يناير 2010

الثورة السلبية في الأرض المحتلة:

31 يناير 2010

المدفعي آلة التطبيع، القهر والهيمنة

بادية ربيع

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2149 )

يبدو أن “المولود” في العراق إلهام المدفعي وجد لنفسه وظيفة كاملة في عمر ما بعد التقاعُدْ. وهي وظيفة كما يبدو توفرت له بتعاون مؤسستين عظميين:

· أل سي.آي.إيه التي كما يبدو أخذت ملفه عند احتلال العراق، أو ربما قدمه هو لها.

· ومؤسسة أل يو.اس إيد، التي كما يبدو تعهدت برعاية دوره وبدفع راتبه وتكاليف إقامته” في الأرض المحتلة.

فالمدفعي يقيم في الأرض المحتلة أكثر من خارجها حيث اصبح كما يبدو “مقاول فنِّيْ” وربما يصبح غربال التطبيع العربي، فلا يدخل أي تطبيعي عربي إلا عبر مؤسسة المدفعي للتطبيع الفني. وحبذا، والشيء بالشيء يذكر، لو يقوم أحد المطبعين الفلسطينيين من الجنسين بتأليف كتاب مثلا باسم: “الأسس النفسية للتطبيع الفني” كمعارضة لكتاب مصطفى سويف: “الأسس النفسية للإبداع الفني”. وما أكثر المطبعين فنياً من الأرض المحتلة والوطن العربي بأجمعه.

ذهب المدفعي مباشرة إلى يو.أس. إيد، وليس من خلال أية منظمة من الأنجزة، فاختصر على نفسه الطريق ودفع عمولة لأي وسيط. وهذا شحٌّ وبخل لم نعهده في العراقيين، ويبدو أن الرجل مصنوع في فبركة أخرى! وفي هذا الشح والاحتكار والحصحصة، طبعاً بالمفهوم الديالكتيكي، دخول في تناقض/تنافس مع نظرائه الذين يتعيَّشون من أدوارهم الوسائطية. ولكن لِمَ لا؟ ألا يتناقض الناس في الأسرة الواحدة. إنما كيف ستعيش منظمات الأنجزة، إذا حذا المطبعون جميعاً حذو المدفعي الذي يذهب إلى رأس النبع مباشرة!؟ قد تكون هذه نصيحة لمنظمات الأنجزة بان تقيم مكتباً للتطبيع يحتكر الخروج والدخول. وهذا أمر لن يرفضه المحتل الذي وحده لا يدخل داخل ولا يخرج خارج إلى المناطق المحتلة إلا بخاتمه.

إستباحات!

بين نشاط المدفعي كمؤسسة تطبيع قائمة بذاتها، وبين مؤسسات الأنجزة، وفرق التطبيع والمؤسسات الثقافية الأجنبية يو.اس إيد، المجلس الثقافي البريطاني، والثقافي الفرنسي، وجوتة الألماني، ومؤسسة روزا لكسمبورغ (الماركسي الألماني- كما شرح ذات مرة عادل سمارة)، ونشاطات النرويج (أوسلو وتمفصلاتها) المتكاثرة كالأميبا إلى درجة التهام اسرٍ بأكملها إلى هناك، وبين مناطق صناعية هنا وهناك في خدمة اقتصاد الاحتلال، وبين ما لم نسمع عنه، نكتشف أن المناطق المحتلة تحت شبكة استباحة من إحتلالات، وليس الاحتلال الصهيوني أو احتلال الأستاذ دايتون فقط، راعي الأمن والأمان إلى درجة انطلاق البغاء حراً وحُبا!.

الثورة السلبية

لكن لهذا سياقه الخاص الذي من المفيد وضعه في سياقه النظري/الإيديولوجي بما يسمح لنا بأن نتعاطى معه بحقيقته وفعله على الأرض. ما يحدث في الأرض المحتلة هو ثورة سلبية بالتعريف أل غرامشي. فالثورة السلبية هي ثورة دون ثورة، هي إعادة هيكلة مجتمع عبر سلسلة تحولات بدون نشاط ولا هبَّات جماهيرية، هي تحديث تقوم به وتتحكم به نخبة تُحدث تحولات ثورية للحفاظ على وتقوية النظام القائم. فإن غرامشي أخذ ذلك عن مؤرخ الحقبة النابليونية فنسنزو كوكوو (1770-1823) عن النهضة (الانبعاث Risorgimento) في إيطاليا بأن حركة التحرر القومي الإيطالية التي بلغت ذروتها بالوحدة الإيطالية 1860-61، تمت بشروط سلبية لأنها افتقدت فرصة القيام بثورة على طريقة اليعاقبة في فرنسا. وبرأيه فإن جيوش نابليون أحدثت ثورة سلبية في إيطاليا.

يحدث هذا في الأرض المحتلة، فالنخبة الكمبرادورية والطفيلية تقوم بتحديث المجتمع ظاهرياً، بنيته الفوقية بسرعة فائقة، والتحديث هنا هو مادي ـ قيمي، اي يشمل بشكل ديالكتيكي البنية الأساس والبنية القوقية معاً. فالبنية الأساس تتمثل في ريع نقودي سائل قادم من الخارج ليشكل السيولة المالية التي تشتري مختلف المتطلبات التي تحتاجها عملية تحديث القيم الراسمالية أي: الاستهلاك، الترف، التطبيع، البغاء، السيارات الفارهة، المنازل القصورية، الرحلات إلى الخارج، الحفلات الفنية، الفقر الثقافي، إهمال الأرض، الأشغال الخدماتية، الأسعار الخيالية للأرض والأبنية…الخ. المهم لا إنتاج محلي، ومع ذلك الناس يعيشون ويدفعون اسعاراً مضارباتية خيالية لشراء السلع والخدمات. أليست هذه “ثورة”.

كل هذه مظاهر “حداثية” تبين أن الأرض المحتلة تنتقل من حقبة يزعمون أنها ما-قبل راسمالية، إلى حقبة الاقتصاد الجديد كما في أميركا.

والمهم في الأمر أن الأكثرية الشعبية، الأكثرية الساحقة تمر بكل هذا ولا تراه، ويحرق جلدها ولا تحس به. وهذا المعنى الآخر للثورة السلبية أو الانخراط القطيعي في الإجماع المطلوب للنخبة المتحكمة وارتباطها بالصهيونية والإمبريالية، والرأس المطلوب هي رأس المقاومة.

كيف يتم هذا؟ يتم هذا طبقاً ل لينين ولاحقا غرامشي عبر آليتين:

· القمع والسيطرة والقوة (دايتون وجيوشه)

· الهيمنة بالثقافة والتطبيع العادات والضخ المالي… (لنقل مجازاً إلهام المدفعي والمثقفين وأهل الجو المخملي).

إذن نحن أمام آليتين تتقاطعان معا وتكملان بعضهما البعض، القمع/السيطرة والأدلجة، إعادة التثقيف باستدخال الهزيمة إلى درجة عدم الشعور بها حتى وهي متمظهرة بضياع وطن ضياعاً فعلياً.

غيلان رأس المال وصناعة الوهم والخوف والفزاعات

31 يناير 2010

محمود جلبوط

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2149 )

بداية، لابد من الإشارة إلى أن النظام الرأسمالي العولمي الصهيوني في مرحلته الحالية مطلع القرن 21، وبسبب من عولمته ذاتها يعيش مرحلة يمكن وصفها بالحرجة أو المقلقلة أو ربما تكون بالانتقالية. ولا نعني بالانتقالية بالضرورة انتقال النظام إلى النظام الاشتراكي.

فالرأسمالية المعولمة المتصهينة عالميا بشقيها المركزية والمحيطية أو بتعبير أدق الرأسمالية الاستعمارية الامبريالية المعولمة وعميلتها الرأسمالية الكولونيالية في البلدان التي تستعمرها (بعض هذي البلدان تستعمره بشكل مباشر وبقواعد عسكرية وبعضها باتفاقيات اقتصادية أو عبر ربطها بسوقها الحرة الساحرة حتى لبعض قوى اليسار المرتد/المستقيل/المتصهين) تعيش من جهة أولى أوج مجدها وانتصارها وتطورها المتحول، ومن جهة أخرى ولنفس الأسباب التي أدت إلى نشوة مجدها تعيش أوج أزمتها العالمية والمعولمة.

أما من ناحية مجدها فلا أظن بأن غيلانها تصوروا أو حلموا أو توقعوا ما آل إلى بين أيديهم بالرغم من جهدهم المبذول عبر إنتاج الكذب والخداع والتضليل وصناعة الوهم والخوف والفزاعات منذ اللحظة الأولى لتحول رأس المال هذا إلى علاقة اجتماعية وإنتاجية بسيطرته على وسائل الإنتاج وسوق تصريفه في التضليل على سرقته لفضل قيمة عمل العامل، وهي جوهر الربح والقيمة الزائدة عبر عملية إنتاج السلعة، حدث هذا على جثث الآلاف من الفقراء المسحوقين الذين طردوا من الأراضي الزراعية التي كانت تستر جوعهم ولو بالحد الأدنى بعد أن ترسملت عملية الإنتاج فيها فماتوا جوعا تحت سقف أحزمة الصفيح التي أحاطت معظم المدن الأوربية الكبيرة آنذاك، مرورا بإسقاطه لأول ثورة شعبية في أوربا هي الثورة الفرنسية والمآلات التي أوصلوها إليها، وعلى مدار السنوات التي تلت انتصار ثورة أكتوبر في روسيا ثم تلتها الصين وصعود حركات التحرر العالمية التي حققت استقلالها وانتهجت في بلادها بعيدا عن تبعيته وتبعية سوقه في بعض بلدان آسيا وأفريقيا والأمريكتين الجنوبية واللاتينية، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى ومن نافلة القول ذكرها.

فنحن اليوم نعيش زمن فجور غيلان رأس المال الفاقع وعهرهم الماجن وزعرنتهم العسكرية بعد انحسار المد الثوري ضد صلفهم وخبو شعلة المقاومة العالمية واقتصارها على جيوب مازالت تقبض على جمرها هنا أو هناك، راحت هذه الغيلان بكل صلف تدس أنفها أو إصبعها في أصغر حدث في أقاصي الأرض حتى لو كان هزلا أو هذرا بين مراهقي حي من أحياء العالم: الذي حولته بعولمتها إلى “قرية صغيرة” حسب ما يدعى مثقفوها ومنظروها: وهم كثر بحمد الله كما أسلفنا.

فبعد أن أسهب مستشرقوها ومبشروها دجلا وكهانة في تحريف تاريخ الشعوب التي سطت عليها أو المدرجة في أجنداتها للسطو عليها، وقولبة التاريخ البشري بمجمله حسب رؤيتها وقياسا على تجربتها فجعلته تاريخا خال من الصراعات الطبقية ومصالحها، ففتته وأعادت صهره في مرجل إيديولوجيتها ليتحول إلى صورة “لفوضاها البناءة “: من صراع أديان وصدام حضارات، وإنجاز أبطال فرديين على طريقة صناعة أفلام هوليوود، فكانت الغلبة والبقاء في هذا التاريخ للأكثر تدميرا ودموية، “الأقوى” و”الأجدر بالحياة” والأكثر “حضارة” والأفضل “دينا” فيكون دون منازع الرجل الأبيض الأنغلوسكسوني أو الاشكنازي أو “شعب الله المختار”, ولم تختلف رؤيتهم اليوم عن الأمس كثيرا، فدأب مؤدلجوهم ونخبهم السياسية وأساطيلهم العسكرية على نشر هذه “الفوضى الخلاقة” على العالم المعاصر لشرذمته إلى مسيحي وغير مسيحي، يهودي وغير يهودي، والغير أو الآخر هذا يصبح هلاميا بلا هوية خارج بنيته الإثنية الأولية، ولا غضاضة إن أضفي عليه اصطفافات مذهبية أو طائفية، المهم في الأمر أن لا تكون له صفة قومية ولا طبقية، الصفة الأساسية التي تجمع بين جموع هذا الآخر التوحش والتخلف ويحمل بين طيات مورثاته نزعة إرهابية لذا وجب تحضيره (من حضارة) فإما أن يقبل أن يكون عبدا أو خادما لديهم فيسلم وإما يقتل ( العربي الجيد هو العربي الميت، أو الهندي الأحمر الجيد هو المقطوع رأسه، وهكذا دواليك حسب حضارتهم ) لماذا؟: لينتهي تاريخ البشرية عند أقدامهم لتأبيد علاقات نظامهم ومقولاتهم. بل وصل الصلف بالغيلان أن يقرروا طبيعة المناهج الدراسية لأطفال المدارس لدى شعوب هذا الآخر، وما هي المحطات الفضائية المفروض أن يسمح له بالبث عبر أقمارها الاصطناعية لكي تتمكن من أدلجة الجيل العولمي القادم على هواها من خلال إنتاج الوهم الذي صنعته ومازالت تصنعه على أنها النخبة والمثل المقتدى، ولتصنيع الخوف والفزاعات على هواها والتي باتت تجيدها اليوم أكثر من أي زمن مضى بتراكم الخبرة والتجربة لديها وتوفر مثقفيها وفلاسفتها وعلمائها، ومرتزقة لبراليين وبقايا أحزاب متعبة واشتراكيين متساقطين ومرتدّي يسار، بتلوّن أيديولوجي تبريري متنوع، الراكعين عند أعتاب بيوت مالها الحرام من مدعي نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان وحماية الأقليات الدينية والمذهبية والإثنية وحرية المرأة وتقديس الفرد أو شيطنته وتحقير الجماعة بكل أصنافها: أمة/شعب/طبقة/قومية.

من أهم أعمدة السياسة التي ينتهجها غيلان رأس المال هي صناعة الوهم، أما لماذا فهي:

أولالتضليل الطبقة العاملة على مستوى العالم المنتجة لفضل القيمة المتحصل من سلعة قوة عملها عبر اندماجها مع كل السلع الأخرى في صيرورة إنتاج السلع بأنواعها والتي هي عماد ربح الغيلان بكل انتماءاتهم وتنوعاتهم: صناعي/تجاري/ خدمي/مالي.

وثانيالتضليل الشعوب المستعمرة مباشرة أو غير مباشرة والمنهوبة عن طريق التبادل اللامتكافيء أو النهب المباشر لأرضها وثرواتها الاستخراجية والزراعية.

يستخدم غيلان رأس المال القوة العسكرية المدمرة والقتل الجماعي لتحويل نظام الوهم هذا نظاما بديلا عن نظام حركة التاريخ الحقيقية التي ينظمها صراع الطبقات والمصالح، وإذا حدث وتبقى بعض الجيوب هنا أو هناك غفل عن تمشيطها عسكريا، أو تكونت في فراغات سقطت سهوا في خضم تقاطعات حرب الغيلان فيما بينهم على الهيمنة، يوظف، لإملاء هذه الفراغات سياسية كانت أم اقتصادية أم أيديولوجية، كل ما يقع تحت سيطرته من مؤسسات ومنظمات وأحزاب وخبراء وعلماء وفلاسفة وسياسيين وإعلام وسينما: ابتداء من الكرسي البابوي /الكنائس البروتستانتية المتصهينة/التخريف التوراتي/ مرورا بشيخ الأزهر ومفتيي الكولونيال العربي، وانتهاء بالمتعبين اليساريين متفيئي منظمات الأنجزة والبيوت اللبرالية، أي بعبارة أخرى يجعل من نفسه بديلا مطلقا.

وأما فيما يخص أزمتها فكنت قد أسهبت في هذا الموضوع في مقال سابق نشر تحت عنوان “قراءة في أزمة رأس المال المالي” قبيل الأزمة المالية العالمية، وسأقتصر هنا، انسجاما مع عنوان المقال، على ذكر مثالين من صناعة الفزاعات حاولت النخبة السياسية لغيلان رأس المال تعميمهما على الجمهور العام تزامنا مع أزمتها المالية العامة للتغطية والتضليل على مسبباتها الحقيقية هما: ظاهرة الارتفاع الحراري للكرة الأرضية وانتشار انفلونزا الخنازير بعد أن امتلأ تاريخها بصناعتها الفزاعية: فزاعة الشيوعية /الاتحاد السوفياتي/الصين/فيتنام/كوريا/الدول العربية النفطية/شاوشيسكو/كاسترو/ميلوسوفيتش/صدام حسين/لاهوت التحرير/ سابقا واليوم الإسلام/الإرهاب/حزب الله/حماس/إيران ودواليك.

أولاَ: فزاعة الارتفاع الحراري للكرة الأرضية والتغير المناخي

بالإقرار بما سببه جشع الغيلان من أضرار للكرة الأرضية وعلى حياة الإنسان والحيوان والنبات والمناخ، إلاّ أنّ المتتبع للحملة الإعلامية العالمية العامة التي تقودها بروبغاندا هذي الغيلان من خلال سيطرتها المطلقة على معظم وسائل الإعلام الكبرى حول التغير المناخي وانتشار انفلونزا الخنازير والآراء المتضاربة حولهما ( خاصة ما ظهر منها في أروقة مؤتمرهم الأخير حول المناخ الذي عقد في كوبنهاغن عاصمة الدنمارك ) يكتشف مدى الأكاذيب والأباطيل التي مارسها الغيلان حاولت من خلالها، وخاصة في أوربا، إخافة الجمهور العام لدفعه بالتالي إن نجحت في تضليله للموافقة على دفع ما يتوجب عليه من غرامات وضرائب جديدة على سياراته التي يمتلكها، وبالعودة للكثير من الدراسات والبحوث لمراكز البحوث الأوربية والأمريكية حول المناخ ومتابعة الكم الهائل من المعلومات المنشورة لعلماء نرويجيين وغيرهم عبر الانترنيت يتم اكتشاف مدى التضليل الذي يصل حد الفضيحة وخاصة من خلال ما ظهر وجرى في أروقة مؤتمر كوبنهاجن. إن المتابع لخلافات الغيلان فيما بينهم بعد الاطلاع يستنتج بشكل واضح حرص كل غول من هذه الغيلان على مصلحته وقد بذلوا كل الجهود ليدعموا نظريتهم حول المسألة المطروحة ونشرها وتعميمها ولتحقيق ذلك اعتمدوا تزوير معلومات المناخ ومارسوا الضغوط على زملاء البحث العلمي الآخرين لتبني وجهة نظرهم ولقد بات معروفا أن هذا التضليل في مجال صناعة المخابر والأدوية واللقاحات والهندسة الوراثية يمارس منذ عشرات السنين.

مثال على خداع غيلان رأس المال يمكن متابعته من خلال برنامج فيديو منشور على الانترنيت عبر برنامج اليوتوب لإحدى نخبه المرشح السابق لسباق الرئاسة الأمريكية Al Gore في إحدى خرافاته المناخية الدعائية الكبرى ويحمل البرنامج عنوان: “You should a lot of time” عندما زل لسانه خلال حديثه عن مضمون عمل ” علماء المناخ ” وأضاليلهم، عن أنه يريد الاستفادة المالية الخالصة من خلال”الاستثمار المناخي” “Klima-Investor” كان من الممكن أن يتهيأ لنيل جائزة الأوسكار ونوبل لو ما خبا نجمه.

من أين ستأتي للجمهور العام الثقة بهؤلاء عندما يكتشف مدى الكذب والخداع الممارس ضده من خلال هذا الكم الهائل من التضليل في تقارير علماء المناخ وتغيراته المنشورة في الكتب والدراسات وعلى مواقع الانترنيت والاختلاف في الآراء الذي ظهر في أروقة مؤتمر كوبنهاغن بين باحثين ومختصين يعملون لدى شركات الأدوية ومخابر اللقاحات والهندسة الوراثية الكبرى، اللذين يتبعون تزوير الدراسات بشكل يومي وينفذون الخداع العلمي باسم الجمهور العام وبادعاء الحفاظ على صحته؟

إنها مغامرات غيلان رأس المال للتلاعب بل تشويه وعي الناس بإدخال العلم والتجارب والفحوصات المخبرية ونتائجها في سجال مضارباتهم مما يؤدي أحايين كثيرة لكوارث صحية.

هل يطال التشكيك جميع العلماء؟ بالطبع لا ولكن ما الذي يحصل للعلماء الذين يتبنون آراء مخالفة أو يتبنون آراءا مشككة بتلك النتائج والتقارير أو حتى يدعون إلى مراجعتها ومراجعة نتائجها ولا يسايرون شبق الغيلان للربح؟ بكل بساطة ترفض آراءهم ويتم استثناءهم من المشاركة ويشكك ببحوثهم ونتائجها بل يمارس في حقهم التشهير والقذف والشتائم كما يجري في جميع الفروع العلمية الأخرى هذا إذا لم يتم اغتيالهم.

ثانيا: فزاعة انفلونزا الخنازير

لم تترك فزاعة عام 2009 بامتياز الذائعة الصيت، انفلونزا الخنازير، سياسيا رأسماليا واحدا دون أن يتخذها فرصة ذهبية ويوظفها ويستغلها في استثمار رأسمالي خاص به: ابتداء من شركات الأدوية واللقاحات ومخابرها وانتهاء بتجار الخضار والفاكهة ومواد التنظيف، جرى كل ذلك برعاية مباشرة من السلطات الحاكمة لكل النخب الرأسمالية بشقيها طبعا كما ننوه دائما الامبريالية والكولونيالية. وأن البريء الوحيد في معمعة هذا الكرنفال الانفلونزي الخنازيري ومما دعت إليه منظمة الصحة العالمية بدعوتها لرفع درجة التأهب القصوى هي الانفلونزا كبراءة الذئب من دم يوسف.

لقد عقد كل هذا الكرنفال ليس خشية على صحة البشر ولا خير المواطنين كما ادعوا بقدر ما انعقد في سبيل خير ومصلحة غيلان صناعة الأدوية واللقاحات كما يستدل من الكثير من المقالات والأبحاث المنشورة في الانترنيت تحت عنوان: “ما وراء انفلونزا الطيور، كاتب هولندي عن انفلونزا جديدة؟”. فقد تناقلت الأخبار سابقة خطيرة كفضيحة في عالم الخديعة بأن التحريات قد ضبطت مختصا هولنديا متلبسا بتلقيه مبالغ كرشوة هو ألبرت هاوس Albert Osterhaus: وهو بروفسور في مجال علم الفيروسات يعمل في مشفى تابع لجامعة إيراسموس في مدينة روتردام الهولندية ويشرف على مجموعة لأحد المراكز التي تجري دراسة على الفيروسات والجراثيم: مثل السارس وانفلونزا الطيور والخنازير وغيرها في أوربا، وقد طلبت الحكومة الهولندية تشكيل لجنة تحقيق بناءا على ما ورد من تناقضات وآراء متضاربة في العديد من التقارير المتعلقة بالأمر فاكتشفت هذه اللجنة ورود مبالغ ضخمة إلى حساب البروفسور من قبل الجهة المنتجة للقاح ضد انفلونزا AH5N1 و AH1N1، ومن الممكن أن تكون انفلونزا الخنازير وأختها الطيور، كما أشيع سابقا، من اختراع شبكة من المجرمين غيلان رأس مال صناعة الأدوية وعلماء عديمي الضمير وفاقدي السريرة، والأنكى من هذا كله أن تستطيع هذه العصابة أن تشغل مراكزا في أهم هيئة صحية على مستوى العالم كمنظمة الصحة العالمية، وما يصعب تصديقه هو أن يتمكن غول رأس المال المستثمر في صناعة الأدوية واللقاحات بالتعاون مع مثل هذا البروفسور من صناعة هذه الفزاعة وإثارة زوبعتها عالميا دون محاولة التحقق مما وراء ذلك.

ساعدت زوبعة المهرجانات الإعلامية التي تكفلت بنشر هذه الفزاعة غيلان رأس المال في ظل الانهيار المالي الذي حاق بمؤسساتهم في إعادة تنظيم صفوفهم وتحويل اهتمام الناس في البحث عن الأسباب الحقيقية للأزمة المالية وآثارها التي كانت تستقطب انتباههم إلى خطر كوني آخر إن في مشكلة المناخ أو انفلونزا الخنازير.

في غضون ذلك امتنع الكثير من الجمهور في جميع أنحاء العالم عن أخذ هذه اللقاحات بالرغم من توظيف كل مؤسسات الغيلان الإعلامية في الحملات الدعائية له لتعميم الخوف والهلع بشكل يدعو للسخرية ولكنها لم تنطلي على الجمهور وعادت الأزمة الاقتصادية الرأسمالية العالمية لتطل برأسها وخاصة إثر انهيار بورصة دبي مرة أخرى فتعود وتستحوذ على اهتمام الناس والشغيلة بالعالم التي تابعت التهام فرص عملهم وتقذف غيلان رأس المال بهم في سوقها الحرة لتزيد من نسبة جيش العاطلين عن العمل على مستوى العالم.

ويحق للمرء أن يتساءل: هل انتهت اللعبة بالنسبة لهؤلاء الحمقى ولمن يعتاش على فتاتهم؟ بالطبع لا فالغيلان تسعى لتحويل فقاعتها بعد أن اخترعوها كما عودتنا دائما، وهذا ديدنها، إلى حقيقة مطلقة، ولكننا بالتأكيد أيضا نهاية سلطة الوهم وصناعة الخوف والفزاعات.

المراجع والمواقع والمقالات التي اعتمدها المقال:

Video-Parodie auf die Klima-Illuminaten: Hide The Decline - Climategate

Doomdaily: Climategate - What it really means and why the Green Parties should be happy not angry.

Prisonplantet: Climategate: The Whitewash Begins

Doomdaily: Al Gore Flees in Panic from Chicago Book Signing

Youtube: Al Gore Sued By Over 30,000 Scientists For Global Warming Fraud

ScienceSkeptical: Das Ende der Klima-Wissenschaftlichen Glaubwürdigkeit - Ein Drama in 5 Akten

Climategate zeigt wie Wissenschaftler heute unwissenschaftlich vorgehen“:

Die Hintergründe der Schweinegrippe“, “Holländer Autor der neuen Grippen?

www.hartgeld.com:

نشرة اقتصادية موجزة (العدد 7)

30 يناير 2010

إعداد: الطّاهر المُعز

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2148 )

البطالة في العالم: بمناسبة انعقاد المنتدى الإقتصادي العالمي (دافوس - سويسرا)، أصدرت منظمة العمل الدولية تقريرا عن وضع العمال عام 2009: فقد 27 مليون أجير عملهم، منهم 12 مليونا في أمريكا الشمالية واليابان وأوروبا الغربية، كما تفاقمت بطالة الشباب، بزيادة 10 ملايين عاطل في السنتين الأخيرتين… هناك 600 مليون عامل فقير يعيشون مع أفراد عائلاتهم بأقل من 1,25 دولار في اليوم، و200 مليون آخرين لايتجاوزون هذا المبلغ إلا بقليل… قد يتجاوز عدد العاطلين في البلدان الفقيرة، أل15 مليوناً المعلنة في التقرير، لأن الإحصاءات غير دقيقة، وأحيانا غير موجودة، ولا توجد آلية لمساعدة العاطلين عن العمل… عن منظمة العمل الدولية 27/01/2010

الوضع الإقتصادي العالمي، عام 20010: تزامن صدور توقعات البنك الدولي لعام 2010 ( نشرت يوم الأربعاء 20/01/2010) مع توقعات قسم الشؤون الإقتصادية والإجتماعية في الأمم المتحدة. ويستشفّ منها أن معدل النمو سيبقى ضعيفا وأن حجم المبادلات، الذي انخفض بنسبة 14,4 بالمائة عام 2009، لن يرتفع سوى بمعدل 4,3 بالمائة عام 2010 وسينضمّ 64 مليونا (جدد) إلى من يعيشون بأقل من 1,25 دولار (راجع الخبر السابق عن البطالة في العالم)… أما إجراءات إنقاذ القطاع المالي فقد كلفت الحكومات (أي المال العام) 20 ألف مليار دولارا أو ما يعادل 30 بالمائة من إجمالي الناتج الداخلي العالمي، وبلغت تكاليف “خطط الإنعاش الإقتصادي” 2600 مليار دولارا… رويترز 20/01/2010

السعودية، فلوس النفط: حسب “الهيئة العامة للإستثمار” بلغ حجم استثمارات السعوديين خارج بلادهم 800 مليار دولارا عام 2009، واستقطبت السعودية استثمارات أجنبية بقيمة 38 مليار دولار “فقط”… صحيفة “الجزيرة” (السعودية) 24/01/2010

زراعة: يتوقع أن يبلغ إنتاج القمح في العالم 674 مليون طنا عام 2009، وسينخفض عام 2010 ليبلغ 653 مليون طن، على مساحة تقارب 221 مليون هكتار، ويتوقع بلوغ مخزونات الحبوب العالمية (وليس القمح وحده)، 385 مليون طن عند نهاية موسم 2009/2010… بعد الزيادة في أسعار المواد الغذائية عام 2008، عمدت عدة صناديق استثمار إلى شراء وتأجير واستئجار مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، حيث يوجد الفلاحون الفقراء، في أفريقيا وآسيا، وبدرجة أقل في شرق أوروبا… عن “البيان” (الإمارات) 23/01/2010

فلوس النفط، لإنقاذ الإحتكارات؟ يقدر “الإتحاد الدولي للنقل الجوي” خسائر هذا القطاع ب5,6 مليار دولار عام 2010، بعد أن بلغت 11 مليارا عام 2009 و17 مليار دولارا عام 2008، وانخفضت حركة نقل الركاب (عام 2009) بنسبة 3,5 بالمائة، ونقل البضائع ب10,1 بالمائة (أكبر انخفاض منذ الحرب العالمية الثانية)، وكانت أهم شركتين عالميتين لصناعة الطائرات (بوينغ الأمريكية وآروإير باص الأوروبية) مهددتين بعجز كبير، لولا الدول العربية النفطية التي أنفقت 60 مليار دولارا لتوفير البنية التحتية للنقل الجوي و 190 مليار دولار لتحديث وتطوير الأسطول وشراء الطائرات الضخمة… عن وكالة الأنباء السعودية واس 25/01/2010

الخليج، فلوس النفط: انخفضت عائدات النفط في بلدان مجلس التعاون الخليجي من 522 مليار دولار عام 2008 إلى 302 مليار دولار عام 2009، فبلغ النقص 220 مليار دولارا. في المقابل بلغت أرباح المستثمرين في سوق الأسهم 81,78 مليار دولارا (حلال أم حرام؟)، رغم الخسائر التي منيت بها أسواق البحرين والكويت… وكالة الأنباء القطرية 24/01/10 مصر- الإمارات: بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 1,5 مليار دولارا عام 2008، والإمارات ثالث مستثمر في مصر، في العقارات والإتصالات والطاقة والبنية التحتية، وفي مصر، توجد 475 شركة إماراتية… من تصريح ل”محمود محي الدين”، وزير الإستثمار المصري 24/01/2010

كندا، ولاية أمريكية؟ تعاني “الأنرو”ا من نقص كبير في الموارد، فقلصت خدماتها للاجئين الفلسطينيين المسجلين لديها (4,67 مليونا)، في 59 مخيم. تتكون ميزانية الأنروا من الهبات التي تقدمها المنظمات والحكومات وليست لها ميزانية ثابتة من الأمم المتحدة… في هذا الظرف بالذات، قررت كندا (التي كلفتها رسميا منظمة الأمم المتحدة بملف اللاجئين الفلسطينيين) إلغاء مساهمتها في تمويل الأنروا (حوالي 15 مليون دولارا سنويا)، وتحويلها إلى السلطة الفلسطينية “لمساعدتها على إصلاح النظام القضائي” في رام الله المحتلة (لتقديم مناهضي التطبيع للمحاكمة؟). عن جمعية “كنديون من أجل العدالة والسلام في الشرق الأوسط” 21/01/2010

المال “الحلال”: من المتوقع أن تتجاوز أصول التمويل “الإسلامي” تريليون دولارا عام 2010، ويتوقع أن تنمو بنسبة تبلغ 20 بالمائة سنويا في السنوات الثلاث المقبلة، بسببب الإقبال على هذا “المنتوج المالي”، من قبل دول مثل بريطانيا وأمريكا وفرنسا وألمانيا وقبرص… لجلب أموال النفط والخليج… ولأنه أقل مجازفة عند الإستثمار وعند تقديم القروض ولا يمول المشاريع إلا بعد دراسة جدوى يقوم بها لضمان الربح الوفير الذي “يتقاسمه” مع المقترض عن موقع آرابيان بيزنس 26/01/2010

الإمارات، ميزان ديموغرافي أعرج: تتوقع “هيئة تنمية الموارد البشرية” (حكومية) أن يصل عدد سكان الإمارات 7,55 مليون نسمة في نهاية العام، وأن تبلغ القوة العاملة 4,3 مليون(قرابة 57 بالمائة من السكان)، وهو وضع غير عادي، لأن المواطنين الإماراتيين لا يمثلون سوى 13,3 بالمائة من عدد السكان الإجمالي ولن يمثلوا أكثر من 9,8 بالمائة من قوة العمل، بنهاية 2010… “الحياة” 25/01/2010

الصحة، تجارة مربحة: أجرت عدة شركات للمخابر والأدوية دراسات عن “السوق الصحية” في دول مجلس التعاون الخليجي، فاستنتجت ان الإستثمارات الخاصة في القطاع الصحي تتراوح بين 50 و60 مليار دولار سنويا للسنوات العشر القادمة، وهو قطاع ذو قابلية للنمو والإستثمار “الآمن” والمضمون، ويعود ذلك إلى انتشار “أمراض الرفاهية” والتمدن، المكلفة طبيا، مثل البدانة وانسداد الشرايين وأمراض القلب والسكري… وتبلغ الإستثمارات الحالية في المشاريع الطبية والرعاية الصحية في الخليج، 14 مليار دولار… وردت هذه المعطيات على هامش “معرض الصحة العربي” المنعقد في دبي. عن موقع “الأسواق العربية” 26/01/2010

الصحة، تجارة مربحة (في الخليج): أنتجت شركة المخابر والأدوية “نوفارتيس” دواء لمعالجة بعض أمراض القلب، لكنها لم تتمكن من بيعه في أمريكا وبعض بلدان أوروبا، بسبب قلة التجارب المجراة قبل الترويج، ونقص المعلومات حول “النتائج العرضية” أو الثانوية عند تناوله، فكلفت طبيبا سويديا مشهورا، بتنظيم ندوات ودراسات “علمية” (تظهر محاسنه)، في مناطق ثرية يمكن ترويج الدواء فيها، فقام بندوات طبية ضمت 450 طبيبا في دبي وأبو ظبي وبيروت والكويت والدوحة، قبل انعقاد مؤتمر الصحة العربي بالإمارات (راجع الخبر السابق)، الذي سيخصص لأمراض القلب (بمحض الصدفة؟)، وهي فرصة لترويج هذا الدواء المرفوض أمريكيا وأوروبيا… استنتاجات من قراة موقع “نوفارتيس” وحديث لرئيس جمعية القلب الإماراتية، ودراسة بعنوان “غولف رايس”

الكويت، الصحة، تجارة مربحة: في إطار خصخصة القطاع العام والخدمات الأساسية، اتخذت دولة الكويت إجراءات لتشجيع الإستثمارات الخاصة في ميدان الصحة، معللة ذلك ب”تخفيف العبء على المستشفيات العمومية، ورفع العناء عن المرضى” فزادت الإستثمارات الخاصة عن 200 مليون دينارا كويتيا (دولار: 0,29 دينارا كويتيا)… الخبر ناقص في الأصل لأنه لا يذكر شيئا عن أرباح القطاع الخاص في مجال الصحة… القبس 24/01/2010

سوريا، انفتاح؟ نشرت وزارة السياحة السورية تقريرا يوم 24/01/2010 جاء فيه أن عدد السياح زاد بنسبة 12 بالمائة وبلغ عام 2009 أكثر من 6 ملايين، بمن فيهم حوالي مليون سوري مغترب، و3,5 مليون عرب وبلغت نسبة السياح الأتراك 32 بالمائة والأوروبيين 25 بالمائة والخليجيين 16 بالمائة، ولم تعط الوزارة معطيات عن مداخيل السياحة.

إيران: أعلنت وزارة الصناعة عن تراجع بنسبة 60 بالمائة للقدرة الإنتاجية الوطنية، للأجهزة والمعدات المنزلية، وأقفلت 60 بالمائة من مصانع الجلد والأحذية، خصوصا بعد إغراق السوق بالمنتوجات الصينية والتايلندية، وبلغ معدل البطالة عام 2009، نسبة 11,3 بالمائة رسميا، مرشحة للزيادة، نظراً لتراجع حجم الإستثمارات الداخلية ولتخفيض حجم الإستثمارات العمومية المخصصة للتنمية، في مشروع قانون الميزانية، الذي يدخل حيز التنفيذ في شهر مارس… وتضطر إيران إلى استيراد 40 بالمائة من حاجياتها من البنزين… عن موقع قناة “العالم” 24/01/2010

تركيا، سياحة: ارتفع عدد الزائرين الأجانب بنسبة 12,3 بالمائة، عام 2009، فبلغ 27 مليون سائح، غير أن معدل إنفاق السائح الواحد قد انخفض، كما هو الحال في عديد البلدان السياحية… رويترز 24/01/2010

أوروبا، توقعات: في تقرير عن وضع أوروبا، يتوقع “البنك الأوروبي للتعمير والتنمية” أن تبلغ نسبة النمو 13 بالمائة في تركمانستان، و 9 بالمائة في أذربيجان، و7,2 بالمائة في منغوليا، عام 2010. وعموما فإن اقتصاد شرق أوروبا وما يسمى بآسيا الوسطى (جمهوريات الإتحاد السوفياتي سابقا، المتاخمة لآسيا)، وروسيا وبولندة وتركيا وكازاخستان… سيشهد نموا أسرع من أوروبا الغربية، أما اقتصادات الدول الصغيرة، مثل المجر ودول البلطيق، فستظل في دائرة الركود… رويترز 24/01/2010

فرنسا، عجز قياسي: ورد في النسخة المعدلة للميزانية الفرنسية أن العجز بلغ 138 مليار يورو (198 مليار دولارا) عام 2009، ويتوقع أن يبلغ 149,2 مليار يورو (214 مليار دولارا) عام 2010 أي 8,2 بالمائة من المنتوج الداخلي الخام. خسر الإقتصاد الفرنسي 453 ألف وظيفة عام 2009، في القطاع التنافسي و373 ألفاً في القطاع غير التنافسي (القطاع العام، الجمعيات والمؤسسات غير الربحية)… عن موقع مجلة “لونوفال أبسرفتور” 20/01/2010

فرنسا، بين الشعار والممارسة: يشتكي 36 بالمائة من العاملين في القطاع الخاص و26 بالمائة من موظفي القطاع العام، من معاناتهم من التمييز والتفرقة (أثناء أداء عملهم)، بسبب الملة أو اللون أو الدين أو السن أو الجنس… (الخلط بين كل أنواع التمييز مقصود حتى تذوب العنصرية ضد العرب والأفارقة، داخل مجموعة كبيرة من أنواع التمييز الأخرى) ويقدر عدد الذين لا يعلنون عن تعرضهم للتمييز ب40 بالمائة من جملة المستهدفين وضحايا التمييز… في استجواب للمؤسسات الكبرى رفضت 76 مؤسسة من جملة 250، الإجابة عن أسئلة الباحثين المهتمين بموضوع التمييز في مواقع العمل. منظمة العمل الدولية 28/01/2010

ألمانيا، انكماش قياسي: نشر مكتب الإحصاء “ديستاتيس” تقريرا عن الوضع في ألمانيا، يستنتج منه أن 2009 شهد تراجعا قياسيا ب 5 بالمائة من إجمالي الناتج الداخلي وهو الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية، وتراجعت الصادرات بنسبة 14,7 بالمائة والإستثمارات الصناعية ب20 بالمائة… وأكد وزير الإقتصاد “راينر برودراي” صحة هذه الأرقام… ألمانيا أقوى اقتصاد أوروبي، وأول مصدر عالمي، قبل إزاحتها من قبل الصين عام 2009… رويترز 14/01/2010

“جنرال موتورز”، تسريح عمال: أعلنت الشركة الأمريكية عن حذف 8300 وظيفة في مصانع فرعها “أوبل” في أوروبا، وإغلاق أكبر مصانعها الواقع في “أنفارس” البلجيكية، نظرا للخسائر التي بلغت 88 مليار دولارا من 2005 إلى 2008، واستثمرت أكثر من 800 مليون دولار لإعادة هيكلة مصانعها في أوروبا… كانت مساعدات الدولة الأمريكية للبنوك وشركات صناعة السيارات، مشروطة بالمحافظة على الوظائف في أمريكا، والإستثمار فيها. رويترز 21/01/2010

“ماك دونالد”، زيادة إنتاجية العمال: رغم انخفاض المداخيل بنسبة 3 بالمائة، مقارنة بعام 2008، لتصل 22,74 مليار دولارا، عام 2009، فإن الربح الصافي زاد بنسبة 6 بالمائة، ليبلغ 4,55 مليار دولارا في العام المنقضي، وانخفضت المبيعات في الولايات المتحدة، بينما زادت في القارات الأخرى. ولهذه الشركة المعولمة، المختصة في التغذية الرديئة، 60 مليون مستهلك يوميا، عبر العالم… رويترز 22/01/2010

الصحة، تجارة مربحة: بعد فحص 60 شكوى، تقدم بها مرضى تناولوا دواءا ضد البدانة، منذ 2001، أعلنت المفوضية الأوروبية عن تعليق بيع أنواع الدواء التي تحتوي مادة “سيبولترامين”، وقد تسبب هذا الدواء في أمراض قد تؤدي إلى جلطة في الدماغ أو سكتة قلبية، وتنتجه وتسوقه الشركة الأمريكية “أبوت”، وهو ممنوع في عديد البلدان منذ 1997… ولكنه لا زال يباع في معظم الدول. أ.ف.ب. 22/01/2010

رياضة وبزنس: بعد طفرة الألعاب الأولمبية (بيكين 2008)، وفي انتظار كأس العالم لكرة القدم في يونيو/ حزيران القادم (جنوب أفريقيا 2010)، عرفت شركات الملابس والتجهيزات الرياضية صعوبات تمثلت في تقهقر المبيعات لأكبر ثلاث شركات عالمية: “نايك”، قدرت انخفاض مواردها عام 2009 ب4 بالمائة، و”أديداس”، بنفس النسبة تقريبا، و”بوما” ب5 بالمائة… هذه الأخيرة (ألمانية الأصل) قررت الضغط على المصاريف (لربح ما يعادل 150 مليون يورو) وإغلاق ثلث محلات البيع في العالم، وهي مملوكة لعائلة “بينو” الفرنسية، التي تملك مغازات راقية ومصانع عطورات وبنوك… أسوشيتد براس 15/01/2010 PINAULT

أمريكا، الحرب طريق لمحاولة حل أزمة الرأسمالية؟ بلغ عجز الميزانية الفدرالية الأمريكية 1400 مليار دولارا للسنة المالية 2008/2009 ويتوقع أن يبلغ 1500 مليار دولارا خلال السنة المالية الحالية، أي 10 بالمائة من المنتوج الداخلي الخام، حتى سبتمبر المقبل…تفاقم العجز يعود (جزئيا) لتخصيص 787 مليار دولارا في فبراير 2009 لإنقاذ المؤسسات (الخاصة) من الإنهيار… يقترح باراك أوباما (صاحب جائزة نوبل للسلام) تجميد المصاريف العامة حتى 2013، على الأقل، باستثناء ميزانية الحرب، وما أدرج في باب “الأمن” أ.ف.ب. 26/01/2010

الصين/الهند: أصبحت الصين ثاني شريك تجاري للهند، وبلغ حجم التجارة بينهما 50 مليار دولارا في العامين الأخيرين، بينما بلغت قيمة مشروعات البنية الأساسية للشركات الصينية في الهند 10 مليار دولار وكالة الأنباء القطرية 24/01/2010

الصين، طاقة: يتوقع أن يبلغ إنتاج الصين من الغاز الطبيعي 95 مليار متر مكعب هذه السنة، بينما تبلغ احتياجات الصين 110 مليار متر مكعب، والبقية تستوردها. يصل الغاز إلى مختلف مناطق البلاد عبر أنابيب يبلغ طولها حاليا 35 ألف كلم، ستصبح 100 ألف كلم بعد 5 سنوات، كما تعمل الصين على إنجاز مشاريع استخراج الغاز من البحار ومن الفحم لسد حاجياتها المتزايدة. وكالة “سينهوا” (رسمية) 23/01/2010

روسيا، استراتيجيا: أفاد البنك المركزي الروسي أن احتياطي الذهب والعملات الأجنبية بلغ 144,4 مليار دولارا في 15 يناير الجاري…

اتفقت شركتا “غازبروم” الروسية مع شركة النفط الوطنية الأذربيجانية، على شراء الأولى مليار متر مكعب من الغاز الأذربيجاني، أي ضعف الكمية المتفق عليها سابقا، وتعتزم روسيا رفع الكمية إلى ملياري متر مكعب عام 2011

وكالة “نوفوستي” 24/01/2010

البحث عن الزمن التائه (سيرة ذاتية فلسفية)

30 يناير 2010

د. هشام غصيب

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2148 )

اعداد “الافق الاشتراكي-” هذه المفكرة تأتي على خلفية أزمة أعيشها منذ مدة: أزمة تراجع عطائي الكتابي. لقد قررت أن أستأنف هذا العطاء بهذه الآلية الجديدة، علني أفلح في إحياء هذه الملكة،..

التي كادت مؤخراً أن تتلاشى، لماذا؟ لا أعرف تماماً. إنه بالتأكيد مرتبط بالتغيير الذي طرأ على ظروف حياتي في السنوات الست الأخيرة، أي منذ تسلمت مهماتي رئيساً للجامعة، حيث إن أعباء رئيس الجامعة أنهكتني ذهنياً، وربما وجدانياً أيضاً، وأفرغتني من طاقة التوتر الخلاق، والتي كانت تدفعني دفعاً إلى الكتابة كالمحموم. ولكن لابد أن هناك أسباباً أخرى لا تقل أهمية، وفي مقدمتها الأجواء العامة، أجواء ما بعد انهيار المشروع اللينيني الشيوعي بهذه الصورة المروعة وغير المتوقعة، تلك الأجواء التي اتسمت بسيطرة شاملة لقوى الثورة المضادة (النيوليبرالية، فلسفة ما بعد الحداثة، المحافظون الجدد، الصهاينة، الأصولية الإسلامية). إنها أجواء خانقة تقتل روح الإبداع الفكري لدى من يرفض الاعتراف في مشروعيتها. وبرغم استمرار إيماني بالضرورة التاريخية والمشروعية التاريخية للمشروع اللينيني الشيوعي، إلا أن انهيار راهنيته ليس بالأمر البسيط الذي يمكن تجاهله باسم يقينية فلسفية فكرية. كلا! فهو بالتأكيد واقع حارق يتغلغل في قلب نفس المثقف الملتزم ويشلها في الصميم

حتى الآن لم أتطرق إلى العوامل الذاتية. فلم أذكر سوى عاملي العمل المؤسسي والأجواء التاريخية الاجتماعية العامة. هل لهذا الإغفال مغزى؟ هل تؤرقني المسائل الذاتية إلى حد تعمد إغفالها؟ هل تأكلني همومي وهواجسي الذاتية من الداخل كالسرطان (الذي رأيته بأم عيني يلتهم أحشاء ابن عمي رقيب بنهم)؟ هل لشعوري بوطأة الزمن والمرض والموت ( موت الآخر القريب) دور في عزوفي عن الكتابة؟ هل لانغمادي الروحي والعاطفي دور في ذلك أيضاً؟

سأتحاشى الكلام في ذلك. ومسوغي في ذلك هو الآتي.

كنت دائماً أعيش لكي أكتب، لا أكتب لكي أعيش. لاحظها مرة مراسل كثير الغلبة في الشهور الأولى لالتحاقي بالجمعية العلمية الملكيـة عام (1976). إذ سمعته يقول آنذاك : ” هذا الدكتور لا يعمل شيئاً. انه يكتب فقط”. كانت الكتابة لدي مشروع حياة. إذ لا أتقن شيئاً غيرها ( أتقن الكلام، لكن بوصفه كتابة محكية). كانت بؤرة حماسي وعشقي وطموحي وتطلعي. لم يكن يمر يوم إلا وأكتب فيه. كانت كالجنس (كذا !) والأكل والشرب والنوم. كنت أكتب بولع وعشق؛ أمارس الكتابة وكأني أمارس الحب ( ولا أقول الجنس). كانت الكتابة أساس المعنى والانتماء والالتزام في حياتي. إنها فردوسي المفقود. والأهم من ذلك كله أنها كانت فعلاً مقدساً لديّ، وكأنها عبادة. لذلك كنت دائماً أمارسها ضمن حدود معينة، لأني كنت أتفادى تدنيسها. وأعني بذلك شيئين: أولاً، لم أكن أعد كل موضوع جديراً بأن تمسه الكتابة بقدسيتها. بل كنت أعد كثيراً من الموضوعات مدنسة لهذا الفعل المقدّس. لذلك كنت انتقائياً جداً في ممارسة الكتابة، رغم أني كنت أمارسها يومياً. كنت أتحاشى الكتابة عن ( أو بوحي من) هواجسي وعواطفي وشهواتي ومشكلاتي الذاتية. لذلك كنت أتفادى كتابة الرسائل الشخصية، وأحاول اختصارها والحد منها بقدر المستطاع، برغم غزارة إنتاجي الكتابي في موضوعات وبألوان أخرى. وانصبت كتابتي على الأفكار والمشكلات العلمية والفلسفية والاجتماعية التاريخية (معنى العلم ومغزاه وأسسه، معنى الفلسفة ومكانتها، إشكالات المعرفة، البنية الفكرية للنظريات الفيزيائية، معنى الجدل المادي وأهميته، العلاقة بين العلم والفلسفة، معنى التحرر القومي والاجتماعي، بنى المجتمعات وقواعدها، طبيعة الآيديولوجيا، معنى النقد ونقد الواقع والفكر، علم السياسة، معنى الثورة العلمية والاشتراكية، العلاقة بين الشرق والغرب، طبيعة الأدب). ولم تكن كتابتي في هذه الموضوعات مجرد بحوث ودراسات وشروحات وتحليلات باردة، وإنما كانت فعلاً ثورياً صراعياً يهدف إلى التغيير؛ المساهمة في تغيير علاقات القوى والتأثير في الوعي الجمعي، في سياق التحرر والتقدم والاستقلال والمساواة. لذلك جاءت هذه الكتابات مفعمة بالعاطفة والروح الموسيقي الأدبي، فكانت أشبه بالاحتفاء والغناء، الاحتفاء والتغني بالمعرفة العلمية والمنهجية العلمية وروح النقد الثوري والفعل التقدمي وقدرات الإنسان والإنسانية الخلاقة المبدعة. أجل، كانت أشبه بقصائد الغزل والهجاء والاحتفاء بمنجزات الحقبة الحديثة ونزعاتها الإنسانية وانفتاحها على اللانهاية الفعلية (المادية). ومع أني استفدت لاحقاً من هذه الكتابات في نشر بحوث علمية وفلسفية في مجلات محكمة، وترقيت وحصلت على رتبة الأستاذية استناداً إليها، إلا أنها لم تكن بحوثاً أكاديمية نمطية، وظلت مضمخة بروح الآلتزام الآيديولوجي والنفس الشعري الأدبي الغنائي، الأمر الذي عقد بعض الشيء تقبل الوسط الأكاديمي إياها.إن كتاباتي هي في جوهرها قصيدة حب متصلة موضوع عشقها هو العلم والفكر والثورة والتقدم والإنسان بصفته قوة خلاقة مبدعة قادرة على التغيير المنظم والسيطرة على الكون.

لذلك كله أنفر من تبذير هذا الفعل المقدّس ( الكتابة) وتبديده على إشكالات ذاتية محدودة أشعر أنها لا تليق به0 ولما انحسرت القضايا التاريخية الكبرى عقب انهيار المشروع اللينيني الشيوعي، في هذا الزمن الرديء، وبرزت بدلاً منه الصغائر والمصالح ” السوقية ” الصغيرة، كان من الطبيعي أن يتراجع إنتاجي الكتابي لأول مرة في حياتي منذ سني الطفولة الأولى. لدي بالطبع هواجسي وهمومي وعقدي ومخاوفي الشخصية ( خوفي من الشيخوخة والمرض والموت والخواء الروحي والانغماد العاطفي والإذلال اليومي وخدش كبريائي). لكني لا أشعر البتة بالحاجة إلى الكتابة عنها، بل وأخشى أن أدنس هذا الفعل المقدس بها. لكم مررت مؤخراً في حالات من الرعب والقلق الممض من تعقيدات الحياة حاضراً ومستقبلاً. لكم يرعبني المستقبل المنظور بما يحمله من إمكانات مرعبة بصددي وبصدد من أحب. لكن هذه الحالات لم تحركني قيد أنملة صوب ممارسة الكتابة. بل، على العكس من ذلك تماماً، فقد شلّت ملكة الكتابة لدي. ومن ذلك ينبع السؤال: ما الذي يولد الحاجة إلى الكتابة؟ إنه ليس بالضرورة المعاناة الذاتية. وأحسب أن العامل الأساسي هو العشق، بمعناه الواسع العريض. فالعشق قصدي Intentional في جوهره، كما قد يصفه هوسرل Husserl أو سارتر. لا بل إنه التجسيد الأكبر للقصدية. فهو أكبر تأكيد للآخر، أكبر خروج من الذات إلى موضوعها. إنه لحظة نفي الذات من أجل الآخر، لحظة ذوبان الذات في موضوعها. بذلك، فإن الكتابة هي لحظة عشق بامتياز، لحظة الخروج من الذات وآلامها وهواجسها البدائية ورعبها وتحسباتها صوب الموضوع المعشوق، لحظة الانبهار بالآخر إلى حد الرغبة في الذوبان فيه. إن الكتابة ليست عملية وصف، وإنما غناء، خلق، إبداع. إنها انبهار، وليست وصفاً محايداً. فالعاشق ليس محايداً، ولا يمكن أن يكون كذلك. خلاصة القول إن الكتابة فن خلاق، تخلق عملاً فنياً من الكلمات والألفاظ والمعاني. وعلى أي حال، فإما أن تكون كذلك وإما ألا تكون. وعليه، فإن جل ما يكتب لا يجوز أن نعده كتابة.

قلت إني عشت لكي أكتب، وليس العكس. وأقول ليس لحياتي معنى وطعم ونكهة من دون الكتابة. وعليه، يمكن القول إني لم أعش حقيقة في السنوات الخمس أو الست الأخيرة، لأني قلما مارست هذا الفعل المقدس في غضونها.

الإثنين (31/10/2005)

هناك علاقة جدلية بين القراءة والكتابة. فالقراءة هي أيضاً فعل مقّدس. ليس أي تشكيل من الكلمات والألفاظ يستحق أن يقرأ. والقراءة أيضاً فعل قصدي، بمعنى هوسيرل وسارتر. إنها تخرج الذات من جوانيتها الزائفة إلى الآخر الحي، أي تفتحها عليه وربما تذوب فيه كما ذات الصوفي في الذات الإلهية0 إن القارئ يمارس هناك فعلي الفهم والمخيال، وهما فعلان إلهيان مقدسان خلابان0 إن الإنسان لمعجزة حقاً بفضلهما0 تأملهما من فضلك : أن تفهم وأن تتخيل ! أليسا فعلين مدهشين حقاً؟ والقارئ يمارسهما من أجل بناء صروح من المعنى من متفرقات عامة، من إمكانات معنوية متعددة0 فالكلمات لا تعبر عن معاني بقدر ما تعبر عن فضاءات معنوية، أي حقل إمكانات معنوية0 والقارئ ينشئ الصروحات المعنوية من موارد هذه الفضاءات0 فالقراءة إذاً هي أيضا فعل إبداعي خلاق مقدس0 وبهذه الصروح المعنوية تطل الذات على الموضوع، على الذات الأخرى وعلى العالم0 وتنفتح عليه، وتخرج من قوقعتها المنغلقة0

إن القراءة هي أيضا نوع من العشق 0 إنها نوع من انغماس الذات في ذات أخرى، وكأن ذات القارئ تضاجع ذات المقروء وتلقح نفسها بذلك0

ولكن لربما ألجأ ِإلى تقديس الكتابة والقراءة كلتيهما لأنهما شكلا الممارسة الوحيدان اللذان أمارسهما، لأنني شئت أن أختزل حياتي برمتها إليهما. فلا أمارس الرياضة ولا اللعب بأصنافه المتنوعة ولا الجنس ولا الحب ولا الاقتتال ولا التنافس بأنواعه ولا المغامرة ولا ارتياد الحفلات والمناسبات الاجتماعية0 فقط الكتابة والقراءة؛ القراءة والكتابة0أحلى لحظات العمر وجدتها في القراءة والكتابة0 حتى لحظات الحب والشوق والعشق. لم تؤثر عليّ شخصية واقعية كما أثرت عليّ شخوص روايات تولستوي ودستويفسكي وشيخوف أو شخوص ملحمات غيته. لم تلهب عواطفي امرأة واقعية كما ألهبتها نتاشا أو غروشينكا أو دنيا أو أنا كارينينا. ولم تهزني علاقة حب واقعية كما هزتني موسيقى باخ وموتسارت وبيتهوفن. هل هو الرعب من الواقع والهروب منه؟ أم إنه الشعور الأفلاطوني بأن الواقع المعاش إن هو إلا ظل باهت للحقيقة المثالية، التي أسعى إلى تملكها عبر الكتابة والقراءة؟ أم إنها الإرادة للقوة، التي لا أجدها في الواقع المعاش، وإنما فقط في عالم القراءة والكتابة المتخيل؟ إن عالم الواقع المعاش لا أختاره، وإنما يختارني هو. إنه يسحقني سحقاً ويصادر حريتي ويذلني ويهمش إرادتي للقوة ولا أحقق فيه أيا من أحلامي وأهدافي. إنه عالم مغترب كلياً عن ذاتي. إنه عالم يسيرني مرغماً صوب حتفي. فهو عالم يسوده الاستغلال والظلم والقهر القومي. إنه العالم الذي ألحق الهزيمة تلو الهزيمة بي فرداً وأمة. والمرء بالطبع ينفر من بيئة عجزه، البيئة التي يشعر فيها بعجزه وضعفه. وأما عالم القراءة والكتابة، فهو عالم أختاره وأصنعه أنا نفسي، ومن ثم أجد فيه تعبيراً عن حريتي وقوتي وقدرتي على الخلق. إنه ملاذي الأول والأخير. إنه مصدر بقائي وسعادتي. هل في ذلك إدانة لذاتي، أم إدانة لعالمي، أم إدانة لكليهما؟ ليس هناك إجابة سهلة جاهزة. لكن السؤال يدفعني إلى النبش في الماضي، ماضي مسيرتي الذهنية.

في مرحلة شبابي المبكر، عانيت صدمة حضارية صاعقة بفعل حدثين أو سيرورتين: حرب حزيران 1967، وذهابي إلى بريطانيا عام 1967 من أجل الدراسة الجامعية0 الأولى وجهت لكمة هائلة ( ربما قاضية) إلى بنية وعيي التقليدي، الذي شكل أساسه الاعتزاز القومي والدين ( بمعناه الأخلاقي لا الطائفي العصبوي، إذ أفلحت في التغلب على الطائفية العصبوية مبكراً في حياتي). أما السيرورة الثانية، فقد حولت هذا الوعي التقليدي إلى ركام مذرى، محدثة فراغاً وجدانياً وفكرياً مريعاً في ذاتي. فانتقالي من عمان 1967 شبه الريفية المفعمة بالبراءة والسذاجة إلى بريطانيا المثقلة برأسماليتها الصناعية العريقة كان أقسى من أن يتحمله هذا الوعي التقليدي. إذ جابهتني هنالك أنماط من الوعي والفكر معقدة ومتعددة ولانهائية الانفتاح والجوهر أذهلتني بجراءتها وجنونها، وجعلت يقينياتي تبدو أشبه بالدمى الهشة أو بالسيوف الصدئة في مجابهة المدافع والصواريخ. أجل! لم تستطع هذه اليقينيات التقليدية أن تصمد طويلاً أمام هذا الفيض اللانهائي من الأفكار وأنماط الوعي والبنى الثقافية المعقدة. لكنها تركت آثارها العميقة الغور في نفسي قاعدة بلا صرح، أساساً بلا بناء، يدمي نفسي ويعذبها ويحول دون ولادة وعي بديل. أجل! لقد دخلت حيز العدمية، كما وصفها نيتشه في كتابه الذي نشر بعد وفاته بعنوان ” الإرادة للقوة “. كانت صدمة مريعة، لكن غير مكتملة. لذلك حالت مخلفات وعيي التقليدي المستترة خلف الركام دون انخراطي في البيئة الجديدة وتقبلها، فعشت معزولاً عنها في قوقعتي المحدودة وعالمي الفقير المغلق. لقد وصفت وعيي القديم بالتقليدي. ولربما من الأدق نعته بالوعي المسياني ( نسبة إلى المسيا المخلص) أو الوعي الخلاصي. ومع أن الصرح الفكري لهذا الوعي انهار ركاماً تحت ضربات البيئة الجديدة، إلا أن الوجدان الخلاصي ظل يفعل فعله في نفسي وفي سلوكي. لذلك شرعت أبحث عن نظم فكرية أخرى، غير التقليدية الموروثة، علها تركب على وجداني الخلاصي المكلوم. وبدأ الشك العدمي ( لا المنهجي الديكارتي، وإنما الهيومي) ينخر روحي نخراً0 وهذا ما قادني تحديداً إلى الفلسفة. بدأت أفكر فلسفياً، لا بفعل الكتب والنصوص الفلسفية، وإنما بفعل هذه الصدمة الحضارية وما نجم عنها من عدمية تامة. بدأت أدخل في ما أسميه خبـــرات فلسفيـــــة Philosophical Experiences هي خليط من الفكر والوجدان والتبصّر المباشر. وهذه الخبرات أو التجارب هي التي قادتني لاحقاً إلى النصوص الفلسفية. لذلك، وفي مرحلتي المبكرة، لم أكن قارئاً نهماً، كما هو حالي اليوم، وإنما كنت أمارس الشعور والتفكير والتخيل والخبرة الذهنية أكثر مما كنت أقرأ وأفسر وأمارس تأويل النصوص. أصبحت فيلسوفاً بالفطرة، إن شئت. لقد عشت الفلسفة قبل أن أقرأها. وإذا أردت مثالاً من التراث الفلسفي والأدبي على ذلك، اقرأ رواية سارتر، ” الغثيان “، التي نشرها عام 1938، قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية. فهي سجل روائي لخبرات فلسفية على غرار ما عانيته في شبابي المبكر. ذلك أن بطل الراوية، روكنتان، لا يفعل شيئاً سوى أن يعاني خبرات فلسفية معينة ( يمر بتجارب فلسفية معينة)، وعلى رأسها شعوره بالغثيان الاغترابي بصدد العالم والأشياء. والراوية على شكل مذكرات يسجل فيها روكنتان هذه الخبرات الفلسفية ويعبر عنها ويمارس التأويل بصددها. إنها بالفعل رواية فريدة من نوعها. ومن الواضح أن سارتر مر في تجارب فلسفية شبيهة، ولعلها كانت في أساس عمله الفلسفي العظيم، ” الوجود والعدم “.

هناك عاملان آخران قاداني إلى الفلسفة، هما : الشقاء القومي، الذي أثارته هزيمة حزيران 1967، وما أثاره فهم الفيزياء ( موضوع تخصصي) من إشكالات فلسفية. لكن العامل الأهم والحاسم كان الخبرات أو التجارب الفلسفية على غرار خبرات روكنتان الفلسفية.

بدأت أتساءل عن كل شيء بجدية. لم يكن يرضيني شيء ولا ترضيني إجابة ( طبعاً كان أول ما انهار هو المعتقدات الدينية؛ وليس هذا بمستغرب في ضوء هشاشتها الفكرية). وكنت إذا تناولت شيئاً، أي شيء، أفككه وأمزقه وأعبث به وأقلبه كيفما شئت، ثم أتساءل حول كل جوانبه، بما في ذلك وجوده، ثم أتساءل حول هذه التساؤلات، وهكذا صوب الشك اللانهائي Ad Infinitum. لقد أصببحت مونتينيا ( نسبة الى مونتين الفرنـسي Montaigne) وهيوميـا ( نسبة إلى هيوم الإسكتلندي)قبل أن أقراهما. ووجدت نفسي أحلل ما حولي ومن حولي وأحلل ذاتي بصورة متواصلة، وأنا أجوب شوارع تشسترفيلد، ثم شوارع ليدز، في بريطانيا، وفي أثناء تناولي الوجبات الغذائية، وفي غضون انتظاري الحافلة (الباص)، وفي أثناء اغتسالي، سواء بسواء0 كنت أحلل الأشياء والوجوه والعواطف والإيماءات والغمزات واللمزات والعواصف والأفكار والتجارب والخبرات، المعرفية والجمالية والأخلاقية والاجتماعية0 وأفقت على نفسي لكي أجد العالم والذات مجرد كومة من الانطباعات الضبابية المبهمة0 أجل! قادني ذلك كله إلى الشك في إمكانية وجود العالم بصفته كيانا موضوعيا (وليس فقط الشك في وجوده)، وفي إمكانية وجود الأنا أو الذات، بل وفي إمكانية الفعل المشروع الهادف، أي في إمكانية المعنى والهدف والمرمى0 وعبرت لاحقاً عن هذه الخبرات الذهنية في عدد من الدفاتر (غير المنشورة والمكتوبة باللغة الإنجليزية)وعدد من المسرحيات الفلسفية ( أيضاً غير المنشورة والمكتوبة باللغة الإنجليزية ) 0 والاستثناء الوحيد المنشور وباللغة العربية هو مسرحية “غسق الآلهة”، التي كتبتها بعيد عودتي إلى الأردن من بريطانيا عام 1976، قبل أن أعين في الجمعية العلمية الملكية، ونشرتها على حسابي الخاص عام 1979 0 والجدير بالذكر أنها لم توزع في الأردن، سوى بضع نسخ وزعت على سبيل الإهداء 0 ذلك أن الذي تولى توزيعها (طبعت منها ألف نسخة فقط) شاء أن يوزعها في دمشق فقط، ولا أدري بالضبط ماذا فعل بها هناك: هل باعها جميعاً أم ظلت حبيسة المستودعات ( الموزع هو المرحوم يعقوب الدجاني)0

لقد شعرت بشقاء فلسفي ممض بنتيجة هذه التجربة الفلسفية النابعة من صدمة حضارية عاناها مثقف أردني عربي بوعيه المحدود التقليدي البسيط0 كيف لا وقد استحال عالمي بقطبيه الموضوعي والذاتي ركاماً وحطاماً! كيف لا وقد انتفت إمكانية العالم والذات والفعل الهادف! لقد عانيت العدمية الإمبريقية الوضعية والشكلية السلبسية Solipsism في صميم ذاتي ووجداني 0 فلم تكن بالنسبة إليّ مجرد موقف عقلي استقيته من الكتب والنصوص، وإنما كانت معاناة حياتية دفعني إليها وضعي المغترب: بدوي أردني تائه في خضم المتروبلس الرأسمالية 0 لقد كان وضعاً مريعا بحق0 وكان لابد أن أبحث عن مخرج من وضعي اليائس هذا0 كان هناك الأدب الرفيع : أدب تولستوي ودستويفسكي وغيته0 وكانت هناك الموسيقى الكلاسيكية : باخ وموتسارت وبيتهوفن وفاغنر وبروكنر وماهلر0 هزتني من الأعماق، لكتن لم تفلح في إخراجي من الحلقة الشيطانية0 فواصلت بحثي المحموم عن مخرج يحرّك في ذاتي مكامن الحياة والأمل 0 فقرأت كانط وأدهشتني مثاليتة وعقلانيته المتعالية، لكنها لم تغر في صميم عقلي، وظلت عدميا حتى النخاع0ثم قرأت شوبنهاور ووقعت تحت تأثير سحر تشاؤمه المطلق0 لكن قراءته عززت عدميتى المطلقة وأوصلتني إلى طريق مسدود0 وبالطبع، فإن شوبنهاور قادني إلى نيتشه، الذي يفترض أنه ثار على شوبنهاور وقوض أركان فلسفته أو قلبها رأساً على عقب 0 وأقبلت بنهم على نيتشه، وخصوصا على “هكذا تكلم زرادشت”، فصرت أعده إنجيلي0 وهذا ما صرحت به للمرحومة نورما قراعين حين عدت لمدة شهر واحد إلى عمان عقب حصولي على البكالوريوس في الفيزياء من جامعة ليدز في بريطانيا0 بل وأعطيتها نسخة من “هكذا تكلم زرادشت” حاثا إياها على قراءته0 لقد سحرني نيتشه بأسلوبه وفكره كليهما، وصرت أنادي بأفكاره حول أخلاق العبيد وأخلاق السادة والنخب الأرستقراطية وما إلى ذلك، وتأثرت بأسلوبه اللاذع إلى حد تقليده في كتابتي 0 لكنه لم يرحني البتة، وإنا عزز شعوري بالعدمية المطلقة والقرف من الوجود الإنساني.

وفي الآن ذاته، دخلت متاهات الفلسفة اللغوية التحليلية، وصرت أمارس لعبة تفكيك الجمل والكلمات علني أستخرج من ذلك منهجا لممارسة الحياة0 وقادني ذلك إلى فقر فكري وخواء وجداني أليمين، ومرة أخرى إلى طريق مسدود في فهم الحياة والتعاطي معها، بل حتى في فهم الفيزياء والتعاطي معها.

وفي تلك الأثناء، كنت أنزع إلى نفي العالم والذات وتأكيد الوعي البحت الخالي من أي مضمون0 إذ بهرني هذا الوعي البحت واعتبرته أساس أي وجود، بل إني كنت أعرف الوجود بدلالته0 وكونت تصوراً أنطولوجيا شبيها بالتصور الذي طرحه جان بول سارتر في ” الوجود والعدم”، ولم أكن قد قرأت هذا الكتاب بعد0 لقد تصورت الأمر آنذاك على صورة وعي بحت خال من أي مضمون يجابه فيضا من الموجودات ( الأفكار والعواطف والانطباعات الحسية وما إلى ذلك)، التي تتساوى معاً من حيث وجودها وموجوديتها، وتكتسب وجودها من حيث كونها قابلة لآن تُعى0 وحرت في أمر هذا الوعي البحت الفتان0 إنه ليس شيئا بالتأكيد، لكنه ليس عدماأيضا0 وبلغ افتتاني به أن حاولت بناء فلسفة كاملة على أساسه، بل وحاولت تأويل النصوص الدينية به0 وعلى سبيل المثال، قرأت اليوبانيشادات Upanishads الهندوسية بدلالته وأقنعت نفسي أن براهما هو الاسم الهندوسي للوعي البحت، وشكلت جدولاً يبين أوجه التماثل بين الطرفين0 وحين تسنى لي أن أقرأ ” الوجود والعدم” بعد ذلك بسنوات، تبين لي مدى التطابق بين تصوري العدمي ذاك والتصور الأنطولوجي السارتري، على الأقل فيما يتعلق بطبيعية الوعي السارتري Pour soi 0

ومل لبثت أزمتي الروحية أن قادتني إلى التراث الظاهراتي، إلى هوسيرل وسارتر0وبدأت بقراءة ” أفكار” هوسيرل0 لكن الذي لفت نظري فيه لم يكن نص هوسيرل في حد ذاته، وإنما اقتباس في مقدمة الكتاب من هيغل0 شعرت حينها وكأن تيارا كهربائياً مس ذهني، وكأن حجبا وقشوراً سقطت من عيني0 لم تكن معاني هيغل في حدّ ذاتها هي التي صعقتني، وإنما روحيته وطريقته ومنطقه0 لقد اكتشفت في هذا الاقتباس ( الأرجح أنه من “ظاهراتية الروح”) روحية جديدة غير الروحية التي اعتدت عليها في الفلاسفة الآخرين، روحية خالية من العدمية المطلقة التي أفسدت حياتي وعززتها قراءة الفلاسفة المحدثين0 ها قد بدأ يتراءى لي إمكانية تخطي الحلقة المفرغة التي وقعت فيها؛ بهذه الروحية الجديدة، روح هيغل الجدلية 0

وفي هذه الأثناء أيضا، وقع بين يدي كتاب صغير بعنوان “الماركسية والمسيحية” لديفد مكليلان، على ما أذكر 0 وهنا أيضا، فإن ما لفت انتباهي لم يكن نص مكليلان في حد ذاته، وإنما الاقتباسات من ماركس وإنغلز وهيغل في مقدمات فصول الكتاب 0 ومرة أخرى وجدت هذه الروحية الطازجة الجديدة تطل عليّ من بين ثنايا الكلمات الشرارات، وتثير في ذاتي بهجة وحماساً للحياة لم أعرف مثيلا لهما منذ سني طفولتي 0 بل إن ما سبق أن وجدته في هيغل من هذه الروحية الجديدة وجدته مضاعفاً في ماركس0

ثم وقع بين يدي “التاريخ والوعي الطبقي” لجورجي لوكاتش، حيث شاع هذا النمط من الكتب في الجامعات البريطانية في النصف الأول من سبعينيات القرن العشرين بتأثير اليسار الجديد0 وما إن بدأت بقراءة مقالة لوكاتش الأولى في هذا الكتاب المتميز، وهي بعنوان” ما هي الماركسية الأرثودكسية؟”، حتى أيقنت أني بإزاء روحية تاريخية جديدة لا تقتصر على مفكر بعينه، وإنما تعبر عن حركة بكاملها، وعن طبقة تاريخية برمتها وحقبة تاريخية كاملة0 وهنا أيضا، لم تكن المعاني والأفكار في حد ذاتها هي التي صعقتني بقدر ما كان الروحية والإيقاع الثوري0

وأخيراً وليس آخراً، وقع بين يدي ” في المسألة اليهودية” و ” أطروحات حول فويرباخ” لكارل ماركس، واللذان توجا بفعلهما تجربتي الفكرية الجديدة0 ولم يكونا، بالنسبة إلي، مجرد نصين، وإنما كانا فيضا من الشرارات اللامعة الحارقة0 فبالإضافة إلى أسلوبهما النقدي اللاذع، أشرقتا بموضوعية والتزام بالحقيقة قل نظيرهما، ولا يقبلان أي تسوية أو مهادنة مع الباطل والتحيزات الموروثة، بل ويتخطيان الانتماءات والولاءات العصبوية التقليدية جميعاً صوب الحق وحرية الإنسان وروحه الخلاقة0 كنت مهيئاً تماماً لمثل هذه النصوص الماركسية 0 لذلك كنت أقول دوماً إني اكتشفت الماركسية بوصفها المخرج الوحيد من الحلقة الرأسمالية المغلقة قبل أن أقرأ ماركس0 فهذا الاكتشاف هو الذي قادني إلى قراءة كلاسيكيي الماركسية، وليس العكس0 وبالتأكيد، فإني لم أصل إلى الماركسية عبر الأدبيات السوفييتية أو الأحزاب الشيوعية التقليدية 0 لقد كانت الماركسية بالنسبة إليّ مسألة حياة أو موت، أي كانت مخرجاً (مؤكداً للحياة) من الحلقة المفرغة للعدمية المطلقة0 لذلك فإن الأحداث، التي قادت إلى إلغاء المنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفييتي، لم تمس ماركسيتي في الصميم0 وهي لم تدفعني البتة إلى التخلي عن الماركسية أو التشكيك في جدواها المعرفية والعملية، لأني أصلاً لم أصل إلى الماركسية عبر الاشتراكية القائمة بالفعل ( عبر الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية والأحزاب الشيوعية)، ولأني اكتشفت الماركسية اكتشافاً، ولم أقم بتبنيها تلبية لحاجات ومصالح وعلاقات غير عقلية، ولأن اكتشافها جاء انقاذاً لي وحلاً لمأزق فكري روحي0 وقد حار معارفي وزملائي من اليساريين وغير اليساريين في أمري، حين لاحظوا إصراري على الماركسية وحملتي النقدية ضد الانحرافات اللبرالية لليسار العربي تحديداً، وظنوا أنه مجرد أصولية وتعصب، مع أني حاولت أن أفسر الأمر لهم مراراً وتكراراً، وحاولت أن أميز بين الماركسية بصفتها منهجاً جدلياً ثوريا إنسانوياٍ وبين آيديولوجيا السلطة السوفييتيـة ( ما قبل الماركسية، وربما ما قبل الكانطية)0 ولكن، عبثا0 إذ لم يكن وعيهم الميكانيكي التبسيطي ( ربما العسكري) مهيأ لاستيعاب هذا الموقف الجدلي المعقد0 إن تجربتي الفلسفية عبر السنوات دلتني على أن الماركسية هي موقف من الحياة مطابق للحياة في تاريخيتها0 إنها مخطط للفعل التاريخي لا غنى عنه في حقبة الحداثة وما بعد الحداثة 0 وهذا المخطط هو فضاء من المسارات والاحتمالات، وليس مساراً أحاديا تحدد أبديا عام 19170 وبالطبع، فإن هذه مسألة فلسفية في غاية الأهمية والتعقيد، وسأعود إليها في الأيام القادمة 0

بعد اكتشاف أسس الماركسية، انطلقت في رحابها من أجل تملك مناهجها المعرفية والعملية أداة في تملك نفسي والعالم حولي في سياق الفعل التغييري الواعي 0 ولكن ما هي هذه الأسس التي اكتشفتها وقلبت حياتي رأساً على عقب؟

إن القفزة الكبرى، التي أحرزتها في سياق انتقالي من الفلسفة البرجوازية إلى الماركسية، تمثلت في انتقالي من الوعي المسياني الخلاصي، الذي ينفي مادية العالم ومادية الإنسان، إلى الوعي المادي الجدلي، الذي يؤكد هذه المادية0 لقد كنت أنظر إلى نفسي على أني روح محض معذب تقيده المادة بقوانينها الصارمة ويصبو إلى خلاصه الأبدي0 ومصدر عذاب هذا الروح هو الشهوات والحاجات الدنيوية المادية0 فبرغم انهيار وعيي التقليدي القومي الديني بفعل هزيمة حزيران وصدمة الانتقال إلى مجتمع رأسمالي عريق، فإن مخلفات هذا الوعي، أو قل الكثير من أسسه، ظلت راسخة في ذاتي تعوق تقدمها وتحررها 0 وفي مقدمة هذه الأسس المسيانية أو الخلاصية0 إذ ظلت هذه النظرة كامنة وراء فكري وممارستي ووجداني طوال المدة التي تلت انهيار وعيي التقليدي وحتى اكتشاف الماركسية والالتزام بها0 وبرغم دخولي في تجارب فلسفية جديدة وغوصي وجدانيا في محيط الفلسفة الأوروبية الحديثة ( البرجوازية)، إلا أني عجزت عن تخطي هذه الأسس المسيانية، بمعنى أن هذه التجارب والقراءات لم تكن رافعة كافية لتخطيه0 وفجأة، وأنا في عزّ قنوطي الفلسفي، وأنا في مجابهة الجدار الذي أوصلني إليه طريق الفلسفة الأوروبية البرجوازية المسدود، إذا بالقشور والحجب والغيوم تنقشع، وإذا بالنور يبدد الظلمات، وإذا بالإدراك الجديد يهبط على ذهني0 إن الإنسان ليس روحاً محضاً يبحث عن خلاصه الأبدي في مجابهة حشد من الشهوات والحاجات المادية التي تعوق حركته0 كلا! إن الإنسان كائن بيولوجي اجتماعي عاقل فاعل يتطور ويسعد ويحقق ذاته ويتملك العالم ومصيره وتاريخه عبر توليد ٍ حاجاته وسدها بالإنتاج، أي عبر الخلق والإبداع في سياق تطويع ذاته وبيئته0 فالشهوات والحاجات ليست معوقات ومشكلات، وإنما هي آليات الحياة والوعي والسعادة والتاريخ0 وما نفي الدين والمسيانية إياها سوى نفي للحياة ذاتها، كما لاحظ نيتشه تحديداً 0 وجدت نفسي، بفعل هذا التبصر، أؤكد الحياة والشهوات والحاجات ومتع الحياة والانطلاقات الخلاقة المبدعة للإنسان: تأكيد الجسد وكل ما يمت له بصلة ( الحب، والشبق، والرياضة، والرقص، والمسرح، والفن، والموسيقى )، وتأكيد الإنسان قوة خلاقة مفتوحة على اللانهاية قادرة على تحدي الوجود بلانهائيته0 ولكم أدركت وقتها خطل مساري المسياني الذي نشأت عليه وقيد حياتي، ولكم تقت إلى الخروج منه0 كم تقت إلى ممارسة الحياة بتنوعها ولانهائيتها0 لقد كانت الماركسية العين التي أبصرت بها الحياة والعقل والتاريخ والطبيعة والإنسان0 لكني أدركت في الآن ذاته أن الخروج من دائرة المسيانية الخلاصية إلى رحاب جدل الخلق والإبداع ومتعة الحياة ليس بالأمر الهين0 إنها ليست مسألة ذاتوية إرادوية0 فوعيها ليس ضمانة كافية لتحقيقها0 لقد وعيت الأمر تماماً، ولكن ظل السؤال قائماً: هل يمكن أن أعيش ما وعيته؟ وخيم علي حزن لطيف دافئ آنذاك مبعثه هذا الوعي ممتزجاً بالشعور بأني لن أستطيع أن أعيشه، لأن وجداني ظل عدميا مسيّانيا، حيث إنه تشكل أصلا على هذا الأساس وما كان بالإمكان تغيير ما اعتاد عليه أصلاً0

أمام هذا الوضع المتناقض، ماذا كان عليّ أن أفعل؟ أتذكر القرار المصيري الذي اتخذته آنذاك 0 كنت في طريقي إلى مكتبة جامعة ليدز (بريطانيا) الجديدة، تلك التي قضيت فيها أحلى أيامي وساعاتي 0 أظن أن ذلك كان عام 1975، عام أوج اليسار الجديد، عام خروج الإمبريالية الأميركية مهزومة من فييتنام0 وكنت أهجس بوضعي المتناقض والتناقض القائم في ذاتي بين الحاضر والماضي، بين عقلي ووجداني،بين الماركسية والمسيانية0 وفجأة هبط على ذهني القرار المصيري الآتي : لقد أدركت حقيقة العالم والإنسان 0 وهذا شئ حسن 0 كنت متوهماً حول ماهيتهما 0 أما الآن، فإني أدرك تماماً ماديتهما وجدليتهما0 وهو إدراك يملأني غبطة وحماساً 0 لكني موقن بأني لا أستطيع أن أجسد هذا الإدراك ممارسة ووجدانيا 0 لم تهيئنى حياتي لذلك البتة0 لم تزودني بالمهارات والأدوات لكي أعيش هذا الإدراك واقعاً وفعلاً0 ستظل معوقات وعيي السابق المفوّت قائمة تشلني وتحول دون ممارستي الحياة كما يجب0 فليكن ! لقد وضعت نصب عيني مهمة إبراز الحقيقة التي أدركتها، وإيراد الأدلة عليها، والبرهان عليها0 بل وسأكرس حياتي من أجل بيان أنها الحل الجدلي لتناقضات الفلسفة البرجوازية، وأنها حقيقة المثالية الألمانية (وبالذات كانط وهيغل) الكامنة فيها، بل وأنها حقيقة ظواهرية هوسيرل الكامنة فيها أيضاً0 وسأعد كل شيء ثانويا بالنسبة إلى هذه المهمة التي تنتظرني 0 سأعيش وأحيى من أجل هذا الإدراك وهذه الحقيقة0 إن تكويني الذهني النفسي نظري في جوهره 0 إني مجرد ذهن يدب على الأرض (يمشي) لا أكثر ولا أقل0 لذلك لا أجرؤ على أكثر من ذلك0 حبذا لو كان الوضع يسمح بتجسيد هذا الإدراك عمليا وحياتيا وسياسيا0لكنه لا يسمح بذلك0 وعليه، فلا سبيل إلا للفعل النظري 0 وهي مهمة نبيلة جليلة تستلزم بذل جهود جبارة، على أي حال0

هذا ما قررته آنذاك، وهذا ما سرت عليه مذّاك0 ألا يفسر الكثير من سلوكي وترتيباتي وأوضاعي؟

:::::

“الافق الاشتراكي”

http://socialisthorizon.net

موقف الكاتب الأردني صالح القلاب من الموقف من نتنياهو!!

29 يناير 2010

يحيى أبوصافي ـ القاهرة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2147 )

نشرت جريدة الرأي الأردنية مقالة تحليلية للموقف الأردني من رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو، وقد عبر عن ذلك الموقف الكاتب الصحفي المخضرم صالح القلاب[1] بتاريخ 27/1/2010.. وأقدم فيما يلي قرأة تحليلة للمقال المنشور على الرابط التالي:

http://www.alrai.com/pages.php?opinion_id=12345

ملاحظة : فيما يلي مقال الكاتب صالح القلاب، ثم القرأة التحليلة والتي آثرت أن تكون ملاحظاتي على ما ورد في المقال بالحرف الغامق.

الموقف من نتنياهو!!

حتى لو صحت تسريبات الصحف الإسرائيلية وثبت أن مسؤولاً إسرائيلياً زار عمان فعلاً لتلطيف الأجواء المتلبدة بغيوم القطيعة شبه التامة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فإن هذا لا يغير المواقف الأردنية طالما أن المسألة ليست مسألة حبٍّ وكره وأمزجة شخصية وطالما أن الهدف هو الضغط على الإسرائيليين لحملهم على الإلتزام باستحقاقات السلام والتخلي عن تصرفات وسياسات وزرائهم التدميرية.

الموجبات المتعلقة بعملية السلام وبجوهر القضية الفلسطينية وباستئناف المفاوضات المتوقفة هي سبب توتر العلاقات الأردنية مع بنيامين نتنياهو حيث منذ عودة رئيس الوزراء الإسرائيلي للحكم مجدداً لم يكن هناك إلا لقاء واحد بين جلالة الملك عبد الله الثاني وبينه وهو اللقاء الذي استغرق خمس دقائق فقط وجرى في أحد ممرات مقر الأمم المتحدة في نيويورك في نحو منتصف أيار (مايو) العام 2009.

من حيث مستلزمات العمل السياسي والدبلوماسي العام فإنه لا ضير في التعاطي مع إسرائيل بنفس مستوى التعاطي مع أي دولة غير عربية من دول هذا العالم أما وأن القضية الفلسطينية هي معيار مستوى العلاقات والتعاطي اليومي مع هذه الدولة فإنه أمر طبيعي أن تكون هناك شبه قطيعة تامة مع نتنياهو وألا يكون هناك أي اتصال مع أفيغدور ليبرمان وأن يكون الابتعاد عنه كالابتعاد عن أي مصاب بداء « الجذام « فالأردن بالأساس ينظر إلى اتفاقية وادي عربة من زاوية استخدامها لمصلحة الشعب الفلسطيني ولمصلحة قضيته التي هي قضية أردنية وقضية عربية.

إنه أمر طبيعي أن يكون الموقف الأردني هو هذا الموقف فعندما يتبع نتنياهو منذ عودته إلى الحكم في ضوء آخر انتخابات إسرائيلية سياسة هدفها تدمير عملية السلام وعندما يمارس كل هذا القمع ضد الشعب الفلسطيني وعندما يعتدي اعتداءً واضحاً، منهجياً ويوميّاً، على الحق التاريخي للعرب والمسلمين والمسيحيين في القدس وعندما تشن إسرائيل تلك الحرب المجرمة على غزة فإن أقل ما يمكن أن يفعله الأردن هو استخدام اتفاقية وادي عربة، كما هي العادة منذ توقيع هذه الاتفاقية، لمصلحة الشعب الفلسطيني وقضيته.

لكن ولأن هذا الموقف هو موقف سياسي يبقى خاضعاً لأي تحول أو تغيير في السياسات الإسرائيلية تجاه عملية السلام وتجاه استحقاقات استئناف المفاوضات وتجاه الممارسات اليومية ضد الشعب الفلسطيني إن في الضفة الغربية وإن في غزة وهنا وإذا كان هناك بدايات انفراج وإن محدود في الاستعصاء الذي واجهه جورج ميتشل منذ بداية مهمته في الشرق الأوسط فإنه شيء طبيعي أن يتعاطى الأردن مع هذا الانفراج بكل مرونة وكل إيجابية.

لا يوجد في العمل السياسي أسود وأبيض فقط ففي الكثير من الأحيان يصبح ضرورياً ولزوماً الدخول في المساحات الرمادية وهذا هو ما بقي يفعله الأشقاء المصريون منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد وهو ما بقي الأردن يفعله منذ توقيع اتفاقية وادي عربة في العام 1994 فالهدف دائماً وأبداً هو إسناد الشعب الفلسطيني في كفاحه البطولي والعظيم وهو دعم القضية الفلسطينية التي هي في الوقت ذاته قضية أردنية وقضية عربية.

صالح القلاب

* * *

موقف الكاتب الأردني صالح القلاب من الموقف من نتنياهو!!

جاء في مقالة الكاتب المضامين الملتبسة والتي لابد من إعادة تحليلها وصولاً إلى توضيح للموقف الذي يتبناه الكاتب والذي عادة ما يتبنى موقف النظام الرسمي الأردني، وقد جاء في مقالته:

حتى لو صحت تسريبات الصحف الإسرائيلية وثبت أن مسؤولاً إسرائيلياً زار عمان فعلاً لتلطيف الأجواء المتلبدة بغيوم القطيعة شبه التامة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو .. يفتتح الكاتب مقالته الإشارة إلى تسريبات إسرائيلية لأمر غير معلن، ويحاول أن يسوَّق العفة والطهارة عن الحكومة الأردنية وكأنها خرجت للتو مطهرة ومبرأة من أي علاقة مع مسؤولين إسرائيليين، متناسياً أن العلاقات الصهيونية/الأردنية ضاربة جذورها منذ أن وطأت أقدامهم أرض فلسطين، والزيارات المعلنة منها والسرية قائمة على قدم وساق منذ نشوء اسرائيل وحتى تاريخ كتابة المقال، ولا تحتاج تلك العلاقات الفاضحة لغربال كي تغطيها..وكأن وجود السفير الإسرائيلي(وهو مسؤول رفيع المستوى،لاشك) يعفي عمان من متانة العلاقات مع العدو الصهيوني، وفي ذات السطر من المقال (يلطف الكاتب من لغته تجاه تلك العلاقات إلى درجة التأدب في الكلام عن المسؤولين الإسرائيليين( لتلطيف الأجواء المتلبدة بغيوم القطيعة)، ويؤكد وبشكل مرتبك على ( أن تلك القطيعة ليست كاملة/ وإنما شبه قطيعة..ومع من؟؟ مع بنيامين نتنياهو والذي لوقدر له إرتكاب 10 مجازر في 10عواصم عربية لفعل.

ويكمل الكاتب صالح القلاب.. فإن هذا لا يغير المواقف الأردنية طالما أن المسألة ليست مسألة حبٍّ وكره وأمزجة شخصية وطالما أن الهدف : لاحظوا الهدف من وجهة نظر القلاب { هو الضغط على الإسرائيليين لحملهم على الإلتزام باستحقاقات السلام والتخلي عن تصرفات وسياسات وزرائهم التدميرية.}.. يرى القلاب أن المواقف الأردنية غير مرتبطة بعواطف وأشجان وأحاسيس، وأمزجة شخصية، وكأن الصراع مع العدو الصهيوني مبني على مثل تلك الفرضيات..ولكنه هنا ينفيه عن الموقف الأردني..يؤكد في الجزء الأخر من الفقرة على أن هدف القوة الدولية/ السياسية/الإقتصادية/ العسكرية الأردنية الضغط على اسرائيل لحملها على الإلتزام بإستحقاقات السلام!!! وأقف عند كلمة استحقاقات، تلك الكلمة التي إهترأت من كثرة استعمالها من قبل عَرّْابي الصحافة الأردنية: فما الذي تعنيه بالضبط؟ وما هو السلوك الذي تبديه إسرائيل منذ توسمات السلام الأولى معها نحو ما يصطلح على تسميته( إستعباطاً) بإستحقاقات السلام؟ فإستحقاقات هنا ( مفردها استحقاق/استيجاب: الإلتزام بتأدية حقوق موجبة قِبل عاقدي إتفاق بين طرفين )!! وفي ظل جرائم اسرائيل منذ نشأتها كياناً معادياً لكل ما هو فلسطيني، وعربي، بل وإنساني، ما هي استحقاقات السلام والتي سوف يضغط بها الأردن(بكل قوته)على اسرائيل لتحقيقها؟ بماذا سيضغط؟ ومن أجل ماذا سيضغط؟ ومتى؟ وكيف؟ ولو وظفنا هنا كل أدوات الإستفهام في اللغة العربية؟ ماذا سينتج من ذلك الضغط؟ وماذا يتوسم الموقف الأردني من نتنياهو وباقي الطاقم الإجرامي الإسرائيلي؟

ويؤكد القلاب أن الموقف الأردني يسعى إلى تخلي ورزاء اسرائيل عن تصرفاتهم وسياساتهم التدميرية!! وكأن الإحتلال الصهيوني لفلسطين، والصراع العربي مع القوى الإمبريالية المرتبطة عضوياً بالمشروع الإحلالي الإستيطاني هي بوجهة نظر الكاتب التسطيحية ( محض تصرفات وسياسات مدمرة وليست مشروعاً إستعمارياً تراكمياً سيأكل الأخضر واليابس في كل أرجاء الوطن العربي، وأطماعه لا تقف عند إحتلال فلسطين فحسب.. وكأن أولئك الوزراء هم رؤساء بلديات يتصرفون بلا مسؤولية في بلد كاتب المقال!!


الموجبات المتعلقة بعملية السلام وبجوهر القضية الفلسطينية وباستئناف المفاوضات المتوقفة هي سبب توتر العلاقات الأردنية مع بنيامين نتنياهو .

هنا يصل الكاتب إلا أسس العلاقة بين الموقف الأردني والقضية الفلسطينة حيث يتبني وبشكل ملتبس تفسير تلك العلاقة بموجبات متعلقة بعملية السلام، وبربط غير مفهوم بين تلك الموجبات و وجوهر القضية الفلسطينية، وإستئناف المفاوضات المتوقفة.. ولم يبن ولو بكلمة واحدة ماهية موجبات عملية السلام، وعلى من تقع تلك الموجبات؟ وما هو جوهر القضية الفلسطينية( هل جوهرها تلك الموجبات أم أستئناف المفاوضات، ام ماذا؟

مغفلاً الحديث طبعاً عن الجوهر الأساسي للقضية الفلسطينينة، هو إحتلال أرض عربية أسمها فلسطين، وطرد شعب أسمه الشعب العربي من فلسطين، ومغفلاً بتعمد واضح الحديث عن الأسس الأخرى المتعلقة بالقضية الفلسطينية ، كالقدس، واللاجئين،والحدود،والمياه، والمستوطنات، والمجازر الجماعية والفردية، وجداري الضم والإحلال العنصريين، وأسس الصراع مع العدو الصهيوني الأخرى المرتبطة بإعادة إستعمار البلاد العربية بثوب أمبريالي أمريكي صهيوني، تحت خريطة شرق أوسط جديد.

وبإستخفاف غريب يوضح الكاتب أن( توتر) تلك العلاقة مع الكيان الصهيوني والذي أختزله الكاتب بشخص بنيامين نتنياهو، مجرد موجبات متعلقة بعملية السلام، وبجوهر( ملتبس) للقضية الفلسطينية، وبمفاوضات متوقفة.. وبعد ذلك العلاقات ممتازة وسمن على عسل.

حيث منذ عودة رئيس الوزراء الإسرائيلي للحكم مجدداً لم يكن هناك إلا لقاء واحد بين جلالة الملك عبد الله الثاني وبينه وهو اللقاء الذي استغرق خمس دقائق فقط وجرى في أحد ممرات مقر الأمم المتحدة في نيويورك في نحو منتصف أيار (مايو) العام 2009.

يعود كاتب المقال هنا ليؤكد بوضوح أن المسألة بين الأردن وإسرائيل خاضعة للأمزجة الشخصية والذي قد نفاه في بداية مقالته من: ( أن المسألة ليست مسألة حبٍّ وكره وأمزجة شخصية)، حين يؤكد على أن عودة رئيس الوزراء الإسرائيلي للحكم مجدداً هي سبب القطيعة، ويكشف وبشكل طفولي (ما يراه تهمة أو جريمة ولكن مبررة لو كان لبضع دقائق!!) عن: أن اللقاء بين الملك الأردني ورئيس الوزراء الإسرائيلي كان لمرة واحدة، ولمدة خمس دقائق، وفي أحد ممرات مقر الأمم المتحدة!! متناسياً أن إسرائيل وعلى مدار تاريخها الستيني لم تتوقف ولو لحظة واحدة عن متوالية جرائمها بحق الإنسانية جمعاء، وليس بحق الفلسطينيين وحدهم، وهاهم مسؤليها- وليس نتنياهو وحده- مطلوبين كمجرمي حرب في شتى البلدان ومنها بريطانيا- الحليفة التاريخية لإسرائيل- بينما يروق للكثير من البلدان العربية- ومنها الأردن- إحتضان أولئك القتلة، وكأن شيئاً لم يكن!

من حيث مستلزمات العمل السياسي والدبلوماسي العام فإنه لا ضير في التعاطي مع إسرائيل بنفس مستوى التعاطي مع أي دولة غير عربية من دول هذا العالم .

يقدم القلاب هنا وصفة (سحرية) بمستلزمات العمل السياسي والدبلوماسي العام. بحيث أنه لا يرى أي ضير في التعاطي مع إسرائيل بنفس التعاطي مع أي دولة غير عربية:

وهنا لا بد من وقفة :

- إسرائيل ليست دولة طبيعية لا بالنسبة للأردن ولا بالنسبة لمصر، ولا حتى بالنسبة لفنزويلا التي تقع في أقاصي الأرض عن (الأردن )البلد المكمل التاريخي لفلسطين العربية، و الإمتداد الجيوبولتيكي لسوريا التاريخية.

- أن اطماع اسرائيل ( اسرائيل الكبرى) تمتد حتى تصل أعماق الرويشد في الصحراء الشرقية للأردن إن لم تتعدَ ذلك إلى الفرات في الأراضي العراقية، وقد تعدت - فعلاً- من بوابة الإحتلال الأمريكي للعراق.

- أن القبول بالتعاطي بأي مستوى مع إسرائيل هو خيانة وطنية وقومية وإنسانية حدت بالعديد من المؤسسات والأفراد والمنظمات الغربية الإعلان عن عدم التعاطي مع ذلك الكيان المجرم، وأن الدعوة للتعاطي مع اسرائيل هو دعوة للخيانة، والدعوة للتعامل مع عصابات صهيونية( هي الآن جيش الإحتلال الإسرائيلي)، هي عمالة لم تألفها لا الأعراف والمبادئ العربية الأردنية، ولا الواقع اليومي الأردني في كافة ظروفه وصوره.

- أن أولويات العمل السياسي ( الحفاظ على الحقوق الوطنية أو القومية) وأن أولويات العمل الدبلوماسي العام هو( الحفاظ على السيادة وكرامة الأمة)، وفي الأولويتين فإن التعاطي مع إسرائيل من منطلق العمل السياسي فيه مساس بالحقوق الوطنية الأردنية، وقد شكلت إتفاقية وادي عربة مساساً واضحاً للمكتسبات الوطنية عندما أسست لباكورة التفريط بتلك الحقوق، وكذكلك فسياسة التطبيع التي أنتهجها النظام الأردني شكلت اكبر أستنزاف لتلك الحقوق. وأن التعاطي من منطلق العمل الدبوماسي قد أضر بسمعة وكرامة وسيادة الأردن بإرتهانه للسياسات والإستراتيجات الأمريكية والتي هي ليست بعيدة- أبداً- عن المصالح والأهداف الأسرائيلية.. فما بال كاتب المقال وأن أكثر من نصف سكان بلاده هم من اللاجئين الفلسطينيين والذي أرتكبت - ولا زالت- ترتكب أسرائيل بحقهم أبشع صور الجرائم من قتل، وتشريد، وتعذيب!

أما وأن القضية الفلسطينية هي معيار مستوى العلاقات والتعاطي اليومي مع هذه الدولة فإنه أمر طبيعي أن تكون هناك شبه قطيعة تامة مع نتنياهو وألا يكون هناك أي اتصال مع أفيغدور ليبرمان وأن يكون الابتعاد عنه كالابتعاد عن أي مصاب بداء « الجذام « فالأردن بالأساس ينظر إلى اتفاقية وادي عربة من زاوية استخدامها لمصلحة الشعب الفلسطيني ولمصلحة قضيته التي هي قضية أردنية وقضية عربية.

هنا يبني مرة أخرى كاتب المقال معيار مستوى العلاقات والتعاطي( اليومي) بين الأردن وإسرائيل على الموقف الشخصي من نتنياهو، وعلى موقف أكثرشخصانية وطفولية من أفيغدور ليبرمان( وهو بأي حال من الأحوال ليس مصاب (بداء جذام) كما يصف الكاتب، بل هو مسؤول الخارجية الأسرائيلية ولوزارته فرع رئيسي في منطقة الرابية بعمان، والإبتعاد عن فرعه في عمان ليس بفعل (داء الجذام) وإنما بفعل الأمن الأردني المكثف حول السفارة الإسرائيلية هناك!

ولا أدري ما هو الأساس الذي ينظر أليه الكاتب من ان الأردن ينظر إلى إتفاقية وادي عربة المشؤومة من زاوية أستخدامها لمصلحة الشعب الفلسطيني!! وأين هي مصلحة الشعب الفلسطيني من بند قبول الأدرن كحاضنة توطينية للاجئين الفلسطينيين، وطوقاً امنياً تدفع الأردن خيرة شبابها من خلاله لخدمة امن أسرائيل، ومصالح أسرائيل، وأين هي مصالح القضية الأردنية بتلك الإتفاقية والتي أتفق مع الكاتب على أن قضية الأردن هي جزء من القضية العربية.


إنه أمر طبيعي أن يكون الموقف الأردني هو هذا الموقف فعندما يتبع نتنياهو منذ عودته إلى الحكم في ضوء آخر انتخابات إسرائيلية سياسة هدفها تدمير عملية السلام( عملية السلام مدمرة أساساً من قبل إعتلاء نتنياهو سدة الحكم في الكيان الإسرائيلي)وعندما يمارس كل هذا القمع ( ليس قمعاً بل مجازر وجرائم تطهير عرقي، وإستيطان، وعنصرية، وأطماع حقيقة في الأمتداد إلى الأراضي الأردنية على أعتبار أنها جزء من إسرائيل الكبرى) ضد الشعب الفلسطيني وعندما يعتدي اعتداءً واضحاً، منهجياً ويوميّاً، على الحق التاريخي للعرب والمسلمين والمسيحيين في القدس( ليس إعتداءاً وحسب وإنما تهويد وإبداة جماعية)وعندما تشن إسرائيل تلك الحرب المجرمة على غزة فإن أقل ما يمكن أن يفعله الأردن هو استخدام اتفاقية وادي عربة، كما هي العادة منذ توقيع هذه الاتفاقية، لمصلحة الشعب الفلسطيني وقضيته.

يولح الكاتب هنا بإتفاقية وادي عربة كتهديد حقيقي لإسرائيل، وكأن معاهدة وادي عربة ( أسلحة نووية ودمار شامل سوف ترتعد إسرائيل لمجرد التلويح بها من قبل الأردن)، والكاتب يعلم تمام العلم ، أن معاهدة وادي عربة هي ورقة بيد إسرائيل وليس الأردن.. وأسأل هنا بكل وضوح هل الكاتب على حق حينما يقول (فإن أقل ما يمكن أن يفعله الأردن هو استخدام اتفاقية وادي عربة، كما هي العادة منذ توقيع هذه الاتفاقية) ؟..بمعنى كم مرة أستخدمت الأردن معاهدة وادي عربة لمصلحة الشعب الفلسطيني؟!

لكن ولأن هذا الموقف هو موقف سياسي يبقى خاضعاً لأي تحول أو تغيير في السياسات الإسرائيلية تجاه عملية السلام وتجاه استحقاقات استئناف المفاوضات وتجاه الممارسات اليومية ضد الشعب الفلسطيني إن في الضفة الغربية وإن في غزة وهنا وإذا كان هناك بدايات انفراج وإن محدود في الاستعصاء الذي واجهه جورج ميتشل منذ بداية مهمته في الشرق الأوسط فإنه شيء طبيعي أن يتعاطى الأردن مع هذا الانفراج بكل مرونة وكل إيجابية.( هل يتعاطى النطام الرسمي الأردنى بغير المرونة مع كافة التحولات السياسية في الصراع العربي/الصهيوني، لاسيما بعد إتفاقية وادي عربة؟ والطلوب هنا ليس تحريك القوات المسلحة الأردنية تجاه جسر الملك حسين، أو قصف المستوطنات المحاذية للحدود الأردنية الفلسطينية، فذلك أمر تشيب له الولدان، وإنما فقط الحق الدبلوماسي السيادي، بطرد السفير الإسرائيلي، أو إلغاء معاهدة وداي عربية والتي يدعي الكاتب أن الأردن طالما ( أستخدمها لمصلحة الشعب الفلسطيني).

لا يوجد في العمل السياسي أسود وأبيض فقط ففي الكثير من الأحيان يصبح ضرورياً ولزوماً الدخول في المساحات الرمادية، وهذا هو ما بقي يفعله الأشقاء المصريون منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد وهو ما بقي الأردن يفعله منذ توقيع اتفاقية وادي عربة في العام 1994 فالهدف دائماً وأبداً هو إسناد الشعب الفلسطيني في كفاحه البطولي والعظيم وهو دعم القضية الفلسطينية التي هي في الوقت ذاته قضية أردنية وقضية عربية.

وثمة وقفة أخرى أمام عبارة الأشقاء المصريين التي أوردها الكاتب :

- ماذا يعني الكاتب بالإشقاء المصريون؟ هل يعني الشعب المصري، أم النظام السياسي، فإذا كان يعني الشعب المصري بكافة شرائحه وقواه، أوضح له بأن الإشقاء المصريون أقاموا الدنيا ولم يقعدوها على مكتبة الأسكندرية العريقة لمجرد أنها طرحت إستضافة أكاديميين أسرئيليين، مما حدا بإدارة المكتبة على إلغاء ليس فقط تلك الإستضافة التطبيعية، وإنما ألغت الفعالية ذاتها تحت الضغط الشعبي والإعلامي، كذلك لم تسلم الصحافية هالة مصطفى رئيسة تحرير مجلة الديمقراطية من الهجمة الإعلامية والتي أطاحة بها نقابياً، بسبب إستقبالها للسفير الإسرائيلي، هؤلاء هم الأشقاء المصريون الشعب، وليس النظام السياسي، ويخطئ الكاتب في الإستشهاد بهم مثالاً على الدخول في المساحات الرمادية التي يدعو الكاتب -لزاماً- الدخول إليها.

- أما إذا كان يعني النظام السياسي المصري( المتخبط في كل سياسته الخارجية والداخلية ) ويتخذه مثلاً يحتذى به في التكنيك السياسي، فأوضح هنا بإن ذلك النظام مازل يمعن بإصرار في تنفيذ الأجندة الأمريكية والإسرائيلية بحذافيرها والذي وصل إلى حد حصار المحاصرين في غزة، بمعبر، وجدران فولاذية، والتضييق على حملات التضامن الدولية، ولا يصلح حتى بنظر المصريين أنفسهم لاعباً جيداً في كل المساحات سواء البضاء أو السوداء، ولا الرمادية وليس مثالاً جيداً الإستشهاد ً ببطولات خرقاء للسياسة السادتية المنحرفة، وكأنه - وهو السياسي الأردني المحنك- لم يقرأ مذكرات كيسنجر عندما كان متفاجئ إلى درجة الذهول من مقدار التنازل المصري، والذي لم يكن هو ولا المسؤلين الإسرائيلين يتوقعوه من الجانب المصري في إتفاقية الذل والعار (كامب ديفيد) التي ما زالت مثلاً يحتذي به عند الكثير من عرابي العمالة العربية، بدليل أن الكاتب يزاوج ما بين الموقفين المصري والأردني ويضرب مثلاً معارك السادات الخائبة( الخائنة) في المساحات الرمادية، تلك المساحات والتي لازل متكسبي السياسة والصحافة العربية التظلل بها بحجة دعم القضية الفلسطينية والتي كما يؤكد الكاتب قضية أردنية وقضية عربية.


[1] وهو وزير الاعلام الاردني الاسبق ـ المحرر.

في رحيل هووار زين Howard Zinn: يُبعثون بموتهم، وبوعيهم نحيا ويُبعث الآتون لا ريب

29 يناير 2010

هاوارد زِنْ…تشفى بك المطبعون

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2147 )

همدت شحنة حياة مقاومة ومشتبكة على طريقتها، حتى الرعشة الأخيرة كان وعيه على الزناد، لكن وعي الموت أوسع وأفظع. إنما لم يقضِ الرجل مهزوماً. قاتل بالوعي. ولعمري، وبعد انهيار أهل الاشتراكية المحققة وتمفصلاتهم الممغنطة بالتأثير في بلدان المحيط بما فيها الأرض المحتلة، فإن سلاح الوعي هو الأهم. نعم، البندقية في يدك، لكن الوعي منك وفيك. والوعي قوة نكتسبها من اليومي والتاريخي من الاشتباك من التحدي من برد الزنازين وتساقط الرفاق جرحى وصرعى وحتى مهزومين، من الصمود وحتى من الخيانة، ومن عدم الوفاء لنا وللقضية/القضايا.

فالوعي المبني على أرض الواقع المعاش لا يخون حامله، ولا يسمح له بالخيانة ولا حتى عدم الوفاءْ، وبهذا يعود الوعي ليفعل كما بدأ وكان، اي كقوة مادية ولكن هذه المرة بحضور اقوى وبعمق ابعد، وبمديات لا تعرف الحدود.

هاوارد زِن، من القلة التي تقرر هيَ الرحيل لتفسح للآتين مساحة ومتسعاً. زاهد في العمر كما في مادياته، وليس مُمسكاً عن الناس، كل الناس أنَّى كانوا، عطائه وعلمه. مواطن، مفكر وميداني، بل مشتبكاً مع أوغاد العولمة، وكم امرىءٍ يقوى على هذا!

زِن مؤرخ ومحاضر جامعي، لكنه تميز بامرين آخرين على الأقل:

□ رافض ومناضل ضد التفرقة العنصرية في البلد العنصري الأول، الولايات المتحدة. لا تحتاج هناك حتى لفرك جلد أي أبيض حتى يبدو الطفح العنصري بما يناقض كلمات الدستور الأميركي الذي يتفاخر به اللبراليون العرب!. الدستور الوحيد الذي فيه مادة تشرِّع اقتناء البندقية The Rifle Law. هناك فقط وأساساً تعرف ما معنى الأبيض، الحقد الأبيض، والبرد الأبيض، والعقل الأبيض، وحتى نصف الأبيض. وهناك تحديداً، وحين التفكير بالأبيض، اعتمد قلبك.

□ ورافض مبكر للعدوان الوحشي على فيتنام، وفيتنام هي لاحقا العراق وأفغانستان ويوغسلافيا والصومال، وبينهن ومنهن وفيهن فلسطين والعديد ممن سيأتين!

تعرفت إليه من بعيد. كنت قرأت بعض اعماله، لكنني عرفته في معتقل سلطة الحكم الذاتي 1999.

كان ذلك أن اتصل أحد باسم السلطة هذه وقال لزوجتي لدينا وفدا اقتصاديا دولياً ونريد د.عادل كي يشارك في النقاش. اتصلت بي عناية وكنت اشتغل في المزرعة الصغيرة التي اغتالتها حواجز الاحتلال في الانتفاضة الثانية، وظهري يؤلمني من صب بعض الإسمنت.

عدت للمنزل، أخذت (دوشا) ولبست بدلة ورباط عنق أحمر، فحينما اقابل الخصوم من أي نوع، أفضل أن اشتبك حتى بمظهري. وفي لحظة مغادرة المنزل اتصل أخي كريم:

- هلى سمعت الأخبار؟

- لا كنت في المزرعة

- لقد اعتقلت السلطة د.عبد الستار قاسم.

إذن ليس الأمر نقاشاً اقتصاديا. تباً لي كم أنا ساذجاً أو بسيطاً كما وصفني الرفيق د. مفيد قسوم، وهو صادق لا شك. فأنا لم اتحدث مع السلطة في شيىء إطلاقاً، كيف صدَّقت!

عدت ولبست جينز .

قال يزن،

- أفهم أن يعتقلك اليهود والعرب، ولكن حتى هؤلاء؟

- قلت ساشرح لك بعد الاعتقال.

تناولت كتاباً دون أن التفت. وفي الطريق كان كتاب هاوارد زِنْ :لا يمكنك أن تكون محايداً في قطار متحرك You Can’t be Neutral in a Moving Train

كان الرجل صديقي هناك في البرد السياسي والوطني والإنساني.

إن كان لي أن اقول لمن صمدوا على المبادىء، إقرأوا الرجل، وبقرائته ستعرفوا جيداً قيمة نضالكم ضد التطبيع.

مارثون السلطة سيكون مكلفا للعراقيين قبل وبعد مسخرة الانتخابات!

28 يناير 2010

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2146 )

بدأ مارثون التفجيرات الانتخابية مجددا، والاجهزة الامنية وكاشفات المتفجرات الفاسدة فيها تقف عاجزة كعجز العملية السياسية وحكومتها عن حل اي مشكلة حقيقية من مشاكل العراق المتفاقمة!

ثلاث انفجارات قوية تهز بغداد، والحكومة الروزخونية غاطة بالفساد الذي لا ينتج فقط مفخخات وعبوات واحزمة ناسفة وانما زلازل وكوارث تفجع قارة باكملها!

بعد مارثون مطول من الجر والعر توافق المتحاصصون على نسب الغنائم وضمانات عدم ضياع اي مقعد من مقاعدها، فكل مقعد غنيمة لها مالها وليس عليها الا ان تتوافق مع ارادة المحتل الضامنة الوحيدة للبقاء في السلطة بانتخابات او دونها!

زادوا عدد المقاعد بمقدار 50 مقعدا ـ من 275 الى 325 ـ لتوزع على جميع المشتركين بجريمة مصادرة حقوق المواطن لحساب الطوائف والاعراق والعشائر، وبدون استثناء لكي لا تختل توازنات النسبة والتناسب!

بعد المارثون اعلاه ابتدأ مارثون اخر خاص بقانون ولجنة الاجتثاث وقراراتها باجتثاث قوى مهمة في المارثون التنافسي على حصاد البرلمان القادم والذي يراد له ان يجير ويأبد طائفيا وعرقيا، وطال المطال به انتظارا لاعلان صفارة الراعي جو بايدن، وفعلا حل الراعي وحلت معه الحلول!

عملية سياسية لا تعيش دون ضامن، عملية متصالحة مع الفساد الجارف، وحكومة كل وزير فيها يستخدم مالها العام الثابت والمتحول لاستقطاب الاصوات التي ستعيده الى نفس الوزارة، واحزاب تهرب النفط وتسرق البنوك وتستولي على المال العام وترتشي من المقاولين ومخابرات دول الجوار لتمويل حملاتها الانتخابية حتى تعود الى نفس مقاعدها، هذا هو هرموني قانون الانتخاب القديم الجديد!

بكل فخر واعتزاز تحصل دولة الاحتلال والفساد في العراق على شهادة جديدة ومكررة تثمينا لدور العملية السياسية وحكومتها وبرلمانها من اقدر منظمة دولية محايدة تراقب اداء دول العالم ـ منظمة الشفافية العالمية ـ تعلن فيها ان العراق وافغانستان والصومال هم اكثر دول العالم شذوذا وفسادا وفشلا واهدارا! وورد هذا التقدير الجديد في التقرير السنوي الذي صدر مؤخرا عن المنظمة المذكورة والمشفوع بارقام وملاحظات مذهلة عن الاهدار والرشاوى وغياب الرقابة والمحاسبة وعن تواطوء القائمين على الامر وانغماسهم في هذه الاعمال التي تسري من القمة للقاعدة وهو يمتاز بكونه فسادا شاملا ومتداخلا!

نجد ان هناك ربطا سياميا نسبة للتوائم بين الحالة التي تعيشها افغانستان والعراق. فهذان البلدان يعايشان جوهراً واحداً ـ احتلال ومحاولة اقامة دولة مصطنعة تلائم مشيئة المحتل ـ في ظل ظروف متشابهة رغم الفوارق الكبيرة بين حجوم الاهدار ومقدار سيولة الفساد المستشري وتلازمه سياسا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا والاختلاف النوعي بين التطلع المقاوم في كلا البلدين بحكم اختلاف البنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بينهما، المفارقة انه ورغم هذا الاختلاف لكن محصلة الظروف المتشابهة التي يعيشها البلدين تعطي نتائج تكاد تكون متطابقة، ففي العراق ثروات متراكمة ثابتة ومتحولة وجارية من العوائد المجزية لاقتصاده الاستخراجي وتحديدا من بيع النفط الخام والتي لا يقابلها شيء في افغانستان غيرعوائد انتاج الافيون ورشاوى جحافل المحتلين انفسهم!

الحقيقة ان الفساد العراقي اعظم واكثر اجراما وذلك لانه لا يبدد الثروات المادية فقط وانما الثروات الروحية والثقافية ايضا والتي لا تقدر بثمن فهي تتجاوز مسألة القتل العشوائي او المنظم للكفاءات والعقول والخبرات والمناخات الانتاجية الطبيعية لها، وانما آليات فسادها تستدعي تعطيل استخدام تلك الخبرات المتبقية والمجسدة بالملاكات والكادر المتوفر اواقصاءه واجباره على الهجرة لتفرغ الساحة من اثمن راسمال يمكن ان يملكه اي بلد الا وهو الخبرات المتخصصة وفي كافة المجالات ـ اساتذة المدارس والجامعات، الاطباء، المهندسين، الصيادلة، العلماء، الطيارين، ومبدعي الادب والفلسفة والفكر، وعلماء الاقتصاد والسياسة واللغات ووو ـ ففي العراق الفاسد اليوم نجد انحطاط شامل في التعليم العمودي والافقي ـ الرداءة والقحط في البنى التحتية اضافة الى انحطاط المستوى النوعي للاداء بسبب فقر هذه البنى للكادر المؤهل وعلى كافة المستويات ـ فاصبح التزوير هو السمة العامة ولم تعد الشهادة الجامعية العراقية معترف بها، بل حتى امتحانات البكلوريا لم تعد فيصلا يعتد به بين المراحل ماقبل الجامعية، انه الانحدار الشامل الذي يتسرب وبسرعة ليشمل المناهج ايضا ـ لا تعليم الزامي ولا مجاني ولا هم يحزنون، كما لا تطبيب ولا دواء مجاني ولا خدمات عامة فكل شيء فاسد، حتى مكونات البطاقة التموينية يتسرب الفساد لمكوناتها، ليس للفساد حدود انه يتلف كل شيء، الجيش والشرطة وحرس الحدود، الجامعة والجامع، القاضي والمحكمة، فلا هيئة نزاهة تنفع ولا تفتيش ورقابة ولا حلف على القرآن او حلف بالعباس ينفع، لان القانون نفسه فاسد ومؤسساته فاسدة ومن يشرعه فاسد، وما بني على فساد فهو فاسد!

حتى الان لا توجد عدادات صالحة لحساب النفط المصدر، حتى الان لا يعرف كميات النفط التي تنتج من الحقول الواقعة تحت تصرف البارزاني والطالباني والتي تباع من قبل مافياتهم بالسوق السوداء عبر الصهاريج الى مقاولي دول الجوار، حتى الان لم يعرف كم هي عمولات وزارات التجارة والصناعة والدفاع والداخلية والصحة والاسكان والكهرباء من الصفقات والمزادات، حتى الان لم تسترجع ممتلكات الدولة ـ اراضي ومباني وبعض المشاريع ـ التي سيطرت عليها الاحزاب والميليشيات، حتى الان هناك مبالغ وبملايين الدولارات تهدر باسم شهداء وهميون وعائلات وهمية وتذهب لجيوب جماعة بدر وشهيد المحراب وحزب الدعوة، حتى الان هناك البلايين تهدر بسبب الرواتب المكررة والمزدوجة منها تقاعدات للمتضررين والمسجونين والمفصولين من الوظيفة لاسباب سياسية واللذين ساهموا بالنضال المسلح لتحرير العراق الامريكي ووو وهي محصورة لجهات بعينها ـ الاحزاب الطائفية والعنصرية، فيلق بدر والبيشمركة ـ اما عينة امتيازات الوزراء ومجلس النواب فانها قطرة من بحر الفساد الذي لم يكشف منه حتى الان سوى النزر اليسير!

القادة السياسيون يزورون شهاداتهم المدرسية والجامعية، ويزورون معها حقائق عن ممتلكاتهم وما جمعوه من اموال خلال فترات توليهم السلطة، انهم وقبل كل شيء يزورون ارادة الشعب ويضللوها لانهم بدون ذلك سيكونون لا محال خارج السلطة!

حتى سجلات حصص البطاقة التموينية يتم حلبها، فهناك مسجلون اما هجروا او قتلوا او خرجوا ولم يعودوا، وهم بمئات الالاف بل بالملايين، على الورق يحسبون وكانهم حاضرون، اما حصصهم فيستلمها عنهم المستلمون، حتى اصواتهم يستخدمها رغما عنهم المزورون، لكم ان تحسبوا مقدار الاوراق الانتخابية المزورة التي توضع في صناديق الاقتراع لاحقا، وهي مستورة لان لا احد يستطيع ان يعرف كم العدد الحقيقي للمصوتين الفعليين، وكم هو العدد الحقيقي للذين يحق لهم التصويت في هذه المحافظة او تلك او في هذا القضاء او ذاك او في هذه الناحية او تلك. اما المقيمون في الخارج فهم اصلا خارج تغطية حسابات البطاقة التموينية فبينهم من هو مقيم في الخارج منذ ثورة 14 تموز او منذ 63 او منذ الحرب العراقية الايرانية، او منذ فرض الحصار الظالم، ثم منذ احتلال العراق وحتى الان، طبعا هناك الالاف من مسيحيي العراق وتركمانه من هو مهاجر ومنذ عقود طويلة، اغلب هؤلاء يعيشون في البلدان الاوروبية وامريكا واستراليا، وبعد الاحتلال صارت الهجرة مليونية لدول الجوار وبحسب احصاءات منظمة شؤون الاجئين الدولية ـ في سوريا والاردن ولبنان واليمن ومصر والامارات ـ وبينهم من هجر قسرا، لم يعود من هؤلاء الا القلة القليلة، ومثال الاجئين العراقيين في الدنمارك ورفضهم لقرار العودة الاجباري شاخص للجميع، وبحسبة منطقية تتجاوز حسبة هادي العامري الغبية فاي متابع دقيق سيتوصل الى ان عراقيي الخارج كلهم مقيمين ومهجرين يقدرون باكثر من خمسة ملايين، اما من يحرص على الدقة ويريد الامور في العراق تسير مسيرة غير اعتباطية فعليه ان يدعو لاجراء احصاء عام يشمل الداخل والخارج حتى لا تقوم قائمة للتلاعبات باعداد السكان الحقيقية وكم منهم يقيم خارج البلاد، لان الاعتماد على وزارة التجارة وارقام البطاقة التموينية هو اصرار متعمد على التزييف، فحسب وزارة التجارة هناك حوالي 32 مليون عراقي في الداخل منهم 18 مليون يجوز لهم الانتخاب، معنى هذا ان الوزارة مازالت تحسب العراقيين المقيمين في الخارج والذين تركوا العراق وبطاقته التموينية بعد احتلاله ضمن حساباتها، وهذا سلوك متعمد للتعمية على حقيقية الاعداد التي تركت العراق او التي قتلت!

المضحك المبكي ان كل عشيرة او فخذ او سلف، في العراق صار يدعي ان تعداد افراده اكثر من مليون وخاصة عندما يجري التباري على نيل مكسب محرز ما، كأن يكون عضوية في البرلمان، واذا جارينا هذا المنطق فان تعداد سكان العراق الفعلي يناهز ال 50 مليون، اذا الالوف من المسيحيين قد هاجروا والكثير من الصابئة والشبك والتركمان واليزيديين والاكراد الهاربين من الاوضاع الفاسدة، واذا خرج مئات الالوف من بغداد والموصل وديالى والبصرة والرمادي والفلوجة والنجف وكربلاء وغيرها واغلبهم من الكفاءات والمهنيين والكسبة والسياسيين المطاردين او من الباحثين عن الامان، وبحسب احصاءات دولية محايدة فان اعداد القتلى العراقيين منذ الاحتلال وحتى الان اكثرمن مليون انسان، فكيف يبقى عدد اصحاب البطاقات التموينية وبتزايد متناسب مع متوسط الزيادة السكانية الطبيعية 3% ولكل عام حتى يبقى الرقم 32 مليون نسمة محافظا على نفسه؟

نعم 32 مليون كمجموع كلي اذا كان عدد عراقيي الداخل هو حوالي 27 مليون ليكون عدد كل عراقيي الخارج حوالي 5 مليون، لكن اذا حسب عدد عراقيي الداخل كما هو محسوب الان 31 مليون وعراقيي الخارج بحوالي مليون ونصف فان ذلك يعني ان هناك سرقة متعمدة لحوالي 4 مليون بينهم مليوني صوت يحق له التصويت، بمعنى ان هناك من يتلاعب باصوات حوالي مليوني ناخب يضيفها بشكل ما لحساب ائتلافه او قائمته وكانها تعويض شرعي متفق عليه او مسكوت عليه، ومعنى هذا انها اكبر عملية تزوير عرفها تاريخ اي انتخابات معاصرة، ولا غرابة في ذلك اذا عرفنا ان مفوضية الانتخابات ذاتها عبارة عن هيئة حصص طائفية وعنصرية فاسدة والادلة على ذلك اكثر من ان تحصر!

قال السيد هادي العامري العضو القيادي في المجلس الاسلامي الاعلى والمسؤول المباشر عن منظمة بدر التابعة للمجلس: ان وجود اربعة ملايين عراقي خارج العراق هو كذبة نيسان!

كان قبله قد صرح المالكي معقبا على نقض السيد طارق الهاشمي لقانون الانتخابات المعدل وتحديدا للفقرة المتعلقة بنسبة المقاعد المخصصة لاصوات عراقيي الخارج والمقدرة 5 %، حين قال: ان ترديد الرقم 4 مليون كونه رقم حقيقي للعراقيين المهجرين والمهاجرين هو احد ترويجات القوى المعادية للعملية السياسية في العراق، ولعدم وجود كشوفات دقيقة باعدادهم وجداول للناخبين المسجلين سيسهل عمليات التزوير والتاثير السلبي على نتائج الانتخابات!

المالكي هنا يحاول من خلال تلميحه الى بعبع البعث واحتمالات خروجه من القمقم السوري ليدخل البرلمان، عبر التأثير على اصوات الناخبين فيها، التهرب من الموضوع الاصلي وهو فشل حكومته والعملية السياسية في توفير الامن والسلام الاجتماعي الذي يسمح بعودة الملايين المهجرة والنازحين داخل بلادهم الى اماكن سكنهم الاصلية ناهيك عن نزاهة وشفافية الحكم، وبهذه المناسبة فان المالكي يؤكد حقيقة فساد حتى منطقه الاعلامي والدعائي لانه يفضح لا صدقيته وتناقض مضامين طروحاته المعلنة، فمن ناحية يقول: ليدخل حتى معارضو العملية السياسية الى البرلمان بشرط عدم استخدامهم للسلاح، ومن ناحية اخرى يشرط ويتشرط ليمنع من ينتخبه الشعب لدخول البرلمان، وهذا التناقض الفاضح والفاسد يشير الى خوف المالكي وحكومته المنهارة وعموم الاحزاب الطائفية والعنصرية من المتغيرات القادمة خاصة بعد اقتراب استحقاقات الانسحاب الامريكي الموعود!

الخلاصة الاولى: لا يمكن للعراق النهوض مجددا الا اذا تحرر من الاحتلالات القائمة واسقط العملية السياسية المزورة والعقيمة ليقيم محلها عملية سياسية وطنية بدستور متطهر من كل بنود الفساد المبثوثة فيه!

الخلاصة الثانية: انه ورغم وصاية المحتل الامريكي واشرافه على كل تفاصيل العملية السياسية الجارية بما فيها الانتخابات المزمع انجازها في نهاية شباط القادم فان نهج المحاصصات الذي ابتدعه المحتل نفسه سيؤدي حتما لتقويض العملية برمتها او تقسيم العراق كتحصيل حاصل، ويبدو ان هذه النتيجة هي المطلوبة على الامد المتوسط، اذا اعتبرنا ان الانسحاب الامريكي الموعود سيكون على الامد القريب، والذي لا يريد له ان يكون هو المسؤول مسؤولية مباشرة عن النهاية المطلوبة للعراق الجديد وتحت رعاية امريكية غير مباشرة!

الخلاصة الثالثة: اتفق فرقاء الطوائف والاعراق بالنتيجة وانتجوا قانونا يتفق مع فسادهم ويوفق بين تجاوزات بعضهم على بعض بعد ان ضمن كل منهم حصته على حساب العراق كوطن وشعب وسيادة ومصير، سيتفقون حتما لان الارادة الامريكية تريد ذلك فالتدخل مباشر وغير مباشر ـ تواجد شبه دائم للسفير الامريكي في مداولات البرلمان العراقي، اتصالات اوباما وجو بايدن المستمرة، الدور المباشر لقائد القوات الامريكية في العراق ـ واخيرا سترحل المشاكل العالقة او بالاحرى الفاصلة ـ احصاء سكاني، قانون للاحزاب، قانون النفط والغاز، وقبل كل هذا تعديلات الدستور ـ الى حيث التوقيتات الامريكية الجديدة!

الان جاء اهل الحل والعقد ـ جو بايدن وفريقه ـ لحلحلة ازمة الاجتثاث وبما يتوافق مع منطق التوافقات التحاصصية طائفيا وعرقيا، وبصفقات شيللني وشيلك، اعدامات هنا وترشيحات هناك، وتغطية هنا على الاحتلال الايراني للفكة وسرقات للبنوك هناك، جاء ليطمئن الفريق الحكومي واقطاب عمليته السياسية بان لا انسحاب دون توافقات ومصالحات لا تغير من الحسبة القائمة شيئا، هكذا سيسير الحال حتى مواعيد الانسحاب الثقيل، المالكي يغطي على فشل حكومته امنيا وسياسيا واقتصاديا وعسكريا بافتعال مشاكل للاخرين مدفوعا بتمسكه بموقعه لذلك نجده سائرا باتجاه برمجة الانتخابات القادمة لما يخدم حزبه ومرشحيه وهكذا يفعل الاخرون، الملفت ان الاثار الجانبية للاوضاع المتفاقمة تصب لمصلحة القوى المقاومة للاحتلال وعمليته السياسية بما فيها البعث نفسه!

مؤتمرات وملتقيات!

28 يناير 2010

عبداللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2146 )

كانتا ليستا أكثر من مظاهرتين إعلاميتين تقعان في خانة وذلك أضعف الإيمان، لكنما لا بأس بهما، أو هما، أقله، مطلوبتان في مثل هذا الزمن العربي والدولي الرديئين. تلكما كانتا هاتين المناسبتين اللتين شهدتهما مدينة بيروت ما بين الثالث عشر والسابع عشر من هذا الشهر الأول من عامنا هذا، واللتين دعيت لحضورهما فلبيت مع من لبى من الثلاثة آلاف مدعو الذين خفوا من أربع جهات الأرض لاحيائهما. فهما على أهميتهما، إن أحرجا المهادن اللامقاوم فلن يردعا المستسلم المساوم، وستمضيان كالعادة كما مضى ما كان مثلهما من قبل.

أنا هنا أتحدث عن المؤتمر السنوي لمؤسسة القدس الدولية، والملتقى العربي الدولي لدعم المقاومة الذي تلاه… المتظاهرون كانوا عرباً هرعوا من كل جنبات الوطن العربي مشرقاً ومغرباً، ومسلمين جاءوا من كل ديار الإسلام، ومثلهم ممن يعيشون خارجها في أطراف بلاد الله الواسعة، وأجانب كانوا أوروبيين وأمريكان شماليين ولاتينيين وأفارقة وآسياويين… وكان السياسيون منهم، والمثقفون، والإعلاميون، وعلماء الدين المسلمين والمسيحيين وحتى بعض اليهود… هنا يمكن ملاحظة واحدة من هنات من نظموا المؤتمر القدسي والملتقى على السواء، وهو أن الرهبان والبطاركة قد قلوا وكثر المشايخ، ولولا أن حضور المطران هيلاريون كبوحي مطران القدس المبعد قد عوض قليلاً لكانت إحدى النواقص الفاقعة التي لاتجوز ونحن ازاء تضامن مع مدينة مقدسة لدى مسلمي العرب ومسيحيهم على السواء.

الجميع، وبشتى اللغات، وانطلاقاً من مختلف التوجهات، ووفق ما تستدعيه فوارق الأماكن والمواقع والمشارب، جاؤوا ليعبروا عن موقفين اثنين يمكن أن يختصرا في محاولة ابداْ الحرص على نصرة القدس وإعلان التضامن مع المقاومة… مقاومة الاحتلال والغزو أينما كانا، فكنا والحالة هذه، وفي حدود ما كان المتوقع، إزاء مهرجان تضامني مع الشعب الفلسطيني، وآخر مع نهج وثقافة المقاومة… والأخير كان الأقرب في الغالب إلى ما يعبر عن تضامن الشعوب مع الشعوب والمقاومات مع المقاومات!

هنا يمكن القول أن فلسطين عبر قدسها قد وحدت كل هؤلاء الذين جاؤوا لنصرتها، لكنما الأهم، هو أن مبدأ ومنطق ومنهج وثقافة المقاومة هو وحده ما قد وحّد كل من جاؤوا لدعمها، وعلى الخصوص، كل من يمكن أن يُدرج من العرب تحديداً في تلكم التيارات التاريخية الثلاث التي تحملت وحدها عبء مواجهة المشروع الغربي المعادي في بلادنا خلال القرن الأخير وما يزيد عليه، نعني، القومي والإسلامي والديموقراطي… أي، وبلغة أخرى، أننا أزاء ما يثبت حقيقة مفادها أن المقاومة هي وحدها التي توحّد. وفلسطين وحدها، كما كانت وستظل، هي البوصلة، وعبر الصراع عليها ولتحريرها فقط تتوحد الأمة العربية، وتنهض الإسلامية، وتستعيد الانسانية انسانيتها.

… وأيضاً بشتى اللغات، ومن شتى الأطراف ومختلف المشارب، تستمع إلى من يشتكي أو يستهجن، ويدين ويحذر، ويؤكد أو يتوعد… أما المقاومون المتضامنون مع المقاومين، فمنهم من يشتكي شتى صنوف المحاصرة، وآخر يسرد آخر مبتكرات ضروب التآمر عليه، وثالث يعدد مرارات العقوق والإهمال والحصار الإعلامي… والجميع، يُجمع على أن الاحتلال إنما هو حرب مزمنة ومستمرة، وأن دحره وحده هو السلام، الذي ما عداه هو استسلام… وهنا أيضاً، إضافة إلى الهنّة التي أشرنا إليها آنفاً وقع الكثيرون في محذور لايجوز، وهو اختصار فلسطين في القدس، والقدس في المسجد الأقصى!

لعل هذا، هو ما يشي ببعض جديد في مؤتمر وملتقى بيروت كليهما، أو تظاهرتيها المطلوبتين في زمننا العربي هذا، وهنا، يمكن القول أن الأعداء لا سواهم هم خير من يدفعون الأمة المغيبة إلى الإفاقة، أو اجبارها على شحذ إرادتها التي بدا ولأمد طال أنها في حكم الصدئة… وكان وجع غزة واضحاً، وألم العراق بائناً… وماعدا هذه وهذا توزعت الخارطة العربية وجوارها الإسلامي باقي الأوجاع… هل هذا يكفي؟!

قلنا إنما هما كانتا مظاهرتين مطلوبتين لا بأس بهما، اعطتهما بيروت نكهتها الخاصة التي تنفرد بها من بين عواصم الأمة، قيل فيهما الكثير، لكنما النصرة تفقد مضمونها إن لم تترجم واقعاً مقاوماً على الأرض الفلسطينية المغتصبة، ولم توقف مسيرة تهويد القدس الجارية على قدم وساق، والتي تُخلى من المقادسة طرداً وسحب هويات وهدم بيوت، والتي شارف برنامج تهويدها عملياً على الإنجاز، كما لم يعد أقصاها من غير المتوقع انهياره بفعل الحفريات التي تجري من تحته، أو حتى يُفجّر أو يحرق أو يهدم ويستبدل بالهيكل المزعوم… أو هي إن لم تكسر الحصار الإبادي على غزة، وأيضاً الضفة، فما هو جدواها؟! والتضامن مع المقاومات إن لم يرتق إلى درجة الإصطفاف معها عملياً في الخندق الواحد، فما هو معناه؟! فهما، والحالة هذه، يظلان في حدود التظاهر وإعلان التضامن، ورهن منطق الشجب والإدانة والاحتجاج وتسجيل المواقف… أو قل كلمتك وامشي… أو تبرئة الذات بالتعويض قولاً عن مفتقد العمل… هل هذا هو كل ما تستحقه القدس وغزة والضفة وفلسطين… والعراق، ولبنان المقاوم؟!

هل هذا يكفي في ظل ما اجمع المؤتمرون والملتقون في بيروت على أنه صراع وجود لا حدود، ومسألة عودة بعد تحرير لكامل وطن مغتصب، هو مسؤولية أمة بكاملها لاشعب مستفرد وحده… أو كما هو مفترض، أنه إنما يأتي في سياق مواجهة مصيرية مع مشروع معاد لا يستثني أحداً منها أو موقعاً من مواقعها؟!

… مؤتمر وملتقى بيروت، قالا ما قاله الكميت محذراً بني أمية: أرى حلل الرماد وميض جمر… وبعد أن قالا مثل هذا، وانفض المؤتمرون والملتقون، أو قالوا كلمتهم ومشوا… جاز لفلسطين والمقاومات العربية على اختلافها، أن تستحضر قولاً ينسب لصلاح الدين… أريد سيوفكم لا دعائكم!!!

حافة سقف الحضارة الغربية الفاوستية

28 يناير 2010

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2146 )

في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع العشرين أنجز الفيلسوف الألماني أوسوالد شبينغلر كتابه (إفلاس الحضارة الأوروبية الغربية الفاوستية) الذي تضمّن تنبّؤاته العلمية بصدد انهيار الحضارة الغربية. إنّها الحضارة الفاوستية (نسبة إلى يوهان فاوست 1480- 1540) التي باعت روحها للشيطان مقابل المكاسب المادية والنعيم الاستهلاكي، على طريقة فاوست وحسب توجيهاته.

لقد رأى شبينغلر أنّ الحضارة الغربية حقّقت سيادتها العالمية استناداً إلى قوّتها المادية، بعكس الشرقية وبخاصة العربية الإسلامية، التي استندت في تحقيق سيادتها العالمية إلى قوّتها الروحية والمعنوية. ورأى أنّ مائتي عام، هي القرنين التاسع عشر والعشرين، تشكّل سقف الحضارة الغربية. وتنبّأ أنّ نهاية القرن العشرين سوف تكون حافّة السقف وبداية الانهيار، وها هو اليوم، بعد قرن من صدور كتابه، يبدو مصيباً ودقيقاً في تنبّؤاته بصدد الانهيار إلى درجة كبيرة ومدهشة حقاً.

غير أنّ شبينغلر، وهو ابن الحضارة الغربية في بعدها العنصري خصوصاً، وجد على ما يبدو صعوبة شديدة في الإقرار علمياً أنّ هناك أمماً غير أوروبية مؤهّلة للنهوض بأعباء الحضارة العالمية. إنّ العلوم المادية الحديثة هي من اختصاص العقل الغربي الفاوستي تحديداً وحصراً، وبما أنّ الأمم الشرقية روحانية فإنّها غير مؤهّلة عقلياً لاستيعاب العلوم المادية، وعلى هذا الأساس تنبّأ شبينغلر بأن ما سوف يترتّب على انهيار الحضارة الغربية هو الفراغ والفوضى والحروب، حيث سيواصل الفاوستيون فرض سيادتهم العالمية بقوة السلاح!

بالطبع، إنّ أوضاع العالم اليوم تطعن في صحّة استنتاج شبينغلر بصدد أهليّة الأمم، وبصدد العقل الغربي المبدع ماديّاً والعقل الشرقي غير المبدع، وهو الذي لم يعش ليرى الإبداع العقلي المادي الياباني المتفوّق، ومؤخّراً إبداع الأمم الصينية والهندية والماليزية والإيرانية وغيرها، على اختلاف عقائدها الروحية، فليس ثمّة تناقض بين الروحي والعقلي، بل تناغم منطقي وتكامل ضروري، ولا شكّ في أنّ مصلحة الإنسان تقتضي إعطاء الأولوية للروحي على المادي، مع الحرص على تناغمهما وتكاملهما، وهو ما كان واضحاً في فترات ازدهار العصر العربي الإسلامي الذي أسّس لنهوض العصر الأوروبي الأميركي.

لقد أدّى طغيان البعد الواحد، البعد الروحاني من دون العقلاني، إلى اضمحلال أمم الشرق على مدى مئات السنين، وإلى بلوغها حافة الهلاك بسبب شيوع الدروشة والهذيانات والسخافات والشعوذات. أمّا طغيان البعد الواحد الأخر، العقلاني المادي من دون الروحاني، فقد أدّى إلى اضمحلال كوكب الأرض وما عليه، وإلى وضع الكوكب بمجمله على حافة الكارثة المدمّرة الشاملة، حيث العبقرية الغربية المادية الفاوستية خليطاً من الجنون المرعب والذكاء المبدع، وحيث العقل الرقمي الحسابي المحض لا يأبه لمعاني الحياة وغاياتها، وبالتالي لا يأبه لمادتها ومكوّناتها ومصيرها، فيهلك ويقتل ببرودة ووحشية ملايين البشر، ويبيد كالحرائق بل أكثر آلاف الغابات، ويسمّم ويتلف بلا ضمير وبلا تردّد جميع الأنهار والمياه الجوفية والبحار والمحيطات، وجميع طبقات الجو من أدناها إلى أعلاها.

إنّ الواقع العالمي الحالي لا يؤيّد، كما أشرنا، توقّعات شبينغلر بصدد عدم أهلية الأمم غير الأوروبية، بل هو ينفيها، والدليل هو الأمم الناهضة التي فرضت وجودها في مجموعة الدول العشرين، كاسرة احتكار الدول السبع، أو الثمان أو التسع، غير أنّ المحلّلين الغربيين، ومعهم تلامذتهم في بلادنا، يتمسّكون بتوقعات شبينغلر، ويشكّكون في جدارة الأمم الأخرى ويحذّرون من خطرها الأشدّ، ويتمنّون فشلها، متجاهلين أنها جميعها مستعمرات سابقة، ومتجاهلين خصائصها الثقافية المناقضة والمناهضة للفاوستية!

لقد ارتفعت حصة آسيا في ميدان التصدير التكنولوجي من 7 في المائة عام 1980 إلى 25 في المائة حالياً، بينما انخفضت حصة الولايات المتحدة من 31 في المائة إلى 18 في المائة في الفترة نفسها. إنّ آسيا، بكلّ بساطة، تعيش اليوم ثورة في ميدان العلم والموهبة تنتج ثورة في ميدان التكنولوجيا، كما أورد الأستاذ حسن خليل في مقالته عن “استفاقة التنين” (صحيفة “الأخبار” البيروتية- 1/1/2010). إنّ الولايات المتحدة مدينة للصين بحوالي تريليون دولار. ولسنغافورة أيضاً بحوالي 200 مليار دولار!

غير أنّ الغرب لا يزال قويّاً جدّاً، فهو يستأثر لوحده في ميدان الإنتاج العالمي بنسبة 62 في المائة، علماً أنّ سكانه يشكّلون 14 في المائة من سكان العالم. أي أنّ ما تحقّق على صعيد تبدّل موازين القوى الدولية لا يزال في طور البدايات، وحسب نبؤة شبينغلر التي تحققت عن حافة السقف، ولكي يبلغ التغيير العالمي الإيجابي مداه بعد سنوات وليس بعد عقود، فإنّ ذلك يحتاج حقّاً إلى حضور ونهوض أمة تتألّف من حوالي 330 مليون إنسان يسبّب غيابها شبه التام خللاً خطيراً في الوضع البشري بمجمله!

:::::

ns_shamali@yahoo.com

إعادة بناء البلد (1): لن أُقسم بالله أن الأسرى لن يتحرروا هذا العام!

27 يناير 2010

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2145 )

إعادة بناء البلد، كان هذا موضوع مقالة كتبتها في جريدة القدس قبل أكثر من اربعة أعوام، وتحديداً قبل الانتخابات لرئاسة ومجلس الحكم الذاتي في الضفة والقطاع. والفكرة من وراء هذا العنوان هي: اننا بما نحن عليه وفيه كفلسطينين أولاً، وبناء على الواقع العربي والدولي، لا نستطيع تحرير فلسطين راهناً. وهذا يعني وجوب التمسك بحق العودة، وللوصول إليه لا بد من أعادة بناء المجتمع. وهذا يعني أن المجتمع خراب يباب. وهذا ما ساناقشة في غير حلقة من هذه السلسلة. وكان اقتراحي أن لا تُجرى انتخابات سياسية بل إدارية وخدماتية، من أجل عدم التفاوض مع الاحتلال. أي سلطة لا مفاوضاتية ولا سياسية. وكتبت قبل ثلاثة اشهر في النشرة الإلكترونيةwww.kanaanonline.org بأن يتم العمل على رفض المفاوضات ورفض سياسية التكوين للسلطة وإحراج العرب لدفع حاجات السلطة المالية.

كنت حقيقة قد جهزت، لسلسلة إعادة بناء البلد، مقالة اقرب إلى التحليل النظري مستخدماً مفكرين مظلومين أمثال غرامشي وماركس ولينين وسمير أمين وماو…الخ. مظلومين لأن كثيرا ممن يستخدمون نظرياتهم يمارسون تهديم المجتمع وحتى الفساد، فساد أحمر هذه الأيام!

لكني مررت يوم 27 كانو ثاني بمحض الصدفة على دُوَّار في إحدى المدن، فأنا لا أحب تسمية ميدان لأنها تؤشر إلى حالة كفاحية غير موجودة اليوم! فإذا جمع غفير واصوات مكبرات الصوت تهز المكان، وبالصدفة البحتة ايضاً، كان رجل يخطب قائلاً: “أقسم بالله العظيم أن هذا العام سيكون عام تحرير الأسرى”، بينما يردد الجمهور من ورائه القسم والهتاف! مشهداً ذكَّرني بالمسرحية الشعرية للراحل صلاح عبد الصبور: “مأساة الحلاج”.

لم يقل الرجل كيف! ولم يتسائل الجمهور كيف، ولم يسأل الرجل أحداً كيف؟ مضيت أنا مسرعاً وواصل الجميع مهرجانهم، وواصلت القيادات من الجنسين الوقوف في عين الحدث بصورهم وتصريحاتهم.

ليس بيننا من لا يحب الأسرى، وما اكثر من اُسروا. ولكن السؤال الذي يهرب منه الكثيرون: من الذي سيحرر الأسرى وكيف؟ لو قال الرجل سنأسر جنودا من عساكر العدو، لقلنا حبذا، فهذا يظل احتمالاً. أما أن يقدم لنا قسَماً بلا حدود، فهذا أمر غريب.

ولكن، ربما لا. فما اكثر الأيمان التي سفحناها على مذبح الوطن، فوجدنا الوطن ذبيحاً والأسرى على “ابراشهم” والساسة على ابراجهم، والمثقفين يجهزون الأبحاث والدراسات بشروط ولأهداف منظمات الأنجزة، الاستشراق الثقافي بل السياسي بلا مواربة وكله مباشرة أو مداورة ومواربة ومراوغة لمخابرات الدول الأجنبية. آهٍ يا عقل المثقف من اين أتيت بكل هذه الوضاعة. فلماذا لا يُقسم هذا، ويقوم ذاك أو تلك بدراسة تخدم الأعداء طالما لا أحد يسال ولا أحداً ينتقد!

لم يسأل أحد أحداً لماذا حنث بيمينه حتى اصبحت جميع ايمانه حنثا في حنث.

هي آلية واحدة لتحرير الأسرى بدأها الشهيد وديع حداد منذ عام 1968، بخطف طائرة إسرائيلية وواصلتها بعض المنظمات بخطف الجنود الإسرائيليين. ليس هناك اي مدخل لتحرير الأسرى قبل تحرير الوطن وخاصة المفاوضات بطبيعتها الحالية وتوازنات القوى.

بقي على نهاية العام اقل من عام، ماذا سيقول صاحب القسَم ومن صفقوا له لأمهات الأسرى واولادهم وبناتهم وأزواجهم، وللجمهور عامة؟ لا شيىء. ليس لأن الأسرى لن يتحرروا، بل لأن أحداً لن يسأل بشكل جاد: لماذا وعدتمونا بلا رصيد.

نعم، لأن ثقافة السؤال فما بالك بالاحتجاج معدومة في بلدنا. وما بالك ايضاً بثقافة المسائلة والمحاسبة. ماذا يمكن القول لصبي في السادسة حين يسمع الوعد، فيصدقه ثم يدرك أنه كان مجرد لحظة حماسة، وهي كلمة وحصلت.

تذكرني هذه بمن فُطموا على التطبيع. فهم يمارسونه باشكال متعددة، وحين يُسألوا: لماذا عملتم لصالح وقبضتم من مؤسسة كذاا؟ يجيبوا، هي نزوة لا غيرها. وحين تقرأ تاريخهم تجده سلسلة نزوات تماماً كسلسلة الحنث بالأيمان، والمطلوب لكل واحد/ة منهم دائرة فتوى لتحليل المحرَّم.

قصدت من هذا نفس ما بدأت به: أن لا بد من إعادة بناء البلد/المجتمع، وذلك بإلزام من يقل شيئاً أن يلتزم به. وأما لفائدة مَن هذا الإلزام؟ هو للجيل القادم؟ لأن من تورط في أخلاقيات الجيل الحالي، ربما ليس مرشحاً ولا قابلاً للتغير. لا بد من محاسبة اليوم من أجل غدٍ.

واخيراً، قال لي صديق حين كنا في لحظة صفاء بعد عتاب: أنا لا أُنفق وقتي مثلك في الكتابة عن أمور صغيرة، بمقالات صغيرة، بل أوفر الجهد وأركزه في تأليف الكتب، أنت تنتقد وتهاجم وهذا يقلل من شأنك، هذا ما حصل حين كتبت عن إبراهيم نصر الله.

قلت: ربما من ناحية فنية في حديثك دِقّةً. ولكنني، وإن هوجمت على ذلك كثيراً، وعوتبت من مطبعين/ات وأشباههم/ن، فإنني فعلت برضى وتماسك، وتأكدت أن أحداً لن يسألني ذات يوم: لماذا كذبت علينا. لم يكن ولم يعد يضيرني قول البعض : لماذا كتبت علينا!