ديسمبر 2009

أهم أحداث عام 2009

31 ديسمبر 2009

المحامي ميشال شماس

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2118 )

بدأ العد العكسي لنهاية العام 2009، ساعات وينتهي عام ليبدأ عام جديد.مضى عام 2009 الذي كان حافلاً بحملة من الأحداث يأتي في مقدمتها على الصعيد المحلي نجاح المنظمات النسائية في سورية وعدد من الناشطين في وقف مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي أعدته لجنة سرية بنسخته الأولى والثانية. ثم زيارة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الدين الحريري إلى سورية منهياً قطعية استمرت أكثر من أربع سنوات،وتزايد قتل النساء بحجة الشرف، يليها على الصعيد الإقليمي العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة الذي حصد آلاف الضحايا، وفشل العرب والمجتمع الدولي في فك الحصار المفروض على قطاع غزة.وقيام مصر ببناء جدار فولاذي على حدودها مع قطاع غزة. ثم اندلاع الاحتجاجات في إيران ضد تزوير الانتخابات واتساع المعارضة الإيرانية لنظام ولاية الفقيه، والحرب اليمنية على التمرد الحوثي ومشاركة السعودية في ضربهم بعد أن تسلل الحوثيون إلى الأراضي السعودية ومقتل أكثر من سبعين جنديا سعودياً وفقدان آخرين، والحرب الإعلامية التي دارت رحاها بين مصر والجزائر اثر فوز الجزائر في التصفيات المؤهلة لكأس العام في كرة القدم وما كشفته تلك الحرب من أحقاد دفينة وقلة عقل في الجانبين المصري والجزائري، يليها على الصعيد الدولي اعتلاء أول رئيس أمريكي من أصول أفريقية لسدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية، وصدور تقرير غولدستون الذي اتهم فيه إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وإبادة بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.

وفيما يلي استعرض أهم الأحداث التي جرت في العام 2009 :

كانون الثاني 2009
- روسيا تقطع إمدادات الغاز المصدرة لأوروبا عبر خط الأنابيب الأوكراني بسبب خلاف على الأسعار.
- غرق أكثر من 220 شخصا في كارثة عبارة اندونيسية.
- سقوط طائرة مدنية أميركية في نهر هدسن في نيويورك ونجاة ركابها الـ 155 شخصا بالإضافة إلى طاقمها.
- إسرائيل تنهي هجومها على قطاع غزة الذي خلف نحو 1400 قتيل فلسطيني معظمهم من المدنيين.
- باراك أوباما يؤدي اليمين الدستورية ليصبح الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة، كأول رئيس من أصول أفريقية.
- زعيم المتمردين الكونغوليين السابق توماس لوبانغا أول من يمثل للمحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.
- وفاة أكثر من 130 شخصا في كينيا جراء اشتعال النيران في ناقلة بترول بعد انقلابها.

شباط 2009
- حريق مدمر في الغابات الاسترالية يسفر عن مقتل 173 شخصاً.
- تعيين أول سيدة في منصب نائب وزير شؤون تعليم المرأة في المملكة السعودية.
- الفيلم الهندي «مليونير العشوائيات» يحصد ثماني جوائز أوسكار من أصل عشر ترشيحات، منها أفضل صورة وأفضل مخرج.
- محكمة جرائم الحرب الخاصة التابعة للأمم المتحدة تبرئ الرئيس الصربي السابق ميلان ميلوتينوفيتش وتعاقب قادة آخرين.

آذار2009

ـ اغتيال جواو برناردو «نينو» فييرا رئيس غينيا بيساو في هجوم انتقامي من قبل الجنود الموالين لجنرال كان قد لقي حتفه في تفجير وقع قبل اغتيال الرئيس بليلة واحدة.
- المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي تصدر مذكرة اعتقال بحق الرئيس السوداني عمر البشير وتتهمه بارتكاب جرائم حرب.
- منشقون عن الجيش الجمهوري الأيرلندي يقتلون جنديين بريطانيين في ثكنات في أيرلندا الشمالية، ويقتلون ضابط شرطة رميا بالرصاص بعد ذلك بيومين.
- شاب قتل 15 شخصا قبل أن يقتل نفسه في مذبحة شهدتها مدينة فينندن قرب شتوتغارت بألمانيا.
- تاتا موتورز الهندية تنتج السيارة «نانو» أرخص سيارة في العالم بسعر أقل من ألفي دولار.
- بنيامين نتانياهو يؤدي اليمين الدستورية رئيسا لوزراء إسرائيل بعد فوز اليمين في الانتخابات.

نيسان 2009

- كوريا الشمالية تطلق صاروخا تزعم أنه يحمل قمرا صناعيا، ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يدينها.
- زلزال مدمر يضرب مدينة لاكويلا وسط إيطاليا ويقتل 307 اشخاص ويترك الآلاف بلا مأوى.
- انتخاب الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة (72 عاما) لفترة رئاسة ثالثة غير مسبوقة.
- القاء القبض في فرنسا على جوردن مارتي تيجي- أحد زعماء جماعة إيتا الانفصالية في إقليم الباسك.
- ظهور فيروس «إيه/إتش 1 إن 1» القاتل في المكسيك بؤرة تفشي وباء انفلونزا الخنازير عالميا، والمكسيك تغلق كل مدارسها وتلغي الطقوس الكنسية وتغلق المطاعم.

أيار 2009

- لجنة سرية في سورية تصدر مشروعاً لقانون الأحوال الشخصية وصف بمشروع طالبان في سورية، وقد لقى هذا المشروع مجابهة قوية من المنظمات النسائية والأهلية أدت في النهاية إلى سحبه من التداول.
- غارة جوية أميركية تقتل 140مدنيا في إقليم فرح بأفغانستان.
- القوات السريلانكية تقتل زعيم المتمردين التاميل فيلوبيلاي برابهاكاران لتنهي بذلك حربا أهلية دامت 26 عاما.
- توقيع عقوبة الإعدام بحق إمبراطور العقارات المصري الملياردير هشام طلعت مصطفى في قضية قتل المغنية اللبنانية سوزان تميم.
ـ انتحار الرئيس الكوري الجنوبي السابق روه مو هيون بعد أن خضع للتحقيق في تهمة تقاضي رشى.

ـ مقتل 100 شخص على الاقل وتضرر 10 آلاف آخرين بسبب إعصار أليا الذي ضرب شرقي الهند وبنغلاديش.

ـ كوريا الشمالية تجري تجربة نووية ثانية تحت الأرض.

حزيران 2009
- تحطم طائرة إيرباص تابعة لشركة إير فرانس فوق المحيط الاطلسي قبالة الساحل الشمالي الشرقي للبرازيل، ومقتل 228 شخصا هم جميع ركابها، وانتشال جثث 51 شخصا في أغسطس.
- أوباما يلقي خطابا تاريخيا في جامعة القاهرة في محاولته التقارب مع العالم الاسلامي.
- وفاة عمر بونغو أكثر رؤساء أفريقيا بقاء في السلطة في مستشفى ببرشلونة عن عمر يناهز 73 عاما بعد 41 عاما في الحكم.
- محمود أحمدي نجاد يحرز فوزا ساحقا في الانتخابات الرئاسية، وسط احتجاجات من جانب المعارضة التي قالت بحدوث عمليات تزوير للأصوات.
- وفاة ملك البوب مايكل جاكسون بعد وصف عقار له بهدف علاجه من الارق، وذلك قبل أيام فقط من عودته المقررة للغناء على مسارح لندن.
- انقلاب عسكري يطيح برئيس هندوراس مانويل زيلايا.

تموز2009
- اندلاع اضطرابات مميتة في مدينة أورومبي بين طائفة الإيغور وطائفة الهان الصينية، ومقتل 197 شخصا على الاقل.
- وفاة رمز الديموقراطية في الفلبين الرئيسة كورازون أكينو وملايين الفلبينيين يشيعون جثمانها إلى مثواه الاخير.

آب 2009
- الاعصار موراكوت يودي بحياة أكثر من 760 شخصا في تايوان..
- الافراج عن الليبي عبد الباسط المقرحي المدان في قضية لوكربي من سجنه في اسكتلندا لاسباب صحية.
- وفاة السيناتور إداورد كيندي /77 عاما/ بعد صراع طويل مع مرض سرطان المخ، وذلك بعد أسابيع من وفاة شقيقته يونيس شريفر /88 عاما / بسكتة دماغية.
- نجاة نائب وزير الداخلية السعودي الامير محمد بن نايف من محاولة اغتيال، إثر قيام أحد المطلوبين في قضايا الارهاب بتفجير نفسه في مكتب الامير.

أيلول 2009
- كولونيل ألماني يأمر بقصف شاحنتي وقود اختطفتا في أفغانستان، ومقتل وإصابة حوالي 142 شخصا وأدت إلى جدل كبير في برلين.
- غارة أميركية في الصومال تقتل صالح علي نبهان، أحد أعضاء «القاعدة» المطلوبين، على خلفية تورطه في العديد من الهجمات الارهابية ضد مصالح اسرائيلية وأميركية في شرق أفريقيا.
- لجنة تابعة للأمم المتحدة برئاسة القاضي ريتشارد غولدستون، من جنوب أفريقيا، تصدر تقريرا تتهم فيه إسرائيل بارتكاب جرائم حرب في غزة.
- إيران تعترف ببناء منشأة سرية جديدة لتخصيب اليورانيوم في فوردو، قرب قم.
- الاعصار كيتسانا يضرب سواحل الفلبين، ويتسبب في مقتل 464 شخصا، إضافة إلى تضرر خمسة ملايين آخرين. بلغت حصيلة ضحايا الاعصار في فيتنام 163.

تشرين الأول 2009
- الشرطة الغينية تفتح النار على مسيرة للمعارضة في إستاد بالعاصمة كوناكري ومقتل ما لا يقل عن 157، وقيل إن الكثير من الضحايا تعرضوا للطعن حتى الموت، وكذلك لاعتداءات جنسية.
- حدوث أمواج مد عاتية (تسونامي) جنوب المحيط الهادئ بسبب زلزال قوي ومقتل 183 شخصا في جزر ساموا، وساموا الأميركية وتونغا.
- زلزال عنيف يضرب سومطرة الغربية في اندونيسيا ويقتل الآلاف.
- مقتل أكثر من 300 شخص في فيضانات اجتاحت جنوب الهند.
- المحكمة الدستورية الايطالية تلغي قانونا يحمي رئيس الوزراء سلفيو برلوسكوني وعددا من كبار المسؤولين من الملاحقة القضائية، مما أعاد الروح للعديد من الاجراءات القانونية ضد برلوسكوني.
- تركيا وأرمينيا توقعان اتفاقا تاريخيا، من شأنه تمهيد الطريق لاستئناف العلاقات وفتح الحدود بين البلدين.
- مقتل أكثر من عشرين شخصا في محاولة اغتيال فاشلة استهدفت الرئيس الصومالي شيخ شريف شيخ أحمد.
- الرئيس التونسي زين العابدين بن علي (73 عاما) يفوز بفترة رئاسية خامسة.
- انفجار قنبلة في بيشاور يسفر عن مقتل 119 شخصا، في أسوأ هجوم إرهابي تشهده باكستان منذ عامين.
- هجوم انتحاري في كابول يسفر عن مقتل خمسة من موظفي الأمم المتحدة، ويجبر المنظمة الدولية على نقل فريقها، المكون من 600 شخص، خارج أفغانستان.
- الجيش اليمني يعلن الحرب على المتمردين الحوثيين في صعدة.

تشرين الثاني 2009
- حملة في سورية ضد النسخة الثانية من مشروع قانون الأحوال الشخصية ومذكرة لرئاسة الجمهورية تناشده بسحب المشروع وقعها أكثر من مائتي مثقف وفي مقدمتهم الفنان رفيق سبيعي ودريد لحام وسليم صبري.
- الميجور نضال مالك حسن يفتح النار على زملائه من الجنود الأميركيين في قاعدة فورت هود بولاية تكساس، ومقتل 13 شخصا.
- الرئيس الفلسطيني محمود عباس يعلن انه لن يخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، وانه سيعتزل الحياة السياسية.
- ألمانيا تحتفل بالذكرى العشرين لسقوط سور برلين بمراسم خاصة يحضرها قادة أوروبا.
- نجاح رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري أخيرا، في تشكيل حكومة وحدة وطنية، بعد خمسة أشهر من فوز تحالفه في الانتخابات التشريعية.
- أعمال شغب وعنف تسبق مباراة منتخبي مصر والجزائر المؤهلة لنهائيات كأس العالم 2010 في جنوب افريقيا، وتوتر العلاقات بين البلدين بعد فوز الجزائر وتأهل فريقها إلى كأس العالم.
- صدور حكم الإعدام بحق خمسة من المعارضة الإيرانية، وأحكام متفاوتة بالسجين بحق 81 شخصا آخرين.
- مقتل 57 شخصا في مذبحة سياسية بالفلبين.

كانون الأول 2009
- تسليم جائزة نوبل للسلام إلى الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وسط اعتراضات على عدم أحقيته لتلك الجائزة.
- أوباما يعلن خططا لنشر 30 ألف جندي أميركي إضافي في أفغانستان.
- ظهور فيروس الماعز.
- مقتل أكثر من 140 شخصا في اندلاع حريق بأحد الملاهي الليلية في روسيا.
- مقتل حوالي 100 شخص وإصابة المئات في أربعة تفجيرات متزامنة، وسط العاصمة العراقية.
- اعتداء مواطن إيطالي على رئيس الوزراء سيلفيو برلوسكوني، حيث وجه إليه لكمة في الوجه أدخل على أثرها المستشفى لمدة أربعة أيام.
- القرضاوي يحرم على المسلمين الاحتفال بأعياد المسيحيين.
- أستاذ مادة الفقه في جامعة الأزهر رمضان القطان يفتي بعدم جواز تهنئة المسلم للمسيحي في عيده حتى ولو كان على سبيل التودد أو المجاملة.
- زيارة تاريخية لرئيس وزراء لبنان سعد الحريري إلى سورية واستقبال حافل له في دمشق منهياً قطيعة استمرت أكثر من أربعة أعوام.
- انفجار في الضاحية الجنوبية لبيروت التي يسيطر عليها حزب الله استهدف حركة حماس أسفر عن قتلى وجرحى.

وهناك الكثير من الأحداث التي جرت في العام 2009 والتي لم يتسع المجال لذكرها، مع التمنيات أن يعم السلام والأمن في العام 2010 وأن يكون أقل قسوة من العام 2009
عام جديد تسود فيه المحبة والسلام والخير لجميع البشر.

:::::

“كلنا شركاء”، 30/12/2009

لا تحتاج السنة… إلى رأس: باقة مقاومة إلى الرفيق احمد حسين

31 ديسمبر 2009

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2118 )

هل حقا يستحق هذا اليوم كل هذا الشحن والانفعال وهذا اللقب؟ أم لأن الناس تبحث عما تُشاغل نفسها به للحظات كل عن اهتمامه؟

هل هي لحظة هروب ولجوء إلى تقطيع الوقت؟

ولكن، من قال إن التاريخ يقبل بهذا، ويعطي هذا اليوم، وليس غيره، صفة الرأس!

هل يمكن تلخيص التاريخ في يوم؟

إن كان هذا ما يحصل فلا بد من تخليص التاريخ من هذا اليوم الغاصب. واأسفاه، تخليص التاريخ من يوم. ولكن لِمَ لا، ألا نقاتل لتخليص أمة من زمرة أو طبقة! هل تقليد راس السنة كتقليد: السيدة الأولى، ملكة الجمال، (حتى للحكم الذاتي ملكة جمال…جمال الاحتلال)، ويوم المرأة، ويوم الطفل ويوم الحيوان، ولا يوم للإنسان!

إنما، هل يجوز التأريخ بيوم آتٍ، حتى لو كان على العتبة؟ كيف نُسوِّده علينا ولمَّا يأت بعد؟ أهو ولي عهد عربي؟ أليس هذا التسويد وهذا التيمُّن مثابة تطامناً مع الزمن كما هو مع الحاكم! ما يؤرَّخ به وله هو ما حدث فعلاً. ما هو آت، هو قيد تنبؤ اجتماعي على الأقل. فالحركة الاجتماعية ليست محل قياس كالحركات الفيزيائية والكيميائية والميكانيكية. لأن الحركة الاجتماعية من صنع الناس، ولا يدري أحد متى يتحركون في الاتجاه المختلف.

عشية الثورة الإيرانية كتب المحاضر الإنجليزي فريد هاليداي، أن نظام الشاه في استقرار لا نظير ولا سابق به، وكان ما كان. وعشية الانتفاضة الأولى كتب الصهيوني ميرون بنفنستي، بأن الساعة وصلت الدقائق الخمس قبل الثانية عشرة ليلاً، وأن الصبح المقبل لا رادَّ له، بان الفلسطينيين قرروا الذوبان في الكيان الصهيوني، ثم كانت الانتفاضة. لكن هذا الصهيوني العتيق كمن كان قد تلقى وعداً بأن عرباً فلسطينيين كثرٌ سوف يتصهينون ويطبِّعون ويهرولون. فطوبى لمن رفض، وطوبى لمن حسم. وطوبى لمن ذاق مرارة القمع والسقوط، فلم يتطامن،وظل محاطاً بوجع المرحلة يكتب عنها بالحنظل والعلقم، هو أحمد حسين.

لو قرأنا الماضي لما وجدنا اي ذكر لرأس أية سنة خلت. بل لوجدنا راسها ومؤخرتها سيان أو مندغمين. ما سجله التاريخ مثلاً: يوم ذي قار، ثورة الزنج، القرامطة، سقوط بغداد الأول وسقوطها الثاني، سقوط فاروق، انتصار الجزائر، كميونة باريس ثورة البلاشفة. وابعد من هذا، لقد سجل قيام أل (سي.آي إيه) بقطع كفَّي تشي جيفارا، وسجل إطلاق مقر صيني يوم رحيل ماو يبث: “الشرق أحمر لقد غابت الشمس”..

إذا كان هذا الحال، فما معنى أن يحتفل الإنسان بكثرة ما يأكل وما يشرب وما يُنفق؟

ما معنى تحويل العملة إلى آلية لارتفاع المكان، وليس المكانة بالطبع؟

أليست الاستهلاكية حالة من الجمع بين الإنسان ومطيته. أليست الاستهلاكية صادرةعن النظام الإشاري الأول فقط؟

قال المريد: ولكن، سيدي، ألا متعة لديك؟ هكذا سأل المريد شيخه؟

ما يحدد المتعة ويبررها هو ما فعلتَ من جهة، وحضورك الروحي لفعل آخر قادم ما من جهة ثانية! بهذا وحده تؤكد حقك في الحياة وحقها عليك. ما يحدد المتعة أن تحلم، وأن تُفعِّل الحلم على الأرض. لك أن تتمتع كما يتمتع شيخك، متعة لا تأتي على العقل ولا تسوقك للهروب من التحدي، من اليوم الذي ينيخ عليك بكلكله، وليس وحده راس السنة، ففي وضعنا هو كل يوم. اقصد أن راس السنة هو كل يوم في المقاومة، بما هي الحالة، اللحظة الوحيدة التي تؤكد أنك إنساناً.

لكن المريد يتطاول على شيخه فيقول: لقد قاومتم دهوراً، وها أنتم تنتظرون خطاب اوباما الذي يعدكم بأن يسحب جنده من بغداد الرشيد عام 2011 لتحتفلوا بيوم نصر آخر ليس لكم!

كلا يا فتى، لسنا نحن الذين ننتظر أن ينسحب القاتل من دم الضحية، بل إن المقاومة هي التي لكزت الوحش في مؤخرته فعوى ومضى.

لو كنا يا بني لا شيء، وهذا اللاشيء الذي تفترضه هو الذي يذهب بك إلى متع الحياة كدجاج الأقفاص الذي يرى حريته في بطنه وزعيقه، لو كنا كذلك لما حشدوا كل هذه الجيوش والقنابل والطائرات والجلاوزة كي “يحفظوا النظام العام”. ولما انفقوا على حربنا ما قاد إلى إفلاس أهرائهم. ولما أنفقوا على حكام القطريات العربية أكثر مما ينفقوا على قططهم وكلابهم. لنحمد الله، فهل سمعت أن كثرة من الأميركيين بدأوا بالتخلي عن كلابهم في أعقاب الأزمة المالية الاقتصادية، فهامت في الشوارع مثل العسس العرب! وقد يتوقفوا عن تحويل مقتطعات ضرائبهم لتلقيم الكيان فانتوم 16 وأعلى درجة.

تصور يا بني، لو قيل لأوباما إن حاكم أكبر قطرية عربية ممتعض من سفيركم في عاصمته، ماذا سيرد أوباما؟ ألقوا له كيسا من المال آخر، واخبروه بأن يعوي لاحقاً بكاتم الصوت! ولكن، لو قيل إن عربياً يتجول بخنجر يماني قرب شلالات نياجارا لارتجت الأرض مخافة أن يقتلعها من منابعها وياخذها إلى مكة كي يتوضأ بها محمداً! فما بالك ايها المريد الفتى لو قيل بأن حسن نصر الله قرر الصلاة في جامع حسن بك في يافا؟

هذا معنى أن تكون مقاوِماً. لك أن تعيش وتتمتع، ولكن وأنت تقاوِم. ألم يقل فيديركو جارسيا لوركا لأراغون: “وأناديك وأبكي وأقاوم”. فما احوجنا لهذا الثلاثي. ألم يبك خالد بن الوليد لأنه مات على الفراش؟ ولكن ستقل لي: ألم يمت إميل حبيبي على فراش المرحلة كما كتبت أنت ايها الشيخ، وها هم كل المطبعين واسيادهم يحتلفون به كل يوم؟

نعم ايها الشقي، لكنهم يحتفلون به بغير لغة العرب وبدون روح كنعان!

لم افهم جوابك ايها الشيخ للأميركي من حزب العمل الاشتراكي حين قلت له إن ثلاثي حياتك هو العمل والحب والثورة؟

- لا يا سيدي الصغير، هو لم يفهم بعد اننا نحب؟ وأن الحب فينا ليس كي تكون أنت أو انا ألبوماً ذكوريا لأجساد النساء، بل الحب هو ثورة لتحرر المرأة وتحريرها. ألم يمسك فرنسي بتلابيب الراحل هادي العلوي قائلا له: ولكن قل لي، من اين لكم بإبن سينا؟ كيف نبت في أوساطكم؟ فالحب مقاومة. هل سمعت عن النساء اللائي خطفن الطائرات، وفجرن انفسهن اسشهاداً؟ وعن النساء اللائي قدن حرب غوار المدن؟ وحرب الريف؟ هل سمعت أن المستعمر الياباني شنق زوجة ماوتسي تونغ معلقة على فرع شجرة كان هو يختبىء على اغصانها ؟ الا تستحق المرأة الحب إذن!

كي تكون في عين الزمان، لا بد أن تكون في عين الحدث، أن تصنع الحدث. وهذا أمر مكلف، ولكن، ألم يقل المتنبي

لولا المشقَّة ساد الناس               كلهمُ الجود يُفقر والإقدام قتّاَلُ

من هنا تنقسم الناس في بلادي إلى قانعين حتى بالاحتلال، وإلى قلَّةٍ ثُلَّةٍ ترفض وتتهم بالجنون، وربما بالمروق. لكنهم يحسبون حسابها لأنها بذرة الحياة. هي فرقة صغيرة، تتسلل بين حبات المطر كي تكتب كلمة واحدة هي إكسير الزمن الجميل المقبل: المقاومة.

أطلت عليك ايها الشيخ، ولكن قل لي: بماذا ستقاوم؟

ألملم القطع المتبقية من الشهداء، واغرسها في شراييني فتحيا. فهم لم يموتوا، بل يعودون (الطاهر وطار) هم قوافل تنتظر لتقاوم. هل يوجع قلبك هذا الحديث الذي يحز الأعصاب كما السكين الحادَّة؟ ربما، ولكن دعني اختم بما قال فيدريكو غارسيا لوركا لأراغون:

“وأناديك وابكي وأقاتل…اراغون”. لم ينتظر لوركا مجيء رأس السنة بل جعل من دمه حبراً ليخط به الناس وقائع الحرب الأهلية الإسبانية. وليس اقدس من هذه الحرب، وما أحوجنا لها في كامل الوطن العربي.

قصيدة: الموتُ الموتُ.. (لإسرائيلْ)

30 ديسمبر 2009

مظفر النواب

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2117 )

أفرج االشاعر العربي العراقي مظفر النواب عن قصيدته الجديدة التي كتبها عن العدوان الصهيوني الاسرائيلي الوحشي على قطاع غزة.

وتاليا نص القصيدة:

في الوطنِ العربيِّ ترى أنهارَ النّفطِ تسيلْ

لا تسألْ عن سعرِ البرميلْ

والدّمُ أيضاً

مثلَ الأنهارِ تراهُ يسيلْ

لا تسألْ عن سعرِ البرميلْ

والدّمعُ

وأشياءٌ أخرى

من كلِّ مكانٍ في الوطنِ العربيِّ تسيلْ

لا تسألْ عن سعرِ البرميلْ

فلكلِّ زمانٍ تجّارٌ

والسّوقُ لها لغةٌ وأصولْ

النّملةُ قطعتْ رأسَ الفيلْ

والبّقةُ شربتْ نهرَ النيل

والجّبلُ تمخّضَ.. أنجبَ فأراً

والفأرُ توّحشَّ يوماً.. وافترسَ الغولْ

والذّئبُ يغنّي يا ليلي..يا عيني

والحرباءُ تقولْ بلباقةِ سيّدةٍ تتسوّقُ في باريسَ:

“تري جانتيلْ” معقولٌ..؟

ما تعريفُ المُمكنِ والمُتصوّرِ والمعقولْ؟

يا قارىء كلماتي بالعرضِ

وقارىء كلماتي بالطّولْ

لا تبحثْ عن شيءٍ عندي يدعى المعقولْ

إنّي معترفٌ بجنونِ كلامي

بالجّملةِ والتّفصيلْ

ولهذا لا تُتعبْ عقلكَ أبداً

بالجّرحِ وبالتّعديلْ

وبنقدِ المتنِ وبالتّأويلْ

خذها منّي تلكَ الكلماتُ

وصدّقها من دونِ دليلْ

بعثرها في عقلكَ..

لا بأسَ إن اختلطَ الفاعلُ بالفعلِ أو المفعولْ

الفاعلُ يفعلُ

والمفعولُ به يبني ما فعلَ الفاعلُ للمجهولْ

هذا تفكيرٌ عربيٌ عمليٌ شرعيٌ مقبولْ

في زمنٍ فيهِ حوادثنا كمذابحنا

ومآتمنا

أفعالٌ تبنى للمجهولْ

خُذ مثلاً

ضاعتْ منّا القدسُ

وقامتْ دولةُ إسرائيلْ

من المسؤول؟

فعلٌ مبنيٌّ للمجهولْ

خذ مثلاً دبّاباتٌ ستٌ في بغدادَ

ونشراتُ الأخبارِ تقولْ:

سقطتْ بغدادُ

من المسؤولْ؟

فعلٌ مبنيٌ للمجهولْ

خُذ مثلاً في الوطنِ العربيِّ

ترى أنهارَ النّفطِ تسيلْ

لا تسألْ عن سعرِ البرميلْ

والدّمُ أيضاً

مثلَ الأنهارِ تراهُ يسيلْ

لا تسألْ عن سعرِ البرميلْ

والدّمعُ

وأشياءٌ أخرى

من كلِّ مكانٍ في الوطنِ العربيِّ تسيلْ

لا تسألْ عن سعرِ البرميلْ

فلكلِّ زمانٍ تجّارٌ

والسّوقُ لها لغةٌ وأصولْ

أمّا نحنُ البُسطاءُ

فأفضلَ ما نفعل ان نفرحَ حينَ يفيضُ النّيلْ

أن نحزنَ حين يغيضُ النّيلْ

أن نرقصَ في الأفراحِ

ونبكي في الأتراحِ

ونؤمنَ أنَّ الأرضَ تدورُ بلا تعليلْ

والموتُ هنا مثل الفوضى

والرّيحِ يجيءُ بلا سببٍ

وبلا تعليلْ

والحربُ هنا حدثٌ ميتافيزيقي

فاعلهُ إنسانٌ مجهولْ

وضحيّتهُ أيضاً مجهولْ

هذا تفكيرٌعربيٌ عمليٌ شرعيٌ مقبولْ

في زمنٍ فيهِ حوادثنا كمذابحنا

ومآتمنا

أفعالٌ تبنى للمجهولْ

فعلٌ مبنيٌّ للمجهولْ

عفويٌ مثل شروقِ الشّمسِ

بديهيٌ مثل التّنزيلْ

أمرٌ مفروضٌ حتميٌ

وقضاءٌ مثل قضاءِ اللهِب

لا تبديلْ

فعلٌ مبنيٌ للمجهولْ

وعلينا أن نصبرَ دوماً

فالصّبرُ جميلْ

ما أسخفها تلكَ الجّملةُ… “الصّبرُ جميلْ”

ولدتْ جملاً أخرى تُشبهها

خُذ مثلا الخوف جميلْ

الذّلُّ جميلْ

الموتُ جميلْ

الهربُ من الأقدارِ جميلْ

وجميلٌ أن يُقتلَ منّا في غزّة يوماً مائةُ قتيلْ

وجميلٌ أن ننسى في اليومِ التّالي

ـ فالنّسيانُ جميلْ وجميلٌ ـ

أن تأتينا أمريكا بجيوشٍ وأساطيلْ

وجميلٌ أنْ تحترقَ الأرضُ

فلا يبقى زرعٌ ونخيلْ

وجميلٌ أنْ تختنقَ الخيلُ

فلا يبقى نزقٌ وصهيلْ

وجميلٌ أنْ تتهاوى كلُّ عواصمنا كي تبقى دولةُ إسرائيلْ

ياربِّ..كفرتُ بإسرائيلْ

وكفرتُ بكلَِ حوادثنا المبنيّةِ دوماً للمجهولْ

ياربِّ

كفرتُ بإسرائيلْ

هي وهمٌ

كالنّملةِ والبّقةِ

نحنُ جعلناها كالفيلْ

وتركناها تتدحرجُ فوقَ خريطتنا يوماً كالفيلْ

وتدوسُ علينا مثل الفيلْ

وتدكُّ قُرانا مثل الفيلْ

ياربِّ

كفرتُ بإسرائيلْ

هذا الوهمُ الملتفُّ على الأعناقِ

إذا قررنا يوماً

سوفَ يزولْ

ياربِّ كفرتُ بإسرائيلْ

الموتُ الموتُ..لإسرائيلْ

الموتُ الموتُ..لإسرائيلْ

الموتُ الموتُ..لإسرائيلْ.

المظاهر السياسية للأقتصاد الريعي

30 ديسمبر 2009

ذياب فهد الطائي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2117 )

الريع، لغة تعني النماء والزيادة، ويقال ارض مريعة (بوزن مبيعة ) أي مخصبة، وريعان كل شيء أوله ومنه ريعان الشباب، وفرس رائع أي جواد.

والريع( بالكسر ) المرتفع من الارض وقيل الجبل، ومنه قوله تعالى:أتبنون بكل ريع آية تعبثون، ( ذكره الرازي في مختار الصحاح،المكتبة التجارية /مكة المكرمة/بدون تاريخ /ص135 ).

واول من استعمل هذا المصطلح باعتباره شكلا من اشكال المردود المالي هو آدم سميث في كتابه (ثروة الأمم ) ولكن اول من استعمله كنمط اقتصادي هو كارل ماركس في كتابه التحليلي الكبير (رأس المال ) حين قال: في الاقتصاد الريعي تقوى علاقات القرابة والعصبية، أما في التشكيلات الأجتماعية الرأسمالية فتسيطر علاقات الانتاج.

لقد لاحظ ماركس ان الاقتصاد البريطاني يعتمد على الفحم الحجري الذي تنتجه المستعمرات، وان هذا النمط من الاقتصاد يؤدي حتما الى ضعف الدولة ازاء التحولات و التحديات التي قد تواجهها.

ان الريع أو اقتصاد الريع يعني اعتماد الدولة على مصدر مما تنتجه الارض من ثروات كالنفط مثلا ولهذا فان اقتصاد تلك الدولة يكون عادة رخوا ويعتمد على المبادلات وينتج مجتمعا استهلاكيا يسيطر فيه قطاع الاستيراد ولا يهتم بالصناعات التحولية وربما نجد في اقتصاديات البلدان العربية عموما نموذجا لهذا النمط من الاقتصاد الذي يتميز سياسيا بما يلي:

1- ان الطبقة السياسية الحاكمة من عائلة واحدة تمتد افقيا وان العلاقات الاجتماعية تعتمد على القرابة التي تفرض نفسها في اختيار كبار موظفي الدولة ومساعديهم.

2- ان الدولة بشكلها الاداري هي دولة مركزية تميل الى البيروقراطية وتتقاطع مع الديمقراطية بسبب من ان القوى الاجتماعية المسيطرة على القرار الاقتصادي والسياسي هي قوى متخلفة وقد تعتمد (في بعض الدول ) شكلا مائعا من اشكال ما يسمى بالديمقراطية ذات المواصفات الخاصة، وهذا ما تستلزمه التغيرات في المسار السياسي العالمي ومحاولة اجراء تعديلات في ديكور الحكم وليس في بنيته السياسة،ومن اشكال التطبيقات السياسية لهذه الديمقراطية، عمليات الاستفتاء الشعبي المخطط لنتائجها جيدا والتي تستعيد اجراءات البيعة للحاكم في العصور القديمة (عادة ماتكون النتائج فوق 90%).

3- الدولة في الاقتصاد الريعي عادة ما تكون ثرية بما تملكه من سيولة نقدية ولكن هذا الثراء لاينعكس بشكل متوازن على شرائح المجتمع المختلفة،ويعود هذا الى سوء توزيع الدخل القومي.كما يرتبط اقتصاد البلدان ذات الاقتصاد الريعي بالأزمات الاقتصادية العالمية ارتباطا وثيقا لأعتماد مواردها المالية على العائدات الريعية. وهذا الارتباط يتمثل بشكل أساسي بما يلي:

ـ الطلب على المادة الريعية (النفط، الغاز، الذهب،…. الخ) وأسعارها وإمكانية تصديرها، وهذا يعني ان الاقتصاد الريعي تنعكس عليه آثار التذبذب في اسعار المادة الريعية على نحو مباشر.

ـ سعر صرف الدولار الذي يشكل عملة مبادلة عائدات المصدر الريعي، بمعنى ان انخفاض سعر صرف الدولار (المستمر ) أمام العملات الأخرى كالين واليورو والأسترليني سينعكس سلبا على حجم العائدات قياسا الى اسعار الاستيراد من دول تلك العملات.

ـ التجارة الخارجية،وهذ يعني ان التجارة الخارجية التي تعتمد على الاستيراد ستتأثر في النهاية بنتائج العاملين المشار اليهما اعلاه.

4- بسبب ارتفاع معدلات الصرف على السلع الكمالية وانتشار ثقافة انتهاز الفرص والبحث عن الربح السريع والتفاخر الاجتماعي فان الاقتصاد يتجه نحو قطاعي العقارات والخدمات، وازدراء الكسب المبني على العمل المنتج، ومثل هذه المواصفات تشجع على انتشار الفساد بكل صوره في بنية المجتمع الريعي.

5- عدم توفر الفرص لتراكم رأس المال والتوجه بدلا من ذلك الى الاكتناز الذي يقود الى استمرارسيطرة اصحاب الاموال على التحكم بالثروة الوطنية والمال العام.

6- انخفاض الانفاق على البحث العلمي والتقني وعلى سبيل المثال فان الدول العربية تنفق 02% من موازناتها السنوية على هذا البحث، وإذا ما قورنت نسبة الإنفاق على البحث العلمي في مصر على سبيل المثال كأحدى الدول الرائدة في الوطن العربي مع المتوسطات العالمية نجد أنها تصل إلى حوالي 1% تقريباً. وهي نسبة تقل بكثير عن المتوسط العام للإنفاق على البحث العلمي في العالم. ومن الملاحظات ذات المغزى أن ميزانية جامعة “هارفرد” الأمريكية للبحث العلمي تعادل ما تنفقه الدول العربية مجتمعة.

7- ارتباط الاقتصاد الريعي سياسيا بالدول الرأسمالية الكبرى وتحويل الدولة الريعية الى تابع يدور في فلك تلك الدول،ومن الواضح ان الهدف الذي تسعى اليه الدولة الريعية من استمرار العمل على تمتين علاقات التبعية مع الدول الكبرى يهدف الى ضمان حماية خارجية لبقائها في السلطة من اية توجهات عملية لتغيير نظام الحكم وتغيير التركيبة الاجتماعية.

8- ان الأقتصاد الريعي، ينتج سلوكا سياسيا في الدولة الريعية مبنيا على تعميق النعرات العشائرية والطائفية، بهدف تعميق الخلافات داخل المجتمع مما يسهل السيطرة على تحركاته،كما انها، اي الدولة، تعتمد على استخدام ميليشيات مسلحة تعمل تحت واجهات متنوعة، كالطلائع والعناصر الحزبية المختارة، والجيش الشعبي، واللجان الثورية…. الخ.

من كل ما تقدم تتوضح لنا صورة معقدة لأقتصاديات البلدان الريعيه، والحديث عن اصلاحات في هياكل الأقتصاد الوطني بالعمل على تنويع مصادر الدخل، أمر بالغ الصعوبة ان لم يكن متعذرا في بعض البلدان الريعية، لأنه يستلزم اصلاحا سياسيا شاملا ليس من السهل القيام به لأنه يفترض بالضرورة تغييرا جذريا في شكل الحكم وهذا ما لاتسمح به القيادات السياسية المسيطرة والتي تحتكر الاستيلاء على الريع وتتحكم بتوزيعه وبالتالي تبني سلطتها السياسية

ويرى بعض الاقتصاديين ان الاقتصاد الريعي( لا ينجم عن محض وجود الريع، بل هو تفضيل سياسي لأطقم حكم، تستخدم الريع لحيازة أو ترسيخ موقع امتيازي في تحريك الموارد وتوزيعها وصنع الولاءات. لذلك حتى دول عربية لا تتمتع بريع استخراجي مهم تحولت دولا ريعية عن طريق تتجير موقعها في الاستقطابات الدولية أو تأجير سياساتها ومواقفها للقادرين على الدفع و/أو الحماية. ذلك أن دول الريع السياسي تجنح نحو تعميم الفساد في مجتمعاتها، أي رعاية نظام ريع سياسي داخلي، تغدو فيه السلطة موضوعا للتتجير والتأجير، ما يقتضي حراسة هذا الأصل بعنف هائل كيلا ينضب.)

إن السلطة السياسية في بلدان الأقتصاد الريعي لا تسمح بتغيير موازين القوى الاجتماعية لمصلحة قيم مجتمع العمل والإنتاج والعلم على حساب مجتمع السلطة والعائلة. ومن هنا فان المجتمعات في الدول الريعية عادة ما تكون مأزومة وتهيء الفرصة لكبار الضباط في الجيش بالاستيلاء على الحكم لا من أجل اصلاحه وتطويرة بما يخدم عصرنة الدولة والمجتمع بل للسيطرة على المال العام واعادة توزيع الثروة على مجموعات جديدة ترتبط بهم قرابة وولاء.

جدل التطبيع في رام الله: ليس حواراً بل مواقف حدِّية

30 ديسمبر 2009

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2117 )

إمتداداً لجدل التطبيع ونقضه ومناهضته في الأرض المحتلة 1967 وخاصة في رام الله، دعت اللجنة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل للقاء ثقافي لتعريف ومناهضة التطبيع واشتقاق معاييرا للمقاطعة، والقول في زيارة فنانين عرب للأرض المحتلة…الخ.

كان الحضور متنوعاً ومتفاوت الموقف تجاه التطبيع. وهذه العجالة ليست لاستعراض الاراء والمواقف بقدر ما هي ملاحظات على اللقاء نفسه، وتأكيد على موقف التوجه الجديد لمناهضة التطبيع بعموميته.

لو كان لي توصيف تمدد التطبيع واستشرائه لأشرت إليه بالمرض الخبيث الذي ينفذ من تحت الوعي قبل ان يصيب الجسد نفسه. هكذا يتمدد التطبيع في مناطق الحكم الذاتي مؤيداً بقوة من هذه السلطة ومُقاماً على حوامل صهيونية وغربية راسمالية (من الراديكاليين إلى اللبراليين وصولاً إلى بعض تمفصلات اليسار).

وبدورنا نحن الرافضين للتطبيع، فقلما تنبهنا إليه وهذا النقد علينا شرعي وضروري! وربما كان سماح أغلبية أعضاء مجلس بلدي رام الله لمؤسسة بيرنباوم سعيد التطبيعية بامتياز وزهو من ناحية، واعتراض بعض المثقفين على ذلك من ناحية ثانية مثابة سقط الزند الذي اضاء في العتمة شمعة. وهو أمر جرى فيه لغط طويل وتهم واحتمالات تقديم البعض ل “القضاء”. ثم جاءت مشكلة مسرح القصبة الي وزع بيانا يطلب من مثقفين/ات فلسطينيين يرتادون ذلك المكان أن يوقعوا على عريضة تطالب المثقفين العرب بزيارة الأرض المحتلة! وهو الأمر الذي اجترأ مجدداً نقاشاً عن التطبيع ورفد الرافضين بفريق ممن لم يحسموا امرهم من التطبيع بعد. ومن ثم جاءت العريضة المناهضة للتطبيع والتي احتضنتها نشرة “كنعان” الإلكترونية www.kanaanonline.org وابقت عليها عريضة مفتوحة، جرح مفتوح وفارس على الصليب لم يترجَّل طالما الاحتلال على تراب الوطن وكرامته. و”كنعان” مشروع ثقافي فكري عروبي واشتراكي وليس مجرد عبث إلكتروني أو موقع تنفيس الزفرات الوطنية وحسب.

في الورشة ذاتها كانت هناك مواقف/توجهات رئيسية، ولا اقول اجتهادات. ففي القضية الوطنية لا توجد اجتهادات، لا تُجاز الاجتهادات تتكاثف في موقفين.

الموقف الأول: هو موقف اللجنة الداعية، لجنة المقاطعة الأكاديمية، الذي حاول أهلها حصره في المستوى الأكاديمي والعلاقات الدولية مما يشكل مخرجا أو ملاذاً لالتواءات مواقفية يصعب ضبطها وربما حتى التأشير إليها. وربما لهذا السبب دعوا أُناسا من الذين يعلنون تطبيعتيهم. وقدَم اهل الدعوة عرضا ضافياً للمناهضة الأكاديمية للتطبيع، لما قاموا به منذ أن بدأوا، مع أن البداية كانت في الحقيقة (أقصد المقاطعة الأكاديمية ووقف الاستثمارات Divestment) في جامعة بيركلي الاميركية منذ عام 2001. وبيت القصيد أن أهل اللجنة والدعوة هذه حاولوا تأكيد انفسهم كمرجعية مرنة في مناهضة التطبيع. وقد اتضحت مرونتهم في هبَّتهم ضد من طالب بطرد المطبعين من القاعة، أكثر مما عبروا عن مرونتهم بصياغات لغوية.

الموقف الثاني: وهو الموقف الحدِّي ضد التطبيع بمدياته القصوى، وليس في المستوى الأكاديمي وحسب. وهو الموقف الذي أكد المشتركون/ات فيه على رفض قدوم اي عربي إلى الأرض المحتلة سواء بتاشيرة صهيونية أو بواسطة من سلطة الحكم الذاتي. وأكدوا على أن الفلسطيني العادي من حقه القدوم إلى الأرض المحتلة، بعكس الرموزيات الفلسطينية التي يجب أن لا تأتي بينما لا يسمح الاحتلال لستة ملايين من اللاجئين البسطاء بالقدوم. هذا ناهيك عن أن المسألة الأساسية ليسن زيارة الأرض المحتلة بل مشروع التحرير والعودة، الذي تخلو أجندته من الزيارت بالطبع ومن التضامن الذي هو شأن اصدقاء الشعب والقضية وليس شأن ابناء الأمة.

ليست ورشة للاتفاق

أكد الفريق الثاني على مجموعة من المسائل الهامة، منها وجوب مسائلة المطبعين بأثر رجعي، واعتبار هذا اللقاء نقاشي تشاوري وليس بهدف الاتفاق على تعريف جامع مانع للتطبيع، لأن البحث عن هكذا توافق سوف ينطوي بالضرورة على مرونات تخلّ بفهم التناقض مع العدو بما هو تناحري انطلاقا من حقيقة أن من الاحتلال ينيخ على الوطن مما يجعل العلاقة تجاهه هي ممارسة المقاومة كحياة، اي مقاومة ضد احتلال. وهذا الموقف الحدِّي هو الذي حال دون خروج اللقاء ببيان مشترك ربما لأن الوضع الفلسطيني الحالي لا يمكن جمعه في مشترك حتى تجاه الاحتلال. نعم، هي لحظة من اتساع استدخال الهزيمة، فمن ليس محطما من داخله لا يمكنه الائتلاف مع من يرى الاحتلال وضعاً طبيعياً.

كانت فائدة اللقاء هي عصف فكري سياسي، واختبار كل لفهمه وموقفه.

لعل من الدروس المستفادة من هذا اللقاء، أن سمع كل طرف رأي الطرف الآخر، هذا وإن كان في الطرف الأول أطياف متعددة تراوح بين أل 5-49 بالمئة من وجوب رفض التطبيع (هذا باستثناء القلة الرانخة في التطبيع). كما تأكد أن ليست هناك مرجعيات كبرى حين تكون المسألة مسألة وطن. وإلا كيف يزعم كثيرون ان السرديات الكبرى قد انتهت، ثم يُطوِّحوا امامنا بمرجعيات كبرى مثل م.ت.ف التي تُماتُ وتُبعث أنَّى شاءت مصالح الكمبرادور بتمفصلاته الطبقية سياسيا واقتصاديا وثقافيا! وبشأن العرب، أوضح الطرف الثاني ان المطلوب أن يدعونا إليهم، لا أن يُدعوا للمذلَّة هنا. أما المتضامنين الدوليين، فلا جُناح على دخولهم، شريطة أن لا يتحولوا إلى دُعاة تطبيع باسم التضامن، الأمر الذي يشترط ويستدعي أن نصوغ نحن إطاراً للأنشطة التي يمكنهم القيام بها.

قد يكون من أطرف ما لوحظ في اللقاء وجود نمط بطريركي يساري حاول جهد نفسه التأثير بحكم “الوُد القديم” على الجيل الجديد ليخصي حرارة هذا الجيل، فلم يُفلح! هذا إضافة إلى وجود ثُلَّةٍ من قديم اليسار الذين يترأسون مؤسسات أنجزة تمارس التطبيع الحرام إذ قدَّموا بمواقفهم رقصة تطبيع بلون يساري! فيما لم يخفَ على أحدٍ أنهم غدوا من الشريحة الجديدة “شريحة اصحاب العائدات غير المنظورة”.

بقي أن نقول، إن الهجوم التطبيعي في الأرض المحتلة ليس صدفة، بل هو مشروع منهجي متكامل عتيق متناغم يحمل كل جزء منه الأجزاء الأخرى، لم يتوقف يوماً ولن يتوقف قط ما وسعه ذلك. لذا نراه في المدرسة والجامعة والقصر الثقافي والسوق وحتى في المنازل. لكن ما يشدُّ العزم أن التطبيعيين في الوطن المحتل هم نخبة يمكن أن تضلِّل الجماهير، لكنها لا تصبح حالة جماهيرية. وهذا يستدعي قراءة الجبهة الأخرى، قوتها تماسكها تنسيقها ديمومتها وتوسعها لتصبح حالة جماهيرية، لأن هذا مآلها الطبيعي.

على هذا النحو، تكون مناهضة التطبيع مشروع تأسيس، إعادة تاسيس بعد الانحراف، تأسيس في السياسة والثقافة والعلاقات الأسرية وتأسيس للمقاطعة التي تفترض التنمية…إنها مشروع إعادة بناء المجتمع الذي ضُرب في العصب.

ويبقى السؤال: اين هي القبضة من الناس التي تمنح نفسها ـ كفتاة النيل- قرباناً للوطن وناسه! إن لم تكن، لا بد أن نكون نحن منها ونكوِّنها.

فقاعة الثراء الفاحش تهدّد العالم!

29 ديسمبر 2009

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2116 )

مثلما يحدث في جميع المؤتمرات الدولية تصدّر أصحاب المال الحرام والأعمال الشائنة مؤتمر كوبنهاكن الذي انعقد لمعالجة أزمة المناخ (7-18/12/2009). ولقد كان واضحاً مسبقاً لكل من لديه أبسط قدر من المعلومات الصحيحة عن تركيبة هذا العالم أنّ هؤلاء الأثرياء (الرأسماليون المتوحشون) لا يزالون حتى الآن يملكون إمكانية القول الفصل والإملاء والإرغام حتى في قضية وجودية كقضية المناخ، وهي القضية التي تتعلّق بمصير البشرية وكوكب الأرض عموماً، وإنّ ذلك ما سوف تبرهن عنه نتائج قمة كوبنهاكن!

إنّ هذه الجولة الأممية التي احتضنتها كوبنهاكن سوف تتمخّض عن نتائج غير عقلانية. ولن يغيّر في مثل هذه النتائج ذلك الحشد الأممي الهائل من المشاركين، الذي زاد عدده عن خمسة عشر ألف مشارك يتقدّمهم أكثر من مائة رئيس دولة، ناهيكم عن عشرات ومئات الألوف بل ملايين المشاركين سلباً، أي بالضغوط على القمة الأممية من خارج قاعات المؤتمر. وهكذا، وبما أنّ الحال والنتائج كذلك، فلعلّ الأجدى والأنفع اليوم هو التعرّف أكثر على حقيقة هؤلاء الأثرياء الدوليين المهيمنين على العالم، والتعرّف على مصدر قوتهم النافذة المسيطرة، وبالتالي على إمكانية الخلاص من نفوذهم السرطاني المدمّر.

لقد اجتاز هذا النظام الاحتكاري العالمي، الأوروبي/الأميركي، مراحل عدّة في تطوّره خلال القرون الخمسة الماضية، ابتداءً بعمليات القرصنة وقطع الطرق الدولية وغارات حرق وإبادة ونهب الأمم الأخرى، مروراً بمرحلة الاستعمار المباشر والهيمنة العالمية التجارية/الصناعية (والثقافية/الإعلامية أيضاً)، ثمّ المرور بمرحلة اندماج القطاعين المالي المصرفي والتجاري الصناعي (مرحلة الإمبريالية)، وأخيراً الوصول إلى مرحلة الرأسمال المالي المتفرّد كإمبراطور عالمي، وهي المرحلة التي نعيش اليوم ذروة صعودها وبدايات انحدارها.

إنّ المركزية الأوروبية/الأميركية المفرطة في أنانيتها العنصرية وفي قسوتها العسكرية، والتي كرّست جهودها على مدى القرون الخمسة الماضية لصالح خمس البشرية على حساب أربعة أخماسها، ظلت في عهودها السابقة تلتزم حدّاً أدنى من المنطق في علاقاتها الأممية (وإن هي تجاوزته عندما تعارض مع ثوابتها الاستراتيجية)، أمّا في عهدها الحالي، عهد الرأسمال المالي الإمبراطور، فقد أسقطت المنطق نهائياً من حساباتها وخطاباتها، ولم تعد تأبه حتى لمصالح الخمس البشري الذهبي الذي يتشكّل من شعوبها، والسبب في ذلك هو أنّ هذه المركزية أصبحت تقتصر على أولئك الأثرياء الذين انفصلوا تماماً عن عملية الإنتاج الطبيعية، الصناعية والزراعية، وانعزلوا في فقاعة الثراء الفاحش التي أصبحت تقتصر على الرأسمال المالي. إنّ الرأسمال المالي يهيمن على العالم بفضل التركة العملاقة المسيطرة، المتنوعة الأشكال والمعقّدة الأساليب، التي ورثها عن أسلافه.

لقد تابعنا على مدى العامين الماضيين حكاية فقاعة الرهن العقاري في ميدانها الأميركي وفي تفرّعاتها الدولية، وشهدنا انفجارها وما ترتّب عليه من كوارث اجتماعية في الولايات المتحدة. وما تنبغي معرفته هو أنّ فقاعة الرهن العقاري ليست إلاّ واحدة من فقاعات كثيرة تدور جميعها، مثل الكواكب، في فلك مركزها الذي هو فقاعة الثراء العالمي المالي الفاحش. كذلك ينبغي أن نعرف أنّ الكوارث المالية التي أصابت الشعب الأميركي بأغلبيته كانت لصالح الأقلية من الأميركيين الذين يتمركزون في الفقاعة المركزية المالية الدولية، وهي الأقلية التي لم تعد تهتمّ بمصير الشعب الأميركي قدر اهتمامها بمصيرها هي بالذات. ويجب أن لا يغيب عن بالنا أبداً أنّ هذه الأقلية (من أمثال ديك تشيني) تعتبر نفسها منتصرة رابحة، سواء في حربها العراقية الأفغانية، أم في استغلالها الوحشي لمأساة نيو أورلينز التي نجمت عن إعصار كاترينا، وأيضاً استغلالها لإعصار تسونامي وكوارثه الآسيوية، وتعتبر نفسها منتصرة رابحة في انفجار فقاعة الرهن العقاري الأميركي والإفلاسات العملاقة الأميركية وغير الأميركية التي نجمت عنه!

إنّ الرأسماليين الدوليين الذين اعتزلوا أو انعزلوا اليوم في فقاعة الثراء العالمي المالي الفاحش، والذين هم قطعاً ليسوا أسوياء، إن لم نقل أنّهم لم يعودوا بشراً، يسيطرون على غرفة قيادة المركبة الفضائية التي هي كوكب الأرض! وما هو كوكب الأرض إن لم يكن مركبة تسبح في الفضاء، مثلها مثل المراكب الفضائية الصناعية الصغيرة، وعرضة للأخطار المدمّرة مثلها مثل هذه المراكب؟ وما هي فقاعة الثراء الفاحش إن لم تكن مثل غرفة قيادة إجبارية للمركبة الأرضية؟ أي أننا نستطيع القول أنّ كوكب الأرض أشبه بمركبة فضائية مأهولة مخطوفة من قبل أناس غير أسوياء يتحصّنون في غرفة قيادتها!

نعود إلى مؤتمر كوبنهاكن لنسمع أنّ عريضة تحمل عشرة ملايين توقيع طالبت القادة في هذا المؤتمر بأن يتحلّوا بالإرادة السياسية، ويبرموا معاهدة طموحة تنقذ الأرض من الجفاف، والفيضانات، والعواصف والأعاصير العاتية، ومن ارتفاع مستوى مياه البحار وبالتالي غرق الجزر والمدن الساحلية، ومن اضطرار أكثر من مليار إنسان للنزوح من بلادهم بسبب التغيّرات المناخية، ومن تعرّض صحة البشر لأخطار مميتة بسبب ظاهرة الاحتباس الحراري..الخ، أي أنّ المطلوب من القادة، بكلمة واحدة، العمل على إنقاذ الأرض من خطر الدمار الشامل. وبالطبع فإنّ البشرية كلّها تؤيّد ما جاء في هذه العريضة. غير أنّ مختطفي المركبة الأرضية الفضائية غير الأسوياء لا يأبهون لمناشدات ركّابها المخطوفين، ولا ينشغلون سوى بإحصاء ملياراتهم وبالاطمئنان إلى جهوزية بنادقهم!

تقول أخبار كوبنهاكن أنّ المؤشّرات تدلّ على استحالة التزام حكومة الولايات المتحدة بأي إجراءات ملزمة بالحدّ من انبعاث المواد المسبّبة للاحتباس الحراري، علماً أنّ الأميركيين مسؤولين عن نسبة 40% من أسباب الاحتباس الحراري. وكانت هذه الحكومة، بالنيابة عن أصحاب المال والأعمال والثراء الفاحش في الولايات المتحدة والعالم، قد أفشلت قبل سنوات عملية التصديق على اتفاق كيوتو بصدد العمل على الحدّ من كارثة المناخ وإيقافها، وهاهي اليوم، على الرغم من التدهور المناخي الذي أصبح معاشاً على نطاق عالمي واسع، تتمسك بمواقفها السابقة، وتناور من أجل الخروج بصياغات مضلّلة فارغة.

غير أنّ فقاعة الثراء المالي العالمي الفاحش، الفقاعة المركزية، معرّضة بدورها هي أيضاً للانفجار، مثلما حدث لفقاعة الرهن العقاري ومؤسسات المال الربوية الشايلوكية. وإنّ حكماء العالم وشرفائه ومناضليه ملزمون بالاستعداد لمواجهة هذا الحدث العظيم حين وقوعه بما يكفل نجاة العالم وخروجه سالماً من شظاياه وعقابيله.

قضية غالبرايت… نفط العصابة الكردية

29 ديسمبر 2009

ترجمة وتعليق: الدكتور عبدالإله الراوي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2116 )

هذا المقال كتبه السيد جيل مونييه، السكرتير العام لجمعية الصداقة الفرنسية -العراقية الذي سبق وترجمنا له عدة مقالات آخرها (ترجمة وتعليق : الدكتور عبدالإله الراوي : انتخابات المحافظات : الجانب المخفي. شبكة البصرة. 3/4/2009 )

الكلمة التي نقوم بترجمتها تم نشرها في مجلة : أفريقيا - آسيا في عددها كانون الأول (ديسمبر) 2009. وقد قمنا بترجمة هذا المقال لقناعتنا بأنه يستحق أن يقدم للقراء الأعزاء لكونه يكشف جانبا مهما من التلاعب، التي قام بها قادة الحزبين الكرديين المتصهينين، في عقود النفط.

ولكن قبل أن نقدم ترجمة المقال سنحاول، وكما عودنا قراءنا الكرام، التعليق عليه وتوضيح بعض الجوانب التي لم تذكر في المقال، وبصورة موجزة قدر المستطاع.

المقال مخصص للكلام عن شخصية أمريكية، بيتر غالبرايت الدبلوماسي الأمريكي سابقا والمقيم حاليا في النرويج لكونه متزوج بنرويجية، والذي لعب دورا لا يمكن تجاهله بتوقيع عقود بين الشركات النفطية الأجنبية وما يطلق عليها حكومة إقليم كردستان دون الرجوع إلى السلطات العميلة في بغداد.

1- يكشف لنا المقال بأن هذه الشخصية ساهمت - بكتابة ما يطلق عليه ( الدستور العراقي ) - ومن المؤكد بأنه كان له دور كبير في صياغة المواد الخاصة بالنفط والتي شابها بعض الإبهام وبالأخص الفقرة ثانيا من المادة 112 والمادة 121.

ولذا فهو يقول لممثلي الأكراد في صياغة ( الدستور ) : بأن ” كردستان العراق سيصبح المسيطر الوحيد على النفط. ” وهذا ما تم فعلا.

وعلينا أن نذكر بأن من قام بكتابة هذا ( الدستور ) هو اليهودي نوح فيلدمان.

2 - يوضح السيد مونييه بأن السلطات النرويجية كشفت، يوم 18 أيلول ( سبتمبر )، بأن شركة دنو (DNO ) قامت بتحويل 30,04 مليون دولار إلى الحساب المصرفي الشخصي لاشتي هاوراتي، وزير الموارد الطبيعية في كردستان العراق.

التحقيق الذي قامت به الشرطة الاقتصادية النرويجية ربطت خيوط القضية، حتما، بشركة بوركوبين. وهذه الشركة أسسها غالبرايث مع ابنه.

ولكن الكاتب لم يوضح سبب قيام الشركة المذكورة بتقديم هذه الرشوة لوزير الموارد الطبيعية المذكور، والذي يقرأ المقال يتصور بأن السبب الوحيد هو قيامه بتوقيع العقد للشركة. ولكن لسبب آخر أيضا لم يشر له وهو قيام الوزير المذكور بشراء 75% من أسهم تلك الشركة وبصورة سرية مما أدى إلى خسارة الإقليم لمبالغ قدرت بنحو 500 مليون دولارا أمريكيا بنتيجة الهبوط في قيمة أسهم تلك الشركة ( علي ألأسدي: أسئلة إلى وزير نفط كوردستان…حول ملابسات بورصة أوسلو. شبكة البصرة. 25/9/2009 ).

إضافة لذلك فقد قامت نفس هذه الشركة ببيع النفط الخام أيضا بسعر 35 دولار للبرميل الواحد فقط كما صرح به أحد النواب العراقيين. (في فضيحة جديدة.. نائب في ( البرلمان ) يكشف عن قيام شركة نرويجية ببيع نفط عراقي ب (35) دولار. هيئة علماء المسلمين.19 /07 /2008 ). علما بأن هذا البيع تم بصورة سرية، أي دون علم السلطات العميلة في بغداد، وذلك لكون هذه السلطات لم تسمح لهذه الشركة بالقيام بتسويق أو بيع النفط. ( الشهرستاني: لن نمنح شركة دي.إن.أو رخصة لتصدير النفط من شمال العراق. رويترز. 16/10/08 ).

ومن حقنا هنا أن نتساءل : بعد هذه الفضيحة، لماذا لم تقم لا السلطات المحلية ولا تلك التي يطلق عليها الاتحادية بإحالة، ليس الوزير فقط ولكن مسئولي الشركتين المتورطتين - شركة DNO وشركة بوركوبين التي تعود لغالبرايث للقضاء؟

لقد حاول فعلا بعض أعضاء مجلس النواب العراقي استدعاء الوزير المذكور ومحاسبته ولكن ممثلي التحالف الكردستاني في مجلس النواب رفضوا ذلك بدعوى أن القضية تحل داخل حكومة إقليم كردستان ولا دخل ( للبرلمان ) بهذا الموضوع. ( غسان علي : نواب يطالبون باستجواب وزير الموارد بإقليم كردستان. إذاعة العراق الحر. 3/10/09 )

في الحقيقة إن ما يطلق عليهم حكام الإقليم لا يستطيعون محاسبة هذا الوزير أو المتورطين معه وذلك لأن ما يطلق عليهم قادة الإقليم متورطين بقضايا كثيرة، ولذا بعد هذه الفضيحة تخلى الحزبين الكرديين عن الوزير المذكور ولكنه طالب بالبقاء في منصبه، وهدد هذين الحزبين بفضح المتواطئين معه بالفساد المالي إذا لم يعاد تعيينه بمنصب وزير النفط والموارد الطبيعية في حكومة الإقليم المقبلة. ( http://www.aliraqpaper.com/index/cc.htm )

أما بالنسبة للسلطات المركزية فإن الإجابة سهلة جدا ولا تحتاج لتعليق طويل، فلا ما يطلق عليهم وزراء الحكومة الاتحادية ولا رئيس الوزراء لديهم القدرة على محاسبة أو مساءلة أي مسئول في ما يطلق عليه إقليم كردستان. ( الدكتور عبدالإله الراوي : العلاقة بين حكومة بغداد وإقليم كردستان.. والمعوقات. شبكة البصرة. 5/8/209 )

3 - أخيرا يذكر الكاتب حضور دانييل متران، زوجة الرئيس الفرنسي الأسبق، أحد المؤتمرات المتعلقة بكردستان والنفط التي عقدت في باريس، ونحن نعلم جيدا بأنها يهودية دخلت إلى فرنسا بعد تحرير الجزائر وهي إما من أصول بربرية أو من اليهود الذين هاجروا من أسبانيا إلى الجزائر، وقد زارت كردستان العراق بعد دخول العراق للكويت وشجعت الأكراد للانفصال. ولذا فقد كافئها الحزبان المتصهينان بإطلاق اسمها على أول مدرسة فرنسية في أربيل ( أرملة ميتران ترفض لقب أم الأكراد وتقبل بإطلاق اسمها علي مدرسة فرنسية في أربيل. الزمان. 6/10/2009 )

ترجمة المقال

قضية غالبرايث.. نفط العصابة ( اللوبي ) الكردية

جيل مونييه، مجلة. أفريقيا - آسيا، كانون الأول ( ديسمبر ) 2009

لا شيء يسير بصورة جيدة بالنسبة لبيتر غالبرايث، السفير الأمريكي السابق في كرواتيا والمختص بموضوع كردستان، الذي كان يأمل أن يصبح حاكما ( ديمقراطيا ) لولاية فيرمونت.

إن تورطه في الفضيحة النفطية دنو ( DNO ) في النرويج أدت إلى الشك في نزاهته ليتم التفكير بأن حملته الانتخابية مولت بأموال النفط ( بترو دولار ) من مسعود برزاني رئيس كردستان، لكون غالبرايث مستشارا خاصا له. إضافة لذلك فهو متهم بعدم تسجيل اسمه ضمن قائمة رجال الأعمال الذين يتعاملون مع الدول الأجنبية والذين يطلق عليهم في أمريكا ( لوبي )، وهي صيغة إلزامية في الولايات المتحدة لكل من يقوم بإدارة مصالح لدولة أجنبية.

بيتر غالبرايث، المعروف بعلاقاته مع ال ( سي آي اي )، هو ابن الاقتصادي جون كينيث غالبرايث الذي كان مستشارا للرئيس كندي. عام 1988 كان عضوا للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ ومقرب من سكرتير الدولة جورج شولتز.

وإن غالبرايت هذا هو الذي قام بكتابة التقارير التي بنيت عليها حملة تشويه صورة الرئيس صدام حسين وبصورة خاصة اتهامه باستعمال الغازات السامة في معركة حلبجة.

بيتر غالبرايث تم تعينه عام 1993 سفيرا في كرواتيا، وكان أحد المحركين الأساسيين لتجزئة يوغوسلافيا.

عام 2000 - 2001، كان غالبرايث ممثلا للأمم المتحدة في مباحثات تيمور الشرقية وتقسيم العائدات النفطية بين تيمور واستراليا.

نهاية عام 2002 أصبح أستاذا في المدرسة البحرية الحربية، كما قام بالتهيئة للعدوان على العراق حيث كان مستشارا لبول ولفوفيتز مساعد وزير الدفاع الأمريكي.

بعد غزو العراق، ولاختلافه مع إدارة المحافظين الجدد حول الخطوات الواجب إتباعها بعد الاحتلال، ترك عمله الدبلوماسي. وبالأخص فقد انتقد جورج بوش لكونه لم يمنح كثيرا من الاستقلالية إلى الأكراد، وخصوصا عدم إعطائهم الحق في استغلال الثروات النفطية في الإقليم دون الرجوع إلى السلطات الاتحادية في بغداد.

في الظل، غالبرايت ساهم بعد ذلك،- وبصورة سرية كمستشار لحكومة الإقليم الكردي - بصياغة (الدستور) العراقي الجديد. وكان يشرح لممثلي الأكراد، برهم صالح ونيجرفان برزاني، المنافع التي سيحققونها من تكوين دولة عراقية فيدرالية. وكان يقول لهما : كردستان العراق سيصبح المسيطر الوحيد على النفط.

وبنفس الوقت قام مع ابنه، عام 2004، بإنشاء شركة نفطية باسم بوركوبين ( porcépic ). وكان أول عملائه المجموعة النفطية النرويجية دنو ( DNO ). في بداية افتتاح مكتب شركة بوركوبين في أربيل، أرسل له مسعود برزاني الدعم وذلك بالسماح لشركة دنو النرويجية بالتنقيب في حقل الطوق قرب دهوك.

في كتابه ( نهاية العراق ) الذي طبع عام 2007، يشرح غالبرايت - مخالفا لأي منطق - بأن ما يتم في العراق، الذي كان بعيدا عن الاستقرار، ليس بلقنته ولكن الحفاظ على وحدته !

في شهر تشرين الثاني ( نوفمبر ) 2008، أصبح مسموحا له لتحقيق طموحاته : عندما انتخب شريكه القديم جون بايدن في جريمة تقسيم العراق، نائبا لرئيس الولايات المتحدة. نعم، ولكن…

احذروا : كلب خطر

إن النشاطات التجارية لبيتر غالبرايث - الذي أصبح كولبيكيان جديد، السيد 5% منذ العشرينيات من القرن الماضي ( 1920 ) - ممكن أن تتحقق دون أن ينتبه أحد لولا الفضيحة التي أثارها المخزن الاحتياطي للعملات في أوسلو ( أوسلو ستوك اكس شانج ” OSE ” )، يوم 18 أيلول ( سبتمبر )، عندما كشف بأن شركة دنو ( DNO ) قامت بتحويل 30,04 مليون دولار إلى الحساب المصرفي الشخصي لاشتي هاوراتي، وزير الموارد الطبيعية في كردستان العراق. التحقيق الذي قامت به الشرطة الاقتصادية النرويجية ربطت خيوط القضية، حتما، بشركة بوركوبين.

المصيبة لا تأتي منفردة، كما يقال. يوم 29 أيلول ( سبتمبر )، قام كي مون بفصل غالبرايت من منصبه كمساعد لرئيس بعثة الأمم المتحدة المكلفة بمراقبة الانتخابات في أفغانستان. إن كي مون اتخذ قراه هذا لكون غالبرايت اتهم رئيس البعثة النرويجي كاي ايد بالتستر على التزوير بالانتخابات لصالح حميد كرزاي.

منذ ذلك التاريخ، غالبرايت متهم، بعلاقاته مع ريشارد هولبروك - مستشار سابق لشركة النفط اوتوكال التي ابتلعت من قبل شيفرون -، وهو ممثل اوباما في المنطقة - والمكلف بإيجاد بديل لكرزاي بدمية ليكون قريبا من الإدارة الأمريكية الجديدة، وربما من شركة بروكوبين.

وأخيرا يوم 10 تشرين الأول ( اكتوبر ) فإن الصحيفة النرويجية (داكنز نايرنكلسليف) انتبهت لآخر تقرير لنشاطات شركة دنو، الذي يشير إلى أن بوركوبين لديها دعوى تحكيمية مع يمني يملك الملايين (ملياردير) مطالبة ب 25 مليون دولار كتعويضات للشركة النرويجية لسبب، حسبما يظهر، فقدها لشهادة حقوقها خلال تغيير مفاجئ للوضع التجاري. وهذه العمليات تحدث كثيرا إذا أخذنا بنظر الاعتبار الفساد والرشاوى التي قامت بها في كردستان العراقية.

إن كشف التلاعب في عقد دنو - بوركوبين يضايق العصابة ( اللوبي ) الكردية التي قدمت غالبرايت كقديس.

في العراق هذه الفضيحة تقدم خدمة جليلة للمقاومة العراقية التي تطعن بشرعية القانون الأساسي الأخير ( الدستور ).

في مدينة بيجن النرويجية، قرب داره، قام صحافيون نرويجيون بالاستفسار من غالبرايت عن نشاطاته المشبوهة، فلم يكن لدى ( الدبلوماسي ) السابق من جواب إلا أن يهددهم بكلبه… ويهرب.

ملاحظة : الكاتب ثبت صورة غالبرايت مع كلبه في المقال.

تتمة المقال : نجم الدين كريم مدير المعهد الكردي في واشنطن وكندال نيزان رئيس المعهد الكردي في باريس، لعبا دور لا يمكن تجاهله في السياسة النفطية لإقليم كردستان.

في شباط 2008 ساهما في مؤتمر حول “القضية الكردية في القرن الواحد والعشرين” الذي نظم في قصر البوربون - الذي هو مقر الجمعية الوطنية الفرنسية - وقد شارك في هذا المؤتمر، طبعا، بيتر غالبرايث، الذي لا يمكن تفاديه.

في هذه المناسبة فإن فرانسوا لونكل، ( من الحزب الاشتراكي والذي كان سابقا من الحركة الجمهورية اليسارية ) وسكرتير دولة سابق ونائب عن محافظة ايور، أعلن عن إنشاء مجموعة دراسات حول كردستان داخل الجمعية الوطنية.

دانيال ميتران، زوجة الرئيس الفرنسي الأسبق كانت حاضرة على طاولة مستديرة، شجعت الأكراد (في نضالهم من أجل الديمقراطية).

:::::

الدكتور عبدالإله الراوي

دكتور في القانون وصحافي عراقي سابق مقيم في فرنسا

hamadalrawi@maktoob. Com

تجدون كافة مقالاتنا التي نشرت بعد الغزو على

http://iraqrawi.blogspot.com

إسقطوا جدار غزة الفولاذي حماية لها وصونا لسيادة مصر وكرامتها

29 ديسمبر 2009

اللجنة المصرية لمناهضة الاستعمار والصهيونية

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2116 )

في خطوة فاقت أسوأ الظنون تقيم السلطة المصرية بإشراف عسكريين وفنيين أمريكيين جدارا فولاذيا بطول الحدود المصرية مع قطاع غزة، وذلك إحكاما للحصار المضروب علي سكانه منذ عام 2006 ومنع أية محاولة لاختراقه عبر حفر انفاق تعين الفلسطينيين علي التغلب علي هذا الحصار القاتل وتمكنهم من الحصول علي احتياجاتهم حتىلقمة العيش ووقود التدفئة والدواء وقلم الرصاص. لذلك فإن إقامة هذا الجدار تستهدف تمكين اسرائيل من التغلب علي محاولات الفلسطينيين للفكاك منه، وهو مشاركة مباشرة وتعاون تام مع العدو الصهيوني ضد اشقائنا وجيراننا من سكان غزة.

تأني إقامة هذا الجدار في إطار الخضوع للإتفاقية الأمريكية الاسرائيلية، التي أبرمت مع وقف حرب الإبادة علي غزة في يناير الماضي، لمراقبة وحصار يمتد من مضيق جبل طارق إلي مضيق هرمز بمشاركة حلف الاطلنطي لمنع التهريب إلي الشعب الفلسطيني، والتي نصت أيضا علي مراقبة حدود مصر مع غزة من سواحل شمال سيناء وأرضها. حينها أعلن الرئيس مبارك ووزير خارجيته أن تنفيذ هذه الاتفاقية من أرض سيناء خط احمر. ومن الثابت اليوم أن تلك التصريحات لم تكن إلا للاستهلاك المحلي فقط. فالسلطة المصرية اليوم تخصع وتنفذ الاتفاقية بصورة افدح مما نشر عنها.

إن إقامة هذا الجدار، جريمة حرب وإبادة جماعية وفقا لاتفاقية جنيف الرابعة ومعاهدات القانون الدولي الأخري التي حرمت حصار سكان الارض المحتلة وأوجبت على الحكومات الموقعة عليها السعي لمنعها. فغزة أرض محتلة وحصارها من هذه الجرائم. وباعتبارمصر المنفذ الوحيد من الحصار فهي ملزمة قانونا بفتح معبر رفح وأي منافذ أخري ممكنة لانقاذ سكان غزة من مخطط الإبادة.

ومن الغريب أن تتذرع السلطة المصرية بحق السيادة على أرضها وبأمن مصر القومي، وهذا تبرير لا أساس له للجريمة النكراء التي ترتكبها. فحق السيادة في حماية الحدود مشروط بالالتزام بعدم الاضرار بالاقليم المجاور لها وهو قطاع غزة. وعلاوة علي ذلك، فعن أية سيادة تتحدث الحكومة المصرية؟ إنها تتحدث عن السيادة في مواجهة أناس يحاولون النجاة من الهلاك ومن المنفذ الوحيد المتاح لهم وهو حدودهم مع سيناء والتي لا تشكل أي عدوان على السيادة، في حين أننا ملزمون وفقا للقانون الدولي بأن نساعدهم علي النجاة. وتقول السلطة هذا الباطل بزعم حق السيادة في الوقت الذي تقبل فيه بانتهاكها بالقوات الدولية والامريكية التي تدنس شرق سيناء بكاملها، وبالشروط التي حرمت جيش مصر من الانتشار والسيطرة على ثلاثة ارباع سيناء.. إن أخر من لهم حق الحديث عن سيادة مصر علي أرضها هم من وقعوا ومن يؤيدون معاهدة العار المسماة معاهدة السلام.

أما ما تدعيه عن حماية امن مصر فقلب أخر للحقائق، فلا يهدد أمننا عبور فلسطينيين أو بضائع أو حتى سلاح لغزة، وإنما يهدده الكيان الصهيوني وأمريكا، وما لجأ الفلسطينيون إلي التهريب وحفرالانفاق إلا بسبب وطأة الحصار. إن حرص السلطة المصرية على منع تهريب السلاح لغزة هو مشاركة للعدو الصهيوني الأمريكي في تعجيز الفلسطينيين عن مقاومة الاحتلال. وفضلا عن ذلك فإنها لا تستهدف منع مرورالسلاح فقط، بل وأيضا منع مرور المؤن الضرورية للبقاء عن طريق إغلاق معبر رفح أغلب الوقت وهو معبر لا يهرب منه السلاح بالطبع.

إن صمود غزة ركيزة من ركائز أمن مصر وعامل من العوامل الأساسية التي ستمكننا يوما من التحرر من الاغلال المفروضة علينا في سيناء وعلى موقفنا الصحيح من مصالحنا في العالم العربي.

لذلك فإن اللجنة المصرية لمناهضة الاستعمار والصهيونية إذ تدين إقامة هذا الجدار وتعتبره خطرا داهما علي الشعب الفلسطيني وخضوعا جديدا مذلا لعدونا الصهيوني الأمريكي وتفريطا جديدا في سيادتنا علي أرضنا واستقلالنا السياسي، تدعو أبناء شعبنا وجميع قواه الوطنية إلي مواصلة رفضهم إقامة هذا الجدار ومقاومتهم له وتصعيدها والمثابرة عليها حتى يسقط نهائيا.

28 / 12/2009 اللجنة المصرية لمناهضة الاستعمار والصهيونية

الدور التأمري للتحالف الكردستاني على وحدة العراق واستقراره!

28 ديسمبر 2009

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2115 )

عندما يذكر التحالف الكردستاني ـ حزبي البارزاني والطالباني وبعض الواجهات التابعة لهما ـ والذين هما بالاصل ورثة للحركة العشائرية التي قادها البارزاني الاب من اجل توسيع نفوذه القبلي ليشمل مناطق القبائل السورانية والبادينية المستوطنة شمال العراق، يتذكر العراقيون التاريخ المخزي والمناهض للوطنية العراقية، فمن التجند لخدمة السافاك الشاهنشاهي بالضد من حكومة الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم الى وضع انفسهم تحت تصرف شركات النفط الاحتكارية العاملة في العراق لتنفيذ اجندتها التامرية بالضد من اي توجهات عراقية لتقليم اظفار هذه الشركات التي كان لها دور فاعل في صنع الحياة السياسية في البلاد ومن وراء الكواليس، الى بناء اوثق العلاقات التخادمية ومنذ وقت مبكر مع الموساد الاسرائيلي ـ منذ عقد الستينات من القرن الماضي ـ للتامر والتجسس واشغال القوة العراقية عن اداء دورها في التصدي للعربدة الاسرائيلية في المنطقة!

الملفت الان ومع تغير الاحوال وحصول هذا التحالف على ما لم يكن يخطر بباله ولا حتى في الاحلام، وخاصة بعد احتلال العراق واعادة صياغته بطريقة تنسجم مع العقليات الطائفية والعنصرية التي وجدت في العراق المحتل مرتعا خصبا لها ولتطلعاتها التقسيمية، وتحديدا بعد ان عمل الاحتلال وبالتعاون معها على تدمير الدولة العراقية وبنيتها التحتية ـ حيث لم يكن الهدف من الاحتلال هو اسقاط النظام السابق فقط ـ حيث يحكم التحالف الكردستاني كل شمال العراق وبدون منازع، ويشارك وبفيتو قوي بالحكم التحاصصي في بغداد، حتى اصبح الشمال ملكية خاصة للحزبين المتحالفين، لهم دستورهم المفصل على مقاييسهم ولهم حكومتهم وبرلمانهم وجيشهم وخزينتهم بل ولهم نفطهم الذي يستثمر وبشكل مباشر ومع الشركات اياها لتخليد حكمهم لمناطق الشمال وتقرير مصير اهاليه، لهم رئيس وسفراء واعلام وتشريفات وشعار ونشيد جمهوري، ولم يكتفوا بكل هذا حتى راحوا يستخدمون اسلوب الهجوم كافضل وسائل الدفاع في علاقاتهم مع بغداد التي يفترض ان تكون علاقاتهم بها علاقة شراكة ابدية، فراحوا يساهمون باشغال الوسط والجنوب بالمشاكل الامنية والعمليات الانتقامية، وبنفس الوقت ونتيجة لفراغ القوة وتماهيهم مع اجندات قوات الاحتلال راحوا يوسعون من مناطق حكمهم بحيث تطاولوا على المحافظات المجاورة للمناطق التي يسيطرون عليها، متذرعين بحجة الهوية القومية لسكان هذه المناطق وبالمبالغة القصوى بحجم عمليات التهجير القسري الذي جرى في بعض المناطق بابعاد امنية ايام النظام السابق، وكانت النية المسبقة لاحتواء هذه المناطق باعداد كبيرة من ميليشياتهم المدعومة والمسلحة اسرائيليا، خاصة وان غياب الجيش العراقي نتيجة قرار حله قد جعلها مفتوحة امام عربدات عصاباتهم في نينوى وديالى وكركوك وصلاح الدين، التمدد متواصل رغم عدم وجود توافق عليه مع شركائهم في الحكم، حتى انهم عملوا على الضغط ومحاولات تكريد واحتواء بعض جماعات من الاقليات الاصيلة والتي تقطن هذه المناطق حتى قبل هجرة الاكراد اليها كالاثوريين والتركيف والشبك واليزيديين والكلدان، وقد اشارت التقارير الدولية الى هذه الحقائق وكان اخرها تقرير منظمة الدفاع عن حقوق الانسان حول العالم الامريكية والتي اوردت بالنص ان الاحزاب الكردية تقوم بمضايقة ابناء الاقليات بالترهيب والترغيب لاجل احتوائهم او تهجيرهم!

الاكثر اثارة هنا ان التحالف الكردستاني ورغم انتقاله من صفة المعارضة الى صفة الحكم فانه ما زال يمارس وبكثافة ذات الممارسات اياها والتي وصفناها بالتاريخ المخزي بالتأمر على وحدة العراق وسيادته واستقراره، والادهى انه يتعامل ويتخادم مع نفس الجهات التي كان يتخادم معها ايام الاب البارزاني، الموساد والسي اي اية واطلاعات الايراني ـ بديل السافاك المنحل ـ وشركات النفط الاحتكارية، والتي ما زال لعابها يسيل على ذكر النفط العراقي الشمالي والجنوبي على حد سواء، وما يميز المرحلة الجديدة هو التنسيقات السرية مع المخابرات الكويتية في التعاون لادامة حالة الفوضى في وسط وجنوب العراق!

نشرت مؤخرا صحيفة فايننشال تايمز الصادرة في لندن تقريرا يحتوي على اعترافات ـ بيتر غالبرث ـ الدبلوماسي الامريكي السابق والمخابرتي المتمرس بالاعمال التجارية بعد ان اعفي من الخدمة الرسمية كسفير في كرواتيا، والذي عمل بعدها كمستشار لدى قادة التحالف الكردستاني منذ فترة ما قبل احتلال العراق، قال غالبرث انه نصح الاكراد بضرورة انتزاعهم لحق دستوري يعطيهم القدرة على التحكم المباشر بعمليات الاستثمار النفطي في مناطقهم وابرام العقود ـ استخراج وتصدير النفط من الحقول الجديدة ـ ليكون هذا النص حجر الزاوية في عملية الاستقلال الاقتصادي عن بغداد واقامة علاقات اقتصادية وبالتالي سياسية مع العالم الخارجي كخطوة مهمة باتجاه اعلان الدولة الكردية واستقلالها!

علما هناك مستشارون اخرون من الموساد وشركات نفطية كبرى متواجدون في شمال العراق يساهمون في ترتيب الاجندة الكردستانية وبما يجعلها متهيئة ميدانيا وعسكريا واقتصاديا وسياسيا ونفسيا نحو اعلان الدولة وتأمين الاعتراف بها خاصة اذا قامت نتيجة لنزاع عرقي، على اثره يتم الفصل كأمر واقع بالترافق مع السيطرة المحكمة على ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها بما فيها كركوك، لان الصدام الاولي سيستدعي حضور قوات بين الاطراف المتنازعة وابقاء الحال على ماهو عليه حتى تتدخل لجان تحكيم من الامم المتحدة، وحتى ذلك الحين تكون القوات الكردية قد سيطرت على كركوك وجرى استحصال قرار وقف لاطلاق النار!

يبدو ان قادة التحالف الكردستاني سائرون لتطبيق هذا السيناريو وكل الدلائل تسير بهذا الاتجاه، حتى زمن التنفيذ سيكون مترافقا مع المرحلة ما قبل الاخيرة للانسحابات الامريكية المعلنة، وعليه فان ضم كركوك تحديدا سيكون هو الاعلان الرسمي عن قيام الدولة الكردية شمال العراق كأمر واقع لا تستطيع الحكومة الطائفية المتخادمة مع المحتل الامريكي حتى لو ارادت تغييره، لانها لا تملك ادوات التغيير واهمها الارادة الوطنية الجامعة والجيش الوطني القوي القادر على حماية حدود البلاد ووحدتها من تجاوزات عصابات التقسيم المدعومة من الطامعين بالعراق وخيراته!

زكي مراد: حياة الأسطورة

28 ديسمبر 2009

د. أحمد الخميسي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2115 )

في 20 ديسمبر أحيي اليسار المصري في نقابة الصحفيين الذكرى الثلاثين لرحيل زكي مراد، وامتلأت القاعة الضخمة من كل الأعمار بمحبي أسطورة مقاتل كان وهو في التاسعة عشر عضوا في ” اللجنة الوطنية للطلبة والعمال ” التي هزت البلاد من شمالها لجنوبها عام 1946، واعتقل في العام ذاته للمرة الأولى، وحين غادر السجن وهب حياته التي امتدت بعد ذلك لأكثر من ثلاثة عقود لمن خرج إليهم: للبسطاء والعمال وفقراء الفلاحين. وحينذاك لم تكن قد شاعت بعد مدرسة تفتيت القضية الوطنية لكسر صغيرة كحقوق المعاقين وحقوق المرأة وغير ذلك، ولم تكن قد انتشرت كالفطر السام دكاكين الدفاع عن حقوق الإنسان بأموال الأمريكان.

وقدم زكي مراد وأبناء جيله العظام حيواتهم وأموالهم وباعوا أثاث بيوتهم واقترضوا وسجنوا وتحملوا تشريد عائلاتهم وتجويعها لكي يقوموا بدورهم كطليعة تنقل الوعي إلي الجماهير.

في تلك السنوات كانت صفة المعارضين هي “مناضلين” وليس “نشطاء”، وكانت القضية هي تحرر مصر من الاستعمار، وبناء صناعتها واستقلالها وجيشها الوطني وثقافتها، وتطوير قدراتها العلمية وتعميق أحلامها بالعدالة والقضاء على الفقر والجهل.

وقد مضى زكي مراد مع أحلامه هذه كتفا بكتف لأكثر من ثلاثين عاما، محاميا، ويساريا، وشاعرا، ورفيقا أنيسا بالضحكة والأناشيد لكل أصدقائه وأحبابه. تتعب الأحلام فيدفعها للأمام، ويتعب هو فتنعشه أحلامه ليواصل الطريق.

كان إحياء ذكرى زكي مراد إحياءاً لدور أبناء ذلك الجيل الذي بدأ كفاحه في الأربعينات، وتعرض لأقسى مفارقة حين نكلت به الثورة التي عاش حياته يدعو إليها ويتمناها. في قاعة الاحتفال بنقابة الصحفيين كان يمكنك أن ترى كيف اجتذب مغناطيس أسطورة زكي مراد أناسا من كل الأعمار: فتيات من سن السادسة عشرة، رجالا فوق الأربعين، شبابا، شيوخا، ومثقفين من مختلف التيارات مثل محمد عبد القدوس والشاعر عبد القادر حميدة والمخرج أحمد اسماعيل، والمهندس شوقي عقل، ود. عواطف عبد الرحمن. وفي مواضع متفرقة كانت تشع عيون أبناء الأساطير الأخرى: منى أنيس ابنة د. عبد العظيم أنيس، وشهرت العالم ابنة محمود أمين العالم، وممدوح ابن فوزي حبشي، فتشعر أن تيارا كهربائيا يمتد من الماضي إلي لحظتنا هذه مرتجفا بفكرة أن أثر الأشياء الجميلة باق ومستمر في إحياء ذكرى النوبي الجميل زكي مراد الذي لم يعرف محبوبة سوى مصر فتغني بها من صميم روحه. وفي القلب من كل ذلك كان هناك أبناء زكي مراد الأربعة: صلاح، وصفاء المحامية، ومحمد الممثل، وصابرين فنانة الزجاج الملون، ينشرون في الاحتفال الدفء الذي ورثوه عن قلب الراحل الكبير.

كنا في الستينات ونحن في سن الشباب نختلف كثيرا مع زكي مراد وأبناء جيله العظام، وننتقدهم، ونلومهم، بشأن موضوع أو آخر. الآن نتشمم عطر أولئك المناضلين، ونفتش عنه بأرواحنا، ولا نجد في حركة اليسار المصري شيئا يقترب من ذلك العطر المقدس الذي فاح طويلا بندى الفقراء والعمال والفلاحين، نفتش فلا نرى سوى “دكاكين” لجنى الأموال، بعد أن أصبح “التمويل الأجنبي” شريعة أي عمل “تقدمي”!

أحيانا إذا تحدثت عن الاستعمار والتحرر الوطني والقضية الاجتماعية والتزام الأدب بدور ورسالة يقول لي أحدهم بدهشة: لكن هذا كلام قديم ؟!. وأشعر على الفور بالخيبة، ثم أقول لنفسي: لكن الشمس أيضا قديمة، ووهج العشق قديم، النهر قديم، القمر ورغيف الخبز أيضا قديمان. هل يعني ذلك أن تلك الحقائق ” خطأ ” ؟

ويحلق صوت زكي مراد كطائر تشبع جناحاه بالنور ويقول لي: من قال لك هذا الكلام الفارغ ؟. أنا أيضا قديم، وها أنت ترى كيف يجتمع حولي بعد ثلاثين عاما كل الأعزاء والأحباء ؟ أم أنك لا ترى ؟ ويدور النوبي بعينيه في القاعة ثم يهمس ممازحا: أم أنك لا ترى؟. ويرتد بكتفيه للخلف ويقهقه فتملأ ضحكته القاعة بالأمل.

:::::

أحمد الخميسي. كاتب مصري

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com