عسكرية نووية يباح لها أن تمتد فوق فلسطين التاريخية، وأن تختال في الدماء العربية. داست خريطة الشرق الأوسط الدامية ملايين القتلى العراقيين واللبنانيين، ودمرت البنية التحتية وبنية الدولة، ونهبت شواهد التراث الوطني. فتقدم الصحفيون الميدانيون تحت القصف وسجلوا الجرائم والمجازر وبطولة المقاومة. لكننا لم نسمع شاعرا في مستوى الإعلام المرئي الميداني الذي رصد العدوان على لبنان وغزة. فهل يجوز أن يغيب المشروع الثقافي عن ذلك الواقع؟ ولا نعني المشروع الذي يملي، بل الذي يحتضن ويحاور ويسند، ويحمي الثقافة العامة. ويتفادى بالمحاور الكبرى ما يشبه فوضى حمّام السوق. فهل يناسب واقعنا أن نغيب في الفرق بين الشعر المرسل والمنثور والموزون، وأن نمضغ موضوع التراث والمعاصرة! وأن يجهد كاتب عربي ليثبت أن “ألف ليلة وليلة” ألفها أحبار يهود، وأن شهرزاد يهودية والسندباد يهودي! وأن تستهوينا الكتابة عن صورة “الآخر” اليهودي! وأن يسجل كاتب عربي أنه قابل “أولاد عمنا” في مؤتمر شعري اوروبي! وأن ينقل لنا، دون أن يذكر المصدر التاريخي، أن بحرة السباع في قصر الحمراء نقلت من بيت يهودي! مع أن من يزر قصر الحمراء ومن يدرس علاقة عمارته بالماء يتبين أنها من بنية القصر المعمارية، متصلة بسواقيه ونظامه. يقول أنطونيو غالا، الذي درس تفاصيل تاريخ الأندلس، إن الشكر لن يفي محمد الخامس قط حقه “لتزيينه الحمراء بالفناء الذي يحتوي في وسطه على فسقية الأسود، والمساكن المحيطة به”. (غرناطة بني نصر ص 134).

هكذا تنساق مجموعة من النخبة، مخضرمة وجديدة، مبتعدة عن واقعنا الدامي في وهم: أنها في روح العصر الجديد الذي تجاوز الالتزام في الفن وعلاقة الفكر بالمجتمع! أنها تحيط بالرائج في سوق المهرجانات العالمية كأبناء الغرب! أنها ترتفع فوق الواقع المحلي إلى آفاق العولمة، وتغتسل من الضيق الذي كان يصور لها أن الثقافة ذات صلة بالمشروع الوطني! وتنساب بتسامحها في تهويد التراث والفكر الذي تسعى فيه الصهيونية، فتعترف حتى بعمارة يهودية! وتصبح المسألة أن نعترف “للآخر اليهودي” بحضارته وعراقته، “وانتمائه إلى المنطقة”، هو المحتل الذي لا يعترف بالشعب الفلسطيني والحقوق العربية! ويبيح هذا “التسامح” أن يشترك كاتب عربي في كتاب منشور مع إسرائيلي! يقول عزمي بشارة: “وقد كثرت في صناعة الرأي العام نماذج الكتّاب الذين يصنعون لهم مكانة، أو ثروة، أو كلتيهما، من التعايش، أو من التسامح”. (حب في منطقة الظل. ص 89). ويصح كلامه خارج الأرض المحتلة! فيوم صور الوهم أن التطبيع الشامل مع العدو حتمي، والشاطر من يسرع ليأخذ مكانا في الصدارة، أعلن كاتب عربي أنه التقى جنرالا إسرائيليا، من مجرمي الحرب، وعبّر عن سعادته لأن ذلك الجنرال كاتبه!

موضوعات بديلة للتسويق والترجمة

عندما يقدم موضوع “صورة الآخر”، بديلا عن صورتنا نحن، نتساءل: أي آخر؟ الإسرائيلي القاتل والعنصري؟ أم الغربي الذي حاصر العراق ومنع الدواء عن الأطفال المصابين بالسرطان، هبة الاورانيوم المنضب الأمريكي ـ الغربي؟ الآخر الذي سلم خرائط ملجأ العامرية كي يصيب القصف النساء والأطفال؟ الآخر الذي منع أقلام الرصاص عن أطفال العراق؟ الآخر الذي استقدم الموساد الإسرائيلي إلى العراق فقتل مئات العلماء العراقيين؟ الآخر الذي يتجاهل حصار غزة؟ الآخر الذي يطلب أن نعترف بأن إسرائيل كيان شرعي مع أنها مجتمع من المستوطنين يهاجم المزارعين الفلسطينيين ويمنعهم من قطف زيتونهم، ويرفع جدار الفصل، ويسرق الماء العربي، ويهدد المسجد الأقصى، ويحتل بيوت المقدسيين أو يهدمها؟

كم يلزمنا الانتباه كي نميز بين الرحابة الثقافية التي تتسع للتراث الإنساني، وبين إلغاء الثوابت التي تؤسس البنية الروحية العربية!

والمثل التالي شاهد على التباس الحدود بينهما: في إحدى الجرائد الوطنية نطالع تعليقا على المقالات الصهيونية المدسوسة في الصحافة العربية في الثلث الأول من القرن الماضي. لكننا نقرأ إلى جانبه ما يشبه الفخر بترجمة قصص كاتب عربي إلى الايطالية. مع أن المقالة نفسها تبين أن الكاتب يتميز “بقدرته على التعرية ليسخر من كل شيء.. والتفاصيل التي تبدو في العادة مجتزأة من سياقات نصوص أو ما يمكن أن نسميها المسكوت عنها فسلط الضوء عليها، وفي الوقت ذاته كسر الهالات وأطفأها عن الأمور التي تبدو في نظرنا أحيانا كبيرة”.

أليس الهدف المعروف كسر المقدسات والمسائل الكبرى، على طريقة كونديرا الذي يخلط الجنس بالسياسة ويحتذيه كتّاب مغاربة؟ ألم تنبش بعض الروايات والأبحاث “المسكوت عنه” في الأسرة العربية المسلمة، والجنس عند العرب، والتعذيب في الإسلام، لتسفيه الإسلام وتسويغ مطاردة المسلمين والعرب؟ ربما يفسر الجهل التسرب الصهيوني إلى الصحف في بدايات القرن الماضي. لكن من يجهل اليوم المشروع الصهيوني العولمي وأزياءه الثقافية؟! أيكون المواطن العادي أكثر إحاطة به من كاتب عربي يزهو بلقاء “أبناء عمنا”، وكاتب عربي يجتمع مع إسرائيلي في منشور “متوسطي”؟!

الاختراق الثقافي بموضوع الجسد والجنس

تفكك البنية الروحية الأخلاقية بأسلوب يواكب كسر الثوابت في الموقف من العدو واستبعاد الجوهر الاجتماعي والوطني من الفن. في الماضي وضعت “الروح” مقابل “مرجعية” العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، كأن الروح ليست حياة المادة! واليوم يقدم الجسد والعلاقات الجنسية “مرجعية” للفن. ويتقدم إلى عناوين بعض الروايات مغريا بالشهرة والانتشار. أين الإبداع الجميل في فصل الحب عن الجسد، وفصل الأشواق والعواطف الإنسانية، موضوع الفن، عن الجنس؟ هل الجرأة في إعلان العلاقات الجنسية والمثلية والزهو بالفسق فضيلة في مجتمعات تُنهب وأوطان لا حرمة فيها لحق الحياة؟ بعد اجتياح لبنان أمس، قصدت بعض الروايات أن تصور تعدد الزوجات في جنوب لبنان. وشاهدنا الحفاوة العالمية بها. وبعد الانتصار على العدوان الإسرائيلي في تموز، بعد معرفتنا النساء اللواتي سندن المقاومة الوطنية وسحرننا بوعيهن وشجاعتهن، تقدم رواية “اسمه الغرام” نساء مشغولات بتفاصيل العلاقات الجنسية والعلاقات المثلية. وتسقط حتى قعر الانحطاط والابتذال. تقصد أن ترسم صورة بديلة عن نساء المقاومة اللبنانية فتظهر أن نساء الجنوب اللبناني مقموعات ومنافقات ومنحلات، وأن رجاله مستبدون ومتخلفون، وأن شيوخه انتهازيون. ومع ذلك يعيّن لتلك الرواية مراسلون تطير مقالاتهم إلى جرائدنا ومجلاتنا، وتُطلب لها الجوائز، وتُرفع الكاتبة إلى لجنة تحكيم تقرر ما يسقط وما ينجح من إنتاج الشباب، لتؤثر في جيل جديد! وترشح الرواية، الضعيفة بلغتها وأدائها الفني، للترجمة. وينشر “كتاب في جريدة” رواية سابقة للكاتبة، في الروح نفسها والمستوى نفسه. فنتساءل من رشحها للانتشار في الوطن العربي ليسوّق فساد الذوق الأدبي والفساد الأخلاقي ويلمّع نمطا من الكتّاب! هل ينبهنا ذلك إلى نخبة عربية مهاجرة، أكثرها ليس سفيرا لبلاده، بل رسول التيارات الغربية إلى بلاده؟ نخبة مؤهلة لإدارة الاختراق الثقافي، تستند إلى صلاتها الغربية لتصطنع لها مريدين في بلدها الأصلي، وتروج التمرد على الثوابت الوطنية كأنه تمرد على التخلف، لا تحلل أسباب انهيار المشروع القومي والمنظمات المقاتلة اليسارية السابقة والردة العامة، ولا تصلها بنشاط عالمي ساهم في فشلها. بل تضع نفسها في مكان القاضي المترفع لا في مكان الكاتب الفاحص الراصد. فتظهر الانهيار ولا تريد أن ترى البطولة والمقاومة. وتستسلم لإغراء كشف العورات وتصغير العلاقات بين الرجل والمرأة. واستبعاد المثل الكبرى والمسائل التي حملها الأدب الإنساني. تقدّم هذه النخبة كفصيل تحف به الطبول. ومن يتابع “كتاب في جريدة” يلاحظ أنه نشر نصا جميلا لشوقي الأمير عن بغداد تجاهل الاحتلال الأمريكي. ونشر رحلات كاتب أردني مغترب التقى بإسرائيليين. ثم نشر نص الكاتبة التي ذكرناها.

هل يسوّغ هذا الاختراقَ مناخُ انهيار اجتماعي وسياسي؟

لكن جوهر الواقع العميق: انهيار مشروع الحرب على أفغانستان والعراق، وانهيار الاقتصاد الأمريكي. وهزيمة عسكرية للجيش الأمريكي في العراق، هزت البنية الأمريكية وأنتجت لين اللغة الديبلوماسية. ومقاومة لبنانية شعبية مسلحة كسرت أسطورة الجيش الإسرائيلي. ومقاومة فلسطينية باسلة بالرغم من الحصار. وممانعة سورية سندت المقاومة الوطنية العربية في اللحظات الدقيقة. فهل يسدد الاختراق الثقافي في حرب مواكبة؟ ولماذا تبقى الثقافة دون تلك العلامات الكبرى؟! ألا يفسر لنا الظمأ العام، الجمهور الذي ملأ باحة قلعة دمشق ليستمع إلى جوليا بطرس ويردد معها أغاني المقاومة؟ نتذكر الزركلي وأمير الشعراء شوقي. نتذكر مسرحيات دريد لحام التي عجنت مسائل اجتماعية ووطنية وسياسية وأدّتها بفن جميل لا يزال يطربنا. نتذكر “يا ظلام السجن خيم” التي كانت نشيدا شعبيا وطنيا رددته بلاد الشام في ثلاثينيات القرن العشرين، وتنقّل في سورية وفلسطين. فنتمنى أن نسمع مثله اليوم من بغداد إلى فلسطين. فلا تظل بلادي لك حبي وفؤادي، نحن الشباب، موطني، سورية يا حبيبتي ومثيلاتها، قمة لا يرقى إليها ما يفترض أن توحي به الأحداث. ونتمنى أن ينتشر في الشعر السياسي مايرقى إلى قصائد نزار قباني. فهل السبب في هذا الفراغ أن لغة الوجدان العام لم تعد لغة واحدة بل أصبحت لهجات تعبر عن فئات؟ هل السبب مناخ استهلاكي يصور أن اللغة العربية نفسها متخلفة، وأننا “نتحضر” بمقدار ما نشبه الغرب؟

لذلك تساءلت سعاد جروس عن مكان النخبة الثقافية الفارغ. ورسمت رغداء مارديني وحدة الكاتب الوطني. وتساءلت عفراء ميهوب هل أصبحت الثقافة مختزلة بدراما تلفزيونية. مع أن المسلسلات التلفزيونية تغرق في تفاصيل الحياة اليومية والرموز الاستهلاكية من أزياء وسيارات ومطاعم وهواتف نقالة وعلاقات حب عابرة. فيفتقر العرب إلى الاجتماع حول أعمال كبرى تستنهض الروح وتوسع المعرفة. ويمر في طيات العتمة مسلسل “الاجتياح”.

ضرورة المشروع الثقافي الوطني

وبعد، لابد من عبق وطني في الفن كي يلامس الوجدان. وإلا كان كسائل كيميائي ملون، أو كألعاب الضوء. موضة لا تشهد على زمان ومكان وبشر. قد تثبط الفنان قوة الحدث الواقعي فيشعر أمامه بالتهيب. وهذا الامتحان الفني شرعي، ولا مهرب منه. لكن تواضع التعبير الأدبي غير التنصل من الهموم العامة، والبعد عن جوهر الأحداث!

ربما يبدو من يحمل في الفن قضايا كبرى تملأ وجدانه، كمن يسبح عكس التيار. ولكن هل يُبقي الزمن غير هؤلاء؟ مع ذلك لا يسوّغ الايمان بالمستقبل تجاهل مسؤولية المؤسسات في أن تعيد للثقافة مكانتها. ومتى كان المشروع السياسي الوطني ممكنا دون رديف ثقافي متصل بتربية روحية تحصن المواطن، ودون رموز ثقافية ذات سمعة ومكانة! يقول أنطونيو غالا: “الثقافة هي المفهوم الوحيد الذي يمكن أن يتأسس وينمو على قاعدته مفهوم الوطن”. فهل نبالغ إذا أكدنا ضرورة الثقافة لأية مهنة! ألا تنقل الثقافة حتى الحرفة اليدوية التي تتكئ على معلومات إلى فضاء الإبداع؟ وتسكب الشعر وتجلو روح الظاهر المحدود! وتكسر الحجب عن الثروات الروحية والفكرية! وتصون الموهبة من التكرار والنقل. كم الحياة ضيقة دون الثقافة وكم البصر دونها حسير!

:::::

المصدر: “الكادر”،

http://www.alkader.net

62 عاما على قرار التقسيم ….!

29 نوفمبر 2009

نواف الزرو

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2088 )

بينما يتجدد الجدل الفلسطيني العربي حول قرار تقسيم فلسطين كما في كل عام، فان الحقيقة الكبيرة الساطعة التي نوثقها ونحن اليوم امام الذكرى الثانية والستين للقرار الذي اتخذ في التاسع والعشرين من تشرين ثاني/1947 تتمثل (وهنا نعيد نشر ما كتبناه مرارا في هذه المناسبة للتذكير) في ان التنظيمات والدولة الصهيونية قامت وما تزال تواصل تدمير وشطب عروبة فلسطين تاريخا وحضارة وتراثا ، كما قامت وما تزال تواصل تهجيرالشعب الفلسطيني وتهويد ارضه ووطنه وتحويله الى “وطن يهودي” والى “دولة يهودية نقية” يسعون في هذه الايام باستماتة من اجل ابتزاز الشرعيات الفلسطينية والعربية لها..!، بل انهم يشنون هجوما استراتيجيا شاملا بهدف شطب فلسطين بكل ملفاتها وعناوينها الى الابد…!

ولم يعد سرا ان تلك الدولة اقترفت ابشع اشكال التطهير العرقي، وقامت بتهديم المكان العربي على امتداد مساحة فلسطين، فدمرت ومحت نحو ستمائة قرية فلسطينية ومنها على رؤوس ساكنيها، كما دمرت العديد من الأماكن العربية المقدسة في فلسطين، بينما قامت بتهجير اهل الوطن والتاريخ والحضارة بفعل المخططات الاستعمارية وبقوة “التطهير العرقي” البشع وفي ظل حالة من الاوضاع العربية التي تعجر مفردات القاموس السياسي عن وصفها…!

كان من المفترض وفق قرار التقسيم على ما فيه من ظلم وسطو على معظم الوطن الفلسطيني، ان يعطي الشعب الفلسطيني نحو 44% من فلسطين ، لتقام الدولة الفلسطينية عليها، فما الذي حدث…؟!

ومن يتحمل مسؤولية ضياع فلسطين…؟!

…ومسؤولية عدم اقامة الدولة الفلسطينية….؟!

وهل تضيع الحقوق والاوطان هكذا مع التقادم…؟!

ام انها يجب ان تعود مركبة…؟!

ثم اين الخريطة الجغرافية والسياسية والديموغرافية في فلسطين اليوم بعد اثنين وستين عاما على ذلك القرار التقسيمي…؟!.

نعود هنا مرة اخرى الى احدث المعطيات حول الميزان الجيو ديموغرافي في فلسطين المحتلة لنذكر: انه “منذ العام 1948 اقامت اسرائيل اكثر من 700 تجمع سكاني (بين مدينة وبلدة) يهودي دون ان يقام ولو تجمع عربي واحد …!

وقال الكاتب الاسرائيلي المعروف “عوزي بنزيمان” في هآرتس العبرية: “ان عرب اسرائيل الذين يشكلون 18 بالمئة من السكان اليوم يشغلون فقط 2,4 بالمئة فقط من الارض، والمساحة المخصصة لليهودي اكبر من تلك المخصصة للعربي بثمانية اضعاف “؟، واضاف “ان العرب في الجليل يشكلون %72 من السكان ولكنهم لا يشغلون سوى %16 فقط من الاراضي هناك”مشيرا الى “انه قبل قيام اسرائيل كانت الاراضي العامة اقل من %10 اما اليوم فقد اصبحت %93 حيث وضعت الدولة يدها على الاراضي العربية باربع طرق -لا مجال لذكرها هنا - “.

تفتح هذه المعطيات التي يوثقها لنا بنزيمان ملف الميزان الجيوديموغرافي في فلسطين، وكيف كان هذا الميزان قبل قيام تلك الدولة الصهيونية وكيف اصبح اليوم …..؟!

كما تفتح امامنا ملف التهجير والتهويد الشامل لفلسطين على ايدى الاحتلال الصهيوني ….؟!.

وفي هذا السياق يمكن القول ان الهجوم الصهيوني على فلسطين يحمل كل عناوين الاغتصاب والمجازر والاقتلاع والترحيل والتهويد والغاء الآخر العربي الفلسطيني تماما…!

وحسب المشاريع والنوايا المقروءة لدولة الاحتلال وبلدوزرها الاستيطاني، فان هذا الهجوم الصهيوني لم ولن يتوقف ابدا، وهذا الاستخلاص ليس اجتهادا سياسيا او فكريا تحت الجدل، وانما هو حقيقة كبيرة راسخة تتكرس على الارض مع مرور كل ساعة من ساعات الاحتلال، ومع تواصل عمل بلدوزرات الاستيطان والجدران على الارض، وهي حقيقة معززة مدعمة بكم هائل من الوثائق والمعطيات والوقائع الموثقة الملموسة.

فبالنسبة لفلسطين المحتلة 1948 على سبيل المثال وهي عنوان النكبة والتهجير وتهويد المكان الفلسطيني فتؤكد كل التقارير والدراسات العربية والعبرية على “ان الحركة الصهيونية مجسدة بدولة اسرائيل تواصل “عبرنة” و”تهويد” اكثر من 8400 اسم عربي لمواقع جغرافية وتاريخية”.

وحسب كتاب “المواقع الجغرافية في فلسطين - الاسماء العربية والتسميات العبرية” وهو من تأليف الدكتور شكري عراف وصدر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، فلم يكن في فلسطين حتى غزو الصهيونية لها سوى 50 اسما عبريا فقط، وان التوراة اليهودية لا تشمل بالاصل سوى 550 اسما لأمكنة مختلفة في فلسطين وهي في الاصل اسماء كنعانية وبادر الصهاينة الى تحوير الاسماء الاصلية او وضع اسماء عبرية على المواقع الفلسطينية، وهكذا تحولت “بئر السبع ” مثلا الى “بئير شيبع” وطبريا الى “طبيريا” والخضيرة الى “حديرة” والمطلة الى “مطولة” وصفورية الى “تسيبوري” وعكا الى “عكو” وهكذا.

ويتحدث الكتاب عن ان “الصهيونية غيرت وهودت 90% من اسماء المواقع في فلسطين”.

وليس ذلك فحسب، فدولة الاحتلال تواصل من جهة اولى مخططات تهويد ما تبقى من المواقع والاراضي الفلسطينية في فلسطين 1948 سواء في النقب او الجليل المحتلين ، بينما تشن من جهة ثانية هجوما تهويديا استراتيجيا ايضا على المواقع والاراضي العربية في الضفة الغربية ويتركز هذا الهجوم الى حد كبير على مدينتي القدس والخليل وقد امتد في الآونة الاخيرة الى منطقة الاغوار الاستراتيجية.

ولكن- دولة الاحتلال لا تكتفي بتهويد الجغرافيا والتاريخ وانما تخطط وتبيت وتسعى لاقتلاع وترحيل من تبقى من اهل فلسطين بوسائل مختلفة، او تسعى لالغاء وجودهم تاريخيا ووطنيا وسياسيا وحقوقيا وحشرهم في اطار كانتونات ومعازل عنصرية هي في الصميم معسكرات اعتقال ضخمة قد يطلق عليها اسم “دولة او دويلة فلسطين” او “كيان فلسطيني” او ربما تبقى بسقف “الحكم الذاتي الموسع”.

وبيت القصيد هنا في هذا الصدد ان فلسطين من البحر الى النهر تحت مخالب الاغتصاب والتهويد والاقتلاع والترحيل، وهذه العملية تجري مع بالغ الحزن والقهر تحت مظلة “عملية السلام”والمؤتمرات واقربها مؤتمر انابوليس تارة، او تحت غبار حرب الاجتياحات والاغتيالات والتدمير والجدران طورا، وذلك على مرأى من العالم العربي والمجتمع الدولي.

ولذلك فانه لمن بالغ الدهشة الحديث احيانا عن “سلام عادل وشامل ودائم”، والاغرب التمسك العربي بالنواجذ على خيار المفاوضات وخارطة الطريق على وقع المجازر وبناء المستعمرات والجدران الاغتصابية التهويدية.

وكبرى الكبائر العربية هنا ان تفتح الدول العربية ابوابها لقادة وجنرالات الاحتلال وجرائم الحرب، هكذا مجانا ودون حتى اي التزام اسرائيلي ولو على الورق بوقف المستعمرات والجدران..!

فنحن في الحقيقة امام سلام ارهابي على الطريقة البن غوريونية او البيغنية او الشاميرية او الرابينية او الشارونية او الباراكية او النتانياهوية او الاولمرتية كما هو حاصل اليوم …؟

nawafzaru@yahoo.com

على هامش الخيبة المصرية ـ الجزائرية

29 نوفمبر 2009

يحيى أبوصافي - القاهرة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2088 )

علق أحد الظرفاء المصريين على إستضافتي لصديقتين من الشقيقة الجزائر قبل رحيلهما عن المحروسة مصر بقوله: ( من دخل دار أبوصافي فهو آمن)، وذلك بعد مباراة كرة القدم التي أطلق عليها على سبيل الخيبة..ليس إلا، ( واقعة أم درمان)!

في البدء تناولت الموضوع على محمل الظرافة.. ومع تسارع الأحداث المشوبة بالإدانات والإتهامات من كلا الشعبين الشقيقين، إمتد التشويه والعبث (المنظم) عبر وسائل الإعلام، ليحط وبشكل جنوني في قلوب الناس ولتشتعل نار الكراهية بين ناس بسطاء، بالكاد يتذكرون ان ثمة ترف يسمى رياضة كرة القدم.. ناس - يادوب- يتذكرون رياضتهم اليومية بالركض وراء لقمة العيش، في كلا البلدين.

لم يقع قتلى أو إصابات ( تستحق كل هذا اللطم) في البلدين الشقيقين، والحمد الله رب الشعبين المسلمين أنه لم بحدث هذا..

وهذه حقيقة اولى يجب إدراكها.

وفي مقال نشر في مواقع على الأنترنت، لعلي الهواري ومعنون ب(عفواً بوتفليقة) عمد فيه الكاتب إلى عقد مقارنات غير دقيقة بين المذابح التي أذكتها نار السلطة والفكر السلفي الكذابين في الجزائر، وتداعيات مبارة كرة القدم التي بين مصر والجزائر!!

وقد ساق كاتب المقال مجموعة من البراهين مستنداً إلى كتاب ألفه (ضابط) وصفه الهواري بالتائب، وحشر مضامين الكتاب (حشراً) في تحليل غاضب ومتوتر لما جرى بين شعبين عربيين (أتمنى لهم جميعاً السلامة من السقوط في فخ الإلهاء والعبث المنظم) من قبل بطراني الدولتين.

ولا أظن ان أي سيدة أو رجل جزائري ممن عاصرو شلالات الدم، وأكتتو بنار القتل بإسم الله والعسكر يرغبون إن تحشر ذاكرتهم المفخخة بكارثة الفقد واللوعة ب(ماتش كورة)، أياً كان السبب..ولا ننسى ويأخذنا الصراخ وجلد) أخو فلان وإبن علنتان) عما يحدث للأهل في فلسطين والعراق من قتل يومي معلن على ذات الشاشات، وصفحات الجرائد التي نشرت - ولا زالت تنشر- تلك تداعيات الخيبة العربية في أم درمان.

يكاد عام 2009 أن ينتهي على مشهد عربي غاية في السوء، لم يتمنَ أي منا أن يكون أحد عناصره الفاعلة، المتفاعلة، والمفعول فيها، وأرجو ان ينتهي الآن ونحن في نوفمبر منه قبل ان نصحو على حدث آخر في أي بلد عربي.. فلا شعوب عربية تدرك جحيم الآتي بكل ثقله الإمبريالي الصهيوني.. ولا دول تتنبه للكوراث الأنسانية التي يكتوي بها الناس هنا وفي شتى البلاد العربية والتي قاربت نسب الفقر (الممزوج بالذل والمهانة اليومية ) فيها إلى مستويات تقترب من موات طموحات وأماني الإنسان العربي بأقلهَ..حياة كريمة، ولقمة حلال! وبأكثره مقاومة مستلبيه، ومستبديه.

كيف لنا الآن أن نتشدق بعروبة ؟

وما الذي يجمعنا بعد كل هذا التشويه الولداني بالعروبة، غير مفاهيم خاوية ينخرها سوس العصبيات القبلية، الوطنية، القومية، الطائفية، الحزبية، الإقليمية، المذهبية.. حتى بتنا على قاب قوسين او أدنى من داحس (تلهث الآن خلف كرة وعلم وأقدام مرتبكة، وتحاول أن تسجل هدفاً يرفعنا من قيمة اللاشئ إلى أي شئ حتى وإن كان ذاك الشئ وهمي، متبخر، وأجوف).

كيف للجماهير العربية أن تلعب دورها الحقيقي في التصدي للمشروع الإمبريالي الصهيوني في البلاد العربية بينما تكدست مثل البضائع منتهية الصلاحية حول فضائيات غيرت إعلانتها ( بإبعث رسالة وإشتم أخوك العربي ببلاش) قمة العيب! والله

ثم عن أي عروبة نتحدث ومشروع التحرر العربي يمسخ أمام أبصارنا وضمائرنا، ذاك المشروع الذي طالمنا حلمنا به محرراً، وبانياً لنهوض حقيقي وديمقراطية حقيقة..ذات المشروع/الحلم، الذي حملت لوائه مصر والجزائر، والأمة العربية بأن يبقى السلاح صاحي خلف مزياني مسعود ( احمد بن بيلا) وجمال عبد الناصر، ليتحول إلى ميادين لكرة تقفز ويقفز معها ملايين الشباب والصبايا المرهونون للعبث..والعبث فقط .

اية روابط مقدسة تجمعنا ونحن نرى أن الله قد إنقسم إلى مشرقي، ومغربي في مشهد عبثي على ساحل المتوسط العربي، والكل يتضرع إلى السماء ليقول يارب..إلى درجة أن الرب (الواحد الأحد) قد إحتار لمن يمنح مباركته بالذهاب إلى جنوب أفريقيا، وعن أي روابط لغة تجمعنا وقد تحولت اللغة إلى شتائم يتبارى الجميع في نحتها وإلباسها لتاريخ الشعبين العربيين..ولن أسرد قائمة الشتائم..للتعفف ليس إلا.

لماذا لا نصر أن نشيح بوجههنا عما يجري الأن في بعض الدول العربية المهددة حقيقةً (داخلياً وخارجياً) ويكفي أن ناخذ اليمن كبلد عربي ظل حاضنة دافئة للثورة الفلسطينية في أحلك ظروفها، وللمقاومة العراقية في التكالب الأممي عليها، كي ندرك حجم المخاطر التي تحيق بالإنسان العربي من محيطه إلى خليجه. فاليمن يكاد ينقسم إلى جنوب محتج ووسط مضطرب وشمال تتفجر جباله بقذائف الأهل والأهل المضادين للأهل، ليسقط مئات القتلى ويتشرد الآلاف.. يمن ينقسم إلى ثلاثية يختلط فيها القبلي بالمذهبي بالإيدولوجي.. ليسود فيها القتل والتشريد بسم الله والعصبيات القبلية، أليس الشعب العربي هناك هم أهلنا وأبناء جلدتنا، هل نلتفت للصومال- على أعتبار أنه بلد عربي- وما يحدث به من كوارث حقيقة من مجازر، وجوع، وفساد..هل نلتفت لفلسطين والعراق، ولبنان وسوريا والأردن ومصر والجزائر والسعودية والسودان والجميع الآن (أنظمة وشعوباً) تحت نار قناص أمريكي يرابط (كعزرائيل) في أباتشي أو هامر او فرقاطة؟

هل نلتفت ولو قليلاً لجولات نتنياهو، ولبرمان، وباراك في عواصم العالم وهم يمهدون لمرحلة جديدة تتطلب منهم الحراك الهادئ والمنظم لإقناع الحكومات الغربية، بمزيد من الحصار والتدمير والإستيطان، ليمتد حراكهم إلى دول أمريكا اللاتينة والتي لن تظل صديقة لقضايا الأمة العربية طالما نحن أعداء لذات القضايا.

جراحنا تتعاظم.. ونحن نلهو بنبش الجراح فقط لكي نعبث.. أليس فينا رجل عاقل؟!

يا شيوعيي العراق ما العمل اذا دقت ساعة العمل؟

28 نوفمبر 2009

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2087 )

ما العمل اذا صار الوقت كالسيف ان لم تقطعوه قطعكم؟

ما العمل اذا ضيع الدليل بوصلته؟

ما العمل اذا مالت السفينة وراحت تلعب بها الرياح؟

ما العمل اذا ضيع الفتى طريقه ووقع بشباك المدجنين؟

ما العمل اذا اصبح الحزب الشيوعي العراقي (حشع) طامسا وحتى اذنيه بمستنقع عملية سياسية فاسدة وخانعة ومرتمية باحضان الوصاية الامريكية، ولا يمكن له التطهر من ادرانها الا اذا انتفض بنفسه على نفسه ليساعدها على الخروج قبل ان يموت تماما فيها ـ لانه يستخدم الان كمطية للتغطية على حقيقتها الفاسدة، فمن الاشرف له ان لا يكون من ضمن هذه الجوقة المجرمة التي تستخدم اسمه وتاريخه للتضليل والايحاء بانها ليست بطائفية او عنصرية ـ؟

ما العمل اذا افرغ حشع من محتواه الاصلي واصبح كالمحشي مخلوط المحتويات، كتشكيلة ماسخة وهي بالاصل من فضلات الصناعات الفكرية العائمة في سوق التيه البرجوازي الصغير والطفيلي؟

ما العمل اذا جثمت على صدره ورأسه قيادة استنسخت اساليب الانظمة الشمولية للاحتفاظ بمواقعها من خلال الامساك بمقود الدفة وهي تقسم باعظم الايمان أن لا تتركه حتى يقضي الله امرا كان مقضيا ـ مثلها مثل الاعمى الذي امسك بعد عناء بشباك الكاظم ـ انها تتذلل وتتمسكن، راضية بما يرمى لها من فتات موائد السلطة وعظامها الممصوصة، تتشبت بسقط المتاع بأياديها واسنانها وبكل ما ملكت ايمانها، مقتنعة به مصدرا لرزقها الاول والاخير؟

ما العمل اذا اصبح حشع اشد تحالفا مع الطائفيين ـ الاحزاب الشيعية ـ ومع العنصريين ـ الحزبين القوميين الكرديين ـ لدرجة صار يتنقل بين جوقتيهما كومبارسا في كورسيهما حتى اصبحت الناس تعتبره رديفا جامعا في تعاشقه مع الاثنين؟

ما العمل اذا قبل حشع لنفسه اهانة نفسه؟

ما العمل اذا اصبح حشع مثل شركة محدودة المساهمة بمجلس ادارة يتكون من اكثر المساهمين قدرة على ايجاد مصادر تمويل وارزاق لرشوة المخدوعين والصرف على مقراته المتكاثرة كالعليق ـ في بغداد وحدها 17 مقر ـ!

ما العمل اذا سيطرت على حشع عصابة من الانتهازيين والاميين والمهزوزين واصحاب البزنز السياسي والطفيلي؟

ما العمل اذا اصبح لحشع سعر بخس محدد بوزير ومقعدين ببرلمان تعط منه كل الروائح الكريهة ومع ذلك فهو مستعد لبيع كل شيء من اجل ان لا يخسر هذا السعر الهابط؟

ما العمل اذا جعل حشع من نفسه اقسام قابلة للانشطار تيمنا بالتخصص والتحاصص، فهناك قسم معمم بعمامة الولي الفقيه وقسم بجمداني البارزاني واخر بجمداني الطالباني وهكذا ليكون تابعا كالظل لحلف اللئام؟

ما العمل اذا كان جهابذة حشع ومذيعوه النزقون يؤمنون بان نمو الراسمال الحزبي يتطلب علاقات مستقرة وامنة على قاعدة ان الراسمال جبان ـ من يتزوج السلطة نقول له عمي، لنداري خبزة طبقة الحزب الجديدة، طبقة افندية اللجوء الرثة ـ؟

ما العمل اذا اسقطت الفئات الكادحة من شعبنا ـ حشع ـ من كل حساباتها ومديات تطلعاتها؟

ما العمل اذا اصبح هذا الحزب لا يحترم نفسه ـ فهو متملق ومتزلف ومتردد ومساح جوخ وبطناني ـ؟

ما العمل اذا تنكر للشهداء وصار يتعامل معهم بانتقائية الربح والخسارة؟

ما العمل اذا اصبح حشع إكمالة عدد؟

مالعمل؟

ما العمل يا من يعز عليه هذا المصير مصير الحزب والشعب؟

ما العمل ايها الشيوعيون يامن تأبى نفوسكم ان يكون هذا هو مصير الحزب؟

هناك طريقان لا ثالث لهما:

الاول، ان يتطهر الحزب من قيادته التي جعلت ملامحه بلا ملامح، وجعلت طعم سياساته ماسخ ومشعوط، بواسطة انتفاضة حزبية تجبرها على التخلي عن مراكزها، او الخروج الجماعي عليها بدعم واسناد المجاميع اليسارية الثورية من خارجه.

والثاني، ان يتكتل كل احرار حشع ويشكلون بديلا يبرهن بسياسته على انه هو الامتداد الشرعي لحشع وبذرته الاصيلة، ويركز على اقامة اوسع حلف يساري عرفه العراق ويعتمد على سياسة مستقلة عن الطائفيين والعنصريين، ويدافع باخلاص ونكران ذات عن مصالح المسحوقين دون خوف على مكسب ما او وظيفة او تقاعد!

نعم دقت ساعة العمل لعودة الحزب الضائع الى طبقيته ووطنيته وامميته الحقة، وبمناسبة ذكر الاممية فهناك خبر طازج تعتم عليه قيادة هذا الحزب يقول : جرى مؤخرا اجتماع موسع للاحزاب الشيوعية في دمشق حضره مندوب من حشع وقد اعربت اغلب تلك الاحزاب عن استهجانها للمواقف المخزية لحشع، ثم سعى مندوب حشع الى عدم تضمين البيان الختامي الذي يحمل تواقيع اكثر من خمسين حزب شيوعي في العالم، موضوعة دعم مقاومة الاحتلال في العراق، وقد قوبل موقفه بالاستنكار الفاضح!

ليست الساعة ساعة حصاد الاصوات لانه لا وجود لاصوات حتى يحصدها حشع، وانما هي مناسبة لاستعادة الحزب باتجاه جادته الام، فبأي وجه يواجه حشع العمال ونقاباتهم؟ باي وجه يواجه عوائل الشهداء؟ باي وجه يواجه المتضررين من فساد وغطرسة البارزاني والطالباني؟ وباي وجه يواجه المتضررين من طائفية الحكم في بغداد، طائفية الرفيق عمار الحكيم، والجعفري والمالكي؟ باي وجه يواجه المتضررين من الاحتلال الامريكي وهم الاكثرية الساحقة من ابناء شعبنا؟

ان قيادة حشع مدعوة لساعة خجل، فقد دقت ساعة العمل للقصاص من نهجها الذي جعل من حزب الشهداء حزب فهد ـ ملطشة ومكفخة وخدام ـ لمسيري مواكب العزاء والجحوش!

حاولوا ايها السادة المنتفخين هواءا في ساعة الخجل هذه تامل ما فعلتموه بحزب لا يستحق ما يحصل له ولا تتحولوا الى صلفين اكثر، بحيث تكابرون وتتنصلون عن مسؤولياتكم في الواقع القائم، لان القصاص سيكون اشد، فاحملوا حقائبكم وارحلوا واتركوا الحزب لاهله لابناء العمال والكسبة والمثقفين الذين دبغتهم الكوارث والمآسي اتركوا الحزب وارحلوا فان للحزب طبقة تحميه وضمائر ما زالت حية تستطيع تجديده واعادة بناءه انها موجودة خارج مقراتكم، موجودة في كل ركن فيه جوع وظلم واستغلال من بلادنا!

منكم من راح يبحث عن رزق اكبر فترك الحزب واندمج بحزب البارزاني والطالباني، وفي الجهة المقابلة هناك من يفكر بالانخراط في صفوف قائمة التغيير في الشمال اومع القوائم العلمانية ـ علاوي والمطلك ـ لكن الاكثرية الحزبية ما زالت تعمل لاسترجاع حشع وهي تتطلع لهزيمة قيادته الحالية وافلاسها الذي سيشهر قريبا وباسرع مما كان متوقعا، اثناء الانغماس في ساعة العمل المنتظرة!

يا اعضاء ل.م لحشع بربكم ان كان لكم رب ـ لاننا ندرك جيدا ان اغلبكم لا يؤمن بشيء غير مصالحه الخاصة على الرغم من معرفتنا باخبار الحملة الايمانية داخل مقراتكم وغرف الصلاة الخاصة بها ـ الا تخجلون ولو قليلا من انفسكم؟

من حزب كان يقود الجموع ويحرك الشوارع ويسقط حكومات ويؤسس لثورات وانطلاقات الى حزب مقاد من قبل مرافقي بارزاني وطالباني وزاد عليهم مرافقي الملا عمار، وربما ياتي الدور لاحمد وسرور وقباد؟

ساعة خجل تكفيكم لتنزاحوا والى الابد عن طريق كان مفروشاً بالتضحيات واصبح بفضلكم اليوم مفروشاً بالصلوات الكاذبة، يكفي فقد عملتم بما يكفي لدمار الحزب وحرفه، والنتيجة واضحة في الوجوه والممارسات والتأثير وقلة القيمة والمقام، لقد احكمت ساعة الخجل احكامها عليكم وليس مطلوب منكم سوى الاستجابة لمتطلباتها!

يا شيوعيي العراق اتحدوا من اجل تطهير بيتكم اولا ثم تطهير الوطن!

تواصل وذكريات مع محمد حربي: الجزائر من طرد الاستعمار إلى حضنه “الدافىء”!

28 نوفمبر 2009

عادل سمارة- باريس

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2087 )

التقيته للمرة الأولى في باريس نفسها عام 1977، وليس بمحض الصدفة طبعاً، بحضور أمينة والعفيف وإيلان وكاترين وغيرهم/ن. كان من بين من لجأوا سياسياً من الجزائر “المستقلة” إلى فرنسا المفترض أن الشعب الجزائري دفع أكثر من مليون شهيد للتحرر من استعمارها الاستيطاني الأبيض. هل هي المفارقة المدهشة، أن يحتمي الثوريون في نهاية المطاف بالبلد العدو نفسه، اللجوء بعد إدماء فك الوحش إلى الوحش نفسه. كان ذلك اللقاء حين زرت فرنسا للمرة الأولى لحضور مؤتمر عن الاقتصاد في العالم الثالث. قضيت في باريس بضعة ايام، ومن ثم ذهبت إلى الريف لأقضي بقية الشهر مع الفلاحين، لم أكن أنطق (أو أهدر كما يقول المغاربة) الفرنسية، ولا الآن.

كنت أرغب في لقائه ولقاء سمير امين، لكن الأخير لم يكن في فرنسا في الأيام القليلة التي قضيتها هذه المرة. رتب لنا اللقاء، الرفيق الطاهر المعز الذي صاغ لي برنامجاً اكتشفت رغم غروري بطاقتي، أنني قد أُرهقت حقاُ لكنه الإرهاق الممتع. التقينا في مقهى يحمل اسم باريس بحضور اصدقاء قدامى وجدد من المغرب العربي. لم يتغير الرجل كثيراً، رغم أنه يتجاوز منتصف العقد السابع، فهو من قادة الثورة الجزائرية. وبقدر ما يبدو عليه الألم مما حل بالجزائر والوطن العربي، كان يبدو عليَّ التعب أنا ايضاً من رحلة طويلة، ومن تزامن الرحلة مع برنامج محاضرات عليَّ تقديمها.

ليست هذه مقابلة صحفية، وأنا لست، ولم أحب المقابلات الصحفية. ما قصدته بالمقابلة هو قراءة عقل معذب بعد زمن طويل من العذاب السياسي على الأقل، عذاب في حضن غربة لم تنته حتى رغم تغير الظروف وتمكنه من زيارة الجزائر (الجزاير كما يلفظون)، والعودة إلى “الوطن الأم” فرنسا. فكما اقتلع الاستعمار من الجزائر، اقتلع المناضلون منها أيضاً. هل يستوي الذي ناضلوا والذين قَتَلوا!

بعد الاستقلال والعمل في الدولة الجديدة، أُدخل الزنازين، مثل تلك الكثرة من المناضلين، والذين ربما كان بشير حاج علي أفضل من كنب عن حالهم: “العسف او التعذيب في الجزائر”، وملخصه أن المحققين الفرنسيين الذين عذبوا مناضلي جبهة التحرير هم أنفسهم عذبوا المناضلين بعد انقلاب بومدين! كيف لا فكمبرادور الجلاوزة يستورد القمع مجهزاً بأدواته. والكمبرادور من أكثر المصطلحات فهما هنا في مدينة الأضواء والعتمة معاً، حيث تراث الماوية لم ينطفىء رغم القمع الراسمالي الملفع بما لا يخر منه الماء. لا بل أنك لتشعر باحتمال الاختطاف وليس الاعتقال!

بعد أن عمل في السوربون وخاصة في تدريس التعاونيات، انتهى كمؤرخ إذ حاول تقديم ذلك عبر شرح حياته، فمنحني الجزء الأول من “عمره” الصادر عام 2001 في باريس بالفرنسية و2004 في الجزائر بالعربية: “حياة تحدٍ وصمود، مذكرات سياسية 1945-1962″، إلى أن يصدر الجزء الثاني. وكتابه الثاني: ” الثورة الجزائرية سنوات المخاض”

مثل كل العرب، داهمني بالسؤال عن فلسطين، وكنت أرغب أن أفهم عن الجزاير! كيف الأوضاع وكيف تعيش الناس، وهل ستتصالح فتح وحماس…الخ.

والحكمة من هذه المداهمة التي عاجلني بها مختلف العرب الذين رأيتهم في أميركا وفرنسا، هي أن القضية الفلسطينية هي القضية المحورية في الوطن العربي، ما زالت على حالها، وما زال مقرون بها الوفاء القديم. وهذا سؤال أتوجه به إلينا نحن الفلسطينيين، كيف يمكن أن نحافظ على هذه المحورية، كي لا تقتلها الدولة القطرية، وخاصة القطرية الفلسطينية، التسوية بلا مواربة؟ ليس هذا وحسب، حتى الفرنسيين المتضامنين معنا، وغير الفرنسيين في فرنسا، من الأقوام الأخرى، يتحدثون ويسألون بحرارة القلِق. وهذا أوصلني إلى الاستنتاج أن فريق التسوية كأنما يقوم بتنفير العرب من حيث شعورهم بالواجب، والمتضامنين الذين يتمتعون برومانسية المشاركة في عمل ما في موقع ما ضد العولمة والحرب والعنصرية.

كان لا بد لي أن أدير الحديث بالاتجاه الآخر، فالقلق المصيري يلح عليّ ببعده العربي كذلك. أدرنا الحديث عن انقلاب بومدين ضد بن بيللا، وكيف كان ذلك بأن تمكن جيش التحرير كمؤسسة عسكرية من ابتلاع المناضلين الذين كانوا داخل المدن والقرى خلال المقاومة، وكيف تمت رشوة قيادات معينة لتبتعد عن السلطة، ولتتبلور لاحقاً في شرائح طبقية جديدة في الوضع والموقف.

يبدو لي أن مؤسسة العسكر في الجزائر تشابهت إلى حد ما مع مؤسسة العسكر قي تركيا، بمعنى أنها المؤسسة الأقوى والمتحكمة، والأكثر تنظيما، فما بالك بالتسليح. يعيد هذا إلى الذهن كتاب أنور عبد الملك: “مصر مجتمع يحكمه العسكريون”.

والجيش حين تسلم بومدين السلطة اصبح هو الدولة/السلطة، سلطة الدولة التي وجدت من مصلحتها “القطرية” أن تطل على المحيط، وليس على المتوسط فقط! وهذا ما يفسر، إلى جانب توفر الحديد، في الصحراء الغربية (البوليساريو) دعم الجزائر للبوليساريو في مواجهة المغرب، كي تصبح دولة مستقلة! هنا يتبدى الجذر القطري، بمعنى، لو كانت السلطة الجزائرية معنية بما هو ابعد من قطري، لوصل الشعب الجزائري إلى المحيط عبر علاقات ما فوق قطرية، بدل أن يصل المحيط بدماء ابناء الشعبين.

إذن، هي الثورة الوطنية التي دوخت الاستعمار، لكنها وصلت دائخة إلى السلطة، فدوختها شرائح طبقية، اهمها الكمبرادور الذي بدل بناء التسيير الذاتي، لجأ إلى تصفية القطاع العام.

لكن تصفية القطاع العام كان أشبه بتصقية ذلك في الاتحاد السوفييتي اي تقاسم السلطة نفسها جثمان هذا القطاع الذي هو شغل الشعب، الطبقات الشعبية تحديداً، فكان الوليد السفاح هو الفساد.

لقد تمتع الكمبرادور بمن فيه قيادات الجيش ورجال السلطة بثروة البلد، إلى درجة تم معها تكفير الشعب بنضالات جبهة التحرير الوطني الجزائرية التي ضاعت بين الجيش والشرائح الطبقية البرجوازية المتعددة، والتي كانت تولد في كل حين طبعة أخرى، أو تتزيى بلباس لكل حفلة رقص. وانتهى الأمر إلى وجود جيش وسلطة، وغياب الحزب.

قتح هذا باتجاه قرار الشعب انتخاب بديل، ربما ليس لفرط إعجاب الشعب بالإسلاميين، بل لأنه لا يريد التغيير فقط، بل معاقبة الذين فتكوا بالمجد والاقتصاد، جهد الناس.

وكانت المؤسسة العسكرية بالمرصاد ليقوم بالردة ضد نتائج الانتخابات التشريعية في الجزائر، وكان الرد على الجيش من قبل الإسلاميين المتحالفين مع القبايل. وكانت المذبحة المجانية في الجزائر والتي يختلف عليها كل الناس. وكان الدور الأميركي ولاحقا الفرنسي. وفي النهاية غنمت اميركا نفط الجزائر، وتفكك الإسلاميون أيدي سبا، ووصل السيد الغربي، المستعمِر المستدعى إلى درجة الترجي، إلى حالة البحث عن نموذج وطني ليحكم الجزائر!

هل هذه اللغة مفهومة؟ مسيرة دامية لطرد الاستعمار الفرنسي المركَّب الاستيطاني/وغير الاستيطاني، وانتقال المناضلين إلى مواقع وتشكيل بنى طبقية فاسدة ومتخارجة، ومذبحة مجانية، واستدعاء الاستعمار ثانية ليس ليستغل ويتحكم بالاقتصاد بل حتى ليبحث عن “قوى وطنية” لتحكم!

ماذا عن القوى السياسية؟ هذا شأن أكثر غرابة، فكما هو في الوطن العربي، في الجزائر، تنشط الأحزاب بموجب اتفاق ضمني مع المخابرات، وبالتالي تظل أحزاباً لا مزعجة، مما يجعل همها الوصول لمقاعد برلمانية تقوي مواقع قادتها في الأحزاب نفسها. فاية صفقة؟

يقودنا هذا لإنهاء هذه القصة القصيرة التي أفهمتنا أن هناك مشتركاً عربياً داكناً يؤكد وجوب النضال على الصعيد العربي الشامل نضالاً موحداً:

■ إن الدولة القطرية هي المؤسسة النقيضة للمشروع القومي بدءاً من إصلاح ظروف المعيشة وصولاً إلى التغيير على الأرض.

■ تتنافس في الوطن العربي قوتان،الكمبرادور والإسلام السياسي، وعليه، يميل المجتمع إلى الإسلام السياسي مقابل الكمبرادور الذي يجسد التبعية ويعد بها اكثر.

■ تتحكم المخابرات والجيش بمختلف مناحي الحياة بما فيها نشاطات الأحزاب.

■ تتحدد السياسة القطرية طبقا لسيناريوهات البيت الأبيض.

هذا هو المشترك السالب العربي في هذه الحقبة. ولمن اراد فليبحث عن المشترك الحقيقي: وجوب تفكيك مفاصل الدولة القطرية.

عيد مبارك وكل عام وأنتم بخير

26 نوفمبر 2009

صندوق القدس «دكان سياسي»

26 نوفمبر 2009

محمد سعد ـ واشنطن

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2086 )

يشهد صندوق القدس في واشنطن حملة استقالات احتجاجيّة على إدارته، التي حوّلته إلى «دكانة سياسيّة» وأبعدته عن الغاية التي أقيم من أجلها.

واشنطن ــ محمد سعد

قدم ثلاثة من أعضاء مجلس إدارة صندوق القدس للثقافة والتنمية الاجتماعية، والمركز الفلسطيني التابع له، استقالاتهم أخيراً على خلفية اتهامهم لرئيس مجلس الإدارة، صبحي علي، بالتفرد باتخاذ القرارات الخاصة بتسيير شؤون الصندوق والمركز، وخصوصاً في أعقاب قراره تعيين يوسف منيّر مديراً تنفيذيّاً للصندوق والمركز، وهو ما أثار احتجاجات واسعة في أوساط الجالية العربية والفلسطينية بسبب بعض كتابات منير في الصحافة الأميركية، التي دعا فيها إلى البناء العمودي في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية لاستيعاب ما يسمى «النمو الطبيعي».

والمستقيلون الثلاثة هم الأكاديمي الدكتور نصير عاروري، والباحث الدكتور منذر سليمان (الصورة)، والدكتور عبد الله صبيح. وكان قد سبقهم في الاستقالة عضوا مجلس إدارة الصندوق الطبيب نبيل خوري، وخبيرة شؤون الاستثمار غادة حديد.

وقال عاروري إن رئيس مجلس إدارة صندوق القدس قبِل استقالته بعد أسبوع من تقديمها. ولم يُراجَع في أمرها خلافاً لما حصل عندما قدم استقالته للمرة الأولى قبل أشهر احتجاجاً على الطريقة التي يدير بها صبحي علي الصندوق. وأضاف أنه حينها تعرض لضغوط أرغمته على سحب الاستقالة والبقاء في منصبه على أمل إصلاح وضع الصندوق والمركز، لكنه اكتشف استحالة ذلك، ما أوصله إلى اقتناع بأن النهج السائد قد أدى إلى تحويل الصندوق والمركز إلى «دكان سياسي» بدلاً من أن يكون مؤسسة بحثية وفكرية. وأكد أن استقالته لم تكن بسبب تعيين منيّر، بل بسبب تجاهل معايير التعيين المهنية المفروض اتباعها. وبالكاد قد جرى نقاش في ذلك، أو أي تمحيص لسجل المرشح.

المؤسسة وجدت لخدمة القضية الفلسطينية ولا تتمتع بأي حضور في المشهد الأميركي

وكان نبيل خوري قد استقال احتجاجاً على إصرار صبحي علي، وهو طبيب جراح، على أن يتألف مجلس الإدارة من أعضاء أطباء ممن تربطه بهم علاقة قوية. ورأى خوري أن «من غير المعقول أن يكون مجلس إدارة من أطباء، كأنّ صندوق القدس نقابة أو جمعية طبية». وقد استُبدل بغادة حديد، التي قدمت اقتراحاً لكيفية استثمار أموال الصندوق في سوق الأسهم والسندات لتحقيق عائد ربحي يعين الصندوق والمركز على تغطية نفقاته، ودعت إلى ضرورة التخلص من مجموعة من الأسهم الخاسرة واستبدالها بمحافظ استثمارية أفضل. غير أن صبحي علي رفض الأخذ باقتراحها، الذي لم يقدمه إلى مجلس الإدارة، مدعياً أنه أكثر خبرة منها في شؤون الاستثمار، ما سبّب خسارة كبيرة للصندوق.

ويذكر أن أموال الصندوق تعود ملكيتها في الأصل إلى الشعب الفلسطيني، إذ إنها تستند إلى المنحة التي قدمها في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، القيادي في حركة «فتح» خليل الوزير (أبو جهاد) لكي تستخدم لتقديم مساعدات ثقافية وتعليمية واجتماعية إلى الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية عام 1948. وأسس صندوق القدس في عام 1977 الأكاديمي الفلسطيني الأميركي المعروف هشام شرابي الذي توفي عام 2005.

أما سليمان، فقد عزا استقالته إلى تعيين منيّر. وقال، في كتاب استقالته: «لقد لاقى اختياركم الأخير لمدير تنفيذي للمركز معارضة شديدة من عدد من أعضاء اللجنة نظراً لما نشره من كتابات عن مواضيع أساسية عن مسيرة الشعب الفسطيني لتحقيق حريته». وأضاف: «لقد شعرت بحاجة أن تقدّم اللجنة والسيد منيّر أيضاً تفسيراً عقلانياً مقنعاً، أو اتخاذ الخطوة المناسبة لتصحيح هذا الوضع».

وأكد سليمان لـ«الأخبار» رفضه أن يتحول صندوق القدس إلى «منبر لحملات من أجل مصالح خاصة شبيهة بما تقوم به (لجان العمل السياسي) في الولايات المتحدة». وأشار إلى أن مشكلة صندوق القدس والمركز الفلسطيني الحقيقية هي «غياب أي مرجعية أو آلية للمحاسبة أو الرقابة، والمفارقة أن هذه المؤسسة وجدت كوقفية لخدمة القضية الفلسطينية ولا تتمتع بأي حضور فعلي في الحراك الفكري والسياسي في المشهد الأميركي قياساً بمؤسسات صهيونية الهوى تتحرك بصورة مهيمنة على الخطاب والسجال السياسي المتعلق بالقضية الفلسطينية».
وقال سليمان إن «القيّمين على هذه المؤسسة يتصرفون بوصفها منبراً للوجاهة وقطاعاً خاصاً لإدارة استثمار مالي. ويحرصون على سقف سياسي ينعكس في برنامج نشاطات يغلب عليه الحياد أو إرضاء السلطات الرسمية».

ولم يتسنّ الحصول على تعليق من رئيس مجلس إدارة صندوق القدس على الاستقالة، إذ لم يرد على طلب بهذا الشأن سواء عبر الهاتف أو البريد الإلكتروني.

:::::

“الاخبار” اللبنانية، ٢٥ تشرين الثاني ٢٠٠٩

http://www.al-akhbar.com/ar/node/166741