التسلّح الخيري

25 أغسطس 2010

د٠ إيلي حدّاد

لم أكتب هذا المقال للردّ على التهجمات الشخصيّة التي أطلقها وزير الدفاع في مؤتمره الصحافي الأخير وذلك نزولاً عند رغبة المعلّم٠

ولكنني، كمواطن، لم أستطع إلتزام الصمت والوقوف متفرّجاً أمام مهزلة التبرّعات التي أطلقها في صدد تسليح الجيش والتي سترتدّ وبالاً على الجيش وعلى الوطن، خاصّة في هذا الزمن العصيب٠

أترى قد وجد معاليه الحلّ السحريّ لمشكلة التسلّح الفعّال والمستقلّ وهي مشكلة مستعصية عمرها من عمر الإنسان، عانت وتعاني منها الدول المستضعفة والتي صنّفها الأقوياء عالماً ثالثاً وما دون، عبر جمع التبرّعات؟

لقد أعلن معاليه فتح حساب خاص بهذا المجال في مصرف لبنان، مضيفاً فوراً أنّه تكرم، مع والده، بمبلغ مليار ليرة كأوّل تبرّع في هذا الحساب٠

امام هذا المشهد السورّيالي، تملّكني شعور بالرهبة وبالإنتماء الى عالم غير الذي ينتمي اليه معاليه والى وطن غير الذي يبنيه٠ هذا المزج بين العام والخاص او بين الرصانة والخفّة لا يحدث الا في لبنان٠

حاولت أن اتخيّل الخطوات التطبيقية التي قد تتبع بغية شحذ الهمم الطيّبة وتشجيع المتبرّعين٠ قد يقومون بتعهّد حفلات فنّية او سهرات على طريقة الفوند رايزينغ

او قد يوزّعون الصناديق امام دور العبادة وفي الإدارات الرسميّة لجمع الفراطة مثلاً كما تقوم حملة القطع الصفراء في فرنسا ( بييس جون)٠ او قد يطلقون برنامجاً تلفزيويّاً خاصّاً مثل برنامج التيليتون الفرنسي٠٠٠

وكانت كلّما بعدت بي الأفكار، كلّما إزدادت مخاوفي على حاضر الوطن و مستقبله٠ كيف يمكن لوزير بهذا القدر من المسؤوليّة ان يدير مشروعاً بهذه الخطورة كمن يدير جمعيّة للبرّ والإحسان ٠ كيف يمكن أن نتصوّر ان نبقي الجيش رهينة الحسنات وأعمال الخير كمتسوّل يستعطي؟

لا أخال معاليه جاهلاً بالسلبيّات الكبيرة لهذه الأفكار وأهمّها إثنتان٠ اولاها الإنكشاف امام العدوّ المتربّص والذي سيصفّق إستهزاء بتواضعنا وضعفنا٠ وثانيها ربط التسلّح بمصادر تمويل غير ثابتة في وقت يستلزم هذا التسلّح تمويناً مستمراً ومضموناً لتلافي اي نقص في العدّة والمؤونة٠

إن اردنا ان نسلّح الجيش بشكل جدّي يؤمّن حماية الحدود ويذود عن الحياض، فلذلك أصول تبدأ بخطّة دفاعيّة متكاملة ومحكمة، تحدّد المستلزمات من عدّة وعديد، وتبيّن بالأرقام المبالغ المطلوبة وتبني تصوّراً واضحاً لتأمين التمويل اللازم بشكل ثابت ومستمرّ وواقعيّ مع الإعتماد بشكل أساسيّ على الإمكانات الذاتيّة للدولة والبناء على اساس هذه الإمكانات٠

اما إذا اردنا إشراك القطاع المدني في هذه الخطّة، إن من حيث الدعم المادّي او من حيث التطوّع، فهذا ممكن لا بل محبّذ شرط أن يبقى رديفاً للخطّة الأساسيّة وعاملاً داعماً وليس بديلاً لها على الإطلاق٠

وقد سبق وأثبت هذا النظام الدّفاعيّ فعّاليّته في نهاية الثمانينات، حين خاض الجيش الّلبناني إحدى أشرس مواجهاته، معتمداً فيها بشكلٍ أساسيّ على إمكاناته الذاتيّة، قويّاً بصلابة قيادته وإيمان عسكره٠ وقد جاء الدعم الشعبيّ من خلال إنخراط الشباب في صفوف الأنصار او من خلال الدّعم الماديّ ليعزّز صمود الجيش ويشدّ من أزره٠

إن أسطورة أخوت شانيه رائعة ولكنّها قد لا تتكرّر٠ في مسرحيّة الشخص يقول المحامي للبيّاعة ” يللي بيدفع بندورة بتروح دعوتو سلاطة”٠ دعونا إذاً نبني هذا الوطن بخبرة ورصانة تليق بشعبنا العظيم وتاريخنا المجيد وجيشنا البطل٠
:::::

د٠ إيلي حدّاد
فرنسا
elie.haddad@rplfrance.org

المصدر: الموقع الرسمي للتيار الوطني الحر http://www.tayyar.org

الرابط:

http://www.tayyar.org/Tayyar/News/PoliticalNews/ar-LB/Elie-Haddad-mt-8.htm

تعقيب من بادية ربيع على مراجعة نادين باحص

25 أغسطس 2010

لكتاب حنا عبود: “ليليت داخل الأسطورة.. خارج الجنة”

تعقيب على مراجعة نادين باحص لكتاب: ليليت داخل الأسطورة.. خارج الجنة”، المنشورة في في كنعان الإلكترونية العدد2326، 17 آب 2010.

شدني ذلك العرض المتماسك والمسيطر على الفكرة الذي أدته نادين باخص لكتاب ليليت داخل الأسطورة…خارج الجنة ل حنا عبود.

هو عرض كأنما يغني عن قراءة الكتاب، وهو أمر قلما يحصل في مراجعات أو قراءات الكتب. هل هو حضور الكتاب أم قدرة التمثل والفعل في المراجعة والسيطرة على الفكرة، ربما جميعاً.

لست ادري إن كان الكاتب قد مزج بين الأسطورة والدين والنضال للمساواة مما يجعل منها جميعاً مثلثاً مختلف الأضلاع. وهو مزج لا اراه إلا عاطفياً وحتى رغائبيا. فالمقدس قسمين: الكتب والله، وليس هناك ما يثبت أنهما من مصدر واحد، أو انهما واحداً!

الله حالة مفترضة يمكن نسب كل الخير لها والخير وحده ولأنها حالة مفترضة تكون العلاقة او الموقف منها إما بالقبول التام أو عكسه وكل نتائج ذلك مؤجلة إلى يوم ما.ة ولكن الكتب خاضعة للتأويل المتعدد وهي تشترط التزاماً ما أو على الأقل تواصلا مع المؤسسة.

حين يكون هناك تناقضا/تضارباً في الكتاب المقدس حول الموقف من قضية معينة، فيجب في اي كتاب مقدس أن لا يتم اعتماد التبسيط والانتصار للجانب الإيجابي فيه على حساب الجانب السلبي. فطالما هو نص، يجب أن يبقى كما هو دون اللجوء إلى تفسير حسن النية او طيبة الإيمان بتغليب أحد النقيضين على الآخر تغليبا تصالحياً من عنديات الكاتب أو من كتب المراجعة.

والملاحظة الثانية حول محاولة عقد تصالح لا تناقض بين الذكر والأنثى. وإني وإن كنت أوافق كثيرين بأن هناك نوع واحد لا نوعان، لكنني أؤمن بصراعهما ضمن وحدة وصراع الأضداد، وهو وإن كان صراعا لا ينتهي لكنه ليس إبادياً وهذا سر البقاء، هو صراع الحفاظ على الديالكتيك ولأجل إثبات أن الديالكتيك مشحون بما يرفعه دوما إلى الأعلى. فالاختلاف بين الذكر والأنثى موجود، لا اقول التفاوت، اقول الاختلاف، وهذا مبرر التطور ولأنه اختلافاً فهو باقٍ. وليست هذه المشكلة، بل المشكلة في افتراض عدم النِديَّة بين الذكر والأنثى، بل هناك نِديّة’ حقيقية. وهناك تاريبخ سيطرة الذكر وبالتالي هناك وجوب المقاومة من الأنثى. هو تناقض ليس إبادياً لكنه لن يُباد، اي لن ينتهي. ولو وصلت الفلسفة إلى تجاوز مختلف الثنائيات، فهذه الثنائية لم تنتهي، وإن كان لا بد لها أن ترتقي إلى ندية حقة.

مفاوضات مباشرة أم غير مباشرة: ما الفرق؟

25 أغسطس 2010

من مراسل كنعان في رام الله:

في دعم للمفاوضات غير المباشرة على حساب المفاوضات المباشرة، تجمع أعضاء لجنة تنفيذية لمنظمة التحرير، وقيادات تنظيمات، ونشطاء من الجنسين إلا أن سلطة الحكم الذاتي منعتهم من الحديث لأنهم ليسوا مع المفاوضات المباشرة ومع وقف الاستيطان كشرط للمفاوضات ومع مرجعية للتفاوض.

حُدِّد موعد المؤتمر عند الساعة الثانية عشرة والنصف في الكنيسة الإنجليلية برام الله (العاصمة). فإذا بأجهزة السلطة تصل باكرا وتملأ المقاعد.

أمر جميل، ابناء المؤتمرين هم أعضاء أمن حلوا ببساطة في مقاعد أمهاتهم وآبائهم. بل طردوهم ومنعوهم من التعبير عن موقف ذي سقف بسيط ومتواضع.

هل هي عناصر لوحة جديدة؟ كلا بعد. فالمؤتمرون جميعاً من المعترفين بإسرائيل.

أحزاب اعترفت بالكيان منذ 1948، وتنظيمات ماركسية فعلت ذلك قبل اوسلو بالتبرير الفكري/الإديولوجي المرتد عن الماركسية والقومية وحتى الدين، وبينهم منفاوض في أوسلو على اللاجئين والاقتصاد والماء والتراب…الخ. ايدوا اوسلو وشاركوا في الانتخابات المسماة تشريعية، وتنافسوا على الوظائف والتقاعد وايدوا المفاوضات غير المباشرة، ومع من؟ مع عدو يطالب بدولة يهودية خالصة؟

ويبقى السؤال عن ما بعد؟

هل سيفك هؤلاء تبعيتهم للسلطة؟ هل سيتوقفوا عن قبض الرواتب وطلب العلاوات، حتى علاوات التقاعد، وربما علاوات ما بعد الموت؟

لماذا استهانت السلطة بكل هؤلاء؟ أليس لأنها هي مرضعتهم. ما كان لأوسلو أن تقوم لو وقف كل هؤلاء ضدها؟ ليراجع كل ماضيه ويقرأ ما كتب، يقرأ ما كذب!

يقول رأي: هذا جيد؟ فلينفك هؤلاء من حول السلطة.
وهذا صحيح إذا انفك هؤلاء، فهل ينفك من عاش في رغدها عقوداً، ومن خان النظريات والعقائد مقابل التمول؟

هناك الكثيرون بينهم الذين يحاولون شطف أنفسهم اليوم، (بتعبير ناجي العلي)، ولكن المسألة ليست غبار حواكير هذه القرية او تلك، المسألة هي في الاعتراف بالكيان والتطبيع معه. وهذان جرمان لا يُنسيان حتى لو شطف هؤلاء أنفسهم بالماء والبّرّدْ.

قبل شهرين مارسوا نفس الموقف وفي نفس المكان ضد من خالفهم في الموقف من التطبيع. ما الفرق؟ كانوا ولا زالوا يريدون نصف تطبيع او ربع تطبيع أو رفض التطبيع داخل المباني التطبيعية فقط، وليس رفض التطبيع في العلن.

لقطات من فيلم تصفوي قصير!

25 أغسطس 2010

عبد اللطيف مهنا

في مشهد إسرائيلي… الإسرائيلييون منهمكون في مواصلة إنجاز مخططات تهويد ما لم يهوّد بعد في الضفة، وتتصاعد وتيرة وضع اللمسات الأخيرة على تهويد القدس بالكامل… إعلانات وتسريبات تهويدية متلاحقة عن الشروع في بناء المزيد من الشقق أو الأحياء المضافة للمستعمرات قيد التوسع، والتي تتمدد باضطراد وبالتوازي مع تقلص مساحات الزيتون قيد الاقتلاع، وازدياد غارات المستعمرين على القرى الفلسطينية المقامة مستعمراتهم على أرضها… الجرافات منهمكة في التهام المزيد من المنازل المقدسية وتشريد ساكنيها، وبلدية الاحتلال تواصل ليل نهار تنفيذ مخططات إزالة الأحياء والحارات الفلسطينية وتحويلها إلى يهودية أو متاحف وحدائق تلمودية… ولما لم يعد في بيت المقدس الكثير لفعله، تلتفت الجرافات النهمة إلى المقابر التاريخية، فلا تأمن من أسنانها المكشرة حتى مقبرة مأمن الله التاريخية، فتطحن أجداث قاطنيها ومنهم الصحابة والتابعين والأعلام…

في النقب المحتل في العام 1948، الجرافات إياها، وألف شرطي يرافقها، تزيل من الوجود، وللمرة الرابعة، قرية العراقيب الفلسطينية، هذه التي كان وجودها سابقاً على النكبة وقيام كيان مقترفيها الغاصبين…

وفي فاصل قصير… يعلن الإسرائيليون عن “تفاهم” بين رام الله والمحتلين يقضي بتخفيض صوت الآذان في الشهر الفضيل تجنباً لإزعاج المستعمرين… بعد الفاصل، نتنياهو يخبر إسرائيلييه واثقاً، بأن المفاوضات المباشرة مع “السلطة الفلسطينية” في رام الله سوف تبدأ في تقديره منتصف الشهر الجاري، ويحتفى باستقبالها بالمزيد من الغارات الدموية على غزة، والمزيد من الاعتقالات في الضفة…

…مشهد أمريكي… أوباما المتكيف مع المؤسسة، يبتلع مواقف بداياته الإيهامية المدوية ويمارس عكس كل ما أوحى به لعرب التسوية، ويصارحهم قولاً وعملاً بأن المراهنة عليه هي أكثر من خاسرة، ويؤكد لهم ضمناً أن المسلمات الإسرائيلية المعهودة لازالت وستظل ثوابتاً أميركية، وأن كلام الليل الأمريكي كالعادة يمحوه على الدوام نهار ثابت التماهي تماماً مع المتطلبات الإسرائيلية، لدرجة أن هناك من عرب الأمريكان من بات يترحّم حتى على بوش… باختصار، الأمريكان يضغطون بشتى الوسائل على رام الله ورعاتها العرب، ومستعينين أيضاً بكل من يستطيع الضغط بالنيابة عنهم للانخراط في المفاوضات الآن قبل الغد، أو عملياً للاستجابة لمشيئة نتنياهو، أو إعطائه الوقت الكافي لإنجاز عملية التهويد لما تبقى من الفتات المتفاوض عليه… شعبياً آخر الإحصائيات تقول، أن 63% من الأمريكان يؤيدون إسرائيل و 15% يتعاطفون مع الفلسطينيين… أما عن تراجعات أوباما فيقول زلمان شوفال أحد مستشاري نتنياهو: “بدأ الرقاص الديبلوماسي يتحرك من العقائدية إلى البراغماتية، بل إلى الإيمان بالقوة”… بالمناسبة تفيد استطلاعات أمريكية أخرى بأن قرابة ربع الأمريكان يعتقدون أنه مسلم!

…مشهد عربي… لجنة المتابعة العربية تختصر وحدها، وبجدارة لا تحسد عليها، المشهد العربي الرسمي الراهن، فتقوم بالواجب تحت تلك اليافطة التليدة: أوراق الحل بيد أمريكا… وعليه، رقاصها يظل كما كان دوماً متجهاً صوب ذاك الوسيط غير الموصوف بالنزيه، والذي لا يهمه بأن يوصف بالمنحاز. ونزولاً عند رغبة مالك أوراق الحل هذا، أعطت المتابعة، التي أيدت “الدور الأمريكي الفعّال”، رام الله الضوء الأخضر لمواصلة ذات الملهاة التفاوضية، لكنما، والحق يقال، دونما سحب لتأكيدها المتكرر مراراً، وفي مناسبات متفرقة، وعلى لسان الأمين العام للجامعة العربية الناطق باسم متابعتها، الذي يرى أن لا طائل منها… يقول الأمين العام:

“أعطينا الضوء الأخضر للرئيس محمود عباس للدخول في مفاوضات مباشرة مع الإسرائيليين. تركنا له الوقت المناسب، وعندما يرى أن الأجواء تهيأت إلى هذه المفاوضات”!

…مشهد فلسطيني… في انتظار الأخ ميتشل، الذي ليس لديه سوى مكرور الكلام عن “رؤية أوباما” واجترار تعويذة “حل الدولتين”، “السلطة” تؤكد و تؤكد أنها لن تذهب إلى المفاوضات المباشرة إلا إذا قبل الإسرائيليون بمرجعية مبدأ الانسحاب الكامل إلى حدود الرابع من حزيران 1967، بما في ذلك القدس، والوقف الكامل للاستيطان… وقبيل وصوله، فصائل المقاومة سابقاً في رام الله تعتصم… تصوروا، تعتصم مطالبة بعدم العودة للمفاوضات بدون مرجعية ووقف الاستيطان… بل والمقاومون المتقاعدون يبدأون حملة تواقيع على مذكرة تقدم للرفيق ميتشل تتعلق بمطالبهم!…وعند وصوله، تتراجع السلطة كعادتها فتقترح وهي تستقبله مخرجاً تأمل أنه سوف يرضي جنابه، فتبدل المرجعية سالفة الذكر بمرجعية جديدة فحواها بياناً للرباعية الدولية… الرباعية البليرية إياها… بيان فقط، يذكّر، وقد لا يلتزم ببيانها الموسكوبي المعروف، قد يدعو بصيغة أو بأخرى لوقف الاستيطان ويأمل التوصل لحل خلال عامين… ويؤكد أبو مازن سلفاً وقبل أن يصدر البيان المنتظر: “سأذهب رأساً لأن البيان سيكون متضمناً كل شيء”…

…وحيث تختلط المشاهد… نتنياهو يرفض مرجعية الرباعية، ومثله يفعل عضو الرباعية الولايات المتحدة، التي بدورها تعلن عدم قبولها لمرجعيتها… ويغادر ميتشل المقاطعة، وتعلن السلطة أن لا اتفاق معه لكنما المباحثات بين الطرفين ستستمر… تبحث المسألة في لقاء ثلاثي مصري أردني فلسطيني في القاهرة، التي شهدت لقاءات سبقت ميتشل تحضيراً لوصوله… وتتكشف المشاهد جميعاً عن طرفين ووسيطين: إسرائيلي، يريد مفاوضات مباشرة وإلى ما لا نهاية، أي على مذهب شامير الشهير الذي بشّر به في مؤتمر مدريد، من شأنها أن تعيد الأمور إلى الحلقة المفرغة، وأن تبرهن على نجاح سياسة نتنياهو التي تعني استمرار التهويد، واستمرار الجمود الملائم لاستمرار سياسته، واظهاره كرجل سلام… ربما بانتظار جائزة نوبل!

وفلسطيني، يبحث عن مخارج لكي يتفاوض، لأنه بات يرى أن وجوده واستمراره غدا بحد ذاته رهن بالتفاوض… أما الوسيطين، فأمريكي يريد تفاوضاً للتفاوض فحسب كإنجاز للإدارة تباهي به يوم الانتخابات الاشتراعية المقتربة، وعربي لا بديل عنده سوى المفاوضات…

…في نهاية الفيلم، يودع نتنياهو ميتشلاً قائلاً: “هلا بدأنا… فلنشرع في المفاوضات”… يجيبه ميتشل: “نحن نشاركك هدفك”… ويعلن الاتحاد الأوروبي عن توقعه ذهاب أبو مازن القريب للمفاوضات، أما أبو مازن فبانتظار بيان الرباعية، وبيان الرباعية بانتظار التوصل لصيغة ملتبسة ترضي نتنياهو، ويوظفها لمصلحة سياساته المشار إليها… وتطفئ الأضواء حيث يتفرق جميع المشاهدين وهم بانتظار وقت عمرو موسى المناسب لهذا الذهاب… ولا يطول الانتظار، يصدر بيان الرباعية المطلوب مشفوعاً بدعوة أمريكية لبدء المفاوضات كما حددها البيان في الثاني من الشهر المقبل في واشنطن… وبدون شروط مسبقة، أي بدون الاستجابة لأي مطلب فلسطيني، وهو وإن كان مذيلاً بتوقيع الرباعية، وفيه المنشود من اللبس، أو بعض ما يتيح لكل طرف تأويله على طريقته مبرراً قبول الدعوة الأمريكية، فإن جوهر مضمونه بدا وكأنما الذي صاغه هو نتنياهو… بعض المصادر تؤكد بأن ميتشل كان قد عرض نص هذا البيان سلفاً على الطرفين قبل مغادرته للمنطقة ووضع موافقتهما في جيبه… وتجتمع “اللجنة التنفيذية” في المقاطعة، وتقرر، أو يقرر أبو مازن، أنه قد آن الوقت المناسب للذهاب رأساً للتفاوض!!!

عند دانائي الخبر اليقين!

25 أغسطس 2010

جمال محمد تقي

ملاحظة من كنعان

إذا كان السفير الإيراني في وضع يسمح له بمقاضاة كل من يتهم إيران بالتدخل في العراق، فما ا لذي يُعده لقوى المقاومة؟ أم أن المخطط ضد هذه القوى لا يمكن الحديث العلني فيه.

ولكي لا نقع في القول الشهير:

أمرتهم امري بمنعرج اللوى…فلم يستبينوا الرشد إلا في ضُحى الغد

إن كنعان لتدعو القوى والمثقفين القوميين والشيوعييين الحقيقين في الوطن العربي لتشكيل جبهة دعم للعراق وخاصة للمقاومة وليكن في مقدمة دورها أمران:

- نقد وفضح مواقف الكمبرادور العربي الذي يسهل احتلالات العراق.

ـ العمل على توعية الشعب العربي بوجوب الحذر من أطماع النظام ألإيراني والتوجه للشعب ألإيراني بالضغط على نظامه بأن يكون حليفاً للعرب لا عدوا.

* * *

عند دانائي الخبر اليقين!

جمال محمد تقي

افتتح السفير الايراني الجديد للعراق حسن دانائي موسمه الدبلوماسي بتهديد علني يقوم على مقاضاة اي عراقي تسول له نفسه اتهام ايران بالتدخل بالشأن العراقي، وبعد اسابيع على تصريحه التهديدي هذا، كشف هو بنفسه النقاب عن مفاوضات تجريها وفود ايرانية مع مسؤولين عراقيين بشأن تشكيل الحكومة العراقية القادمة، ولم يكتفي بذلك فقط وانما اعلن وبصيغة الواثق من ان الحكومة العراقية الجديدة ستشكل في نهاية الاسبوع الاول من الشهر القادم ـ سبتمبر ـ!

تصريحات سعادة السفيرالجديد لا تختلف عن فحوي تصريحات سلفه حسن كاظمي قمي، وهو بالتأكيد سوف يقوم بنفس اعماله وبصورة اشد بحكم اشتداد ملامح الصراع على النفوذ في العراق ودخولها مرحلة الحصاد الكلي، فما يقوله السفيرهوصدى ميداني لموجة عارمة من المواقف والاعلانات والبيانات والتلميحات التي يسلطها ساسة ايران على العراق، ليس فقط من باب التدخل في شؤونه الداخلية، وانما من ابواب فرض الوصاية عليه وعلى سيادته، فهذا رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الايراني يعلن بان لجنته تعد مسودة تشريع لمطالبة العراق بتعويضات عن حرب الثمان سنوات، وهذا مجلس الامن القومي الايراني يعقد جلسة خاصة لمناقشة الاوضاع الامنية في العراق ويجري التكتم على مفردات توصياته، وهذا احمدي نجاد يقول وبعضمة لسانه انه لولا حكمة ايران وتساهلها لما تمكن الامريكان من اسقاط نظامي طالبان وصدام، اما قاسم سليماني قائد فيلق القدس فانه يتوعد بأنقلاب السحر على الساحر في العراق لو حاولت امريكا واسرائيل النيل من ايران، ويردف تهديده هذا بان العراق سيكون جنوب لبنان ثان، وبوابة ايران للنصر المبين، ويستطرد قائلا ان امريكا وجيوشها التي احتلت العراق وافغانستان عاجزة عن حسم الامور فيهما الا اذا تفهمت المطالب الايرانية، نجاد كرر قول سليماني عندما خاطب اوباما داعيا اياه للتفاهم مع ايران، وبصراحة وثقة يقول نجاد : اذا اراد اوباما حلا لمشاكله في العراق وافغانستان وفلسطين ولبنان، ليس عليه الا التفاهم مع ايران!

ماذا يسمي سعادة السفير كل هذا السيل من الشهادات المعبرة؟

انها لا تنم فقط عن تدخل فض بشؤونه الداخلية وانما عن تأمراحتلالي عليه وعلى سيادته، وعن الامعان في محاولة تمزيقه وزرع الفتن فيه بل ومصادرة قراره؟

ربما يكون الامر هينا لو اقتصرفقط على التهديدات، واللادعاءات، وتجنيد العملاء، والابتزازات الحدودية والنفطية والمائية والتجارية، واستعراض القوة و محاولة التاثير على الواقع السياسي في العراق، او الاستثمار في مشاكله، لكنه وصل حدا لا يطاق خاصة عندما اصبح رديفا اقليميا للاحتلال الامريكي، ويشترك معه بذات الاهداف واخطرها العاملة على تقسيمه الى ثلاث دويلات، فمشروع بايدن لم يأتي من فراغ، وقرار دفع ايران للاحزاب الطائفية العراقية التابعة لها للانخراط بالمشروع الامريكي لغزوالعراق واحتلاله وتقسيمه على مراحل، ليبدووكأنه بفعل ذاتي، وليس بفعل خارجي متكالب ـ اسرائيلي امريكي ايراني ـ ليس قرارا بلا معنى!

الادهى والآمر ان ايران اصبحت اكثر قدرة تكتيكية من الامريكان في اللعب بدماء العراقيين الابرياء مدنيين وعسكريين، وهي اكثرمطاولة من غيرها من المحتلين والمتدخلين بحكم قربها التاريخي والجغرافي وتغلغلها الافقي والعمودي في اوساط العراقيين، وبواسطة اذرعها المدنية والعسكرية والمخابراتية والحوزوية التي تخلط الاوراق طائفيا وسياسيا باوراق التاريخ والجغرافية والمقاومة والارهاب!

يدرك العراقيون، بأن المشروع الامريكي اوسع من ان تحتويه ايران لانه الاقدر منها موضوعيا، وهوبالاصل مشروع لاحتواء مزدوج خاص بالعراق وايران معا، فعندما كان الامريكان يباركون استمرار الحرب الايرانية العراقية فانهم يعرفون ماذا يريدون، انهاك الطرفين، وبعد ان انهك الطرف العراقي تم احتوائه احتلاليا، والان جاء الدور على ايران، فالواضح ان التهادن الامريكي متعمد لتوريط ايران في العراق، وهو يشابه من زاوية جانبية، عملية توريط صدام في الكويت ـ مع الفارق طبعاـ حيث العبرة ستكون مناسبة لهم بالنتائج النهائية، لتكون خاتمة يريدها الامريكان انفسهم، بمعزل عن اتفاق ايران مع امريكا على تفاصيل خطواتها داخل العراق من عدمه.

من غيرالوارد ان تتقبل موازين القوى الحالية ظهور امبراطورية ايرانية تشارك في رسم خريطة المصالح الحيوية في الشرق الاوسط، كبيرا كان ام صغيرا، وترك العراق لايران يعني وعلى الفور قيام مثل هذه الامبراطورية، الوارد بطبيعة الحال هو الامعان في توريط ايران بالعراق وليس العكس، ومن ثم الاعتماد على دماء العراقيين في اجهاض التمدد الايراني وانهاكه والانقضاض عليه بتحالف دولي، فامريكا قد تكون قد قدمت العراق على طبق من ذهب لايران، نعم، ولكن هذا الطبق مسموم، وسيكون مقتلها فيه، وهنا ستنجح امريكا واسرائيل في احتواء الاثنين كما كان يخطط سابقا شيخ المهتمين بالشان الشرق اوسطي، واحد دهاقنة السياسة الخارجية الامريكية ـ هنري كسنجرـ!

ان ادراك الوطنيين العراقيين وفي مقدمتهم فصائل المقاومة العراقية، لهذا الاطارالكلي، وتفكيك رموزه واسراره، يجعلها في مأمن وفي حصانة من اي شطط قاتل، فالانسحابات الامريكية من العراق ومهما كانت ثقيلة بعددها وعدتها مثلا، لا تعني قطعا فك ارتباط امريكا بالعراق، وهذا مايقوله الامريكان انفسهم، اي ان مهمة تحرير العراق من الوصاية والهيمنة الامريكية ستكون سارية المفعول، حتى ان تغلق اكبر سفارة امريكية في العالم ابوابها، وحتى ان ياتي اليوم الذي تعترف فيه امريكا بذنبها وتكون على استعداد حقيقي لتعويض العراق، وبنفس الوقت الذي تعمل فيه المقاومة على التصدي للدسائس الايرانية ومخابراتها ومرتزقتها وفيلق قدسها، فوجه النظام الايراني القبيح يتكشف يوما بعد اخر للشعب الايراني نفسه، ناهيك عن العراقي واغلب شعوب المنطقة.

القصف شبه اليومي للاراضي العراقية في الشمال، وتنشيف مياه الانهر الصابة بالاراضي العراقية وتلويث مياه شط العرب، ونشر اعمال الارهاب في مختلف مناطق العراق، واغتيال خيرة عسكريي وعلماء العراق وطياريه، ومحاولات اشاعة الثقافة الطائفية، كلها ادلة ملموسة تضاف الى مخزون العراقيين بمختلف مشاربهم عن الاطماع والجرائم التي يرتكبها نظام الملالي بحق العراق واهله وستجعلهم اكثر حذرا وحيطة مما يحاك وعلى كل الجبهات.

تأملات الرفيق فيديل كاسترو: الحكومة العالمية (الجزء الثاني والاخير)

24 أغسطس 2010

أبجدية تجارة المخدرات

يُجنى الأفيون في مناطق مختلفة من العالم: أمريكا الجنوبية، المثلث الذهبي في لاوس، بورما، تايلاند، أفغانستان، باكستان، وآسيا الوسطى، وهي منطقة تُعرف باسم الهلال الذهبيّ. معظم الخشخاش المنثور ينمو في منطقة جبليّة ضيقة يبلغ طولها ستة آلاف كيلومتر، وتمتد من جنوب آسيا حتى تركيّا، مروراً بباكستان ولاوس.

من الواضح طبعاًُ أن أعضاء نادي بيلدربيرغ لا يتكلّفون شخصياً مهمة نقل المخدّرات ولا غسل الأموال التي تعود بها الأرباح. هذا الأمر تتكفل به وكالة السي آي إيه.

[...] يشير نيل كلارك إلى ما يلي: “سوروس مغتاظ ليس من أهداف بوش -نشر السلام الأمريكي وجعل العالم أكثر أمناً بالنسبة لرأسماليين عالميين مثله هو-، وإنما من الطريقة الجلفة والفظة التي يستخدمها بوش من أجل تحقيق ذلك.

‘خطة مارشال” التي اقترحها للبلقان هي وهم. [...] بعد تمويلها من البنك العالمي والبنك الأوروبي للتنمية، وكذلك من قبل دائنين من القطاع الخاص، ستعود بالفائدة بشكل رئيسي على شركات المناجم والنفط والبناء، وستضخّم الديون الخارجية إلى ما بعد الولوج في الألفية الثالثة”.

التدخل العسكري لحلف الناتو

إن تعزيز سلطة حلف الناتو في جنوب أوروبا وحوض المتوسّط أيضاً يشكل خطوة نحو توسيع دائرة النفوذ الجيو ـ سياسي لنادي بيلدربيرغ إلى ما بعد البلقان ليصل إلى منطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى وآسيا الغربية.

شبح “ترافيس”

في الأسبوع الأول من شهر تشرين الثاني/نوفمبر 1999 تلقيتُ ما بدا لي في البداية بطاقة تهنئة تم إرسالها من لاديسبول، وهي بلدة صغيرة تقع في إقليم لازيو، روما، على ساحل البحر المتوسط.

الثلاثون من آذار/مارس 1980 هو الموعد الذي غادرنا فيه الاتحاد السوفييتي رسمياً. أثناء وجودنا في إيطاليا أقمنا في لاديسبول، وهي بلدة صغيرة تحوّلت إلى مأوانا خلال العام التالي.

خرجت إلى الشارع. كان المطر يهطل رذاذاً. طفلان صغيران كانا يقفزان ويبللان أنفسهما من مستنقع ماء إلى آخر، مخلّفَين آثار أحذيتهما على الرصيف. اجتزت الشارع الترف تحت الغيوم وفتحت باب الحانة عند زاوية منزلي. 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1999. من يدري ما معنى كل هذا؟ عدتُ لقراءة النص. “إنني أقضي لحظات ممتعة. ليتك كنت هنا” التوقيع: فاشودا. من هو هذا الشخص يا ترى؟

“فاشودا ليس بشخص، إنه اسم مكان”. كان بوسعي أن أحسّ بطريقة خفقان قلبي. 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1999 [...] فجأة انتصبت على مقعدي. “فاشودا، ترافيس ريد!!!!”

ترافيس هو شرير كنت قد تعرفت إليه خلال اجتماع لنادي بيلدربيرغ في كينغ سيتي عام 1996. كان لصاً قليل الأهمية، فوضوي وموضع احتقار [...]. كان ترافيس معرضاً للاعتقال، وأن يُفرَج عنه أيضاً، بذات السرعة تقريباً.

وكما علمت لاحقاً، فإن ترافيس ريد كان قد تحول إلى مجرم لكي يعمل مع المجرمين.

تم إرساله إلى السودان من قبل عملاء كانوا يعملون للسي آي إيه وللشرطة القومية الكندية (RCMP) على حد سواء. لم يتم أبداً الكشف عن تفاصيل رحلته إلى السودان، ولكن على غرار ما حدث عام 1899، هذا المكان الذي أفلت من يد الله، كان يجذب كل الأشخاص غير الملائمين بسبب أكثر الدوافع ملاءمة.

“إذا أراد ترافيس أن يراني، فإن الأمر سيتحول إلى ورطة كبرى”، هذا ما قلته لنفسي.

من واجبي الاعتراف أنه حين كانت الأمور تسوء، كنت أثق دائما بالمسؤولين السوفييت السابقين. شيء ما متأصل فيهم كان يجعلهم لا يثقون بالغرب، ولم يكونوا يستسلمون لمحاولات شراء ذممهم بسهولة، خلافاً لما تحاول الصحف الجماهيرية والتقارير الصحافية ان تحملنا على التصديق به.

لم يكونوا نوعاً من الناس الذين يروق لك ان تخونهم. كنت على إدراك بأنني آمنا معهم. كان جدّي قد خاطر بحياته في بدايات عقد الخمسينات لكي ينقذ أرواح آباء هؤلاء الرجال، عملاء الـ “كي جي بي”.

في السابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر، في الساعة الأخيرة من ساعات العصر، رنّ هاتفي المحمول. إنه ترافيس. كان مقيماً في وكر ما في أنحاء روما.

قاطعته قائلاً: “بلازا دي لا ريبوبليكا في الساعة الخامسة والنصف عصراً”

صاح ترافيس: “أنا الذي أضع الشروط”. وسأل “هل تريد معلومات ام لا؟”

قلت له ببرود: “ليس لدرجة أن يقتلوني”.

لم يحضر ترافيس إلى اللقاء. في حوالي الساعة الثامنة والنصف توجّهنا بسرعة إلى مقر إقامته، هذا إذا أمكن أن نطلق عليه هذا الاسم، والمسدسات بأيدينا.

وكره، يتالف من غرفة واحدة، تم نهبه بالكامل. ومع ذلك، لم تكن هناك آثار عراك ولا بقع دم ولا جثة ترافيس ريد. بقدر ما أعرف، لم يتم الحديث عنه بعد ذلك أبداً.

بين الفينة والأخرى، يظهر شبح ترافيس في أعمق أعماق ذاكرتي، ذكرى لطيفة لضعف وهشاشة النفس البشرية.

بهذا ينهي ستولين الجزء الثالث

الفصل الرابع

نادي بيلدربيرغ والحرب السرية في أفغانستان

القضايا التي تنشب الحروب بسببها تكمن في الإيديولوجية الواردة في الكتب المدرسية: تتجه الأمم للحروب لفترات مريعة من حيث طولها الزمني، استناداً إلى أكاذيب، كما أثبتت الحرب العالمية الأولى وكل واحدة من حروب القرن العشرين.

المؤرخ الشهير إدموند مورغان كتب ما يلي: “التاريخ لا يتكرر أبداً. إنما يبدو ذلك فقط لأولئك الذين لا يعرفون التفاصيل”.

حوض بحر قزوين وآسيا الوسطى يشكلان مفاتيح الطاقة في القرن الحادي والعشرين. ثلثا الاحتياط العالمي من النفط يتواجدان في تلك المنطقة. “[...] تريد أمريكا أن تكون المنطقة تحت السيطرة الأمريكية كلياً”، حسبما يؤكد جيمس دونان في مقالة نشرتها مجلة “Commercial Oil & Gas Journal” في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر 2001.

“مادلين أولبرايت [التي كانت آنذاك وزيرة للخارجية في عهد كلينتون وأحد الأشخاص المسؤولين عن حرب كوسوفو] خرجت بالاستنتاج أن ‘العمل من أجل تحديد مستقبل المنطقة هو أحد أكثر الأمور التي يمكننا صنعها’إثارة “، حسبما ورد في عدد أيار/مايو 1998 من مجلة “تايم”.

حرب الخليج سمحت للبنتاغون أن يقيم العديد من القواعد العسكرية في العربية السعودية وفي الإمارات العربية المتحدة وفي أماكن أخرى.

وكما وثّق البروفيسور مايكل شوسودوفسكي في “War and Globalization”، فإن حلف غوام”GUUAM” (جورجيا وأوكرانيا وأوزباكستان وأذربيجان وملدوفيا)، الذي شكّله حلف الناتو عام 1999، يتربع على ثروة بحر قزوين من النفط والغاز. الدولة الأساسية ضمن حلف “GUUAM” هي جورجيا، الدولة العميلة للولايات المتحدة، حيث حلّ ميخائيل ساكاشفيلي في الرئاسة محلّ وزير العلاقات الخارجية السوفيتي السابق إدوارد شيفارنادزي عبر انقلاب رعاه الأمريكيون وتم إظهاره على أنه تمرّد شعبي وعفَوي.

حسب مشروع “Underground” [...] فإن أعضاء سابقين في مجالس السوفييت، من الـ “كي جي بي” ومن المكتب السياسي، يستغلّون الثروة النفطية، “إلى جانب “مجموعة مخيفة من الشخصيات الهامة البارزة خلال الحرب الباردة، آتية بشكل رئيسي من الجهاز الحكومي لجورج [هـ. دبليو]بوش (الاب)”. اللاعبون هم المستشارون السابقون لكل من ريغان وبوش وكلينتون، أمثال جيمس بيكر إيل (وزير الخارجية الأسبق في عهد إدارة بوش الأب)، وديك تشيني (نائب الرئيس) وجون سونونو (الرئيس الأسبق للطاقم موظفي البيت الأبيض).

[...] بيتر سوثرلاند (من “بريتيش بتروليوم”) والملكة البريطانية إليزابيث الثانية (مساهِمة رئيسية في “بريتش بتروليوم”، رأس لجنة الثلاثمائة)، اللذان يصارعان من أجل السيطرة على الموارد النفطية وممرّات أنابيب النفط التي تخرج من حوض بحر قزوين. في عام 1998، وبعد الاجتماع السري لنادي بيلدربيرغ في سكوتلاندا، أبلغا الوسائل الإعلامية المستقلّة أن حلف الناتو، واتباعاً منه لتعليمات من النادي الذي أسّسه، أعطى ضوءاً أخضر لروسيا لكي تقصف الشيشان، علماً منه أنه سترتفع بذلك أكثر التوترات بين هذين البلدين اللذين تعود الأحقاد بينهما إلى ثلاثمائة سنة إلى الوراء.

الأنبوب النفطي الأفغاني لم يكن مجرد نشاط تجاري، وإنما هو جزء أساسي من خطة جيو-إستراتيجية أوسع نطاقاً: السيطرة العسكرية والاقتصادية الكاملة على أوراسيا (الشرق الأوسط والجمهوريات السوفييتية سابقاً من آسيا الوسطى). جورج مانبيوت اكد على ذلك في “The Guardian” في الثالث والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2001: “ليس للنفط والغاز أية أهمية اذا لم يتم نقلهما. الخط الوحيد ذو الأهمية السياسية والاقتصادية على حد سواء هو عبر أفغانستان…”.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، كانت شركة “بريداس” (Bridas) النفطية الأرجنتينية، التي يقودها رئيسها الجشع كارلوس بولغيروني، أول شركة تستغلّ الآبار النفطية في تركمانستان، حيث يتواجد واحد من أكبر احتياطات الغاز في العالم. [...] أفغانستان هي الطريق الأقصر باتجاه الخليج (العربي) من أجل نقل موارد الغاز من تركمانستان وأوزبكستان، من شمال وسط آسيا وغرب وسط آسيا.

في ما بعث الحزن والمرارة عند شركة “بريداس”، وجّهت شركة”يونوكال” (UNOCAL) عرضها إلى القادة الإقليميين مباشرة. وشكّلت “يونوكال” مجموعة شركات منافسة خاصة بها، بقيادة الولايات المتحدة، برعاية واشنطن، وشملت “ديلتا أويل” السعودية، بالشراكة مع الأمير السعودي عبد الله والملك فهد.

وحسبما يذكر أحمد رشيد فإن “التاثير الحقيقي لشركة ‘يونيكال’ على حركة طالبان استند إلى أن مشروعها كان يعطي فرصة الاعتراف بالحركة من قبل الولايات المتحدة، وهو ما كانت طالبان تسعى لتحيقه بأي ثمن”. [...] في ربيع عام 1996 استدعى إداريون من “يونيكال” الزعيم الأوزبيكي عبد الرشيد دستم (وهو سفّاح مسؤول عن مجزرة دشت الليلي التي ارتكبت في شهر كانون الأول/ديسمبر 2001 عندما تم خنق المئات من أسرى حركة طالبان ومع سبق الإصرار في حاويات شاحنات معدنية بينما كان جنود أمريكيون ومن حلف الناتو يقتادونهم إلى سجن قندز، أفغانستان) إلى دالاس من أجل مناقشة خط مرور أنبوب النفط بالأراضي الشمالية من بلاده، والخاضعة لسيطرة “تحالف الشمال” الافغاني.

وحسب وصف رشيد، فإن التنافس بين “يونيكال” و”بريداس” “أخذ يعكس التنافس داخل العائلة الحاكمة السعودية”. وفي عام 1997، توجّه مسؤولون من طالبان مرتين إلى واشنطن وبوينوس أيريس ليحظوا بتكريم “يونوكال” و”بريداس”.

من جديد، كان للعنف أن يغيّر مجرى الأحداث. فرداً على قصف سفارتي الولايات المتحدة لدى كل من نيروبي وتنزانيا (والذي نُسب إلى اسامة بن لادن، مع أن مصادر استخبارية فرنسية قالت أن الاعتداء هو من فعل الموساد الإسرائيلي)، أطلق بيل كلينتون صواريخ كروز على متجر فارغ في أفغانستان والسودان في العشرين من آب/أغسطس 1998. وقطعت إدارته آنذاك علاقاتها الدبلوماسية مع حركة طالبان وفرضت الأمم المتحدة عقوبات عليها.

خلال الفترة المتبقية من رئاسة كلينتون، لم تعترف الولايات المتحدة ولا منظمة الأمم المتحدة رسمياً بأفغانستان. ولم يحدث أي تقدم في موضوع أنبوب النفط.

في تلك الآونة وصل جورج دبليو بوش إلى البيت الأبيض.

خلال الأشهر الأخيرة من إدارة كلينتون، كانت حركة طالبان تعتبر رسمياً مجموعة إرهابية. بعد نحو عقد من التنافس الوحشي بين مجموعة شركات “يونوكال-سينتغاز” (UNOCAL-CentGas) المدعومة من الولايات المتحدة و”بريداس” الأرجنتينية، لم تكن أي من الشركتين قد تمكنت من التوصل إلى اتفاق لإقامة أنبوب نفط في أفغانستان. [...] جورج دبليو بوش استأنف العلاقات الدبلوماسية مع حركة طالبان. ليس هناك ما يدعو للغرابة، فالرئيس الأسبق جورج هـ. دبليو بوش (الاب) توجّه في العامين 1998 و2000 إلى العربية السعودية باسم المجموعة التجارية الخاصة “كارليلي غروب”، وهي شركة التعهدات الدفاعية التي تحتل الموقع الحادي عشر بين أهمّ تلك الشركات في الولايات المتحدة، حيث اجتمع على انفراد بالعائلة السعودية الحاكمة ومع عائلة أسامة ن لادن، حسب عدد السابع والعشرين من أيلول/سبتمبر 2001 من صحيفة “ذي وول ستريت جورنال”.

في واحد من أكثر المشاهد التي سبقت الحادي عشر من أيلول/سبتمبر سوريالية وكافكيّة[1]، نقلت صحيفة “ذي واشنطن بوست” عن ميلت بيردين، عميل السي آي إيه، التي ساعدت على تشكيل قوات المجاهدين الأفغان، في تعبير عن أسفه لعدم أخذ الولايات المتحدة الوقت اللازم لفهم حركة طالبان، تأكيده: “لم نُصغِ أبداً إلى ما حاولوا أن يقولوه لنا [...]. لم نكن نتحدث لغة مشتركة. نحن كنّا نقول ‘سلِّموا ابن لادِن’. وكانوا هم يقولون: ‘افعلوا شيئاً يساعدنا على تسليمه’”. ولكن هناك ما هو أكثر من ذلك.

في الواقع العملي، العلاقة بين إدارة بوش و”الإرهابي” وزعيم القاعدة، أسامة بن لادن، لم يسبق لها أبداً أن كانت أفضل مما هي عليه.

الدليل على أن الحرب في أفغانستان، حيث جشع الشركات متعددة الجنسية يختلط بجشع وقسوة كبريات الشركات النفطية (”بي بي”، “شل”، “إكسون”، “موبيل”، “شيفرون”، إلخ) هو بكل بساطة دليل لا يُدحض. إنه لامر مفزع التفكير أن منطقة مهملة، ويسيطر عليها إرهابيون، أن تتحول إلى نقطة تترابط فيها مصالح إدارة بوش و”يونوكال” ووكالة “السي آي إيه” وحركة “طالبان” والعربية السعودية وباكستان وإيران وروسيا والهند.

تحت عنوان “راعي بقر في البيت الأبيض”، يقول دانيال ستولين:

شكّل بوش جهازه الحكومي من شخصيات من عالم صناعة الطاقة ذوي علاقات وثيقة بوسط آسيا (ديك تشيني، من “هالبورتون”؛ ريتشارد أرميتاج، من “يونوكال”؛ كوندوليزا رايس، من “شيفرون”) ووصل إلى السلطة بفضل سخاء مجموعات الشركات ذات الحقوق المكتسبة في المنطقة، مثل “إنرون”.

مشاركة عائلة بوش في السياسة النفطية في الشرق الأوسط ووسط آسيا وعلاقاتها الوثيقة بالعائلة السعودية الحاكمة وعائلة بن لادن قائمة منذ عدة أجيال.

كيف اخترع أبناء نادي بيلدربيرغ حرب “يوم الغفران” بهدف تدويل النفط؟

[...] لا يترك أعضاء نادي بيلدربيرغ أمراً يفلت من أيديهم. لا يعملون وفق خطة خمسية. إنما هم يخططون لمدىً أطول. في بدايات أعوام الستينات أعدّوا خطة “ب”، وهي خطة تقاسم نفط تشمل الولايات المتحدة وإحدى عشر دولة صناعية أخرى هامة، وذلك بوضعها آليةً يؤكد آلين بشأنها ما يلي: “النفط الذي يتم إنتاجه داخل الولايات المتحدة، للمرة الأولى في التاريخ الأمريكي، سيتم تقاسمه وتخصيصه في حال حدوث حظر نفطي آخر من جانب الشرق الأوسط”.

موجز الفصل الرابع

“تجربة” عام 1973، التي أعدّها أعضاء نادي بيلدربيرغ، تثبت بوضوح أنه سيتم استخدام النفط كسلاح للسيطرة. ما حدث عام 1973 نبّه “المواطنين الأمريكيين وجعلهم يلاحظون مدى السيطرة التي تستطيع الحكومات الأجنبية ومجموعات الشركات متعددة الجنسيات أن تمارسها على الأمة”، هذا ما كتبه دافيد أ. ريفيرا في “Final Warning: A History of the New World Order”.

يتناول في الفصل الخامس

“ماتريكس” (MATRIX): قواعد بيانات وبرنامج المعرفة الشاملة للمعلومات

بشكل عام، من الأسهل بكثير التوصل إلى اتفاق إذا لم يكن هناك مستمعون. ليست المسألة مسألة نزعة للسريّة، وإنما هي مسألة القدرة على التحرك بطريقة أكثر فعالية.

نيل كينّوك

مفوّض الاتحاد الأوروبي

وعضو نادي بيلدربيرغ

“مكتب إدراك المعطيات الشامل” (Total Information Awareness, TIA) الخاص بالبنتاغون هو نظام ينطلق من عبارة مشفّرة ويترتب عليه التحلل التدريجي للحريات الفردية القيّمة في أمريكان والتي يدافع عنها الدستور، والتنازل عنها لصالح دولة عالمية، شموليّة. الجزء الأكبر من تفاصيل هذا النظام التجسسي الهائل ما زال لغزاً. بعد اعتداءات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، تحوّل “مكتب إدراك المعطيات الشامل” (Total Information Awareness, TIA) إلى شبكة مراقبة هي “انعكاس لتوجّه أكبر ظهر في الولايات المتحدة وأوروبا: الاندفاع الذي لا مناصّ منه ظاهرياً نحو مجتمع يخضع للمراقبة”.

المحور الرئيسي لشبكة المراقبة الشاملة هو شكل جديد وما فوق العادي يسمى “استكشاف المعلومات” أو اكتشاف المعارف، والذي يفترض الاستخراج المؤتمت لمعلومات تكهنية خفية انطلاقاً من قواعد بيانات.

عبر وضعها لكفاءة لا تقارَن في معاملة مليارات التسجيلات في الثانية حيّز التطبيق، جمعت “Accurint” أكبر تسجيل من المعلومات عن جهات اتصال مفتوحة في العالم. تبحث “Accurint” أكثر من 20 مليار سجلاً تغطي ما يمتدّ من تغيير مكان إقامة حديث العهد وحتى عناوين قديمة تعود إلى ثلاثين سنة إلى الوراء.

[...] حين طُلب منها مزيداً من المعلومات، رفض المسؤولون في الشركة كشف تفاصيل أكثر تحديداً حول طبيعة ومصادر معلوماتها.

استناداً لقول كريستوفر كالابريسي، من “مجلس برامج التكنولوجيا وحريّة اتحاد الحريات المدنية الأمريكي”، فإن “‘ماتريكس’ [...] تجعل كل أمريكي موضع شبهة”.

كشفت وكالة “أسوشييتد برس” أنه في شهر كانون الثاني/يناير 2003، أبلغ حاكم ولاية فلوريدا، جيب بوش، نائب الرئيس ديك تشيني، وتوم ريدج، أنه كان على وشك أداء اليمين على منصبه على رأس وزارة الأمن القومي الجديدة. وأطلع مدير “الأف بي آي” روبيرت مويلر، على مشروع سريّ يمكنه أن يثبت كيف أن بوسع قوات الأمن أن تستخدم برنامجاً معلوماتياً من أجل اعتقال “إرهابيين”.

شركة الخطوط الجوية “إيبيريا”

من ناحية أخرى، تعرضت شركة “إيبيريا”، وهي شركة النقل الجوي الإسبانية الرئيسية، لتهمة تزويد حكومة الولايات المتحدة بمعلومات سرية عن مسافريها [...].

“الولايات المتحدة تجبر شركات النقل الجوي على تقديم معلومات عن المسافرين على متن طائراتها”، أندي سوليفان، رويترز، 17 آذار/مارس 2004.

في ذات السياق، طلبت وكالة “ناسا” وقدّمت معلومات سريّة تتعلق ببيانات خاصة بالمسافرين عن الملايين من مستخدمي شركة “نورثويست إيرلاينز” (Northwest Airlines)، كالأسماء والعناوين ومسارات الرحلات وأرقام بطاقات الاعتماد من أجل دراسة مماثلة لاستكشاف المعلومات. [...]، وهي حوادث تسببت بعشرات النزاعات القضائية. يمثل هذا أيضا انتهاكاً لسياستها نفسها.

“‘نورثويست إيرلاينز’ تسلّم لوكالة ‘ناسا’ معلومات شخصية عن ملايين المسافرين؛ هذا التزويد ينتهك سياسة الخصوصية”، Electronic Privacy Information Center، 18 كانون الثاني/يناير 2004.

“‘نورثويست إيرلاينز’ تقدّم معلومات عن مسافريها إلى الحكومة”، جون سوارتز، USA Today، 19 كانون الثاني/يناير 2004.

يخصص ستولين فصلاً لـ

تفاصيل شخصية على مرأى من الجميع

المفوض ألومنيا، والرئيس بوريل، ورئيس المفوضية الأوروبية، خوسيه مانويل بارّوسو، وهو عضو آخر في نادي بيلدربيرغ، قاموا بحملة لصالح إقرار الحقوق الأساسية، التي يفترَض أنها مدرجة ضمن الميثاق الأوروبي [...]. ما لم يقله بوريل ولا ألومنيا ولا بارّوسو أبداً للمواطن الأوروبي الطيّب هو أن جميع الحقوق وكل واحد منها، حسب المادة لحادية والخمسين، يمكن إلغاؤه إذا ما استدعت “مصالح الاتحاد” ذلك.

غير أن هناك أكثر من هذا بكثير مما يمكن روايته في ما يتعلق بالتعبير المخزي عن الخيانة من جانب المفوضية الأوروبية بالنسبة لمواطنيها أنفسهم.

السيطرة الأوروبية على الاتصالات السلكية واللاسلكية: التصويت في البرلمان الأوروبي من أجل الموافقة على حجز المعلومات وعلى المراقبة من قبل قوات الأمن

التصويت على حجز المعلومات في الثلاثين من أيار/مايو 2002(في التشريع الأوروبي السابق، أصوات “الحزب الشعبي الأوروبي” و”الحزب الاشتراكي الأوروبي” شملت 526 نائباً من مجموع 626 نائب).

“Statewatch” و”مراسلون بلا حدود” هما المنظمتان الوحيدتان اللتان أبلغتا عمّا تحوّل إلى قرارات تلحق الأذى بمئات الملايين من الأوروبيين.

بشكل أساسي، التفخيم الكلامي والتحدي من جانب الاشتراكيين بشأن مسائل أمن وطني ودولي ليس الا مهزلة. تحالف كتلتي “الحزب الشعبي الأوروبي” و”الحزب الاشتراكي الأوروبي” في البرلمان الأوروبي أثبت أنهما يؤيدان شروط حكومات الاتحاد الأوروبي، بدلاً من التحرك دفاعاً عن الناس والدفاع عن حقوق المواطنين بالخصوصية والحريات المدنية.

خافيير سولانا مادارياغا، وهو عضو رئيسي في مجموعة بيلدربيرغ والأمين العام السابق لحف الناتو والأمين العام لمجلس الاتحاد الأوروبي والممثل السامي للسياسة المشتركة في الشأن الأمني والدفاعي، في قرار اتخذه “الاتحاد الدولي للصحافيين”، وصفه هذا ببساطة أنه “انقلاب صيفي”. تذكر، أيها القارئ، أن شخصيات مثل سولانا لا تعبّر عن مصالحك ولا عن مصالح إسبانيا.

ثم يعلّق ستولين على كل ذلك في 16 صفحة.

يحتوي كتابه على جزء وضع له عنوان “نهايتي”.

الذاكرة الإبداعية هي المعارض الأكثر دهاء للمؤرّخ. ذريعة النسيان تحكم وتشوّه كل ما نقرر أن نتذكره علناً. يبدو أن الوجود والعالم لا مبرر لهما إلا كظاهرة جمالية. جمالية فقط يعني ليس الحياة من أجل الحياة، وإنما تباين حاد مع التفسير الأخلاقي للوجود وللعالم.

عاموس عوز، وهو على الأرجح أشهر كاتب روائي إسرائيلي، أبدى هذه الملاحظة: “هناك، حيث الحرب تدعى سلاماً؛ هناك، حيث الاضطهاد والملاحقة يسمّيان أمناً؛ والقتل تحريراً؛ وتلوّث اللغة يسبق ويعد العدة لتلوث الحياة والكرامة. في النهاية، تبقى الدولة أو النظام أو الطبقة أو الأفكار على ما هي عليه بينما يتم تدمير الحياة البشرية”.

إذا كانت الديمقراطية هي حكم الشعب، فإن الأهداف السريّة للحكومات ومجموعات القمع الشريرة تتنافى مع الديمقراطية. وعليه، فإن الفكرة بحد ذاتها التي تراود دوائر نفوذ سريّة داخل الحكومة تقوم بحملات في الخفاء ضد البشرية، هي فكرة بعيدة كل البعد عن مغزى الحريّة ويجب محاربتها بقرار حازم، إلا إذا كنّا نريد تكرار الأخطاء القاتلة المرتكبة في ماضٍ ليس ببعيد”.

في مجتمعٍ يتفكك باضطراد ، هناك بعض العناصر التي تسمح بإبراز ما نتقاسمه، ما هو مشترك بيننا، وتسمح بفعل ذلك بشكل مباشر، بقوة دراماتيكية. كرامة الإنسان وأملٌ حقيقي بالحرية هما أمران يمكن إدراكهما فوراً في أي مكان من العالم ولا يحتاجان الى الترجمة، إنما هو بعض من الجوانب الأعلى قيمة في العرف العالمي، الذي يستحق كل الدعم الذي يمكن تقديمه له.

وفي الختام، إذا كان انتقاد جوانب متعجرفة ورعناء وجائرة لدى المجتمع الشمولي، يجعل أحداً يهزأ منك في بعض الأحيان وينعتك بـ “مناوىء لكل شيء”، عليك أن تعتبر ذلك وسام شرف. غراهام غرين أصاب حين قال أن “من واجب الكاتب أن يكون جاهزاً لتغيير فريقه في أي لحظة. فمهمته هي الدفاع عن الضحايا والضحايا يتغيّرون”.

دانيال ستولين

يخصّص في النهاية ثماني صفحات ونصف الصفحة لذكرى جدّه.

كانت تلك المرة الأخيرة التي شاهدته فيها حياً. شيخ ذو بنية عادية، في السادسة والتسعين من العمر، يجلس على كرسيّه المهترئ، ينظر من خلال نظاراته الكبيرة، ليلتقي بنظرتي، ولكنه بالكاد يقوى على التعرف على عيناي. كان حياً لأنه كان يتحرك ويتكلّم، أو على الأصح لأنه كان يبذل جهداً جبّاراً لربط الحروف، التي كانت تسيل في أكثر الأماكن عزلة من أعماق ما تبقى عنده من وعي وكان يرفض بحدة لملمة نفسه لتركيب جملة متماسكة. في الأشهر الأخيرة من حياته المديدة، لم يكن ينقص جدّي، هذا الرجل الذي كان فصيح العبارة وتسحره الفكاهة والنقاش، إلا الكلمات، بالمعنى الحرفي للكلمة. في ما يشبه فعلاً قاسياً ختامياً، اختطَف السرطان منه لسانه قبل أن يختطف منه حياته.

وبيدي بطاقة سفري الجوي إياباً إلى أسبانيا، مررت على داره لكي استودعه. خلال زيارتي الأخيرة له لم نقل لبعضنا الشيء الكبير. لم أكن أعثر على الكلمات الملائمة. كنت مقطوع النفَس ويكلفني التنفس جهداً لأنني كنت أعلم بأنني لن أعود لرؤيته أبداً. “وداعاً” كانت تعبيراً بالغ البساطة وبالغ القسوة.

على طاولة غرفة الاستقبال، المسنودة إلى الجدار، كان هناك صورة لجدّاي، التُقطت بعد وصولهما إلى كندا في عام 1983. كان قد مرّ على وفاة جدّتي ما يزيد عن عام واحد بقليل. وجدّي، المصاب بمرض عُضال في تلك اللحظة، لم يتعافى أبداً من فقدان أحدٍ أحبه من عمق أعماقه على مدى أكثر من أربعين سنة.

في محاولة منّي بكل السبل لعدم الشروع بالبكاء، أواصل تذكير نفسي بأن هذه الصفحات هي ثأر للنزاهة والشرف على حساب القسوة والفرصة. الموضوع الأساسي ليس موضوع السياسة، ولا هو انتقاد علني للشمولية، وإنما هو على الأصح نبضة قلب رجل، ولهذا فإنني أكرّمه. ولهذا ينبغي قراءته.

تم التحقق من الموت السريري لجدّي في الثامن عشر من نيسان/أبريل 1995. يفتُرض أنها ساعات العصر الأخيرة التي كان فيها هو نفسه، كما قال أودين عن اليوم الذي توفي فيه جياتس: “تحوّل هو إلى المعجبين به”. تحوّل هو إلى ذكرى، اندثر من عمق أعماق اسمه. إنه أحد ألغاز الموت، الذي يجب أن يرسم حداً أدنى من الفرق بالنسبة للجميع، إلا بالنسبة لأقرب المقربين من هذا الشخص.

كما الباقين منّا، يموت الناس مرّتين كحدّ أدنى: جسدياً وإدراكياً. عندما يتوقف القلب عن الخفقان وعندما يبدأ النسيان. أوفرهم حظاً، أكبر الكبار، هم أولئك الذين يتأجل موعد موتهم الثاني بشكل أكير، وربما إلى الأبد [...]. جاءت مكالمات هاتفية من كل البلدان والأركان التي يمكن تصورها على وجه الأرض، تعبيراً عن التقدير الذي لا يعرف حدوداً وزرعه هو، جدّي، العميل السابق لمكتب مكافحة التجسس “كي جي بي”، عند أولئك الأشخاص الذين أثّر هو في حياتهم”.

كان جدّه مجنّداً بين مجنّدين. قضى 25 سنة في الدفاع عن إمبراطورية القيصر ألكسندر الثاني ثم ألكسندر الثالث. تابع جدي التقليد العسكري للعائلة. شارك في الثورة، في الحرب الأهلية الروسية، والحربين العالميتين. وبينما كان يدافع عن مينسك خلال الأسابيع الأولى من الحرب العالمية الثانية، أباد النازيون في كاراسي-بازار، القرم، جميع أفراد عائلته: أحد عشر أخ وأخت ووالدهم وأمهم وجدة لهم في الرابعة بعد المائة من عمرها.

كان يعيش حياة حقيقية. لم يكن يكتفِ بالعيش فقط.

كان جدّي قد تزوّج مرة، في عام 1930. وكان قد رُزق بثلاثة أبناء. حينها حلّت الحرب. حارب في روسيا البيضاء، دافع عن بريست، ولكنهم أرغموه على الانسحاب مع ما تبقّى من الجيش الأحمر بسبب التقدم الألماني. في لحظة ما، في خضم الفوضى، فقد أثر عائلته. أم وثلاثة أبناء في الثامنة والخامسة والثالثة من العمر لم يكن بوسعهم أن يغادروا بالسرعة التي غادر بها الجيش الأحمر أو الجنود النازيون. أسَرهم النازيون وأرسلوهم إلى معسكر اعتقال وأبادوهم.

الحرب العالمية الثانية، كما يثبت في هذا الكتاب وكما عبّرتُ بإسهاب في كتابي الأول عن نادي بيلدربيرغ، تم تمويلها بدهاء من قبل عائلات روكفيلر ولوب ووربيرغ. الأمير بيرنهارد مؤسس نادي بيلدربيرغ، كان له ضلع أيضاً في ذلك. كان نازياً. معظم أبناء العائلة الملكية البريطانية كانوا متعاطفين مع النازيين، على غرار الجزء الأكبر من “Eastern Establishment” الأمريكي (ليبرالي)، هذه الزمرة من الاثرياء هي التي تسيطر على الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في ذلك البلد.. من أوجد هتلر، الوحش، هم أنفسهم أولئك الذين يشاركون اليوم سراً في اجتماعات نادي بيلدربيرغ ومجلس العلاقات الخارجية الأمريكي واللجنة الثلاثية. التاريخ، بالنسبة لهؤلاء الناس، هو لوحة بيضاء يتغوّطون عليها على حساب عذاب الآخرين. هل يمكن لأحد أن يحمّلني ذنب كل ما أشعر به من احتقار لنادي بيلدربيرغ والاندية المناظرة له ؟

بالنسبة لي، ما زال جدّي يشكل حجر الزاوية -رفيق سفري-، حتى بعد وفاته. يبلغ من الغياب ما يبلغه من الحضور.

زمان ومكان، خدائع العالم الجريح في كل صوب وناحية، الكم الهائل من النفايات التي نسمّيها تاريخ، والتي تمثل نجاحاتهم أيضاً. إنها نجاحاتهم. وكما الوقت، يحافظون على السحر الذي يجعله يندثر.

أتذكره بشكل خاص في يوم عيد ميلاده. ولكن هذه السنة بالنسبة لي هي سنة مختلفة. العمر هو تراكم من الحياة ومن الخسارة. العمر المتقدم هو سلسلة من الخطوط المتقاطعة. لقد اجتزت عتبة. من الآن فصاعداً، أنا وحيد…

أدرجت (فيديل) في هذا الجزء الثاني من التأمل عدداً كبيراً من السطور النهائية لكتابه. إنها تفسّر احتقاره لمؤسسة “نادي بيلدربيرغ” الكريهة.

إنه لمريع التفكير أن ذكاء ومشاعر أطفال وشبان الولايات المتحدة يتم تقطيعها اربا اربا بهذه الطريقة.

يجب الكفاح الآن من أجل منع اقتيادهم إلى محرقة نووية، واستعادة كل ما يمكن استعادته من صحتهم البدنية والذهنية، وإيجاد السبل التي تجعل أبناء البشر في مأمن إلى الأبد من مثل هذا القدر المريع.

فيدل كاسترو روز

18 آب/أغسطس 2010

الساعة: 5:54 عصراً


[1] فرانز كافكا (1883 ـ 1924) كاتب تشيكي باللغة الالمانية، يهودي صهيوني، ولم يتمكن من الهجرة الى فلسطين بسبب ظهور اعراض مرض السل عليه. يتسم فكره وانتاجه الادبي بالميتافيزيقية (الغيبية) واللامعقولية والسخرية والتنوّر. كانت حياته مثالا على المحن والحزن والكآبة والتشاؤم/ المترجم.

تأملات الرفيق فيديل كاسترو: : الحكومة العالمية (الجزء الأول)

23 أغسطس 2010

في التأمل الأخير، قبل يومين، في الخامس عشر من آب/أغسطس، كتبتُ عند تعليقي على مقالة للصحافي الكوبي، راندي ألونسو، مقدِّم برنامج التلفزيون الوطني “الطاولة المستديرة”، عن اجتماع انعقد في فندق “دولسي في برشلونة حول ما تسمّى “الحكومة العالمية”: “هناك كتّاب صحافيون شرفاء آخرين يتابعون الأنباء التي أمكن تسرّبها من اللقاء الغريب. أحدٌ ما، أكثر اطلاعاً منهم بكثير، كان يتابع مسار هذه الاجتماعات منذ سنوات طويلة”.

إنما كنت أقصد الكاتب دانيال ستولين: 475 صفحة تقع كل واحدة منها بعشرين سطراً كانت بانتظاري من أجل إجراء مراجعة القصة الخيالية التي يرويها الكاتب المذكور لو أن أحد المشاركين كان قادراً على نفي حضوره هناك، أو مشاركته في ما يرويه كتابه.

أكثر ما يتّسع له هذا التأمل، الذي سأقسمه إلى جزأين، تفادياً للتمادي في الإسهاب، هو إدراج عدد من الفقرات التي اخترتها من أجل إعطاء فكرة عن الكتاب المدهش، الذي يحمل عنوان “أسرار نادي بيلديربيرغ”. في هذا الكتاب يشرّح ستولين الرؤوس الكبرى:

هنري كيسنجر، جورج أوسبورن، مدراء “غولدمان ساشز”، روبيرت زويليك، دومينيك ستراوس-كاهْن، باسكال لاميه، جان كلود تريتشيه، آنا باتريسيا بوتين، رؤساء شركات “كوكا-كولا” و”تيليفونيكا دي إسبانيا” و”سويز” و”سييمنز” و”شل” و”بريتيش بتروليوم” وغيرهم من السياسيين المماثلين وملوك الأموال.

يبدأ ستولين من الجذور:

يروي لنا دونالد فاو في “The Satanic Roots of Rock” أنه “خلال يومي أحد متتاليين، وهو أمر لم يسبق له مثيل في برنامج إدسوليفان، شاهد أكثر من خمسة وسبعين مليون أمريكي كيف كان أعضاء فرقة ‘بيتلز’ الغنائية يهزّون رؤوسهم ويحرّكون هياكلهم العظمية في طقس سرعان ما قلّدتهم فيه فرق روك لاحقة تعدّ بالمئات”.

الرجل المكلّف بخلق “الإعجاب” بفريق “بيتلز” عند الطلبة هو والتر ليبمان نفسه. فرقة “بيتلز”، وهي الفرقة التي تم تقليدها أكثر ما تم تقليده والنسخ عنها في تاريخ الموسيقى، تم وضعها أمام الجمهور الأمريكي لكي يتم اكتشافها.

“ثيو أدورنو يدخل”، هو عنوان واحدة من اولى الفقرات .

مسؤولية بلورة نظرية اجتماعية عن “الروك أند رول” وقعت على عالم الاجتماع وعالم الموسيقى والموسيقار الألماني ثيودور أدورنو، وهو “أحد الفلاسفة الرئيسيين لمدرسة فرانكفورت للأبحاث الاجتماعية…” تم إرسال أدورنو إلى الولايات المتحدة في عام 1939 لكي يدير “مشروع بحث إذاعة برينستاون”، في إطار جهد مشترك بين “تافيستوك” و”مدرسة فرانكفورت”، وذلك بهدف السيطرة على الجماهير، يموّله “مجمّع روكفيلر” وقد أسّسه أحد الأشخاص موضع ثقة دافيد روكفيلر، وهو هادليه كانتريل…

بالواقع العملي، كان النازيون قد استخدموا بشكل مكثف البروباغاندا الإذاعية كأداة لغسل الأدمغة وكانوا قد حوّلوها إلى عنصر مكمّل للدولة الفاشية. هذه الحقيقة تمت ملاحظتها ودراستها من قبل شبكات “تافيستوك” واستخدمتها بشكل واسع في تجاربها ذاتها. هدف هذا المشروع، كما يأتي أدورنوز نفسه على شرحه ضمن “المدخل إلى علم اجتماع الموسيقى”، هو “برمجة ثقافة ‘موسيقية’ جماهيرية كطريقة للسيطرة الاجتماعية الواسعة..

[...] الشبكات الإذاعية كانت على مدار الساعة الأربع وعشرين من اليوم تعيد بث أفضل أربعين أغنية”.

وصلت “فرقة بيتلز” إلى الولايات المتحدة في شهر شباط/فبراير من عام 1964، حين كانت الحركة المؤيدة للحقوق المدنية في ذروتها. كانت البلاد غارقة في صدمة قومية شديدة الوطأة وآخذة بالتعافي من الاغتيال الهمجي للرئيس جون ف. كندي [...]، وفي شوارع العاصمة كانت الحركة من أجل الحقوق المدنية، بقيادة الدكتور مارتين لوثير كينغ، عاكفة على الدعوة لمظاهرة شارك فيها أكثر من نصف مليون شخص.

ما يسمّى الغزو البريطاني، بين عامي 1964 و1966، كان عبارة عن نشوء مجموعة من مطربي وفرق الروك البريطانية التي اكتسبت شعبية واسعة في الولايات المتحدة وحاصرت الثقافة الأمريكية [...]. في نهايات عام 1964 ثبت أن هذا “الغزو البريطاني” كان قد تم التخطيط والتنسيق له ببراعة.

هذه الفرق حديثة النشأة ونمط حياتها [...] تحولّت إلى “طراز” جديد (حسب مفردات تافيستوك) شديد البروز، ولم يمر وقت طويل قبل أن تجرف أنماط جديدة (موضة اللباس وطريقة تصفيف الشعر واستخدام اللغة) ملايين الشبان الأمريكيين إلى المذهب الجديد. تعرّض شباب الولايات المتحدة لثورة راديكالية من دون أن يتنبّهوا إليها [...] وذلك بردّة فعلهم الخاطئة ضد مظاهر هذه الأزمة، والتي تمثلت في المخدرات من كل نوع، الماريهوانا أولاً، ومن ثم حمض الليسر (LSD)، وهو مخدّر شديد المفعول يغيّر حالة الإدراك”. [...] يمكن التأكيد أنه في الثكنة العامة “أم-16″ في لندن وفي قاعدة السي آي إيه في لانغليه، فرجينيا، كان لخدمات التجسس البريطانية وفرعها “مكتب الخدمات الإستراتيجية الأمريكية” ضلعاً مباشراً في التحقيق السري للسيطرة على السلوك البشري. آلان دولس، وهو مدير السي آي إيه لحظة شروع الوكالة بعملها، أم كي-أولترا، كان رئيساً للـ “أو أس أس” في بيرن، سويسرا، خلال الحقبة الأولى من تحقيقات ساندوز.

[...] لقد تم في الولايات المتحدة وأوروبا استخدام الاستعراضات الموسيقية الكبرى على الهواء الطلق لمجموعات الروك من أجل وقف الاستياء المتزايد عند المواطنين والسيطرة عليه.

الهجوم الذي شنّه نادي بيلدربيرغ-دافيستوك قاد جيلاً كاملاً نحو طريق كتل الـ “LSD” الصفراء والماريهوانا…

ألدوس هوكسليه يدخل

ألدوس هوكسليه، حفيد توماس هـ، هوكسليه، مؤسس مجموعة الطاولة المستديرة” لرودس، وهو البيولوجي الشهير والبليغ الذي ساعد شارلز داروين على تطوير نظرية التطوّر، كان القسّ الأعظم لحرب الأفيون الإنكليزية.

توينبي، الذي تعلّم في أكسفورد [...] عمل كمندوب بريطاني في مؤتمر باريس للسلام، المنعقد في عام 1919….

كان راعيه في أكسفورد هـ. ج. ويلز، مدير خدمات التجسس البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى والأب الروحي لمؤامرة أكواريوم. وألدوس هوكسليه كان أحد تلامذة “أبناء الشمس”، وهي معتقد كان يشارك فيه أبناء نخبة “الطاولة المستديرة” البريطانية. أشهر رواياته: “عالم سعيد”، هي مسوّدة (بتكليف من عدة مجالس عالمية) لعالم اشتراكي مستقبلي أصيل في ظل حكومة وحيدة أو، كما قال معلّمه الفابيّ، هـ. ج. ويلز، واستخدم كعنوان لإحدى رواياته الشعبية، وهي مسوّدة ‘للنظام العالمي الجديد…

في “عالم سعيد”، ركّز هوكسليه على المنهج العلمي من أجل الإبقاء على كافة السكان خارج نخبة الأقلية في حالة شبه دائمة من الخنوع ومغرمين بأغلالهم. من الوسائل الرئيسية لتحقيق ذلك أتت الحقن التي تشوه وظائف الدماغ وأدوية كانت الدولة ترغم مواطنيها على استهلاكها. وبرأي ويلز، فإن ذلك لم يكن مؤامرة، وإنما على الأصح “دماغ عالمي يعمل كشرطي على العقل”.

في عام 1937 انتقل هوكسيليه إلى كاليفورنيا، حيث اشتغل ككاتب سيناريو لكل من “MGM” و”Warner Brothers” ووالت ديزني، وذلك بفضل إحدى العلاقات التي كان يقيمها في لوس أنجلوس مع يعقوب زيتلين. [...] “باغسي شييغل، رئيس منظمة لانسكي للمافيا على الساحل الشرقي، كانت له علاقات وثيقة بكل من ‘Warner Brothers’ و’MGM’”.

في الواقع العملي، صناعة الاستعراضات الفنية -إنتاجاً وتوزيعاً وتسويقاً ودعاية- تخضع لسيطرة مافيا تنشأ عن اتحاد الجريمة المنظَّمة ونصّابين رفيعي المستوى من وول ستريت، وهم بدورهم يخضعون، في نهاية المطاف، لسيطرة نادي بيلدربيرغ القدير على كل شيء. صناعة الاستعراض الفني مصمِّمة كما يصمَّم أي “خطّ تجاري” لنادي بيلدربيرغ وأزلامه.

“عمل هوكسليه”

في عام 1954 نشر هوكسليه بحثاً ذا تأثير واسع عن نشر الوعي من خلال استخدام المسكالين تحت عنوان “أبواب الإدراك” (1954)، وهو أول بيان عن ثقافة المخدّرات المثيرة للنشوة نفسياً.

في عام 1958 جمعَ عدداً من الأبحاث التي كان قد كتبها لصحيفة “Newsday” ونشرها تحت عنوان “زيارة جديدة لعالم سعيد”، يصف فيها مجتمعاً يكون فيه “الهدف الأساسي للحكام أن يمنعوا محكوميهم بأي ثمن من خلق مشكلات”.

تكهّن بأن الديمقراطيات ستتغيّر من حيث الجوهر: التقاليد القديمة والغريبة -الانتخابات، البرلمانات، المحاكم العليا- ستبقى قائمة، ولكن الأساس الذي ستستند إليه سيكون الشمولية اللاعنفية. [...] في هذه الأثناء تقوم الأوليغارشية بالقيادة وتقوم نخبتها المدرَّبة جيداً من الجنود والشرطة وصنّاع الفكر والمتحكّمين بالعقول بقيادة العالم بنفس هادئة كما يحلو لهم. وفي الواقع أن توصيف هوكسليه هذا يتفق تماماً مع الوضع الراهن.

في شهر أيلول/سبتمبر 1960 تم تعيين هوكسليه أستاذاً مدعواً للـ “Centennial Carnegie” في الـ “Massachusetts Institute of Technology”، في بوسطن. لم يمكث هناك إلا نصف عام دراسي، حيث تم طرده بعدها. “أثناء وجوده في تلك المدينة، أقام هوكسليه نادٍ في هارفرد…”.

الموضوع العلني لهذا النادي تمثل في الدين ومعناه في العالم المعاصر. [...] مايكل مانيسينو، وفي مقالة نشرتها مجلة “The Campaigner”، في شهر نيسان/أبريل 1974، [...] يؤكد: “أقام هوكسليه علاقة خلال الفترة التي قضاها في هارفرد مع رئيس “ساندوز”، الذي كان يعمل بدوره في مهمة للسي آي يه لإنتاج كميات كبيرة من الـ ‘LSD’ والسيلوسيبين (وهو مخدّر اصطناعي آخر يسبّب الهذيان) لصالح ‘MK-Ultra’، وهي التجربة الرسمية لوكالة السي آي إيه في الحرب الكيماوية”، وهي تجربة استخدمت أبناء البشر كميدان لتجاربها القاتلة في كثير من الأحيان، ويترتب عنها في مرات كثيرة استخدام الـ “LSD”. [...] بالإضافة لذلك، أجرت جامعة ماكجيل، في مونتريال، كندا، وهي مؤسسة تعليم عالي مرتبطة بنادي بيلدربيرغ، تجارب أيضاً في عقد الستينات في إطار برنامج “MK-Ultra”، برعاية فاشي فاسد من “تافيستوك”، هو جون ريس، مستخدمةً في ذلك أطفالاً من ملاجيء أيتام محليّة، فكانوا يقومون بتعذيبهم ثم يزوّدونهم بعدّة جرع من الـ “LSD”. وحسب وثائق سريّة كشفت السي آي إي عنها مؤخراً (بفضل قانون حرية المعلومات)، فإن آلان دولس (الذي كان في ذلك الوقت مديراً للسي آي إيه) قد اشترى أكثر من مائة مليون جرعة من الـ “LSD” “انتهى جزء كبير منها إلى شوارع الولايات المتحدة في نهايات عقد الستينات”، حسبما يؤكد مانيسينو في مقالة سبق ذكرها.

[...] آلاف الطلاب الجامعيين تم استخدامهم كحقل تجارب. وقد شرعوا [الطلاب] فوراً بتصنيع ما يحتاجون اليه من ‘أحماض’.

[...] الأغلبية الساحقة من الذين كانوا يتظاهرون ضد الحرب توجّهوا إلى ‘Students for a Democratic Society’ بسبب شعورهم بالعار الذي تتسبب به حرب فيتنام. ولكن بعد وقوعهم في الجوّ الذي خلقه خبراء الحرب السيكولوجية لدى ‘معهد تافيستوك’ وإغراقهم بالرسالة التي تقول بأن الخلود الى اللذة والدفاع عن البلاد يشكلان خيارا مشروعا للحرب ‘اللآأخلاقية’، كان مستوى قيمهم وقدراتهم الإبداعية الكامنة تتبخّر في نفخة دخان سيجارة حشيش”، هذا ما كتب المؤلّف في مجموعة كتاباته المذكورة.

خلق الثقافة المضادة

“الحرب” الثقافية المفتوحة، ولو أنها غير معلنة، على الشباب الأمريكي بدأت في الواقع عام 1967، عندما بدأ نادي بيلدربيرغ، وسعياً لتحقيق أهدافه، بتنظيم استعراضات فنية على الهواء الطلق. من خلال هذا السلاح السريّ، تمكّنوا من جذب أكثر من أربعة ملايين شاب إلى ما تسمّى “مهرجانات”. من دون معرفتهم لذلك، تحوّل الشبّان إلى ضحايا تجربة تم إعدادها بإحكام بواسطة مخدّرات على صعيد واسع. المخدّرات المسبّبة للهذيان [...] التي كانت فرقة “بيتلز” تحفّز استخدامها [...] كانت توزّع بحرية في هذه الاستعراضات الفنية. لم يمضِ وقت طويل قبل أن يعود أكثر من خمسين مليوناً من الذين حضروا (بأعمار تتراوح آنذاك بين 10 و25 سنة) إلى ديارهم وقد تحوّلوا إلى رسل ومشجعين لثقافة المخدرات الجديدة أو إلى ما انتهى شيوعه باسم “New Age”.

أكبر استعراض فني أقيم في التاريخ، وهو استعراض “Woodstock Music and Art air” على الهواء الطلق، وصفته مجلة “تايم” بأنه “مهرجان أكواريوم” وأنه “أكبر استعراض فني في التاريخ”. تحوّل الوودستوك إلى جزء من القاموس الثقافي لجيل بأكمله.

الصحافي دونالد فاو كتب: “في وودستوك اجتمع نحو نصف مليون شاب لكي يتم تخديرهم وغسل أدمغتهم في مزرعة. كان الضحايا معزولين، ومحاطين بالقذارة حتى الرقبة بالمخدّرات المثيرة للنشوة نفسيا وأبقاوهم يقظين على مدى ثلاثة أيام متتالية، وكل ذلك بتواطؤ كامل من مكتب التحقيق الفدرالي ومناصب عليا في الحكومة. أمن الاستعراض وفّرته مجموعة ‘هيبيز’ مدرّبة على التوزيع الجماهيري للـ ‘LSD’. ومن جديد كانت شبكات التجسس العسكري البريطاني هي من بدأ كل شيء”، بمساعدة السي آي إيه من خلال مديرها السابق وليام كيسي واتصالاته بسيفتون ديلمير من الـ “M16″، الذي كان عميله بروس لوكاردت مكلّفاً من الـ “M16″ مراقبة لينين وتروتسكي خلال الثورة البلشفية.

استوجب الأمر مرور عقد آخر قبل أن تندرج الثقافة المضادة في القاموس الأمريكي. لكن بذور ما كان عليه مشروعاً عملاقاً وسريّا لقلب قيم الولايات المتحدة زُرعت في ذلك الحين. جنس ومخدرات وروك أند رول، مظاهرات كبرى في كافة أنحاء البلاد، مجموعات “هيبيز”، مدمنون على المخدرات يتركون مقاعد الدراسة، ورئاسة نيكسون، وحرب فيتنام كانت جميعها تشظّي ألياف المجتمع الأمريكي نفسه. القديم والجديد دخلا في صدام وجهاً لوجه ن دون أن يدرك أحد بأن هذا الصراع هو جزء من خطة اجتماعية سرّيّة، صمّمها بعضٌ من ألمع الأشخاص وأكثرهم شيطانية في العالم…

مؤامرة “أكواريوم”

ليندون لاروتش كتب في “DOPE INC.”: “في صيف عام 1980 اشتهر كتابه الذي يحمل عنوان “The Aquarian Conspiracy” (باع منه أكثر من مليون نسخة وتُرجم إلى عشر لغات)، والذي تحوّل بين ليلة وضحاها إلى بيان الثقافة المضادة”. [...] أكد كتاب “The Aquarian Conspiracy” بأنه قد حان الوقت لكي يتّحد الخمسة عشر مليون أمريكي الذين شاركوا في الثقافة المضادة لكي يُحدثوا تغييراً جذرياً في الولايات المتحدة. في الواقع العملي، كان هذا الكتاب أول مطبوعة موجّهة إلى الجمهور العريض الذي كان يراهن على مفهوم العمل الجماعي، وهو مفهوم كان يؤخذ على أنه الأكثر نزاهة والأسرع دفعاً من قبل “رؤوس” الـ “management”.

تؤكد الكاتبة مارلين فيرغوسون: “بينما كنت أعدّ لكتاب ليس له عنواناً بعد عن الخيارات الاجتماعية الجديدة الناشئة، فكّرتُ بالطريقة الفريدة من نوعها لهذه الحركة، وبقيادتها غير التقليدية، وبرباطة جأش أتباعها، وبنجاحاتها غير المحتملة…”.

في محاضرة له عام 1961، وصف ألدوس هوكسليه هذا الوضع البوليسي بأنه “الثورة النهائية”: “دكتاتورية بلا دموع” الناس فيها “يعشقون أغلالهم”.

زبيغنيو برزيزينسكي، المستشار القومي للرئيس كارتر، مؤسس اللجنة الثلاثية وعضو نادي بيلدربيرغ ومجلس العلاقات الخارجية الأمريكي”CFR”، يعبّر عن أفكار متطابقة مع هذه في عمله المثير “Between Two Ages: America’s Role in the Technotronic Era”، الذي ألّفه تحت إشراف “معهد الأبحاث حول الشيوعية” التابع لجامعة كولومبيا ونشرته دار “Viking Press”، عام 1970.

من دون استخدام الضغط العنيف، قاموا بتصميم مجموعة معقّدة من التحركات من أجل تحقيق “مواطن مسالم” للنظام العالمي الجديد. [...] كما دعموا مفاهيم جديدة مثل “الذكاء العاطفي”، وهو قدرة الإنسان على حب نفسه وعلى ربط علاقات ملائمة بالآخرين. [...] طريق ثالث من أجل تحويل هذا “المواطن الصناعي” إلى “مواطن مسالم” هو القيام بحملة تسويق واسعة من أجل إحداث عرفان اجتماعي هائل بالمتعاونين مع المنظمات غير الحكومية، كما شرحتُ في كتابي الأول “القصة الحقيقية لنادي بيلدربيرغ”.

حسب هارمون:

“بعدما طري عودها، أصبحت [الولايات المتحدة] ناضجة من أجل إدخال المخدّرات (وخاصة منها الكوكايين والكراك والهيروين) والدخول في حقبة ستدخل معها فيها في حالة عداء من خلال المنع وباستخدام الأموال الطائلة التي يكون قد بدأ جمعها”.

يستحق الأمر التذكير بأن فقرات واسعة من الثلاثة آلاف صفحة من “النصائح” التي أعطاها مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي للرئيس المنتخب مؤخراً رونالد ريغان، في شهر كانون الثاني/يناير 1981 استندت إلى مواد مأخوذة من تقرير “مشاهد الإنسان المتغيّرة”، لويليز هارمون.

في ليلة بدر التمام، في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 1980، اغتيل جون لينون على يد رجل يُدعى مارك شابمان. قليل هو الاحتمال أن يصل بنا الأمر لأن نعرف يوماً إن كان مارك شابمان ضحية هوس أنموذجي تم إدخاله بشكل مصطنع، أو أنه قاتل من طراز المرشَّح مانشوه” أرسلته “تافيستوك” والسي آي إيه وال”أم-16″ لإسكات لينون، الذي كان يوماً بعد يوم يُظهر مقاومة أكبر للسيطرة عليه.

الفصل الثاني

آلة غسل الدماغ المثلى: الـ “MTV”

دخول “MTV” ، تلفزيون الموسيقى

الـ “MTV”، وهي قناة تجارية لموسيقى الروك الشعبية وأشرطة الفيديو الموسيقية، اخترعه وأداره روبيرت بيتمان للجمهوري الفتيّ والشاب، تأسّس في الأول من آب/أغسطس 1981. يشكل اليوم جزءاً من إمبراطورية “فياكوم” (المعروفة باسم “سي بي أس كوربوريشين”، ورئيسه ومديره العام، سومنير ريدستون، هو عضو كامل في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، ومجموعته الإعلامية هي جزء لا يتجزأ من نادي بيلدربيرغ). في سبيل الوصول إلى الشباب من دون أن يتنبّه المجتمع إلى الخديعة، كان ضرورياً “التمتع بمؤسسة رديفة تنشر القيم المنافية للقيم السائدة في المجتمع”. هذا هو بالذات ما تفعله محطة “أم تي في”. “ولكن، لكي يتكلل هذا الجهد بالنجاح -والقول لـ ل. وولف- يجب شلّ التأثير الإيجابي للآباء والمدرسة أو إضعاف هذا التأثير على الأقل.

[...] النموذج لذلك [محطة 'أم تي في'] تمثل في العروض المسرحية التي قدّمها ما قبل النازيّ ريتشارد واغنير، والتي كان يحمل الجمهور فيها إلى نوع من النشوة وتم استخدامه لاحقا و عن وعي من قبل النازيين مع إبداعهم لاحتفالاتهم الرمزية نفسها، كما هو حال الاجتماعات في نوريمبيرغ”. الأخصائيون في غسل الأدمغة الذي أسسوا محطة “أم تي في” كانوا يدركون تماماً أثرها. في كتابه عن هذه الشبكة “Rocking Around the Clock”، يؤكد إ. آن كابلان، بأن “محطة ‘أم تي في’ تنوّم مغناطيسياً أكثر من أي محطة تلفزيونية أخرى لأنها تتمثل في جملة من النصوص القصيرة التي تبقي علينا في حالة دائمة من الانفعال والترقّب… نبقى مشدودون إلى الأمل الدائم بأن شريط الفيديو التالي سيلبي رغبتنا أخيراً. بإغراء من الوعد بالكمال الآتي، نواصل استهلاكنا بلا حدود لهذه النصوص القصيرة”.

خلال الدقائق الأربع تقريباً التي يستغرقها شريط فيديو موسيقي (قرر علماء “تافيستوك” أن أربعة دقائق هي أطول مدة يتحمل فيها شخص من غير إرادته تلقي الرسائل المدرجة في البرامج نفسها)، “وهي واقع مصطنع على شكل نقاط مضادّة يتم إدراجها ‘ في الوعي، لتحل محل الواقع الإدراكي”.

يقول والتر ليبمان: “لو فكّر الناس بهذه العملية، يمكن لهذه أن تنتهي”، ولكنه يستنتج بأن “حجم جمهور الأميّين والضعيفين ذهنياً والمصابين بالعُصاب بشكل عميق وسيئي التغذية والأفراد المحبطين يبلغ من الكبَر ، ما يوفّر دوافع تجعلنا نصدّق أكثر بكثير ما نصدّقه بشكل عام. وهكذا، فإن هذه العملية تصبح بمتناول أشخاص هم في واقع الحال أطفال أو همجيون وحياتهم هي ورطة حقيقية، فيختارون مضامين بسيطة ذات جاذبية شعبية…”. [...] في كتابه “Crystallizing public Opinion”، أكد إدوارد بيرنيس أن “المواطن العادي هو المجسّ الأكثر فاعلية في العالم. عقله نفسه هو أكبر حاجز يفصله على الوقائع”.

المشاهد الذي يتعرّض لغسل الدّماغ ليس لديه إلا الوهم بأنه يحافظ على قدرة الاختيار، كما يظن المدمن على المخدّرات بأنه يسيطر على إدمانه بدلاً من الاعتقاد بأن هذا الإدمان هو الذي يسيطر عليه. يقول أن كابلان بأن “محطة ‘أم تي في’ قد تم تصميمها بفضل معرفة أكبر يوماً بعد يوم لأساليب السيطرة السيكولوجية”. [...] كان متوسط الاستهلاك التلفزيوني اليومي قد ارتفع باستمرار منذ ظهور التلفزيون، بشكل تحوّل فيه في أواسط عقد السبعينات، إلى النشاط اليومي الذي يحظى بأكبر وقت من الحياة اليومية بعد النوم والعمل، حيث بلغ نحو ست ساعات. منذ ذلك الحين، ومع ظهور جهاز الفيديو، ارتفعت هذه المدة أكثر بكثير. كان الأطفال في السن المدرسي يقضون من الوقت في مشاهدة التلفزيون ما يعادل تقريباً ما يقضونه ف النوم.

يقول إميري: “في علم مصطلحات غسل الدماغ عند فرويد، فإن مشاهد شريط الفيديو الموسيقي يكون في حالة مستحثّة مشابهة جداً لحالة لنوم. يساعده، أو يستحثّه على الدخول في هذه الحالة الظهور المتكرر لألوان أو مشاهد برّاقة تشدّ النظر، بينما للنغم النابض والمرتج للروك أثراً مشابهاً في الأذن”. نحن لسنا فقط في عصر التلفزيون، وإنما كذلك في عصر مشروط بالتلفزيون -إذ أنه عصر قلق واستياء وإحباط، ليس موجها إلى أي مكان أو أنه موجّه إلى أماكن كثيرة في ذات الوقت-، وذلك، كما هو منطقي، في محيط نجد فيه التلفزيون حاضر في كل شيء.

الشلل المتغوّلة ومجموعات الضغط الشريرة في نادي بيلدربيرغ، ودوائر النفوذ السرّيّة والتحكم عن وعي وذكاء بالعادات المنظَّمة هي آخر التعبيرات عن حملة تحكّم وتلاعب أعمق من أجل إقامة حكومة عالمية لا حدود لها، لا تكون مسؤولة أمام أحد إلا أمام نفسها.

[...] النجاحات الرئيسية التي تم بيعها طوعاً لسكان محبطين معنوياً لصالح الأصولية المتعصّبة لمجموعة من الرجال غير المسؤولين أمام أحد ويسعون للسلطة المطلقة على حساب كرامة الإنسان المعاصر الذي تحقّره وتذله وتزدريه سلطات نادي بيلدربيرغ-مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي-تافيستوك المركّبة لجهاز التحكّم وغسل الأدمغة بواسطة فريقها المكوّن من علماء وأخصّائيّي علوم النفس و الاجتماع و العلم الحديث (NEW Age ، الصوفية، إلى آخره)، والانثروبولوجيا ( علم يبحث في اصل الجنس البشري وتطوره واعراقه وعاداته ومعتقداته/المترجم) والفاشيين العازمين على بعث إمبراطورية رومانية جديدة.

بدأ أولاً كل من إدوارد بيرنيس ووالتر ليبمان. ثم غالوب جانكيلوفيتش. وفي وقت لاحق ريس وأدورنو وألدوس هوكسليه وهـ. ج. ويلز وإيميري وتريست، لتتبعهم ثقافة المخدّرات و”مؤامرة أكواريوم، وهي عبارة عن فكر “إنساني” مزعوم لصالح الثقافة القديمة، المجمّل بذرّة من الحرية الإنسانية بدلاً مما هي عليه بالفعل: طريقة ذكيّة لتحقير الأشخاص حتى تحويلهم إلى مجرد حيوانات حظيرة، تُمنع عنهم أصالة الوعي البشري، يتفاهمون فوراً في كل مكان من دون الحاجة لترجمة.

“العصر الجديد” سيكون “عصراً مظلماً” جديداً. سيعني الموت المبكّر لما يزيد عن نصف سكان العالم ولنسيان مبيّت لأكبر إنجازات البشرية. هذه هي الإيديولوجيا الشمولية التي يدعو اليها النظام العالمي الجديد، العازم على حكم العالم ولو كان ذلك فوق جثثنا [...] لماذا يستحق الأمر الدفاع عن حضارتنا؟ لماذا النظام القائم على الحرية أفضل من أنظمة الاستبداد التي تضطهد اليوم جزءاً كبيراً من العالم؟ الإجابة على هذه الأسئلة واضحة بالنسبة للبعض، ولكنها ليست كذلك بالنسبة لكثيرين.

الفصل الثالث

كيف ولماذا نظّم نادي بيلدربيرغ حرب كوسوفو

هذه المرة جاء دور البلقان. “الخطّة البارعة” تمت بلورتها خلال اجتماع عقده أعضاء نادي بيلدربيرغ عام 1996 في كينغ سيتي، وهو منتجع فاخر يقع على مسافة عشرين كيلومتراًعن مدينة تورونتو الكندية. [...] كان لحروب أعضاء نادي بيلدربيرغ في كوسوفو وفي البلقان دافعاً محدداً: مخدّرات، نفط، ثروة معدنية والتقدم باتجاه “الحكومة العالمية”.

بدأت الولايات المتحدة وألمانيا بدعم القوات الانفصالية في يوغسلافيا بعد انهيار الشيوعية في الاتحاد السوفييتي سابقاً، حين رفضت الفدرالية اليوغسلافية ضمها إلى المحور الغربي. جون بيلغر، وهو صحافي نمساوي شهير متخصص في بحث النزاعات العسكرية، كتب في صحيفة “The New Statesman”: “ميلوسيفيتش كان رجلاً غبياً؛ وكان أيضاً مصرفياً اعتُبر يوماً من الأيام حليفاً للغرب جاهزاً لتنفيذ “إصلاحات اقتصادية” تنسجم مع مطالب صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والاتحاد الأوروبي؛ ولسوء حظه، رفض التنازل عن السيادة. لم تكن الإمبراطورية تتوقع اقل من ذلك”. وحسب مقالة نيل كلارك، وهو صحافي متخصص في قضايا الشرق الأوسط والبلقان، “في تلك اللحظة كان هناك أكثر من 700 ألف شركة يوغسلافية ما زالت تخضع للملكية الاجتماعية (العامة)، وما زالت أغلبيتها تخضع لسلطة لجان مختلطة من الإداريين والشغيلة، ولم يكن هناك إلا 5 بالمائة من رأس المال بأيدي القطاع الخاص”.

سارا فلونديرز، وهي ناشطة وصحافية مقرّبة من حزب الشغيلة العالمي، وهي حركة دولية مناضلة من أجل السلام، كتبت في مقالة لها: “… شروط منح القروض التي يضعها صندوق النقد الدولي والبنك العالمي تستدعي تفكيك كل الصناعات العامّة. هذا هو حال النفط والغاز الطبيعي في القوقاز وبحر قزوين، وكذلك مناجم الألماس في سيبيريا. من يمتلكها أو يكون مهتماً بالسيطرة عليها [...] سيكون من ينتصر في الصراع المسلح الجاري في كوسوفو. هيمنة حلف الناتو على الأرض سيضع الشركات الأمريكية في أفضل وضع للاستيلاء على هذه الموارد”.

كان أعضاء نادي بيلدربيرغ يسعون في البداية إلى “إثارة” الصربيين عبر ملاحقة مجرمي الحرب الذين كانوا هم يأوونهم، من خلال إحالتهم إلى المحاكمة أمام محكمة دولية جديدة. الصربيون، أصحاب الكبرياء والخبرة، تفادوا هذا الاستفزاز عبر إقناعهم للمشتبه بهم من أدنى مستوى بأن يسلّموا أنفسهم طوعاً. غير أن هذا لم يكن كافياً. وفي سبيل إغضاب الصربيين لجأت محكمة لاهاي، الخاضعة لسيطرة الولايات المتحدة، إلى أعمال الخطف غير المشروعة من أجل التسبب بالحرب.

وهذا ما يفسّر أيضاً السبب الذي جعل ريتشارد هولبروك، سفير الولايات المتحدة أمام منظمة الأمم المتحدة بين عامي 1999 و2001، والعضو في نادي بيلدربيرغ وفي مجلس العلاقات الخارجية والمرشح ست مرات لجائزة نوبل للسلام، يُدخل بنداً حول كوسوفو في الاتفاق النهائي. ما هي علاقة كوسوفو بالبوسنة؟ لا شيء. ولكن فكرة هولبروك تمثّلت في تحويل البوسنة إلى تجربة للتوسع المستقبلي لنادي بيلدربيرغ في البلقان.

في البحث عن ذريعة: وليام ووكر يدخل المسرح

[...] حسبما يشرح جون لوغلاند في مقالته “تقنية القيام بانقلاب”، فإن وليام ووكر، كان عضواً في مجلس العلاقات الخارجية و”سفيراً سابقاً لدى السلفادور التي شكّلت حكومتها، وبدعم من الولايات المتحدة، فرق الموت”. في عام 1985 كان ووكر مساعداً لنائب وزير الخارجية لشؤون أمريكا الوسطى ومشغّلاً أساسياً في محاولات البيت الأبيض في عهد ريغان الإطاحة بالحكومة النيكاراغوية. العقيد الركن أوليفر نورث، الملحق بفريق مجلس الأمن القومي في بدايات عام 1981 والمطرود منه في 25 تشرين الثاني/نوفمبر 1986، كان الموظف الأكثر تورطاً من إدارة ريغان في المساعدة السرية للكونترا، وذلك بفضل بيع الأسلحة لإيران.

استناداً إلى الملف القضائي، فإن ووكر هو المسؤول عن إقامة عملية إنسانية زائفة في قاعدة جوية في إيلوبانغو، السلفادور، والتي كانت تُستخدَم سراً من أجل تزويد المرتزقة من الكونترا الذين كانوا يشنّون الهجمات على نيكاراغوا بالأسلحة والكوكايين والذخائر والمؤن.

ووكر، الذي كان قد سلّم أسلحة لقوات الكونترا النيكاراغوية وتحوّل الآن إلى مراقب للسلام، صرّح مطبّلاً ومزمّراً أمام الصحافة العالمية بأن الشرطة الصربية هي المسؤولة عن “أشنع” مجزرة شاهدها في حياته. الصربيون، الذين كانوا قد تفادوا ببراعة استفزازات الناتو و نادي بيلدربيرغ حتى ذلك الحين، كانوا قد وقعوا في الفخ. “المجزرة” المزعومة شكّلت ذريعة للتدخل. وفي الثلاثين من كانون الثاني/يناير سمح مجلس حلف الناتو بأعمال القصف. ونادي بيلدربيرغ أوعز لأمينه العام، خافيير سولانا، بأن “يستخدم القوة العسكرية لإجبار المندوبين الصربيين ومن الأقلية الألبانية في مفاوضات ‘السلام’ في باريس على التحدث في إطار يؤدي إلى ‘الحكم الذاتي’ لكوسوفو”.

في الرابع من آب/أغسطس نقلت مقالة نشرتها صحيفة “ذي واشنطن بوست” عن “موظف رفيع المستوى من وزارة الدفاع الأمريكية” ذكره لشيء واحد فقط يمكنه أن يؤدي إلى تغيير السياسة: “أظن أنه إذا ما تم الوصول إلى مستويات معينة من الأعمال الوحشية التي لا يمكن تحمّلها، سيشكل ذلك صاعق تفجير”.

وكمرجعية تاريخية مفيدة، علينا أن نتذكّر بأن الصربيين ذهبوا ضحية أكبر عملية تطهير عرقي، مثل المائتا ألف صربي أو أكثر الذين تمت تصفيتهم في إقليم كراجينا الكرواتي خلال عملية “العاصفة” المدعومة من قبل الولايات المتحدة عام 1995 أو المائة ألف صربي أو أكثر الذين تمت تصفيتهم في كوسوفو على يد الـ “ELK” عند انتهاء أعمال قصف الناتو. لا حاجة للقول أن محكمة لاهاي، وهي آلية عدالة النظام العالمي الجديد، لم تفعل شيئاً من أجل تقديم مرتكبي هذه الأعمال الوحشية إلى العدالة.

الدكتور جون كوليمان يتساءل في “Conspirator’s Hierarchy: The Story of the Committee of 300″: “لا بد وأنهم يعرفون ذلك، لأنه في حال حصول العكس، ما الذي سيقنع التاج الملكي بالإبقاء على جيش في تلك المنطقة حيث لم يكن هناك شيء ذو قيمة باستثناء تجارة الأفيون المدرّة للأرباح؟ فقد كان أمراً باهظ الكلفة الإبقاء على رجال مسلّحين في بلد يبعد كل هذه المسافة. كان على جلالتها أن تتساءل لماذا تقبع تلك الوحدات العسكرية هناك”.

تحت عنوان:

“تاريخ تورط الولايات المتحدة في تهريب المخدّرات”

خلافاً لما روته لنا كتب التاريخ على مدى سنوات، تهريب المخدرات المشؤوم ليس ميداناً مقتصراً على شريحة المجرمين، إلا إذا فهمنا من شريحة المجرمين بعضاً من أهم العائلات في تاريخ الولايات المتحدة، المعروفة باسم “المجمع الليبرالي الشرقي”، الذي يقود أعضاؤه هذا البلد من الأوليغارشية من خلال نظام حكم موازٍ معروف باسم نادي بيلدربيرغ…

كوسوفو والهيروين

الصحافيان روجر بويز وإيسك رايت، يؤكدان في مقالة نُشرت في الرابع والعشرين من آذار/مارس 1999 في صحيفة “ذي تايمز” اللندنية أن “ألبانيا -التي تلعب دوراً أساسياً في نقل المال إلى أبناء كوسوفو- هي في محور تهريب المخدرات من أوروبا”.

لقد تحوّلت ألبانيا إلى عاصمة الجريمة في أوروبا. أكثر مجموعات البلاد جبروتاً هم مجرمون منظَّمون يستخدمون ألبانيا من أجل جني ومعالجة وتخزين نسبة عالية من المخدّرات غير المشروعة التي تُنقل إلى أوروبا الغربية…

يُتبع غداً

فيدل كاسترو روز

17 آب/أغسطس 2010

الساعة: 6:20 مساءً

ممنوع التخوين!

22 أغسطس 2010

عبد الستار قاسم

ملاحظة من “كنعان”:

عزيزنا د. عبد الستار قاسم

لقد جرى نقل الحالة الفلسطينية من ممنوع التخوين إلى ممنوع الإخلاص! هذا جوهر المرحلة، وعلى هذا يجب أن يكون الشغل. في المرحلة الراهنة بإمكان من أراد أن يكون خائناً ـ أو سلبياً أو وسطياً أو موارباً، ولكن ليس له أن يكون مخلصاً.

* * *

منذ زمن، بل ومنذ توقيع اتفاقية أوسلو وشعار لا يجوز التخوين يرتفع، والهجمة ضد كل من يتهم آخرين بالخيانة تتسع وتتمدد. وقد حول العديد مسألة الاتهام بالتخوين إلى قضية أخلاقية على اعتبار أن من يصف الآخرين بالتخوين عبارة عن شخص مهووس ومغامر، ولا يعرف احترام الرأي الآخر ولا يحترم مبادئ الدمقراطية والحرية. وقد تبنى هذا الموقف عدد من المثقفين العرب الموالين للأنظمة العربية والمؤيدين للسياسات الأمريكية في المنطقة والمدافعين عن نهج المفاوضات مع الكيان الصهيوني، وعن اتفاقيات الصلح والسلام والتطبيع. وقد بات واضحا أن هؤلاء الذين تستفزهم مسألة التخوين هم أنفسهم الذين باتوا يقبلون بإسرائيل ويتهاونون بالحقوق الفلسطينية ويتعاونون بطريقة أو بأخرى مع إسرائيل.

العديد من هؤلاء الذين تستفزهم عبارات التخوين كانوا يستسهلون تخوين الآخرين، ولم يكن يردعهم شيء عن وصف الآخرين بالجاسوسية والتعاون مع العدو الصهيوني. هؤلاء أنفسهم لم يكونوا يتقبلون نقدا لا لفتح ولا لمنظمة التحرير ولا لأي شخصية قيادية فلسطينية، ولا لأي نهج أو قرارات فلسطينية. كانوا يفتحون بوابات التخوين بسهولة ضد أي شخص يأتي على ذكر عرفات بنقد أو لسياساته بعدم ارتياح، أو أن ينبس ببنت شفة ضد نهجهم في السياسات الداخلية أو الخارجية. هؤلاء أنفسهم عملوا على تشويه صور آلاف الناس والأشخاص المحترمين لا لسبب إلا لأنهم كانوا يشعرون بالغيرة على فلسطين وشعبها المشتت في كل مكان، أو كانوا ينتقدون سياسات منظمة التحرير وقرارات المجلس الوطني الفلسطيني واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير.

لم يكن يتردد هؤلاء باتهام من يبتسم ليهودي عن بعد كيلومتر بالخيانة، ولم ينج إطلاقا من تخوينهم من كان يقابل صهاينة سواء كانوا سياسيين أو أساتذة جامعات أو محامين، أو من كان يقيم علاقة مع يهودي لا علاقة له بالسياسة أو الأمن. كان مجرد التفكير بالحكم الذاتي عبارة عن خيانة عظمى، وقد هددت القيادات الفلسطينية مرارا وتكرارا كل من يقبل بالحكم الذاتي، واعتبرته خائنا يستحق القتل، وخونت كل من يفكر بالاعتراف بقرارات الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين، وكل من يقبل بقرار مجلس الأمن 242، الخ.

كان من السهل نعت معارضين أو منتقدين بالجواسيس، وكان يتم تعميم النعت على مساحة فلسطين من أجل إخراج الشخص المعني من ملة الوطنيين. وقد استعمل هذا السلاح من أجل إسكات الآخرين وإبقاء الساحة خالية لهم يصولون ويجولون كيفما شاؤوا. وأخذا بعادات وتقاليد لا تكترث بالبحث والتدقيق، كان المجتمع يتجاوب مع الشائعات، ولم يكن يرحم من تثور ضده شبهة، أو تحوم حوله شائعة.

جدلية التخوين ارتدت بقوة ضد الذين كانوا يستعملونها بدون تردد وبدون ضمير، فأخذوا يهاجمونها بقوة على اعتبار أنها نوع من الفساد والإفساد، وأسلوب يؤدي إلى التفسخ الاجتماعي. وهنا أسأل:

هل الذي يوقع اتفاقا مع إسرائيل خائن أم لا؟

هل الذي يعتنرف بإسرائيل خائن أم لا؟

هل التنسيق الأمني مع إسرائيل خيانة أم لا؟

هل التطبيع مع إسرائيل خيانة أم لا؟

هل ملاحقة ما يسمى بالإرهاب والإرهابيين خيانة أم لا؟

هل السعي إلى تفكيك خلايا المقاومة خيانة أم لا؟

أنا أطلب إجابة من أبطال التخوين اذين كانوا قد نصبوا أنفسهم حكاما على وطنية الناس. ما الذي يجعل الآخرين خونة، بينما تبقون أنتم وطنيين تحت كل الظروف والأحوال؟ إذا لم تكن هذه الأعمال خيانة، فماذا نسميها؟ نريد إجابة منكم حول تسميتها، وحول ما يمكن أن نعتبره الآن خيانة. ما هي الخيانة الآن، ومن هو الخائن؟

القضاء الثوري الفلسطيني

أجاب القضاء الثوري لمنظمة التنحرير الفلسطينية على بعض الأسئلة أعلاه. هناك نصوص كثيرة في مجموعة التشريعات الجزائية المنبثقة عن القضاء الثوري الفلسطيني والتي ما زالت في الخدمة حتى الآن، أي ما زال معمولا بها حتى الآن من قبل منظمة التحرير الفلسطينية. وقد سبق للسلطة الفلسطينية أن حاكمت بعض عناصر فتح بعد سيطرة حماس على قطاع غزة بناء على هذه التشريعات. أورد هنا بعض النصوص الواردة تحت عنوان “الجرائم التي تقع على أمن الثورة الخارجي”:

مادة 130: يعاقب بالإعدام كل من حمل السلاح على الثورة الفلسطينية أو التحق بأي وجه كان بقوات العدو المسلحة.”

وهنا أسأل عن حكم الشخص الذي يحمل السلاح وفقا لاتفاقيتي أوسلو وطابا بترخيص من العدو ووفق قاعدة ملاحقة الإرهاب المنصوص عليها بالاتفاقيتين؟

مادة 131: يعاقب بالإعدام كل من:

أ‌- سعى لدى دولة أو جهة معادية للثورة أو تخابر معها أو مع أحد ممن يعملون لمصلحتها للقيام بأعمال عدوانية ضد الثورة.

ب‌- سعى لدى دولة أجنبية معادية أو تخابر معها أو مع أحد ممن يعملون لمصلحتها لمعاونتها في عملياتها الحربية أو للإضرار بالعمليات الحربية للثورة الفلسطينية.

مادة 132: يعاقب بالإعدام كل من دس الدسائس لدى العدو أو اتصل به ليعاونه بأي وجه كان على فوز قواته على الثورة الفلسطينية.

مادة 133: يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة كل من دس الدسائس لدى دولة أجنبية أو اتصل بها ليدفعها إلى العدوان ضد الثورة أو ليوفر الوسائل إلى ذلك وإذا أفضى عمله إلى نتيجة عوقب بالإعدام.

مادة 134: يعاقب بالإعدام كل من أقدم بأية وسيلة كانت على الإضرار بالمنشآت والمصانع والبواخر والمركبات والأدوات والذخائر والأسلحة والمؤن وسبل المواصلات وبصورة عامة أي شيء ذي طابع عسكري أو معد لاستعمال قوات الثورة أو القوات الحليفة.

ماد 136: يعاقب بالإعلام كل من أتلف أو عيب أو عطل عمدا أسلحة أو سفنا أو طائرات أو مهمات أو منشآت أو وسائل أو مواصلات أو مرافق عامة أو ذخائر أو مؤنا أو أدوية أو غير ذلك مما أعد للدفاع عن الثورة أو مما يستعمل في ذلك.

ويعاقب بالإعدام كل من أساء عمدا صنعها أو إصلاحها وكل من أتى عمدا عملا من شأنه أن يجعلها غير صالحة ولو مؤقتا للانتفاع بها فيما أعدت له أو أن ينشأ عنها حادث.

مادة 137: يعاقب بالإعدام كل آمر أو قائد سلم إلى العدو الموقع الموكول إليه دون أن يستنفذ جميع وسائل الدفاع لديه وبدون أن يعمل بكل ما يأمر به الواجب والشرف.

مادة 138: يعاقب بالإعدام كل قائد وحدة مسلحة يسلم في ساحة القتال إذا أدى ذلك إلى وقف القتال أو إذا لم يعمل قبل مخابرة العدو بكل ما يأمر به الواجب والشرف.

مادة 139: يعاقب بالإعدام كل آمر استعمل أية وسيلة إرغام أي قائد أو شخص آخر على أن يهجر أو يسلم بصورة شائنة أي حصن أو مكان أو نقطة أو مخفر مما هو مترتب على ذلك القائد أو الشخص الآخر الدفاع عنه.

مادة 140: يعاقب بالإعدام كل فرد:

أ‌- ألقى سلاحه أو ذخيرته أو عدته بصورة شائنة أمام العدو.

ب‌- تخابر مع العدو أو أعطاه أخبارا بصورة تنطوي على الخيانة أو أرسل إلى العدو راية المهادنة عن خيانة أو جبن.

ت‌- أمد العدو بالأسلحة أو الذخيرة أو المؤن أو آوى أو أجار عدوا ليس بأسير وهو يعلم أمره.

ث‌- قام عن علم منه أثناء وجوده بالخدمة بأي عمل من شأنه أن يعرض للخطر نجاح أية عمليات تقوم بها قوات الثورة أو أية قوات من القوات الحليفة.

هل من الممكن أن نعتبر كل فلسطيني يقوم بأي عمل مشين من الأعمال المنصوص عليها أعلاه خائنا خيانة عظمى؟ من الذي كتب هذه النصوص وما زال يتمسك بها؟ بالتأكيد لست أنا، وليس القرضاوي أو عبد الباري عطوان أو اسماعيل هنية أو حسن نصر الله، وإنما ذلك الذي تشتعل في رأسه النار كلما سمع كلمة خيانة.

التسامح الديني والإختراق الصهيوني والإنتهازيون

22 أغسطس 2010

بلاغ عاجل إلى كل المثقفين الوطنيين في مصر

من الكاتب الصحفي محمود عبدالرحيم

لم يستوقفني خبر مشاركة إسرائيلي في برنامج تدريبي بالقاهرة، مؤخرا، بقدر ما أستوقفني بشدة، تعليق مسئولة البرنامج الأمريكي، (المصرية للأسف)، حين تكشف الأمر إعلاميا، فضلا عن قصائد الغزل والمديح، التى قالتها في وصف الناشط الإسرائيلي، من” إنه إنسان رائع يعرف كيف يكون إنسانا، ولم أر سببا لإقصائه”.

لاشك أنها حالة جديدة من حالات الإختراق الصهيوني للمجتمع المصري، ونافذة جديدة للتطبيع، من خلال ما تُسمى بمؤسسات المجتمع المدني، وبرامج التدريب الأمريكية، وإستغلال إنتهازية بعض الشباب، لإستقطابهم ليقوموا بهذه الأدوار المشبوهة، تحت دعاوى التسامح الديني وقبول الآخر، الأمر الذي لا ينبغي السكوت عليه، وتركه يمر مرور الكرام، حتى نقطع الطريق على مثل هذه الهجمات المتكررة بقوة مؤخرا.

ولا نعجب إن كان هذا البرنامج التدريبي من تنظيم مؤسسة أمريكية تحمل أسم “الكونجرس الأمريكي”، وإن أقترن أسمها بالإسلام، كنوع من التضليل والخداع وتسهيل الإختراق، وهذا في حد ذاته كفيل بإدراك طبيعة الأجندة الخفية لهذه المنظمة، التى تتخفى وراء شعارات براقة، وتقوم بدورها الشرير، في إطار الأموال المرصودة، بإتجاه الإعلاميين والنشطاء والشباب المصريين والعرب، ضمن مبادرة الشرق الأوسط الكبير، لتشويه هوية المنطقة العربية، وتغيير إتجاهات شعوبها، على نحو يصب في خانة قبول الكيان الصهيوني، والتعامل معه كأمر واقع وكجار “شرق أوسطي”، لا عدوا تاريخيا، الصراع معه، سيظل صراع حدود ووجود، في نفس الوقت.

وما يؤكد أن التضليل والخداع علامة مميزة لهذه المؤسسة “الكونجرس الإسلامي الأمريكي” بدءا من أسمها، ومرورا بأهدافها، ووصولا إلى برامجها ذات الجاذبية المُضللة المقصودة بالطبع، التى تحمل تارة أسم “سينما حقوق الإنسان”، وتارة ” محاربون من أجل حرية العقيدة”، هذا الحدث الأخير من إشراك إسرائيلي يدعى ستيفن ريتشارد أيلو، ضمن برنامج تدريبي للشباب، وإخفاء هويته الحقيقية، وتقديمه على أنه مجرد شاب يهودي أمريكي، وليس ناشطا إسرائيليا مقيما داخل الكيان الصهيوني، ويتدرب في مركز أورشليم للشئون العامة، وينتمي للتيار الديني القومي الصهيوني المتطرف.

وكـأن تصحيح صورة الإسلام والتسامح الديني، اللذين ترفعهما هذه المنظمة، لا يمران إلا عبر بوابة إسرائيل، و يجب ان يُختما، أولا، بشعار نجمة داوود، ليحظيا بالمشروعية والدعم الأمريكي.

ولا ندرى هل المقصود من وراء هذه المشاركة الإسرائيلية فقط إحداث شرخ في جدار مناهضة التطبيع بين الشباب المصري، أم أن ثمة مهمة إستخباراتية خاطفة، قام بها هذا الناشط الإسرائيلي، الذي لم يكتف بحضور البرنامج التدريبي فحسب، وأنما تم أيضا ترتيب لقاءات له مع نشطاء حقوقيين ودينيين من الأقباط والإخوان المسلمين والبهائيين.

ما يتطلب تحقيقا رسميا في الموضوع، لتبين مدى الضرر المتحقق من هذا الحضور الإسرائيلي غير الرسمي، ومن مثل هذه المنظمات المشبوهة الموجودة على الأراضي المصرية.

المستفز في الأمر أن مسئولة البرنامج داليا زيادة تعاملت مع الكشف عن هذا العمل المخزي ببرود، وكأن شيئا لم يحدث، وكأن جريمة في حق هذا البلد، وهذا الشعب لم تقع، وكأن التعامل مع إسرائيل والإسرائيليين، أعداء الأمس واليوم والغد، صار بديهيا ومقبولا، ولا يمثل خطرا ويتطلب حذرا، وكأنها ليست واحدة من هذه الأمة، التى لها ثأر وبحور من الدم مع هذا الكيان العدواني.

الأكثر من هذا أنها راحت تتحدث بلسان مموليها ومستخدميها، بجرأة تُحسد عليها، بدلا من أن تخجل من نفسها، ومن عار التطبيع الذي صارت تحمله، ومن منطقها الشاذ غير المقنع:”لا مشكلة إطلاقاً( تقصد التعامل مع إسرائيلي)، تعاملنا مع الناس مبنى على أساس أنهم بشر مثلنا، وهذا هو المعيار الوحيد بالنسبة لى بشكل شخصى وبالنسبة للمنظمة، علينا ان نتوقف عن معاملة الناس على أساس إنتماءاتهم، إن كنا سنفرق بين متدرب وآخر على أساس دينه أو إنتمائه الجغرافى، أو المشاكل السياسية التى لن تنتهى فى هذا العالم، فكيف نطالب الغرب بمعاملة عادلة للمسلمين؟!

إنها نبرة التشويش وخلط الأوراق والوقاحة، التى تعلمتها من الأمريكان، أو علموها إياها، أثناء ترددها على البيت الأبيض و الكونجرس، لكن علو الصوت والفصاحة اللغوية، لا يمكن أن يكونا أبدا بديلا عن رؤية الحقيقة، وإخفاء الجريمة تحت الشعارات الجوفاء، فقبول الآخر والتسامح، إن كان مقبولا، ويمكننا إعتباره فضيلة، فإنه مع الأعداء العنصريين الدمويين، الذين قتلوا أهلنا، وسرقوا أرضنا، وأنتهكوا مقدساتنا، وشردونا، وجرعونا المآسي سنين طويلة، ومازالوا، رذيلة ليس بعدها رذيلة، وجريمة أخلاقية، وخيانة لكل القيم والمبادئ والثوابت.

إن كانت هذه الشابة، التى باعت نفسها للشيطان الأمريكي، والحالمة بنوبل”التطبيع الصهيوني”، كما تردد في الأحاديث الصحفية التى تبدو كما لو كانت مدفوعة، تتصور أنها قادرة على الإختراق، من أجل مزيد من المكاسب الشخصية الأنانية، فهي واهمة، فنحن لها بالمرصاد، وسنفضخ كل تحركاتها، وأنشطتها، وسنضمها إلى القائمة السوداء لأصدقاء إسرائيل في مصر.

ولاشك أن كل أبناء الأمة، الذين لم يبيعوا قضيتهم، ولم يضلوا الطريق، سُيفشلون محاولاتها الشريرة، هي وأسيادها في واشنطن و تل أبيب، وأمثالها من مرتبكي الهوية وفاقدي الإنتماء، أصحاب الرهانات الإنتهازية.

وسيظل أبناء الشعب العربي، مهما فعلوا، على قناعة يقينية أن عدوهم الأول إسرائيل وأمريكا، وأن تحالف الشر، الذي يجمعهما أبدا لن ينجح في تصويب أسهمه المسمومة إلى عقل هذه الأمة اليقظ، وسيُواجه دائما بحائط صد شعبي منيع، عنوانه ما صاغه الضمير الجمعي العربي، على لسان الشاعر الشجاع أمل دنقل “لا تصالح”.

:::::

كاتب صحفي مصري

Email:mabdelreheem@hotmail.com

اي سلاح؟.. لاي جيش؟..ولأي مهمة؟

22 أغسطس 2010

العميد الدكتور امين محمد حطيط

اما وقد بات موضوع تسليح الجيش من أكثر المواضيع تداولاً الآن في لبنان، بعد البطولة التي أبداها في مواجهة العديسة، ورغم القرار السياسي الذي خفض مردود تضحيات الجيش هناك، فاننا نرى من المفيد أن نعرض لأصول التسليح، والتحذير من مخاطر الانحراف عن الاهداف الحقيقية التي يؤمّل من جيش دولة مستقلة أن يسعى الى تحقيقها أوتأمينها، كما لا بد من تجنب هدر الوقت والالهاء بعمليات استعراضية يتآكل معها زخم التأييد الشعبي للجيش، فيهمل واجب تسليحه. من أجل ذلك كله فاننا نذكر بان تسليح الجيش لا يكون الا وفق ضوابط وقواعد تتطلب في اعمالها قرارات سياسية - وان كانت الساحة اللبنانية غير جاهزة اليوم لاتخاذها - لكنها تبقى المدخل الرئيسي لعملية التسليح. لان هذه العملية حتى تكتمل، يجب ان تجيب على اسئلة ثلاثة لا بد منها: الأول، اي جيش ولأي مهمة، فإن عرفت المهمة نسأل الثاني أي سلاح يناسب لتنفيذها، والقيام باعبائها، وبعد تحديد السلاح، نسأل الثالث عن السوق الملائم والمال اللازم.

من المضحك - ان نظرنا بحسن نية لما يجري - ان نبدأ بالمال، اما مع سوء الظن، فقد يكون البدء بجمع المال امراً فيه من الخطورة ما لا يمكن تصوره، فقد نجمع مالاً من مواطنين مقيمين ومغتربين، أو أبعد من ذلك، ثم نجهّز به جيشاً كالجيش الذي أراد بناءه امين الجميل على اليد الاميركية، وانتهى امره الى ما يعرف الجميع في العام 1984، بعد تدمير هنا وتهجير هناك في اكثر من منطقة لبنانية. لذلك يكون تحذيرنا الأول من توفير المال قبل بت الامور السابقة عليه، وهنا وانطلاقاً من السؤال الاول، اي نوع الجيش ومهمته، فانه من غير الصعب أن نقول ان في لبنان تيارين:

ـ التيار الاول يرى للجيش مهمة دفاعية في وجه عدولبنان “اسرائيل”، كما حدد ذلك اتفاق الطائف، واستثناءً وبشكل احتياطي، له مهمة أمنية في مؤازرة قوى الامن الداخلي، ومن أجل هذا، على الجيش ان يمتلك ما يحمي لبنان. وهنا ومباشرة ومن خلال خبرتنا العسكرية نقول، ان اعتماد هذا الرأي يقود الى تحديد حاجة الجيش لمنظومة من الدفاع الجوي، تشكّل مظلة حامية للسماء اللبنانية المنتهكة على مدار الساعة من “اسرائيل”، ثم منظومة دفاع بحري لحماية الشواطئ اللبنانية، وخطوط نقل بحرية، اقله في المياه الاقليمية، وبعدها منظومة دفاع ضد الدروع، وأخيراً وقد يكون الأهم في واقعنا الحاضر، منظومة صواريخ بر- بر بامكانها الوصول الى عمق الجبهة الداخلية “الاسرائيلية”، تم اللجوء اليها للرد على العمليات “الاسرائيلية” التدميرية، عندما تستهدف المدنيين اللبنانيين. هذه هي العناوين الرئيسية للسلاح المطلوب، ويبقى ان نضيف اليها ما نسمية السلاح المساند، اوالمساعد وهي أسلحة الخدمات اللوجستية ومستلزمات منظومة القيادة والسيطرة. اما الكلفة التقديرية لحاجات لبنان هذه، فهي في حدود 7 مليارات دولار، يمكن برمجتها على فترة من 4 الى 5 سنوات. ويبقى سوق السلاح، ويكون من البديهي ان نقول، إن “اسرائيل” وتالياً أميركا لن تسمحا لاحد في العالم ان يبيع سلاحاً للبنان، يمكن ان تطلق منه طلقة واحدة على “اسرائيل”، ما يلزم بالتوجه الى مصادر سلاح تكون تحت سيطرة سلطات عصية على القرار الأميركي، مثل ايران وكوريا الشمالية والصين والى حد ما روسيا. وهنا نصل الى الكلمة المفتاح في كل الخطة: هل ان الدولة اللبنانية الراهنة وبحكومتها القائمة، ومع فرقاء سياسيين يعرف القاصي والداني انصياعهم لأميركا، جاهزة لمثل هذا القرار السياسي؟ من غير عناء وطول تفكير اقول لا، مع كل تمنياتي بان أكون مخطئاً في هذا الامر.

ـ التيار الثاني: يرى ان مهمة الجيش هي حفظ الأمن والنظام اللبناني بوجه من يحاول “وضع اليد عليهما ” من منظمات ودول اقليمية، لا تأتمر بالقرار الاميركي، اما مسألة “اسرائيل”، فان امرها في موقع آخر، حيث لا يمكن برأيهم اقتناء السلاح الذي يردع عدوانها، ويكون الحل بعدم التحرش بها حتى لا تعتدي، وبالركون الى الضمانات والقرارات الدولية، لرفع العدوان ان حصل، وهنا تكون مهمة الجيش هي في منع التحرش، وتاليا تكون مهمته حراسة الحدود مع “اسرائيل” حتى وحراسة مناطق احتلالها (كما جاء في قرار للمجلس الاعلى للدفاع في آب 1993، الذي قرّر ارسال الجيش الى الجنوب، لمنع المقاومة من الوصول الى المناطق المحتلة يومها - طبعا لم ينفذ العماد لحود الأمر بصفته قائداً للجيش). مع مثل هذه المهمة لا تكون للجيش حاجة الى منظومة دفاع جوي، ولا دفاع بحري ولا دفاع ضد الدروع ولا صواريخ متوسطة اوبعيدة المدى، إذ يكفيه السلاح الخفيف والمتوسط مع الآليات المدرعة الخفيفة، والمدفعية المتوسطة والثقيلة مع اسطول من مروحيات القتال، أسلحة يقاتل بها في الداخل كل من يريد قتال “اسرائيل” اومواجهة “اسرائيل”، ويقمع بها كل صوت يقول لا للنظام الاميركي الذي يراد ارساؤه في لبنان. ومع هذا الحل، الذي لا يكلف من الدولارات اكثر من مليارين الى ثلاثة، تكون المساعدات الاميركية وغير الاميركية سخية، ومن غير طلب، طالما أنها ستسلح جيشاً يقوم مقام “اسرائيل” بمواجهة المقاومة، وما يسمى بالمصطلح الاميركي، الارهاب ايضاً. ومرة جديدة نعود الى االسؤال المفتاح: هل لبنان في واقعه اليوم، جاهز لاتخاذ قرار بتسليح مثل هذا الجيش؟

هنا ولنكن صريحين، ان اميركا ومنذ العام 2005 بدأت بتنفيذ خطتها لقيام جيش وفقاً للوجهة الثانية، ولكن متغيرات شتى منعتها من النجاح السريع في هذا المضمار، ورغم ذلك، لم تيأس، فانتدبت الى الجيش حاليا لجاناً عسكرية اميركية تحت عنوان المساعدة في تطوير مناهج التعليم والنظم اللوجستية، ووعدت بمساعدات قد تصل الى 700 مليون دولار ( منذ العام 2005 وحتى آخر العام 2011) وهي مستمرة في سعيها، الذي لن يوقفه الا قرار سياسي باعتماد الوجهة الاولى، وبالفعل هددت بقطع المساعدات، ووقف التعاون بعد معركة العديسة، وتقصّت عما اذا كان تصرف الجيش في العديسة هوالنهج الحقيقي المتبع، وهو القرار السياسي المعتمد. ثم وعدت بعدم تنفيذ التهديد، وأنها مستمرة في برنامجها، وهنا السؤال الكبير والأخطر: هل ان اميركا سمعت قراراً سياسياً مخالفاً لروح العديسة ويعيدنا الى سلوك ثكنة مرجعيون 2006؟ وهل ان اقتلاع الاشجار من العديسة كما طلبت “اسرائيل”، ثم اقتلاع النصوب على بوابة فاطمة في كفركلا داخل الارض اللبنانية، كما فرضت “اسرائيل”، هل ان هذا هوالترجمة الفعلية للقرار السياسي الذي أبلغ بالقنوات الدبلوماسية البعيدة عن التنصت الى الاميركيين؟ وان كان الأمر كذلك، فاننا نسأل هل سيكون التبرع اوتخصيص أموال للجيش لشراء السلاح من أجل جيش تراهن عليه أميركا، أو تحدد مهمته؟

وهنا تفيد المقارنة، حيث أنه بعد اتفاق الطائف، بني الجيش اللبناني على عقيدة تجعل منه جيشاً دفاعياً بوجه “اسرائيل”، أي حسب الوجهة الاولى، وهو رغم شح الاموال، والنقص في السلاح والعتاد والتجهيزات، تمكّن بالتنسيق مع المقاومة، من ان ينفذ ما أوكل اليه من مهام، أمناً ومشاركة بالتحرير وحماية لخطة اعادة البناء، والأهم من ذلك أنه استمر وطنياً موحداً بعد العام 2005، رغم الزلازل والاهتزازات الارتدادية التي ضربت النظام والبنية السياسية اللبنانية، اثرها. بخلاف الحال مع جيش بنته أميركا في العام 1982، حسب الوجهة الثانية ليكون جيشاً للداخل وجيش اتفاقية 17 ايار 1982، لكن الأمر لم يستقم له، حيث انتهى الوضع به الى الانقسام، بعد ما حل بالوطن من دمار ومآس نتيجة المواجهات بينه وبين المواطنين.

والآن يوضع اللبنانيون امام الاختيار، اي جيش تريدون هذا اوذاك؟……..

وقبل الاجابة على هذا السؤال الأساس، لا نرى فائدة من جمع الاموال، لا بل نرى فيها خطراً وشبهة مع استمرار سعي أميركا الحالي، والممالأة والارتهان لها، كما نراهما لدى قسم كبير من السياسيين اللبنانيين، وهم في مركز السلطة الآن، يصغون الى القرار الاميركي، ثم يصوغونه بأوامر تنفيذية شتى…

اذن احسموا مهمة الجيش قبل كل شيء - طبعا نحن لا نرى الا مهمته الدفاعية بوجه “اسرائيل”-، فان رفضتها اميركا - وسترفضها حتما - تكونون قد وفقتم الى الطريق الصحيحة وعندها لا بأس من ان يقسم اللبناني لقمته نصفين، يأكل نصفاً ويتبرع بالنصف الثاني لشراء سلاح للجيش، لانه به يشتري عزته وكرامته وسيادته الحقيقية.

ونحن نرى مؤشراً أخيراً في العودة إلى المجلس الأعلى للدفاع لتقرير قضية التسليح دون إثارة العقيدة القتالية، ما يعني استمرار الحال على حاله، مع مقولة ثلاثية الدفاع شعب وجيش ومقاومة على اعتبار أن رئيس المجلس الأعلى ومعظم أعضاء المجلس هم في ظاهر الأمر من مؤيدي الاتجاه الأول.

:::::

جريدة “البناء”، 20\8\2010

الرابط

http://www.al-binaa.com/newversion/arti\cle.php?articleId=8949