الأطروحات الأم للمجتمع المدني: سؤال في شروط وجود مجتمع مدني ودور الأنجزة محلياً؟ د. عادل سمارة

26 نوفمبر 2011

(ورقة مقدمة في مؤتمر ـ فلسطين الواقع السياسي الراهن ومتطلبات التغيير.

المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني بين استلاب وتشويه الدور الى التكامل، جدل التحرر الوطني والبناء الاجتماعي. في جامعة بيت لحم 3 حزيران 2011)[1]

مقدمة:

رغم معالجة أكثر من مفكر لمسالة الهيمنة قبل المفكر والمناضل الأممي أنطونيو غرامشي، إلا أن مساهماته أدت إلى شبه حصرية هذه المسألة فيه. ربما كان همَّ غرامشي هو تفسير لماذا أمكن للدولة ومن ثم الإيديولوجيا البرجوازية أن تُبقي على تماسكها رغم الجوهر الاستغلالي لنظامها! ( لماذا صمدت الدولة الرأسمالية، خصوصا في المركز الرأسمالي، رغم التناقضات البنيوية المتأصلة في طبيعة الرأسمالية وما أنتجته وتنتجه من أزمات اقتصادية وسيااجتماعية تمثلت على سبيل المثال بالحرب الكونية البرجوازية الأولى والأزمة المالية للعام 1929 وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية)، وفي هذا السياق ربما ما لم يُعالج هو، أو أحد بعده، المستوى النفسي الذي يمكن قراءة أطروحات غرامشي على اساسه. فمقارباته السياسية والاقتصادية الاجتماعية التي تحلل الهيمنة تشي بفائدة ما من قراءة الأمر بعلم النفس، بمعنى كيف ينعكس التطور المادي، الحياة المادية على الطبقات الشعبية فتتمثل أطروحات السلطة التي تستغلها؟ فالهيمنة لدى غرامشي متركزة في البنية الفوقية، اليس علم النفس ضمنها؟ لكن لهذا مجال آخر.

لكن أطروحة غرامشي هذه بثوريتها ظلت محصورة في النطاق الأوروبي، اوروبا الراسمالية المتقدمة وإلى حد ما المتخلفة ممثلة في أوروبا الشرقية وخاصة الاتحاد السوفييتي عشية وبعد بضع سنوات من ثورة أكتوبر البلشفية. وبهذا المعى كان غرامشي مركزانياً أوروبياً بلا مواربة حيث لم يتطرق، على الأقل في هذا المجال، للعالم الثالث، هذا مع أن كتابات ماركس عن الاستعمار والمستعمرات قد سبقته بكثير ناهيك عن أنه عايش لينين الذي كان أول من تنبه للنظام العالمي،وشاركه في ذلك بوخارين، ببنيته مركز/محيط وأول من تعاطى مع دور المستعمرات وشعوب الشرق في الثورة الاشتراكية، وكونه عاش فترة ما بين الحربين الإمبرياليتين والفاشية في إيطاليا. وقد تكون هذه الكتابات التي افترضت أن يقوم المركز بإعادة خلق/تطوير المحيط على شاكلته هي التي طمأنت غرامشي أن الجنة الموعودة هي في عِبِّ أوروبا فتساوق مع اختزال العالم في أوروبا تحت وهم أنها “سوف تجر، بل سوف ينجر” العالم ورائها! فأي اطمئنان غيبي! وفي هذاالاعتقاد سحب لتطور حيز ما على كل حيز آخر مهما كانت الاختلافات تاريخيا وثقافيا وواقعيا؟ وفي هذا تمهيداً لما نسميه الهيمنة الثالثة. فالأولى هيمنة الدولة البرجوازية في المركز، والثانية هيمنة الطبقات الشعبية في المركز نفسه أما الثالثة، والتي هي هيمنة المركز دولة وطبقات شعبية على المحيط ويتعاون أو حتى استدعاء برجوازية المحيط لههذ الهيمنة، هذه هيمنة مركبة من برجوازيتي المركز والمحيط، هيمنة على الطبقات الشعبية في المحيط لاختراق واحتجاز الثورة العربية الحالية.

لم يشهد غرامشي ظاهرة الأنجزة حتى نسائله فيها، لكنه ركز وطور فكرة المجتمع المدني ومؤسساته ودورها في ترسيخ وادارة هيمنة الطبقة الحاكمة- تعمل مؤسسات المجتمع المدني بالوكالة- وفي حالة الأنجزة تعمل بالأجرة– عن الطبقات الحاكمة في هندسة المجتمعات وترويضها وتوجيهها لمقتضيات ومتطلبات ومصالح الطبقات الحاكمة إن كان ذلك عن وعي أوعن دون وعي)، لكن استخدام أهل المجتمع المدني والأنجزة لأطروحات غرامشي تخولنا مسائلتهم من منظور اطروحات غرامشي نفسها طالما ترتكز قراءاتهم للمجتمع المدني على أطروحاته لا سيما أنهم ليسوا من مدرسته حتى نفترض أنهم يضيفون إلى المعرفة الثورية تطويراً لها. ونقصد هنا تحديداً فك منظمات الأنجزة عن منظمات المجتمع المدني،أي عن الأحزاب والنقابات والجمعيات، واتحاد المرأة والطلاب ومختلف المنظمات الجماهيرية والقاعدية أنه منظمات الأنجزة آتية من الخارج (ما تمت تسميته باللكنة العلمية لعلم الاجتماع البرجوازي بمؤسسات المجتمع المدني المتخطية للقوميات Transnational Civil Society Organizations (حتى ولو بتمويلها وآتية من الأعلى لأنها تبدا بمدي/رة ومكاتب.( وفي هذا السياق نجحت الطبقات الحاكمة في المركز الرأسمالي من حشد وتجنيد مؤسسات مجتمعها المدني واستخدامها لاختراق المجتمعات المدنية ومؤسساتها في دول العالم الثاني والثالث منذ بداية السبعينيات مستهلة ذلك في دول جنوب أوروبا-اليونان،ايطاليا، أسبانيا والبرتغال لحرفها عن تطلعاتها الشيوعية والاشتراكية وجرها إلى مسار الليبيرالية من خلال الصناديق الألمانية التابعة لأحزاب المسيحية الاشتراكية والديموقراطية الاشتراكية. هذا النموذج تم استخدامه لاحقا لاختراق أوروبا الشرقية من خلال السلال الثلاثة لمعاهدة هلسنكي لتقويض اسس الدولة في اوروبا الشرقية وفي الثمانينيات تم نقل النموذج إلى أمريكيا اللاتينبة والفلبين وفي التسعينيات وحتى يومنا هذا يتم التركيز على الوطن العربي)[2].

لذا تعالج هذه الورقة في قسمها الأول أطروحات غرامشي التي بمجملها معالجة لإشكالية الثورة الاشتراكية في التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الراسمالية المتقدمة في حينه، وهذا يعني أن أطروحات غرامشي هي قراءة لمجتمع هذه التشكيلة. فهي تعالج المجتمع المدني والبنية الفوقية والحزب والدولة والهيمنة بمستوييها البرجوازي والبروليتاري. وهي معالجة بهدف رؤية مدى تطابق شروطهاالأساسية مع واقعنا المحلي وذلك من مدخل نقدي /تحليلي للكثير من الخلط المفاهيمي والعملي بين أطروحات غرامشي وبين توظيفها واستخدامها وخاصة محاولات المماثلة بين المنظمات الحزبية والقاعدية ذات النبت المحلي والمنظمات غير الحكومية الأجنبية التمويل حتى ولو كانت محلية.

هذه الورقة إشكالية بذاتها حيث تعالج إشكاليات قاد استخدامها المتواصل إلى تحويلها إلى بديهيات قطعية الأمر الذي نكثِّفه في إشكالية المفهوم وإشكالية الواقع، وما يتمفصل عنه من إشكالية إدماج وخلط المفاهيم إلى درجة يُفهم منها تماثلها، وهي ليست كذلك، أي إدخال مفهوم المنظمات غير الحكومية (الأنجزة) في مفهوم المجتمع المدني والأنجزة في المنظمات الأهلية والقاعدية وإدخال هذه المفاهيم ومن ثم حضورها كبُنى في جدل التحررين الوطني والاجتماعي وهو الجدل الذي لا نُجمع عليه كفلسطينيين، فبيننا من يرى الوطني وقد أُنجز في حدود 1967 وأقل! وحتى الذين يؤكدون على هذا الجدل فمنهم من يوظف المجتمع المدني وحتى الأنجزة في مشروع التحرر الوطني مما يستوجب قراءة دقيقة نقدية ومشتبكة. وهذا لا يستقيم مع المناخ والمبنى النظري الذي صيغ للمجتمع المدني هناك في بلدان المركز وتحديداً أطروحات أنطونيو غرامشي. قد يُجادل البعض: لِمَ لا ننتج منها تطويراً على ضوء واقعنا؟ لا بأس لِنَرَ إن كان واقعنا من القوة بمكان بحيث يحمل المهمة؟

في القسم الثاني تحاول هذه الورقة فيما تحاوله تفنيد الأنجزة وتبيان إن كانت حاملاً لأي من التحررين الوطني والاجتماعي والتفريق بل إيضاح الفوارق الفعلية كما اشرنا بين الحزب والأنجزة ليس على صعيد ما يسمى منظمات المجتمع المدني بل كذلك في الواقع الاجتماعي. إن خلط الإثنين معاً يشكِّل مقتلاً لمبدأ الحزبية، وإظهاراً للأنجزة والمؤسسات الثقافية الاستعمارية الغربية من مجالس ثقافية أو ملحقيات او قنصليات…الخ ناهيك أن منظمات الأنجزة ومَن ورائها يمكن أن تحَّل الأحزاب وتصيبها بالرخاوة والمواربة ولن تملأ الفراغ المتأتي عن ذلك، وهي ليست مرشحة لتحل محل الأحزاب من حيث ولادة ودور ومهام الأحزاب وليست كفؤة لذلك. لذا فهذه العلاقة والتداخل والخلط بين الإثنين مثابة حملٍ مقلق بل مخيف.(تجدر الاشارة هنا إلى أن فكرة اختراق المجتمعات المدنية في العالمين الثاني والثالث جاءت لتفكيك المثلث الحميمي الساخن الذي وصل إلى أوجه في الستينات والسبعينيات من القرن المنصرم والذي ارتكز على الافكار الثورية والمثقفون الثوريين والطبقات الشعبية والذي كان آخذا بالإبتعاد عن المركز الراسمالي ويهدد مصالح طبقاته الحاكمة وكان يحمل بذور فك الأرتباط عنه.

يقوم التحرر الوطني اساساً على القوى السياسية المنظمة تحديداً وعماده الكفاح المسلَّح بلا مواربة وبتخصيص أدق قوامه حرب الغواروصولاً إلى حرب الشعب طويلة الأمد بالسلاح والتنمية والثقافة وتحرر المرأة بما هو أعلى من “حرية” المرأة الممنوحة من الرجل، فهل منظمات الأنجزة مؤهلة لذلك؟ هل ذلك في نيتها؟ ويقوم كذلك التحرر الاجتماعي على القوى السياسية والقطاعات المجتمعية وخاصة الطبقية منها. فهل هذه القوى والقطاعات من الاقتدار بمكان لإنجاز هذه المهمة باقتدار مجتمع مدني؟ أما والتحرر الاجتماعي هو من مهمات منظمات المجتمع المدني، فهل التحرر الاجتماعي من وظائف الأنجزة أخذاً بالاعتبار منشأها وتمويلها؟

قادتنا هذه التساؤلات إلى اكتشاف إشكالية أعمق هي تداخل واختلاط ابعد من مفاهيمي. تداخل بين دور منظمة/مكتب الأنجزة وبين الحزب السياسي،أو تلك المرونة والسهولة التي تحول الحزب إلى انجزة والأنجزة إلى حزب سياسي! هذه فقط من عجائب وإبداعات التشكيلات المشوهة. وتحول المقاومة الشعبية إلى تطبيع، والأكاديميا إلى تخارج ثقافي، والأبحاث الميدانية في الأكاديميا إلى تقارير مطلوب إنجازها حيث أراد وأصرَّ الممول على المكان والموضوع، والممول هنا انجزة أو أكاديميا أو حكومات مباشرة! باختصار، حين تصطف أية مؤسسة ممولة من الخارج إلى جانب القوى الحقيقية المكلفة تاريخياً بالتحررين الوطني والاجتماعي، وحينما ترتبط الأكاديميا بالتمويل الأجنبي بدل أن تكون قاعدة للتعليم الشعبي ومحاورة المضطَهدين، وحين يختلط التطبيع بالمقاومة الشعبية، وحين نشارك في إنتاج روايتنا بالتوازي والتساوي مع رواية العدو عن الوطن…هناك مشكلة[3].

يفتح هذا الحديث ابواباً تتوالد بغزارة، منها احتلال المفهوم أو المصطلح. ليس جديداً أن تقتنص إيدولوجيا مصطلحات من مكونات أخرى ضمن حرب الإيديولوجيات، ولا نقصد تفاعلها أو مراجعة إيديولوجيا ما لموقفها. تمثل ذلك في استخدام المصرف الدولي لمصطلحات التنمية والتنمية المستدامة، أو استخدام أل Overseas Development Agencies ODA، مصطلح التنمية، وهذه اساساً مصطلحات للمدارس واستراتيجيات التنمية والاشتراكية. ولعل أكثر ما أُغتيل من مفاهيم كان مفهوم المجتمع المدني كما صيغ بوضوح على يد غرامشي[4]. أما مفهوم العمل الأهلي فقد خلط الأحزاب الثورية بالمنظمات المختلقة والممولة من المركز الإمبريالي. هذا ما يوجب وقوفا طويلاً حذراً.

طالما نناقش مسألة المجتمع المدني ومن مدخل كونه تراثاً غرامشياً بشكل خاص، فلا بد من البدء بأطروحات الرجل لمعرفة اين نموضع أو نجلِّس ما يُكتب ويُقال اليوم عن المجتمع المدني وهل ما تزال له علاقة باطروحات غرامشي، أم هي أمر آخر؟

I. هل الراسمالية شرط وجود مجتمع مدني؟

بمعزل عن كون الراسمالية، بمفهومها مسيرتها التاريخية وحتى واقعها الحالي، هي توليد التطور في أوروبا، الحداثة الأوروبية، وبمعزل عن الدور الأوروبي في أمرين هامين عالمياً هما:

· تواكب التطور الاقتصادي الاجتماعي في أوروبا، النهضة، مع حقبة زمنية لم يكن فيها مركزاً في العالم قادر على احتجاز تطورها، مما يعزز قولنا فيما يخص الطريق الراسمالي: “لا اوروبا بعد أوروبا “[5]

· استخدام أوروبا القوة العسكرية لقهر العالم وقطع طريق تطور الهند والصين، استكمالاً لقطع تطور الحضارة العربية الإسلامية إلى أنماط إنتاج أخرى وتشكيلات اجتماعية اقتصادية أخرى،

فإن الرأسمالية هي الحقبة التاريخية بمعناها المادي الحي/الاجتماعي الاقتصادي الثقافي والطبقي كذلك الذي تولدت فيه نظرية/ات المجتمع المدني، اي ان مدنية المجتمع في مرحلة الرأسمالية كانت نتاجاً ضرورياً لهيمنة نمط الإنتاج الراسمالي مما يجعل اية قراءة للمجتمع المدني، بالمفهوم الغرامشي خاصة، وحتى بمفاهيم سابقيه، تشترط وجود تشكيلة اجتماعية اقتصادية بهيمنة نمط الإنتاج الرأسمالي مما يعني وجوب محاكمة أي طرح عن المجتمع المدني ضمن شروط وبمعايير هذه التشكيلة. بل تبين مسألة المجتمع المدني أن الرأسمالية قد قطعت شوطاً في تجليس المجتمع يقتضي هذا التجليس دوراً لقطاعات مجتمعية تساهم في تجليس التشكيلة نفسها، وإن كانت أحياناً معارضة لجوهر التشكيلة، وكونها معارضة، فهي ليست بالشرط والقطع نقيضة، وهذا محور أساسي في تكوين ما يسمى المجتمع المدني.

يثير هذا التقوُّل مسألة هامة وهي: بما أن المرحلة التاريخية للراسمالية قد ولَّدت المجتمع المدني، فهل الرأسمالية حاضنة طبيعية للمجتمع المدني بمعناه الإنساني العام، ام هي حاضنة لمجتمع مدني موظَّفاً/مدجَّناً لمصالحها، مجتمع مدني في حدود مدنية الرأسمالية؟ وهل تسير الراسمالية بشكل عفوي أم برؤية قصدية (غائية) تقودها اساساً السوق ومحركها الربح اللامحدود؟ ستجيب الأسطر التالية على بعض هذا. وهل هذا هو المجتمع المدني الذي تحدث عنه غرامشي أم أن هناك قراءات مختلفة ومن ثم توظيفات لغرامشي تنتهي إلى استخدام الأطروحات وقلبها راساً على عقب.

المجتمع المدني من توليدات نمط الإنتاج الراسمالي. تلاقح اللبرالية والراسمالية للحفاظ على التوازن الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي كي يبقى خط الإنتاج مشتغلا دون تقطُّعات ويتحقق المعدل اللامحدود للربح. وهذا ما يفسر الشكل الديمقراطي في الغرب الرأسمالي، بمعنى توفير حد معين من الديمقراطية يغطي الديمقراطية السياسية سواء في تشكيل النقابات أو الأحزاب على أن تكون جميعاً ضمن هيمنة الدولة، التعددية السياسية والتعددية الاقتصادية كذلك “دعه يعمل دعه يمر”. وهما التعدديتين اللتين آلَتا إلى اشكال خطيرة مجتمعياً. فلم يعد للتعددية السياسية ذلك الدور المحرك والمقرر في السلطة السياسية. يمكن انتخاب اياً كان (مع أن النجاح لمن ينفق أكثر)، ولكن في التحليل الأخير بوسعه التصرف بمعزل عن الدستور وعن التفويض المجتمعي. نسترجع هنا ما قاله سيسل رودس حين قرر استعمار واستيطان روديسيا/زيمبابوي اليوم لتلافي ثورة عمالية في بريطانيا، وما فعله توني بلير بعده بزمن طويل حين شارك بحجم بلاده الوضيع إلى جانب بوش في تدمير العراق رغم المظاهرات الرافضة للحرب والعولمة وبروز منظمات غير حكومية فيها، ولكن كثيرا من نفقاتها كانت من “جيب” أكبر مضارب في التاريخ جورج شورش (سوروس) اليهودي البلغاري!.

إن التعددية السياسية الراسمالية هي مفرخة الفردانية أو تفريد المجتمع والناس إلى أفراد بشكل ذرِّي.لعل أوضح تعبير عن قصدية هذا التفريد والتذرير ما قالته تاتشر:”ليس هناك شيء اسمه المجتمع، هناك الفرد وربما الأسرة”. فالمآل النهائي للراسمالية هو تفكيك المجتمع إلى أفراد وحتى في حالة القطاعات الاجتماعية والأحزاب فهي مهيمن عليها بما يدجنها ضمن نظام توحيد السوق ليس فقط السوق القومية بل توحيد السوق العالمية. كما آلت التعددية والمنافسة الاقتصادية طالما هي مرتكزة على الملكية الخاصة و “حق” الكسب المفتوح وتوسيعها بلا حدود، آلت إلى الاحتكار وإلى هرم يزداد تدبُّب قمته باضطراد وتنحط وتتسع حياة قاعدته باضطراد ايضاً. تضخم الطبقات الشعبية وذوبان الوسطى فيها وتضاؤل حجم الطبقة الراسمالية إلى ما يقارب النخبة مع انفتاح السوق العالمية بلا حدود، وحدة السوق العالمية.

ولندخل عميقاً في موضوعنا يجدر التنويه بأن توليد المجتمع المدني ترافق مع الثورة الصناعية. ولكن، لماذا لم يكن تبلوره هكذا في حقبة الإقطاع حيث كانت هناك مراتبية (تراتبية) طبقية كذلك؟

قد يكمن التفسير في الفارق الجوهري بين المرحلتين. فإذا كانت السوق موجودة في كليهما وقبلهما، فإن مما تجاوزت به الرأسمالية مرحلة الإقطاع بشكل خاص هو العمل الاجتماعي، هو تجميع التفكك الفرداني للفلاحين في نطاق العمل المأجور حيث الصناعة حتى الأولية منها تحتاج إلى سلسلة بشرية لتجهيز الإنتاج مما خلق البنية الطبقية للطبقة العاملة. هنا، في المرحلة الراسمالية، يتجمع العمال من اجل الإنتاج ويتفرقوا بعدها كأفراد في بقية يومهم وحياتهم، وحين يتبلوروا في نقابة تتم عملية تدجينهم بالديمقراطية السياسية الشكلية التي تحافظ على بقاء خط الإنتاج مشتغلاً، ولا يقوى ساعدهم إلا ببلورة حركة عمالية. اي مرة أخرى يبقى السوق هو الهدف وهو نفسه مسرح خدمة الملكية الخاصة، اي تسخير العام في خدمة الفردي. هذا إلى جانب ظهور الدولة القومية/العصرية في أوروبا (بعد ويستفاليا في 1648 اي انها تزامنت مع صعود نمط الأنتاج الرأسمالي في القرن السادس عشر المديد الممتد من 1450 حتى 1640 وكذلك تزامنها مع الثورة البروتستانتية التي جاءت جميعها لخدمة عملية التراكم لرأسالمال ) الدولة في سلطة طبقة فرزها نمط الإنتاج الراسمالي حيث العامل الاقتصادي بجوهره الصناعي هو المقرر في التحليل الأخير. الدولة الإقطاعة الصغيرة سابقاً محكومة بعلاقة مباشرة ويومية مع مجتمعها المحلي في حين لم تكن تنحصر الإمبراطوريات في مجتمعها القومي وحده، بل كانت تتفرع عنها دولا انفصالية اخرى، كبيزنظة عن الرومانية والأندلس عن الأموية، المهم أنه في ظل الدولة العصرية الرأسمالية قد تطلَّب هذا الارتباط الحُكمي ترتيباً مدنياً للبلد. (إعادة هيكلة جذرية للمجتمع برمته)

إذا صح شرطنا هذا لمدنية المجتمع أن يكون للصناعة دور فاعل وأساسي، اي وجود تشكيلة اجتماعية اقتصادية رأسمالية حقيقية، فهل يمكن سحب أطروحة المجتمع المدني هذه على بلدان المحيط، راسمالية المحيط؟ هل عرضت أو تعرض هذه المجتمعات مناخ وشروط المجتمع المدني المشار إليها من غرامشي نفسه طالما يتم نسب قراءة “اصحاب المجتمع المدني هنا” إلى أطروحة الرجل. أم أن هذه التشكيلات الرأسمالية غير المكتملة، بل الانتقالية تولد مجتمعا مدنيا غير ناضج ولا مكتملا؟ إن كان حديثنا هذا مخطوئاً، فما معنى أن ما حسم الأمر في مصر وتونس حتى الآن هو الجيش؟ وما معنى أن هاتين الثورتين بقيتا في نطاق الثورة الأولى أي المطلب الديمقراطي، دون التوجه نحو الثورة الثانية، اي التحرر القومي من التبعية للمركز والتحرر من الارتباط باتفاقات التطبيع والكويز Qualified Industrial Zones-QIZ والغاز مع الكيان،والثورة الثالثة أي التنمية والاشتراكية ؟ اي لم تتولد الهيمنة النقيضة، الهيمنة الثانية هيمنة الطبقات الشعبية التي تدفع باتجاه مشروع ومطالب الحرية الاقتصادية والتنمية والاشتراكية.

ليس هنا مجال قراءة والفرز ما السبب الأساس في تواصل التخلف، هل هو الاستعمار بأشكاله القديمة والجديدة، ام هي الطبقات الحاكمة التي من مصلحتها استمرار التخلف[6]. ما يهمناهنا، أن مجتمعات لم تترسمل وتتصنع بما يكفي لا توفر شروط مدنية المجتمع بمفهوم غرامشي، فما معنى استخدام هذه النظرية دون توفر سياقها التاريخي، ناهيك عن عدم الإنشغال في توفير هذا السياق؟

المجتمع المدني

تظل مسألة المجتمع المدني حجر الزاوية في مساهمات غرامشي النظرية، وهي مسألة من الاتساع والمرونة بحيث يمكن للفكرين الراسمالي والاشتراكي تبنيها بطريقته الخاصة، بتفسيره الخاص. وقد يعود السبب في توفر فرصة لكلا النقيضين في استثمارها، ربما إلى أن غرامشي كان تجريبياً في كثير مما عرض وربما لأنه ركز على البنية الفوقية (انظر لاحقاً) وهذا ما وفر فرصاً لتعدد تفسيره ومن ثم استثمار هذه الخاصرة اللبرالية له. إن المجتمع الصناعي والدولة القومية الحديثة هما مجال تفكير وتحليل واستنباط أفكار غرامشي ولكن ليس ليشرحهما كمعلم مدرسي يكرر الدرس نفسه لعقود بل ليصل منهما إلى هيمنة الطبقة العاملة.

مرة أخرى، تركيزنا على غرامشي آتٍ من الشعور بوجود قراءات واستخدامات وتوظيفات تناقض ما ذهب هو نفسه إليه، هذا مع وجوب التأكيد أن غرامشي لم يكن بداية ولا نهاية مسألة المجتمع المدني كل فكر هو امتداد لفكرٍ ما، قبله بطريقة ما وبدرجة ما، لكن هذا لا يعني أن الفكرين متطابقين، أو لا خصوصية للثاني أو اللاحق،، لا بل اكثر، يمكن لللاحق ان يختلف بشكل جذري عن سابقه. إن ربط الجديد بالقديم ومحاولة نسبه إليه وحصره فيه هو إشكالية فكرية وربما سياسية مقصودة. لوحظ ذلك في قراءة كثيرين للعولمة قراءة تحاول تغطية جوهرها الرأسمالي الحالي بما هو سيطرة وهيمنة واستغلال آلَ مؤخراً إلى استعمار مباشر من المركز للمحيط.

ويتم الأمر نفسه تجاه المجتمع المدني الذي ينسب البعض وجوده إلى منتهى القِدم في محاولة لفكِّه عن مرحلة تبلوره الأساس أي مرحلة الرأسمالية الصناعية، كالقول بأن المجتمع المدني مسألة في منتهى القدم ولا ترتبط بالمجتمع الصناعي الحديث إلا بالمفاهيم الحديثة التي عولجت بها. يبدأ المجتمع المدني القديم منذ لحظة انفصاله عن الطبيعة العمياء والدخول معها في صراع تحقيق الوجود والبقاء وصولا إلى مختلف درجات الارتقاء الأخرى التي لا نهاية لها والتي يجسدها المجتمع المدني الحديث حيث ارتقى صراع الإنسان ونضاله إلى البحث عن الحرية للفرد والطبقة والمجتمع بمعنى أنه تجاوز القلق على مجرد الوجود والبقاء وأصبح، بل يجب أن يكون قد اصبح اكثر إنسانية.

يشتمل المجتمع المدني على علاقات الأفراد المادية ضمن مرحلة معينة لتطور القوى الإنتاجية. إنه يشــتمل على مجمل الحياة التجارية و الصناعية لمرحلة معينة و بذلك يتجاوز المسألة السياسية.هذا ما يقوله ماركس في الإديولوجية الألمانية. المجتمع المدني هنا بنية تحتية، بينما يظهر عند غرامشي كجزء من البنية الفوقية، اي أجهزة الهيمنة في الدولة؛ الأجهزة الإديولوجية (الإعلام والتعليم- التربيـــة والمؤسسات القانونية والقانون والشرطة والجيش-الجهاز القمعي Coercive Apparatus)، والاقتصادية للدولة البورجوازية الحديثة. وهذا يُظهر بوضوح أن المجتمع المدني ليس قوة مضادة للدولة البرجوازية بل هو حالة استقلال نسبي بل بالأحرى (امتداد للدولة او المجتمع السياسي وهذا ما يسميه غرامشي بالدولة الممتدة Extended State)،بكلمات أخرى، يشكل المجتمع المدني في المجتمعات الرأسمالية المتطورة موقع امامي للمجتمع السياسي او الدولة) وإنما محكوم لا مباشرة، من المجتمع السياسي اي الدولة، التي بدورها توظفه لتسويد هيمنتها. بهذا المعنى،فإن الدولة الراسمالية تصل إلى مرحلة تتمكن فيها السلطة البرجوازية (المجتمع السياسي) من تطويع المجتمع المدني بحيث يتشرب ويتمثل ويُعيد إنتاج إيديولوجيتها وكأنها من عندياته. (سنبين ذلك في الهيمنة أدناه). لكن هذا كله هو نصف أو مقدمة ما رمى إليه غرامشي لأنه استهدف هذا من أجل تقويضه على يد الهيمنة الثورية لفكر الطبقة العاملة.

الحزب:

إلى جانب، بل وفي خدمة الطبقات الاجتماعية اشترطت التشكيلة الاجتماعية الاقتصاية للراسمالية تشكيل القوى السياسية التي تعبر عن تلك الطبقات، او هكذا يُفترض. لذا، تشكل الإحزاب والقوى السياسية إحدى أهم مكونات المجتمع المدني بما هي ذات تنظيم ودور سياسي اجتماعي واضحين. لقد ركز غرامشي كثيرا على الحزب وما اسماه “الأمير الجديد” لقيادة الطبقة العاملة في نضالها لتركيز وانتصار هيمنتها في مواجهة هيمنة البرجوازية. هنا علينا التنبه أن غرامشي تحدث عن هيمنتين متناقضتين (متصارعتين وهكذا يبقى المجتمع المدني ميدانا متنازع عليه من قبل الطبقات المتصارعة) وانحاز إلى واحدة هي هيمنة فكر الطبقة العاملة، وهذا بخلاف الفهم المسطَّح الذي يتحدث عن هيمنة واحدة هي هيمنة البرجوازية بهدف تجميلها وبقائها، هذا الفهم هو الذي يسحب المحرك الثوري من فكر غرامشي والأخطر يسحبه من واقع من يقعون ضحية هذا الفهم المخصي.

مسالة الحزب عند غرامشي فيما يخص المجتمع المدني محورية. واهم ما قاده إلى ذلك فشل مجالس العمال في الثورة البلشفية في قيادة نضال الطبقة العاملة قيادة سياسية طبقية، هذا قاد غرامشي إلى الاعتقاد بأن الحزب الشيوعي بالمعنى اللينيني ضرورياً. فالحزب هو الذي، برأي غرامشي، سيُوعِّي ويقود الطبقة العاملة لتحقيق هيمنتها. وهذا يستدعي نقاشاً لحالة الوطن العربي فيما يخص الأحزاب سواء الهجمة ضد الحزبية منذ الفترة الناصرية، وصولاً إلى إلغاء الأحزاب باعتماد الحزب الواحد، حزب السلطة، وصولاً إلى الهجمة الأخيرة بعد الثورات والانتفاضات والثورة المضادة حيث يتم اعتبار الحزبية مسألة معيقة للثورة! وهذه حالة انحطاط في الوعي السياسي يليق حقيقة بمجتمع في الكثير من مستويات حياته ما زال غير راسمالي، فما بالك بما هو أرقى من الراسمالية!

إن هذا الخطاب الذي يأخذ المجتمع إلى ما قبل العصر الحديث، إنما يقود بشكل غير مباشر إلى رؤية المجتمع كجسم ضخم متاسق كتيم مصمَّت لا تناقض فيه ولا تفاوتاً، وهذا مخالف للديالكتيك الذي يفترض التناقض كمحرك للتطور. وهذا ما يطرح الانتفاضات الحالية على المحك بمعنى المطالبة بالديمقراطية بدون رؤية ولا مشروع ولا تأطير؟

يرى غرامشي أن: “… ليس الحزب الاشتراكي حزباً طائفيا وإنما منظمة طبقية، إنه ينظر إلى الدولة كسلطة طبقية للبرجوازية كنقيض له. إن دخوله في تنافس على السلطة مع البرجوازية مثابة انتحار له، لأنه بهذا يبتعد عن الدور التاريخي للبروليتاريا… ليس هدف الحزب الاشتراكي القبض على السلطة بل استبدالها، استبدال نظامها وإلغاء حزب الحكومة واستبدال المنافسة الحرة بتنظيم الإنتاج والتبادل[7]

تشكل هذه الفقرة جوهر فهم غرامشي للمجتمع بمعنى أن المجتمع هو بنية طبقية في عصر راس المال، وأن السلطة السياسية محط صراع بين الطبقات ممثلة في الأحزاب السياسية لكل طبقة. ومن الواضح انه يرفض السقوط في الاحتواء البرجوازي للحزب الاشتراكي بحيث يتنافسان على وصول سلطة الدولة بمعزل عن طبيعة الدولة، لذا، لا يقبل بالإمساك بالسلطة بل بتغيير جوهر الدولة وصولا إلى الإنتاج والتبادل. اي ان الديمقراطية السياسية لا تكفي بل يجب أن تنتهي إلى تحقيق تنظيم الإنتاج والتبادل. وتنظيم الإنتاج يتضمن بلا مواربة حق العمال في الإنتاج بما هم المنتجين.

إلا أن فهم غرامشي المجتمعي أعمق وأكثر تعقيداً من هذا، فلم يكن فهمه المجتمعي اقتصادوياً بحتاً، بل يركز على التفاعل والاعتماد المتبادل بين البنيتين التحتية والفوقية ولا يرى أن الاقتصاد مجرد انعكاس لنمط الانتاج او أن الاقتصاد فضاء حراً يعدل نفسه ذاتيا بعيدا عن الواقع الموضوعي او ان القاعدة الاقتصادية مطابقة تماما للواقع الموضوعي، او أن الحقل الإيديولوجي مجرد آلية لإعطاء مشروعية لنمط الإنتاج المهيمن.

بالمقابل في تبرير بعض اليسار لدخول انتخابات الحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة كان الشعار التقليدي، أن كل حزب يسعى لاستلام السلطة. هذا استبدال لطرح غرامشي وتماشي مع المفهوم الانقلابي والبرجوازي لتبادل السلطة على قاعدة شرعية السلطة البرجوازية فما بالك بسلطة تحت الاستعمار الاستيطاني؟ بكلمة أخرى، هذا أحد اشكال الفهم الأحادي للهيمنة، والذي يتجاهل جوهر موقف غرامشي من وجود وصراع هيمنتين.

تميل أطروحات غرامشي اجتماعيا ً إلى رفض الاعتماد الميكانيكي على الاقتصاد وهذا اساس تركيزه على البنية الفوقية إلى ما يقارب الانحياز، فهو يرى أنه خلال الأزمات في الواقع العملي لا بد من بروز دور الفكر والفلسفة للإجابة على الأسئلة المستعصية مع ضرورة تناولها بشكل جديد اعتماداً على المتغيرات التي أتت بها المرحلة الجديدة. والفكر والفلسفة هنا من مهام هذا الحزب. إن غرامشي منحاز اجتماعيا، اي في فهم وتغيير المجتمع إلى إعطاء دور كبير لبناء أسس الفكر الجماهيري ويؤكد على معركة الفكر والثقافة للطبقة العاملة وحتى للبرجوازية لأن صراع الأفكار سيرغمها على قراءة عقلانية للواقع. ومن هنا اهتمامه بالحزب والحزبية.

من هنا نلحظ اهتمام غرامشي بدور الوعي في تحريك الجماهير بمعنى أن حركتها بالوعي تصبح حركة مع رؤية وليست حركة داهمة مقودة بالمصالح في نطاقها الضيق. بكلمة أخرى، فإن الوعي هو الذي يعطي المصالح مضمونها ومعناها ووجوب الدفاع الواعي عنها. حينما نتحدث عن الوعي الجماهيري، فإننا نتحدث عن المجتمع العصري في دولة عصرية. وإذا كانت الشيوعية تعني إدارة الناس لحياتهم دون سيطرة سلطة طبقية، فإن هذا يجعل من الوعي أمراً أكثر أهمية وحساسية ومصيرية.

رغم النقد الشديد لنظرية مكيافيللي الفيلسوف السياسي الإيطالي، والذي يمكن تسميته أب الواقعية السياسية، فإنه هو أول من نادى بالتحرر من المَلَكية المطلقة وهيمنة الكنيسة أو بكلمة أخرى هو أوَّل من اسس للمجتمع المدني. ولا يخفى أن غرامشي قد تاثر به كثيراً. (1). وبالطبع، لا متسع في هذه الورقة لمتابعة التطويرات النظرية على هذه المسألة ما بين مكيافيللي وغرامشي وحتى ما بعد غرامشي نفسه. ما يهمنا هنا أن غرامشي اعتبر الحزب هو “الأمير العصري” في تطوير لنظرية مكيافيللي. لقد جادل بأن الحزب الثوري هو القوة التي ستمكِّن الطبقة العاملة من تطوير مثقفيها الراديكاليين، وهيمنة بديلة في المجتمع المدني. والسؤال هنا، اين يقع الحزب الثوري في مسألة البنيتين التحتية والفوقية؟ هل يمكن اختصارالإنسان في البنية التحتية؟ أونسبه إلى البنية الفوقية كمجرد جزء منها، أم أن الإنسان اساس البنيتين، وفي مناخات وظروف معينة يعطي الأولوية لهذه او تلك في مسيرة جدلية الحياة نفسها؟

لا تسعفنا الغاية من هذه الورقة لمناقشة الكثير من النقاش والجدل والنقد لما يتعلق بالبروليتاريا، ونحن نعلم أن غرامشي ولوكاتش عاشا قبيل النصف الثاني من القرن العشرين حين كانت أزمة الراسمالية قد قاربت قتلها. وفي حقيقة الأمر يتكامل غرامشي ولوكاتش وإن بديا مختلفين نسبياً. ففي حين يركز لوكاتش على الوعي الطبقي بالعموم، يركز غرامشي بشكل اكثر دقة على الحزب وعلى المثقفين ودورهم في التوعية والثورة كآلية لتعمم البروليتاريا هيمنتها على الطبقات الاجتماعية الأخرى مقابل هيمنة البرجوازية.ربما نجد في التطوير الذي اضافه بولنتزاس على الطبقة في المجتمع المدني بأنها لاتكون طبقة بدون الوعي السياسي الطبقي، نجد بعض اسس هذا في أطروحات غرامشي التي تركز على دور الإيديولوجيا للطبقة وخلق كل طبقة لمثقفيها.

يقول غرامشي “الكتلة البشرية لاتتميز ولاتصير مستقلة من تلقاء نفسها من دون أن تنظم نفسها بالمعنى الواسع، ولا تنظيم بدون مثقفين، أي بدون منظمين وبدون قادة[8]. لكن غرامشي لا يبتعد عن الديمقراطية الماركسية في خضم الصراع الاجتماعي. ففي حين يرى ان المجتمع السياسي اي الدولة البرجوازية تفرض هيمنتها بالقسر والسيطرة (وانتزاع الرضى من الطبقات المحكومة)، فإن البروليتاريا تفرض هيمنتها بالإقناع والثقافة على الطبقات الأخرى. وربما هنا وحسب نفهم ما معنى وأهمية الوعي للثوريين وليس اكتفائهم بالحماسة.

كما ينتهي غرامشي إلى ما انتهى إليه ماركس بأن الدولة لا بد ان تنتهي كلما ارتقى المجتمع المدني القائم على الوعي البشري او كما بشر ماركس ” حلول إدارة الأشياء محل إدارة الأشخاص”.

سؤالنا أو تساؤلنا في هذا الوضع : هل المنظمات غير الحكومية قابلة للتحول إلى بُنى حزبية تضطلع بمهمات الحزب التي هي مركزية في حياة أي مجتمع عصري؟ هل هي مؤهلة اساساً من حيث المنشأ والتمويل ومركبها الاجتماعي لهذا الدور؟ وإذا كانت عاجزة عن هذا اجتماعياً فماذا عن أهليتها للمشاركة في التحرر الوطني؟ (أنظري/ر لاحقاً)

الهيمنة

إن قِدم مسألة المجتمع المدني مهما كان فيها من صحة، يجب أن لا يطغى على التطور الأساس لهذه المسألة من حيث ما آلت إليه في حقبة الراسمالية الصناعية والأهم التطوير الأساسي الذي انجزه انطونيو غرامشي فيما يخص نقد ونقض الهيمنة في هذا المجتمع وصراع النقيضين، هيمنة الطبقة العاملة/الطبقات الشعبية في مقاومتها لهيمنة الطبقة الراسمالية. فكما ورث غرامشي مسألة المجتمع المدني عن سابقيه، لينين، وماركس وهيجل، فقد ورث عنهم كذلك آلية عمل هذه المسألة وطورها بشكل أفضل وهي الهيمنة.

يرى غرامشي أن الهيمنة (Hegemony) هي الوجه الأكثر مهارة وذكاء من السيطرة ( Domination )، بمعنى أن السيطرة تتم بالقمع واستخدام الدولة للقوة في تثبيت سلطتها وبالطبع مصالح الطبقة التي تمثلها، في حين أن الهيمنة هي آلية (تمزج ما بين الإكراه القسري والقوة الناعمة ولهذا فهي) اكثر مرونة، هي تشريب الناس لما تريدهم الدولة أن يسيروا بموجبه إلى درجة يعتقدون معها أن ما يقومون به وكأنه من إبداعهم الذاتي، إنه استدخال إيديولوجيا الدولة، وهذا يكفل للدولة بالطبع “سلاما” اجتماعياً وبالطبع طبقياً. على أن الوصول إلى المجتمع المدني بشكله العصري في الغرب الراسمالي وتحقيق الهيمنة بمفهوم الدولة المدنية البرجوازية مثابة عملية قامت او تقوم على دخول المرحلة الصناعية أو لنقل الحداثة بمفهومها العام وخاصة اعتماد العقل وتجاوز الكنيسة وقبول العلمانية. وإذا كان هذا فهم البرجوازية للهيمنة وللمجتمع المدني، فإن كثيرين يضلُّون بهذا الفهم أو التفسير المقصود، يضلون عن ما هدف إليه غرامشي بمفهوم الهيمنة. وهنا يكمن تبهيت وتمطيط مفهوم المجتمع المدني بمعنى أنه بدأ منذ تمكُّن الإنسان من تطويع جوانب من الطبيعة بفعل تحدي الوجود اي الانتقال من المشاعية البدائية إلى المجتمعات الاستيطانية التي ظهرت للعيان مع تطور تكنولوجيات الزراعة التي قادت بدورها لانتاج الفائض الجتماعي/الإقتصادي الذي مكن من ظهور الطبقات: المنتجة للفائض والمقتطعة له والمهيمنة علية (الكهنة، التجار والعسكر). إن هذا التمطيط لمفهوم المجتمع المدني إلى ذلك الغور التاريخي الممعن في القدم مثتبة تبهيت سياسي طبقي مقصود وغير علمي على الأقل بالهدف.

يرى غرامشي أن هناك هيمنيتن واحدة لكل طبقة رئيسية في المجتمع الذي يسيطر فيه نمط الإنتاج الراسمالي:

· هيمنة البرجوازية (الدولة) التي تحاول بسط إيديولوجيتها على الطبقات الشعبية

· وهيمنة الطبقة العاملة التي هي نقيض هيمنة البرجوازية وهدفها التغيير، كما اشرنا في بداية هذه المقالة.

وعليه، فإن الفهم المسطح والشكلي لغرامشي هو مفهوم تدجيني إستلابي يُفرغه من محتواه الطبقي والنضالي، ويحوله إلى مفكر مدجَّن. كما يعتمد أو يستخدم البرجوازيون الاهتمام الكبير لدى غرامشي بالمسألة الثقافية لتمرير تفسيرهم الخبيث هذا.

إن ما لم يرتق إليه غرامشي، وفي هذا سقطة مركزانية اوروبية، أو عدم التقاط التطورات، هو الهيمنة وبلدان المحيط. هذا لم يعالجه غرامشي حيث كان مأخوذاً باوربا الراسمالية. لكن أوروبا لم تكن في أوروبا بل كانت في كل العالم؟ هل كان يعتقد أن تحرر أوروبا اشتراكيا سينسحب على العالم كله؟ حتى لو حصل سيظل هذا تفكيرا مركزانيا اوروبيا. ولماذا لم يتنبه غرامشي إلى أن الدولة الراسمالية الغربية ذات المجتمع المدني هي الدولة الاستعمارية امبريالية التي وهي تذبح امم المستعمرات لم يرفض ذلك مجتمعها المدني!! هذا ما نقترح معالجته بعنوان الهيمنة الثالثة.

قد نجد المعنى الحقيقي للمقصود بالهيمنة لدى لينين، وهو الأمر الذي يتهرب منه محرفي/ مدجِّني مفهوم غرامشي للهيمنة. وهذا التهرب هو قطع مقصود لجذور تبلور مفهوم الهيمنة لدى غرامشي كي يصبح اغتياله أو احتلاله اسهل وأكثر إمكانية:

استخدم لينين مفهوم الهيمنة للإشارة إلى القيادة السياسية للطبقة العاملة في الثورة الديمقراطية. وهذا يوضح طبقية الهيمنة، هيمنة طبقة من خلال حزبها. وهو ما طوره غرامشي لاحقاً في تحليل دقيق ليوضح لماذا لم تحصل الثورة الاشتراكية الحتمية كما كان تنبأ بها الماركسيون الأُول في بواكير القرن العشرين. آنذاك كانت الراسمالية متجذرة بعمق. وقد أدرك أن الراسمالية تتحكم ليس فقط عبر العنف والقسر السياسي والاقتصادي، ولكن ايضاً الإيديولوجي، من خلال هيمنة الثقافة والتي بها تصبح قيم البرجوازية بديهة أو إحساس وشعور عام Common sense” بأنها قيم الجميع، هذا ما نسميه استدخال الهزيمة.

وهكذا فإن إجماعاً ثقافياً قد تطور إلى درجة أنه في الطبقة العاملة أصبح الجيد لديها هو الجيد لدى البرجوازية، وعليه تساعد على إبقاء الوضع الراهن وليس الثورة ضده. لا بد للطبقة العاملة من تطوير ثقافة خاصة بها تُطيح التصور الذي تمثله القيم البرجوازية والذي يبدو كأنه قيماً “عادية” أو “طبيعية” للمجتمع، ولكي تجذب الطبقات والمثقفين المقموعين لصالح هدف البروليتاريا.

تمسك لينين بأن الثقافة هي عامل مساعد للموضوعات السياسية، أما بالنسبة لغرامشي فالهيمنة الثقافية اساسية لإحراز السلطة ويجب إنجازها أولاً. من وجهة نظر غرامشي، فإن اية طبقة تطمح للسيطرة في الشروط العصرية لا بد أن تطمح لما هو أبعد من الطريق الضيق لمصالحها “الاقتصادية-المشتركة” ولكي تمارس قيادة ثقافية وأخلاقية، وأن تقوم بتحالفات ومساومات مع العديد من القوى.

لقد أسمى غرامشي هذا الاتحاد بين القوى الاجتماعية ب “الكتلة التاريخية”، مستعيراً المصطلح من جورج سوريل. وتشكل هذه الكتلة أساس الإجماع على نظام اجتماعي معين، والذي بدوره ينتج ويعيد إنتاج هيمنة الطبقة السائدة عبر سلسلة من المؤسسات، والعلاقات الاجتماعية، والأفكار. وبهذا المعنى، فقد طور غرامشي نظرية ركزت على أهمية البنية الفوقية في كل من الحفاظ على وكسر علاقات البنية التحتية. وهنا لا بد من محاذرة فخّ الكتلة التاريخية بمعنى أن غرامشي لم يكن ليروج لها في ظل النظام الراسمالي بل طرحها ليشرح تكتيك البرجوازية، وعليه، فإن دفع تحليله إلى نهايته يجب أن يستدعي كتلة تاريخية بقيادة الطبقة العاملة. في هذا السياق لا يسعنا إلا ان نشير ان تطبيقات هذه الفكرة في ظل العولمة النيوليبيرالية تتجسد في تشكل الكتلة التاريخية للطبقة الراسمالية المتخطية للقوميات Transnational Capitalist Class بما في ذلك مؤسسات ومثقفو المجتمع المدني لخدمتها وذلك بهدف تدجين المجتمعات في المركز والمحيط وشبه المحيط لتسهيل سيرورات إعادة الهيكلة الاقتصادية واللبرلة السياسية والهندسة الاجتماعية للحيلولة دون اي مقاومة منظمة تنشأ من البنى القاعدية لهذه المجتمعات ضد مشروع العولمة النيوليبيرالي— لذلك ليس سرا أن غالبية دول المركز وبالتنسيق بينها وبين مؤسساتها وصناديقها تقوم بتمويل مؤسسات الأنجزة في التشكيلات الاجتماعية المختلفة والمتباينة في المنظومة الرأسمالية العالمية. على سبيل المثال تمويل الافكار والمشاريع العاملة في حقل “الديموقراطية وحقوق الإنسان”.

بهذا المعنى، فإن الحزب رافعة اساسية لهيمنة الطبقة التي أفرزته كي يمثلها، ولكن، أين تقع منظمات الأنجزة من هذا الأمر؟ أية هيمنة تسعى لنشرها اجتماعياً طالما هي ممولة من الخارج بالمال السياسي، ربما هناك استشناءات محدودة؟ ما مساهمتها وهي تنشر الثقافة الأميركية في الديمقراطية المخادعة، بعض حرية القول هنا، ومقابل حرية ذبح امم هناك. كيف تتجاوز القرار الرسمي من الغرب بالتعامل مع الصراع العربي الصهيوني من مدخل أن ما بيد الكيان هو للكيان؟ وبكلمة:هل هي جزء من المشروع الوطني التحرري، هل هي مشاركة وهل تمن بالصراع الطبقي للطبقات الشعبية ضد الكمبرادور، ام هي بتحصيل حاصل جزؤ من الثورة المضادة، أداة للهيمنة الثالثة، الهيمنة الخارجية؟ (أنظري/ر لاحقاً)

الديمقراطية والمواطنة:

الديمقراطية والمواطنة حقوق طبيعية للإنسان تقوم اساساً على وتُضمن، إذا ما توفرت قاعدتها الرئيسية وهي الحرية. وبغض النظر عن مدى تطبيقها في الدولة الرأسمالية الحديثة، فهي مفاهيماً وحقوقاً اقترنت بهذه الدولة، دولة المجتمع المدني. وهذا يفترض السؤال التالي: هل الدولة في الوطن العربي هي دولة راسمالية بالمفهوم الغرامشي الذي تحدث عن المجتمع المدني، وبالتالي هل هذه الدولة ارضية مناسبة للزعم بوجود منظمات للمجتمع المدني لا سيما وأن هذه المنظمات لها دور مجتمعي واستقلالية نسبية عن المجتمع السياسي، فالحديث عن مجتمع مدني لم يرتق أو يتحول المجتمع السياسي فيه إلى وضعية الدولة التي تتوافر فيها بنية المجتمعين المدني والسياسي هو حديث مبتور عن واقع مبتور، بل لأن الواقع مبتوراً. ألا نلاحظ وخاصة إثر الثورات العربية الأخيرة أن أحد اسباب الثورات الأخيرة هو تقصير الدولة في الوطن العربي عن أن تكون دولة للمواطنين؟ أو فقدان الناس لمواطنيتهم. ومع ذلك كان الكثيرون يتحدثون فيها عن ” مجتمع مدني”. وسنترك الحكم الأخير لمآل الثورات والانتفاضات السائلة في الوطن العربي وخاصة على ضوء اللجوء إلى الجيش كملاذ أخير؟ الا يؤكد هذا أن هذم المجتمعية المدنية غير ناضجة؟

وفي حين غابت الديمقراطية بالمفهوم الراسمالي عن المجتمعات العربية، ربما لأن خط الإنتاج شبه غائب فعلامَ تقلق البرجوازية، ناهيك عن أوتوقراطيات الخليج، حتى تعطي المجتمع بعضا من الديمقراطية’ فإن الثورات والانتفاضات والثورة المضادة اليوم في الوطن العربي تكاد تنحصر في مطلب الديمقراطية تيمنا بالغرب الذي قطع شوطا في التصنيع والتقنية لم نصله نحن، وغادر هذا المستوى وانعطف فاشياً بوضوح.

قد يساعدنا هنا الحديث عن الحداثة بمعنى أن الحداثة، بمضمونها الأوروبي الذي لا نوافق على تعميمه عالمياً، أن هذه الحداثة هي مضمون الدولة الرأسمالية الغربية التي تكونت من المجتمع السياسي والمجتمع المدني، وأن هذه الحداثة اقترنت بالتحديث الراسمالي[9]، الذي كان تطبيقها الاقتصادي الإنتاجي على الأرض. فهل تتضمن الدولة في الوطن العربي كل من الحداثة والتحديث؟ وإذا غابتا هاتين، ماذا يظل لدينا مما تسميه المجتمع المدني غير استيراد المصطلح وتلبيسه قسراً لواقعنا؟

البنية الفوقية

كما ألمحنا في مواضع اعلاه تميز غرامشي بالتركيز على دور اكبر للبنية الفوقية في عملية تطور المجتمعات أو على الأقل قلل من حصرية الأمر في البنية التحتية. فهو يرى إلى القوانين الاقتصادية كقوانين متحركة متغيرة لأنها اجتماعية في التحليل الأخير، وليست كقوانين الفيزياء والكيمياء.لذا أعطى للإيديولوجيا دوراُ بارزاً وأعطى استقلالاً نسبياً للبنية الفوقية عن التحتية اي للسياسة والثقافة والقانون والأخلاق…الخ. وهذا نقاش مستدام بين الشيوعيين، وربما كانت الماوية من أول من عالج هذه المسألة معطية أهمية نسبية لعلاقات الإنتاج دون حصر الأمر في قوى الإنتاج وهذا ما أوضح تقصير أو لبرالية نسبية عند غرامشي. وفي هذا هي تخالف موقف غرامشي الذي يذهب لما هو خارج نمط الإنتاج، وإن كان يتقارب معها فيما يخص الحزب. ثم جاءت مساهمات ألثوسير وهنري ليفيفر ونيكولاس بولانتزس وبيري اندرسون. في هذا المستوى متشربا أطروحات ماو وغرامشي معاً. وذهب غرامشي إلى القول بأن البنية الفوقية تلعب دورا بارزا في تطوير الوعي الطبقي وتماسُك الحزب فكرياً وبالطبع تلعب دوراً في تعميق وتعميم هيمنة طبقة على أخرى. ومن الإنصاف القول هنا أن الماوية مثلت النقد الأعمق للنزعات المركزانية الأوروبية لدى ماركسيين أوروبيين. تجدر الإشارة إلى أن كثيرين يرون بأن ماركس قد أعطى للبنية التحتية دوراً مطلقاً، وهو ما اسموه النزعة الاقتصادوية. وهذا التفسير راجع بالطبع لطبيعة قراءاتهم لماركس أكثر مما هي لحقيقة موقفه. وبالمقابل، فإن غرامشي أعطى الأولوية للبنية الفوقية[10]. وفي هذا يلتقي إلى حد كبير مع جورج لوكاتش.

في هذا الصدد يقول غرامشي: “إن الأطروحة الماركسية التي تنص على أن البشرية تطرح على نفسها فقط المهام التي باتت الشروط المادية لحلها متوفرة، تعمق وتدمج بالبحث في الأنماط والأشكال والوسائل التي تنجز بواسطتها البشرية تلك المهام فعليا، أي أن الإنتباه يتحول إلى الشروط الإيديولوجية والسياسية للجدل التاريخي[11]“. بمعنى آخر، فإن قانون التطور والبقاء يكشف بأن التاريخ بمقدار ما يعرض حالات من التحدي التي تواجه الإنسان بمغاليق معينة، فإن القوى الاجتماعية الديناميكية وحدها التي تلتقط جانباً آخر في التاريخ هو الجانب الذي يعرض مفاتيحاً لهذه المغاليق.

لا يخرج غرامشي عن جوهر الفلسفة الماركسية ومرتكزها وهو التاريخ. فهو مثل ماركس يعتبر أن التاريخ هو مسرح التطور وأن المجتمع المدني وليس الدولة هو اللحظة الفعالة في التطور التاريخي، فهو قوة التغيير وساحة صراع الهيمنتين. لكن هذا يعني كذلك أن البلدان التي لم تترسمل وتتصنع كما يجب، فإنها لم تولِّد المجتمع المدني الذي يُفترض في نظرية غرامشي. نعم، ليست الأمور مطلقة وحدِّية إلى هذا الحد، ولكن قراءة المجتمع المدني بمضون أطروحات غرامشي يرغمنا على التذكر أن القُطريات العربية ليست النموذج المقصود، والهدف هنا مزدوج:

· الأول، عدم افتراض أن في الوطن العربي مجتمعاً مدنيا ومجتمعا سياسيا كما هو في الغرب الراسمالي الذي هو موطن الثورة الصناعية وما بعدها ومن ثم تلك الطروحات

· والثاني، وهو الأهم اعتبار النقطة أعلاه، مدخلاً للتحدي وللعمل على تحقيق هذا المجتمع، وليس افتراض وجوده والبناء على ذلك الافتراض المزعوم. هذا معنى التقاط مفاتيح المغاليق. وفي هذه الحالة ستكون مقومات المجتمع المدني مرتكزة على تاريخ المجتمع وليس فقط على رسملته.

يركز غرامشي مجتمعيا على وعي الضرورة، مؤكدا مقولة الماركسية بانتقال الإنسان الدائم من ملكوت الضرورة إلى ملكوت الحرية ناسباً هذا الانتقال إلى الوعي بالضرورة. وهنا يدخل الحزب والطبقة في العملية بمعنى ان الوعي السياسي الطبقي هو الذي يجعل من الطبقة طبقة تفرز حزبها، بما يؤكد أن هذا الفرز ليس ميكانيكيا طبقا لما يعتقد البعض أن قوى الإنتاج هي التي تسير العلاقات اي الناس.

إن سعي الإنسان للحرية هو مشروع واعٍ، لا شك في هذا. وهذا ربما قائم على قول هيجل: “إن الفلسفة هي الوعي محاط بالفكر…وأن الحرية هي فهم الضرورة”، هنا يُنفى التطور الميكانيكي ليحل محله الفهم الواعي للواقع فهم الواقع الاقتصادي الاجتماعي وتسخير هذا الواقع لصالح الثورة والتغيير. لذا يرى لوكاتش أنه : ” عندما اشتعلت الأزمة الإقتصادية النهائية للرأسمالية أصبح مصير الثورة ومعها مصير البشرية رهن النضج الإيديولوجي للبروليتاريا رهن الوعي الطبقي”[12] هذا الوعي الذي نقله غرامشي إلى الحزب وليس إلى الطبقة بمعناها الفضفاض. والسؤال المعلق هنا، هل كان وراء حديث لوكاتش تقليل مقصود لدور الحزب وتعظيم لدور الطبقة إلى درجة عدم الحاجة إلى الحزب. لنترك هذا لقراءة الناس للتاريخ وماذا علمتنا تطوراته.

نعيد السؤال هنا حول الأنجزة، فالبنية الفوقية لا بد أن تكون انعكاساً خلاقا للبنية التحتية التي هي مسخَّرة للناس في التحليل الأخير، ترفعها من المادي إلى الواعي الإنساني. فما هو موقع الأنجزة هنا؟ وحينما تكون مؤسسات البنية الفوقية في خدمة الدولة الوكيلة، والكمبرادور ما هو موقف الأنجزة منها؟

الدولة جزء من البنية الفوقية فهي البنية الفوقية السياسية

رفض غرامشي مزاعم اللبراليين عن عدم تدخل الدولة في الاقتصاد بمعنى توجيهه بشكل محدد. ومسألة الدولة والاقتصاد مسألة تناقض ليس بين الشيوعيين واللبراليين وحسب، بل مسألة تناقض ذاتي داخلي بين اللبراليين أنفسهم. فبينما تقوم إيديولوجيا اللبرالية وتجسيدها رأسمالياً على عدم تدخل الدولة في الاقتصاد، فإن الدولة بما هي سلطة لطبقة أو تحالف طبقات احيانا مع هيمنة طبقة محددة، هذه الدولة متدخلة في الاقتصاد سواء بتقديس الملكية الخاصة، أو تبرير المنافسة والاستغلال بقوانين، أو ممارسة الحماية الاقتصادية وزعم حرية التجارة، أو حتى التشريع للدولة بأن تضع يدها على الأراضي التي لا يستغلها اصحابها بشكل مناسب او لا يستغلونها لمنحها لمزارعين أكثر نشاطاً!. ليس هذا فحسب بل إن أزمات السوق او الراسمالية المتكررة، وفقا لدورات الكوندراتيف، لم يجد من ينقذها سوى الدولة بتشريعاتها الضابطة وإبطالها في مرحلة لاحقة لإنقاذ الطبقة الرأسمالية من أزماتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمثلة على ذلك كثيرة ومن ابرزها أزمة 1929 ومشروع روزفليت في الثلاثينيات The New Deal مرورا بمشروع العولمة النيوليبيرالي للخروج من الأزمة العضوية التي اجتاحت دول المركز الراسمالي ما بين 1968-1973/4 وآخرها مشروع إسعاف البنوك وشركات السيارات في الولايات المتحدة منذ العام 2008.

قد يفيد في هذا الصدد التأشير قليلاً إلى ميشيل فوكو الذي كان الأكثر حِدَّة في نقد الدولة البرجوازية وبنيتها الفوقية مستخفاً بدور البنية التحتية لينتهي أخيراً إلى الاستسلام لهده الدولة بل الطبقة!. في تردده ما بين الماركسية والفكر اللبرالي رغم الصخب النقدي اعتبر فوكو البنية التحتية اي الاجتماعية الاقتصادية مثابة “…عناصر مبعثرة تطير في فضاء مفترض ليس لعنصر امتياز على آخر”. وبهذا لا يتعمق فوكو في نقد الدولة البرجوازية في معقلها الرئيسي الملكية الخاصة والتحكم بجهد الطبقة العاملة وممارسة الاستغلال.

إن إنكار امتياز عنصر على آخر، هو إلغاء للبنية الطبقية في المجتمع الواحد وعلى صعيد عالمي كذلك. وبهذا، فهو ينفي الصراع الطبقي الذي هو محرك التاريخ. إن هذه التغطية على هذا التفاوت المريع في ملكية الثروة الاقتصادية سواء داخل المجتمع الطبقي الواحد أو على صعيد عالمي يؤدي إلى تبهيت الحقائق الطبقية في المجتمع الواحد وعلى صعيد عالمي. وفي النهاية يخرج عن المحيط الفعلي للوجود ومن ثم الصراع الطبقي. وربما هذا ما أخذه في النهاية إلى الاعتقاد بموت السياسة ومن ثم إلى التسامح.

يقول غرامشي: ” الدولة بمعناها الموسع هي الاتحاد الجدلي للمجتمع المدني والمجتمع السياسي، للهيمنة والإكراه أي أن الدولة سلطة من جهة وأجهزة من الجهة الأخرى. وهذه الأخيرة تقسم إلى أجهزة إكراه وأجهزة هيمنة. وأجهزة الهيمنة هذه هي المؤسسات المدنية للدولة أو المجتمع المدني حسب غرامشي[13]“. الحديث واضح هنا بأن مؤسسات المجتمع المدني في دولة الراسمالية هي مؤسسات امتداد ما للدولة، للمجتمع السياسي ولكن باستقلال نسبي وليست نقيضاً لها. هل هذا ما اقنع فوكو أن اية معارضة أو حتى ثورة إنما تدور في فلك وتحت رقابة وتحكم السلطة؟ وهل هذا تاثراً بمسرح النظام الثابت عند شكسبير؟ ربما. ومرة أخرى هذا يؤكد نقدنا للثورات والانتفضات العربية التي انحصرت بعدُ في الديمقراطية، اي في نطاق هيمنة السلطة.

الدولة والمجتمع المدني

ترتبط نظرية غرامشي للمجتمع المدني بفهمه للدولة الراسمالية، والتي برأيه تحكم بكلٍّ من القوة والإجماع. لا يمكن فهم الدولة عبر المفهوم الضيق للحكومة، لذا يفصل غرامشي بين “المجتمع السياسي” وهو مجال المؤسسات السياسية والتحكم الدستوري، وبين المجتمع المدني والذي يُرى عموما على أنه مجال “خاص” او “غير دولاني” مختلف متفارق differentiated عن كل من المجتمع السياسي والاقتصاد.

فهو يرى أنه في ظل الراسمالية العصرية بوسع البرجوازية الحفاظ على تحكمها الاقتصادي بالسماح ببعض المطالب التي ترفعها الاتحادات العمالية والأحزاب السياسية الجماهيرية في المجتمع المدني بحيث يقبل بها أو يلبيها المجال السياسي. وبهذا، فإن البرجوازية تنشغل في ثورية سلبية من خلال ذهابها لأبعد من مصالحها الاقتصادية الآنية وتسمح لأشكال هيمنتها بالتغير. يفترض غرامشي أن حركات من طراز الإصلاح، والفاشية، والإدارة العلمية، ونظام تجميع الآلات والأدوات مبادىء فريدريك تايلور وهنري فورد[14] على التوالي أمثلة على ذلك.

يرى غرامشي ان الطبيعة المعقدة للمجتمع المدني يعني التكتيك الوحيد القادر على تقويض هيمنة البرجوازية والذي يقود إلى الاشتراكية هو حرب الموقع، كموازي لحرب التخندق. وأن حرب الحركة (او القتال الجبهي) الذي قام به البلاشفة، هي استراتيجية أكثر مناسبة للمجتمع المدني المتخلف في روسيا القيصرية. نلاحظ هنا مركزانية غرامشي في ملامسة البلدان الأوروبية المتخلفة وليس بلدان المحيط. ولكن هذا يتضمن كافة أنواع الحروب والتي هي هنا الصراع الطبقي. فكسب حرب المواقع فكرياً هو مبرر وجود الحزب والثقة به وبدوره في هيمنة المجتمع المدني للطبقة العاملة، فما موقع الأنجزة هنا؟ ورغم زعمه بأن الخطوط الفاصلة بينهما ضبابية، رفض غرامشي حالة الحرب التي تنتج عن مطابقة المجتمع السياسي بالمجتمع المدني كما حصل من قبل اليعاقبة والفاشيين. فهو يرى أن مهمة البروليتاريا هي خلق “مجتمع منظم” ووصف ذوبان الدولة بأنه التطور التام لقدرة المجتمع المدني على تنظيم نفسه.

II. موقع المجتمع المدني، الأنجزة

في المشروع الوطني

لست ادري من هو ذلك المبدع الذي صاغ “عقدة الخواجا” ذات يوم. كان يقصد فيما قصد طبعاً الخواجا المسلَّح في وطن أعزل. لم تُسقَط هذه العقدة، وإنما تحورت إلى المستوى الثقافي، إلى اختراق الوعي ليحل استجلاب او استيراد الثقافة والمفاهيم محل جدل المعرفة الإنساني. وسلعة الثقافة أخطر بكثير من سلع الاستهلاك المادي لأنها تعيش طويلاً بل لا تموت. نستهلك السلع الاستهلاكية والسلع المعمِّرة في مدى اقصاه عشر سنوات، أما سلعة الثقافة والفكر فتبقى في المرء وينقلها إلى غيره. وحين تكون العلاقة علاقة متعالٍ ومتلقي تكون النتائج كارثية. أليس هذا شأن الدمقرطة التي اتت بها التسوية السياسية وروجتها منظمات أنجزة بلبوس منظمات المجتمع المدني؟ ديمقراطية “نخب أول” تحت استعمار استيطاني اقتلاعي؟ هل أكثر من هذا محاولة لشطب ذاكرة شعب؟ ثقافة أن المرأة يجب أن تظل خارج العمل الوطني والقومي لأن الوطن حين يتحرر يبقى للرجل، والوطن مستلب تماماً في حالتنا. ثقافة الجندر في مواجهة ثقافة الوطن والطبقة[15].

والأمر الأكثر طرافة وألماً أن الديمقراطية التي يصدرها إلينا الخواجا الجديد، غدت بالنسبة له سلعة قديمة، حيث نقلته الأزمة المالية الاقتصادية إلى الفاشية، وأعادته إلى الشكل الاستعماري الكلاسيكي اي المباشر. أصبحت ديمقراطية الغرب تفويضاً مفتوحاً للحاكم في مجتمع يزعم المدنية محلياً ويبرر قيام طبقته العاملة بالمذابح في الخارج كي يبقى معدل الربح للشركات الكبرى عالياً، وخلال كل هذا يمول منظمات الأنجزة عندنا! اليست هذه معادلة عجيبة؟ خطورة هذا التفويض أن نتائج الانتخابات البرلمانية مضمونة لنفس الطبقة وإن كانت شرائحها تتبادل الحكم وهذا أحد اسباب الإبقاء على هذه الديمقراطية لأن نتائجها مضمونة لنفس الطبقة، أليست هذه ديكتاتورية؟ أليس قبول التعاطي مع منظمات ومؤسسات هذا الغرب هو نموذج على تسويق الهيمنة الثالثة؟

إن قراءة وتوظيف مساهمات غرامشي في بلدان العالم الثالث ومنها الوطن العربي هي مسألة اكثر تعقيداً من المستوى النظري البحت. بل هي، وعلى اساس البراكسيس تشترط المستوى العملي اي النقدي والكفاحي. فرغم أكثر من مئة عام على بدء النهضة العربية إلا أن المعيقات الداخلية (الثورة المضادة) والعدوان الإمبريالي الخارجي والاستعمار الاستيطاني الصهيوني قد حالت دون إنجاز مقومات اساسية للمجتمع المدني بالمفهوم الغربي العام سواء على مستوى: التحديث والعلمانية واعتماد العقلانية.

على ان هذا ليس كل ما يشترطه الوضع العربي إذا ما نظرنا إليه من مدخل الكينونة القائمة بذاتها، ومن مدخل الثقافة والحضارة العربية الإسلامية، من مدخل البدء من الذات، من الوجود القومي العربي المغرق في القدم، والذي لم يضِع في ثنايا التاريخ كما زعم هيجل عن أمم بلا تاريخ. لكنني حاولت قدر الإمكان حصر الورقة في أطروحات غرامشي وفي توفر شروطها في الوطن العربي والأرض المحتلة ليس تقيداً حرفياً بها، وإنما بقصد الإثبات انه حتى هذه الشروط ليست متوفرة هنا، مما يجعل اللغط الغزير عن المجتمع المدني عندنا أمراً بلا معنى، وطحنا للهواء.

وبغياب هذه الحوامل والشروط التي تضمنتها أطروحات غرامشي ولو بشكل نسبي، وفي ظل أنظمة الاستبداد والتبعية والنهب، فإن الحديث عن مجتمع مدني بالمفهوم العصري يظل في أرقى حالاته مسألة اجتهادات في الوطن العربي. يساعد على استنتاجاتنا هذه غياب المؤسساتية في الوطن العربي وغياب الديمقراطية وحرية الفرد وسيادة القانون في دول يتساوى فيها التوريث بين المملكة والجمهورية.

إن من شأن التقدم الصناعي أن يؤكد ويرسخ القاعدة الاقتصادية المادية التي لا بد منها لتأكيد وجود المجتمع المدني كما طرحه غرامشي وهذا ما لم يتحقق بالمستوى المطلوب عربياً وهو لا شك في قطريات أفضل من الأخريات. وإلى جانب هذا التقصير التحديثي والتحديث المقصود هنا هو الراسمالي) يعاني الوطن العربي من سيطرة البطريركية/الذكورية في تحالفها مع الراسمالية غير الإنتاجية من جهة ومع السلطة السياسية التي تعيق التنمية ويقع معظم ثقلها في التحليل الأخير على المرأة.

بهذا المعنى فإن الحديث الكثير عن المجتمع المدني في الوطن العربي فيه من الرطانة أكثر مما فيه من الواقعية. إنها محاولات حداثية (بالمضمون الأوروبي) في مجتمع ليس حداثياً ولم يمر بالتحديث، ولا نقصد هنا الحداثة بمعناها الأوروبي حصرياً كما لا نقصد أن الحداثة أوروبية بحتة بل هي إنجاز تاريخي إنساني شامل، كانت الحداثة الأوروبية آخر وأحدث طبعاتها.

قادت الحداثة وبالتالي المجتمع المدني الأوروبي طبقات برجوازية ذات توجه إنتاجي تحكمت بالفائض المحلي وأرست قاعدة صناعية إنتاجية، وهذا بعكس الأنظمة الحاكمة في الوطن العربي التي تقوم في هذا المستوى بحركتين مضادتين للتاريخ:

· تطوير اللاتكافؤ في الوطن العربي بين قطر وآخر[16].

· وتعميق التخلف واحتجاز التطور في القطر الواحد.

تفيد قراءة غرامشي مجتمعياً في إلقاء الضوء على الهيمنة المتخلفة، هيمنة الاستبداد، التي جرى إيلاجها في الوطن العربي، وهي طبعة هيمنة خاصة بأنظمة الاستبداد. فلو راجعنا المعتقدات الإيديولوجية التي سادت في الوطن العربي مثل: الديمقراطية لا تلائم العرب، أو لا غنى عن الشخصية القيادية الكارزمية، أو الترسيخ في روع المواطن العربي أنه لا يستطيع الانخراط في عمل جماعي، وأن العرب منقسمون فئويا وطائفيا ودينيا وليس طبقياً…الخ، وحتى الخطر وهو استدعاء القبائلية والعشائرية كلما بدأت بوادر أزمة لأي نظام قطري عربي (العراق، ليبيا) والعشائرية في الأراضي المحتلة…الخ، كل هذه في حقيقة الأمر ليست سوى آليات لتثبيت الوضع الاستبدادي التابع. وربما من اكثر مفارقاتها حلول العشائرية في مقام الحزبية أو كبديل عنها. وبالطبع فإن سلسلة الثورات الحالية يجب أن تنسف تماماً مختلف هذه المزاعم. لا بل اكثر، فالثورة في مصر تمثل تجربة شعبية لا سابق لها، وإن كان ما يزال مصيرها معلقا في قدرتها على الانتقال إلى ما هو أعلى من الديمقراطية السياسية اللبرالية.

إن منظور غرامشي للمجتمع المدني هو منظور شامل يبدأ قوميا (بالمفهوم الوطني) وينتهي أممياً في شروط الانتقال المجتمعي إلى درجة كافية من الرسملة، نعم الرسملة كشرط. وإن كان هو نفسه لم يتطرق إلى بلدان المحيط وكأنه يعتقد “من مدخل مركزاني أوروبي” أن ما يحصل في أوروبا “يجب” أن يتبعه الجميع!!. لذا، فإن ما جرى في الوطن العربي هو معاكس تماماً لهذا المنظور التعميمي. ففي ظل الدولة القطرية يتم أو تم ضرب المشروع القومي، وهو المشروع الأقدر على إنجاز التحديث والحداثة، بل ما نريده وهو التنمية. لا بل إن احتجاز التطور وسيطرة الكمبرادور في الوطن العربي كان من بين مقاصده الحفاظ على البُنى القبلية والعشائرية فيه لأن هذه تتقاطع وخدمة البطريركية والتبعية وتلعب دورا كبيراً في طمس الحزبية والصراع الطبقي وهو ما يوفر للأنظمة الحاكمة فرص الاستمرار. وهذا مناقض بالطبع للوحدة وسيادة القانون ووجود مؤسسات حديثة وحداثية للمجتمع المدني. وإلى جانب هذه الإشكالات التي تخلدها الأنظمة، تتم تغذية مشكلة اخطر وهي تأليب الأقليات غير العربية في الوطن العربي ضد العرب وتأليب العرب ضدها مما يؤكد لا مدنية المجتمع ويعزز الارتباط المتخارج لهذه الأقليات على صعيد المشروع القومي الأمر الذي ينسف مفهوم وحق المواطنة والشعور بها كذلك.

بغض النظر عن ارتفاع هذا الحزب أو ذاك إلى المقام الاجتماعي التاريخي للقيام بدوره المفترض بل الضروري، ليس هنا مقام الحديث عن الأحزاب لأن ذلك مفهوماً للجميع. سنحاول في هذاالقسم التركيز أكثر على منظمات الأنجزة في محاولة لفرزها عن احتلال مشهد المجتمع المدني المفترض هنا وبالطبع احتلالها أو حلولها أو إحلالها محل الأحزاب السياسية. فالحزب ليس الأنجزة، ويجب أن لا يكون ذلك. بل الأمر ابعد، يجب أن تكون منظمات الأنجزة ادوات للأحزاب، إذا كانت هذه المنظمات محلية، وإن كانت اجنبية فيجب إفرادها ووضعها في دائرة الشك والنقد. إن لم يحصل هذا، فهناك خللاً. لذا، وطبقاً لما هو في هدف المؤتمر نستطيع الجزم بأن وضع الأحزاب ومنظمات الأنجزة على قدم المساواة أو حتى كمتشابهين متماثلين في المجتمع المدني هو إشكالية بحد ذاتها. فالأحزاب قوى تغيير مجتمعي سياسي اقتصادي وطني ومن ثم طبقي، هي مشاريع تحرير، إعادة بناء البلد ومن ثم إقامة سلطة التحرر الوطني والاجتماعي. الأحزاب تمثل طبقات اجتماعية يفترض ان تكون ذات وعي سياسي طبقي، ومن لا يتمكن من تمثيل نفسه يمثله الغير. فهل، في فترة الانحطاط الحزبي يمكن لمنظمات الأنجزة أن تمثل مجتمعات ومن ثم طبقات؟ بكلمة موجزة، كلما كان الحزب ثورياً، وكلما كان المثقف ثوريا ومشتبكاً، كلما كان على تناقض أعلى مع الأنجزة. وللقارىء أن يستنتج ما هو ابعد.

دور المثقفين وأنجزتهم

ربما كان تنبُّه بريجنسكي للمثقفين تأثراً بأطروحة غرامشي مع توظيف معاكس اي لصالح الثورة المضادة، ولا يقلل من هذا الاعتقاد كون غرامشي تحدث عن المركز وبريجنسكي عن المحيط، ولأن المسافة الزمنية بينهما بقرابة نصف قرن.

بذل غرامشي تفكيرا عميقا في مسألة المثقفين ودورهم في المجتمع. ورأى أن كل إنسان هو مثقف ولكن ليس لكل إنسان نفس الدور الاجتماعي للمثقف[17]“. لقد ميز بين المثقفين التقليديين الذين يرون انفسهم (بشكل خاطىء) كطبقة منفصلة عن المجتمع، وكذلك تفكير بعض المجموعات التي تفرزها كل طبقة من مراتبها بشكل “عضوي”. فمثل هؤلاء المثقفين العضويين لا يصفو الحياة الاجتماعية بتبسيط طبقاً لقواعد علمية، بل بالأحرى يمفصلوا، عبر لغة الثقافة، مشاعر وتجارب والتي لا تستطيع الجماهير التعبير عنها بنفسها.

بالنسبة له، فإن الحاجة لخلق ثقافة طبقة عاملة تتمثل في دعوة إلى التعليم الذي يمكن ان يطور مثقفين للطبقة العاملة الذين لا يقدموا فقط الإيديولوجيا الماركسية من خارج او بدون البروليتاريا، بل بالأحرى يجددون ويقدمون نقدا للوضع الراهن، للأنشطة الثقافية الجماهيرية الموجودة.

لا حاجة للقول أن غرامشي يرى هؤلاء المثقفين في الحزب الماركسي/الاشتراكي/الشيوعي، نقول هذا بغض النظر عن مشكلة قدرة كثير من الأحزاب على التعاطي الثوري والديمقراطي مع المثقفين، أو التعاطي المتخلف الذي يشكل قوة طاردة للمثقفين من الأحزاب. هذا إلى جانب وجود الروح الحلقية (لينين) لدى كثير من المثقفين الذين برغبتهم في التميُّز يسقطون في فردية خطرة تحذفهم إلى ألوان من الاتحرافات ومنها التهافت على منظمات الأنجزة. وفي هذه الحالة ينتقل المثقف الثوري النقدي من كونه مثقفاً عضوياً للطبقة العاملة إلى مثقف عضوي للبرجوازية. ربما يُجيز لنا هذا المقام التأكيد على أن المثقف العضوي النقدي لا بد ان يكون مشتبكاً كي يؤكد انحيازه الطبقي. يدفعنا هذا للتساؤل عن دور الأنجزة في التقاط المثقفين ومن ثم خسارة الأحزاب لهم. فهل الخلل في ألمثقف، الأنجزة أم الحزب؟

الأنجزة وليد المجتمع السياسي هناك وتشتغل في المدني هنا!

دعنا نكثِّف بعض ما قلنا بأن هناك قطبين متكاملين في نظر اللبراليين والبرجوازية المسيطرة/المهيمنة ومختلفين متخالفين ومتناقضين في نظر الثوريين الاشتراكيين/ الشيوعيين. إنهما المجتمع السياسي والمجتمع المدني. وبما أن الحديث في هذا المقام/المؤتمر عن منظمات المجتمع المدني وخاصة منظمات الأنجزة، فوليدة ايٍّ من القطبين هي؟

صحيح أن ولادتها غربية، في بلدان المركز، ولذا يكون السؤال الأول: هل هي هناك وليدة المجتمع السياسي ام المجتمع المدني؟ قد يكون الجواب، وليدة كليهما، سواء في تناقضهما أو تضاجعهما. فمنظمات الأنجزة اليسارية هناك هي غالباً متولدة عن قوى يسارية نقدية ضد النظام السائد. ولكن، يبقى السؤال ما علاقتها بذلك النظام؟ أما منظمات الأنجزة الأخرى فهي من صياغة السلطة السياسية/الطبقية الحاكمة، اي المجتمع السياسي. ومع ذلك، فإن كلتيهما في نهاية النهايات مموَّلة من دائرة ال ODA كدائرة حكومية رسمية. وما نقصده بحكومية هنا أنها دائرة من دوائر الدولة بما يعنيه دستورها والإيديولوجيا السائدة فيها ومصالحها الخارجية وسياستها الخارجية. وحين يتمول حزب يساري من بلده من المركز، ليس بوسعنا الجزم أن هذا الحزب لم يخضع لشروط الدولة الأم. من منا يدري إن كان هذا الحزب كذلك مخروقاً بعملاء للدولة يؤثرون على مواقفه وعلاقته بالبلد الذي ينشط فيه. هذا ناهيك عن أن كثيراً من الحركات اليسارية من بلدان المركز تتبنى وجهة النظر الصيهونية بدءاً من الاعتراف بالكيان وصولاً إلى تاييد احتلال العراق، والتحريض اليوم ضد سوريا.ومن هذه الأحزاب من هو مؤيد للصهيونية من مدخل عنصري مركزاني اوروبي، أو من مدخل إيديولوجي عقائدي وهو حال منظمات تروتسكية فيها الكثير من الصهاينة بغطاء كيهود ماركسيين”. ملخص القول، أن لا شيء بريء إلى درجة أخذه على علاته.

لكن منظمات الأنجزة الغربية التي تعمل هنا أو تخلق تمفصلات محلية لها هنا، وهذا كذلك شأن المؤسسات الثقافية الغربية والمجالس الثقافية والملحقيات وحتى السفارات والقنصليات الأجنبية وخاصة الغربية منها، ورغم منشئها الحكومي فهي تعرض نفسها وتعمل هنا كمنظمات مجتمع مدني وكأنها غير حكومية. والخطورة الأعلى أن يتعاطى معها المحليون كما تزعم وتعرض نفسها!

أما وقد علمنا أن منظمات الأنجزة هذه هي في معظمها ممولة رسميا بحصص من الدولة، هل تختلف عن المؤسسات الثقافية والدبلوماسية الغربية العاملة في المحيط؟ هل هي مضادة حتى لسياسات دولها: إيكو (الاتحاد الأوروبي)، فورد فاونديشن (الأميركية) فافو (النرويجية) نوفيب (الهولندية)…الخ، القنصليات. هنا لا بد أن نأخذ بالاعتبار إصرارهذه المنظمات على علاقة مع المنظمات الصهيونية المشابهة لها واهتماماتها الثقافية وحدود تنمويتها ومواقفها من حق العودة. ونضال المرأة النسوي؟

أثر موقع ومرحلة ولادة أنجزة ما

من حيث موقع الولادة، فمنظمات الأنجزة هي توليدات في بلدان المركز الرأسمالي الغربي. والمركز معروف ليس في ماضيه وحسب بل في واقعه وما نستشفه من مستقبل مخططاته بأنه بدأ استعمارياً، وما زال وسيبقى. وإذا كان هناك لُبساً في قراءة ما مضى، فالحرب المفتوحة بانواعها كحرب تبين أن الغرب الراسمالي سيُقاتلنا في بلدنا حتى يقتلنا أو يموت. وليس الأمر فقط لأن الحرب صناعة رأسمالية تقوم على تدوير راس المال بالتدمير وإعادة البناء (كما سماها جزيف شومبيتر ب “الهدم الخلاق”) كما هو الإسم الحقيقي للمصرف الدولي، بل والعلاقة بنا اكثر، إنها علاقة من له مصالح دونها سيؤول وضعه إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ومن ثم الانفجار الثوري ضد النظام القائم. هذا عن طبيعة موقع الولادة.

فماذا عن مرحلتها؟

تواكب توليد المنظمات غير الحكومية، والبعض منها اسمى نفسه منظمات طوعية، تواكب مع ظاهرة مركَّبة ثلاثياً: هي العولمة/ والنيولبرالية والتصحيح الهيكلي. وبداية دعنا نقول إن نبيَها هو زبجنيو بريجنسكي الذي دعا منذ بداية السبعينات إلى وجوب اهتمام الولايات المتحدة الأميركية باختراق الحركات القومية والمثقفين وحتى المزيفين منهم في بلدان المحيط. كان هدف الرجل هو انتزاع المثقفين من حركات التحرر الوطني نظراً لدور المثقف حين يكون عضويا نقديا ثوريا ومشتبكاً. حينها تكون الحركة الجماهيرية بلا رؤية. لماذا اهتم بريجنسكي بنزع المحرك الثقافي؟ اليس كي تكون هذه الحركات عمياء بلا رؤية؟ أليس لكي يعزز الديماغوجيا السائدة أن الجماهير دوما على حق؟ ليست دوما على حق فكثيراً ما تُخدع بقيادات ديماغوجية وربما مشبوهة؟ أما بيت القصيد، فهو كمثقف عضوي للنظام الطبقي السائد، فإنه كتب هذا ضمن حربه على الأمم التي تحاول التحكم بثرواتها. هنا يقوم بريجنسكي بضرب الحزب عبر اختراق المثقفين تمهيداً لأنجزة الحزب نفسه. وهنا يكون للمال دوره في تجنيد كل من لم يبني نفسه ولم يُبنى ثوريا وتحديداً عقيديا، فإما يجند للحاجة للمال أو يُجنَّد لأنه “زهق”الفقر والتقشف فاسترخى للاستهلاكية. في هذا المستوى نجد كثرة من الحزبيين وخاصة اليساريين وبالطبع منهم المثقفين الذين استمرؤوا العمل في الأنجزة أو تكوين انجزة أو العمل في المؤسسات الثقافية الغربية وحتى الرسمية منها كالمراكز الثقافية والقنصليات والملحقيات، واصبحوا خبراء يُنقلون من وظيفة وحتى من “مُهمَّة” إلى أخرى ومن ظلال دولة إلى أخرى، ويشعرون بانهم عاديين كبقية البشر! ولا يعود هذا الاستمراء إلى مستوى وعي الفرد وانتمائه وحسب بل يعود اكثر إلى سقف العمل الوطني وانحطاطه حين لم يعد الحزب نموذجا ثوريا وطنيا يُحتذى. بل واصبحت الأحزاب تخشاهم وتبيح لهم ذلك لأنهم مصادر تمويل ! تجدر الإشارة هنا إلى أن السياسة الأمريكية لدعم مؤسسات “حقوق الإنسان” كانت من بنات افكار بريجينسكي في عهد نظام كارتر وشغل حينها مستشار الأمن القومي للرئيس. وعندما جاءت إدارة ريغن وجدت ان سياسة دعم “حقوق الإنسان” لا تكفي وحدها في اختراق المجتمعات المدنية في اوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية والوطن العربي بل استحضرت ما يسمى ب “مشروع الديموقراطية” او “مشروع “ترويج الديموقراطية” والذي تبناه في حينه جورج شولتس وتم تأسيس الوقفية القومية National Endowment for Democracy للديموقراطية لتعمل علنا بدلا من عمل السي آي آيه السري[18].

والعولمة المقصودة هنا هي العولمة التي نزعم أنها الحقيقية، اي هي المرحلة الأكثر تطورا/عدوانية للراسمالية، لأنها في طور أزمة الراسمالية التي بدأت منذ بداية ستينات القرن الماضي وهي ممتدة ومتفاقمة حتى اليوم. وبما هي طور راسمالي في علاقة المركز بالمحيط، فهي ثالثة درجات هذا الطور في علاقة مركز محيط الذي بدأ بالاستعمار فالإمبريالية ومن ثم بالعولمة والتي تُجدد اليوم دور الاستعمار العسكري المباشر من جهة تخلق حالة جديدة هي استعمار البلد من البلد نفسه ضمن تقسيم عمل، يكون المركز قوة تدمير من الجو وقوى الاختراق المحلي على الأرض كما في ليبيا، إن نجحت الحالة! إن العولمة هي حالة النظام الرأسمالي العالمي في تكريس سيطرة المركز على المحيط، واستعادة تلك السيطرة عبر تفكيك حركات التحرر الوطني التي أصبحت دولاً، وتأكيد ان مرحلة ما بعد الاستعمار لم تنتهِ، وتفكيك بلدان الاشتراكية المحققة، والتسويق لما يسمى موات الإيديولوجيا، والإبقاء على إيديولوجيا السوق والتكفير بالسرديات الكبرى، والأهم من بين هذه كلها تحرير التجارة الدولية بفتح اسواق المحيط ومناجمه للمركز، إما بالطوع وإما بالقوة.

وعن هذه الأرضية وعليها كان اعتماد السياسة الاقتصادية اللبرالية الجديدة في المركز والتي قامت على الخصخصة، وبيع القطاع العام لراس المال الخاص، وتحطيم النقابات العمالية للاعتداء على مكتسبات العمال، ومغادرة دولة الرفاه ووعظ المرأة بالعودة إلى المنزل، وزيادة الضرائب على الطبقات الشعبية والوسطى، وتقديم مرتجعات ضريبية للشركات الكبرى وتكريس ديماغوجيا ثقافية مفادها “ليس هناك اي بديل” اي لا بديل للراسمالية (الشعار الذي ساد بريطانيا خلال حقبة تاتشر There is no alternative TINAتينا)، إنها تحرير التجارة الدولية لصالح الشركات الكبرى اي سيطرة هذه الشركات على الدولة القومية.

تقابلها في المحيط سياسات التصحيح الهيكلي التي هي قيام صندوق النقد الدولي والمصرف الدولي بإعادة هندسة بلدان المحيط التي تقدمت إليهما أو أُرغمتا على التقدم إليهما بطلب المساعدة الاقتصادية، الاقتراض ولا سيما بعد أزمة المديونية، فقدما لها “الوصفات” التي ملخصها ومفادها: تطبيق سياسة توفر للحكومات ما يسمح لها بدفع ديونها واقساط ديونها للمصرف الدولي والدول والمصارف التجارية وذلك عبر: إلغاء الدعم عن السلع الأساسية، تقليص الدعم الصحي وتقليص دعم التعليم، تخفيض قيمة العملة حسب تعليمات صندوق النقد الدولي. أما الأخطر، فإن هذه الحكومات لم تستخدم القروض في التحديث والتنمية بقدر ما استخدمتها للفساد مما حال دون القدرة على السداد. ولو لخصنا هذه السياسة لكان جوهرها : وضع قيادة دول المحيط بيد دول المركز. لم يخرج الاستعمار ايها السيدات والسادة، بل عاد و/أو استُدعي! وهذا يؤكد مقولتنا بأن مرحلة ما بعد الاستعمار لم تأتِ، ولهذا نقاش آخر.

من هنا تحديداً كان انتقال دول المركز في تصريف مساعدات للمحيط بتحويل معظم المساعدات من مساعدات موجهة بين دولة ودولة إلى مساعدات موجهة بين دولة ومنظمات الأنجزة في الدولة التابعة!

إن العلاقة بين السياسة النيولبرالية وبين التصحيح الهيكلي في المحيط هي علاقة ناظمها سياسات العولمة. وهذا ما يمكننا تسميته من ناحية طبقية تكوين القطاع العام الراسمالي المعولم[19] بما هو تحالف الطبقات الحاكمة على صعيد عالمي بما يجعل أو جعل فعلاً، مختلف انحاء الكوكب مساحة مفتوحة لراس المال الذي قاعدته وقيادته ومخزونه المالي وإدارته وعائداته في المركز وتذيُّلاته ممثلة في برجوازيات المحيط كتمفصلات تابعة له. في هذه المرحلة نبتت وتوسعت منظمات الأنجزة، فماذا سيكون جوهرها وطبيعة قرارها؟ لماذا ترافقت مع هذه التطورات؟

من هنا وجوب التنبه إلى خطورة أن تلعب الأنجزة دور المعارضة من خارج جهاز الدولة فتبدو كجزء من المجتمع المدني وحتى بديلاً للعمل الحزبي، لاسيما انها “أطرى وأندى” فهي بلا عقيدة، وتدعو ضد العقيدة أو الإيديولوجيا مع انها غارقة ومغرقة في السوق كإيديولوجيا، وهي مصدر مال وتمويل واستهلاكية، وهي تحمل ثقافة وديمقراطية الغرب الراسمالي التي تبدو جميلة على الفضائيات، ولكنها استغلالية داخل مجتمعاتها ودموية في المحيط. هي اطر فيها متسعاً لتناقضات عجيبة، فبإمكان المرء أن يكون وطنياً وعميلاً [20] وأن يكون ضمنها. لا احد يحاسب أحداً ويمكن للمرء أن يكون دجَّالاً وقوميسار سياسي كذلك.

إذن، اين تقف الأنجزة ما بين الهيمنتين اللتين تحدث عنهما غرامشي؟ لم يتحدث الرجل عن التخارج، والغزو الثقافي وعن ما هو اوسع من الدولة القومية بمعنى أنه تحدث عن المجتمع المدني في هذه الدولة. لكن الأنجزة هي حالة غزو ثقافي من المركز إلى المحيط غزو ثقافي على عجلات مالية هي آلية لتشجيع ورعاية التخارج الثقافي من المحيط إلى المركز، هي مُرسلة ومرتبطة بالدولة الأجنبية كعدو وغازٍ وهي التي تنشر ثقافة راس المال ودمقرطته العنصرية سوءا بالحديث عن المجتمع المدني وحقوق الإنسان. اي إنسان، لم نعد نعرف! وثقافة الجندر بدل الوطني والطبقي والضد راسمالي. بهذا المعنى، هي ليست تماماً ضمن هيمنة السلطة الكمبرادورية الحاكمة في المحيط، ليست جزءا من جهاز الدولة، كما لأنها متخارجة فهي تقحم نفسها على منظمات المجتمع المدني المفترض أنها نَبتاً محلياً، هي تطالب بديمقراطية من النمط الغربي وتروج للسوق واللبرالية الجديدة، وهي ليست ضمن هيمنة الطبقة العاملة التي هي تحررية وطنية وثورية. تحاول منظمات الأنجزة استخدام المجتمع المدني كناقلة تزعم من خلالها أنها أداة المعارضة السياسية والتحول الاجتماعي. والسؤال هو: التحول الاجتماعي باي اتجاه؟ ولا سيما في مجتمع عربي وخاصة فلسطيني؟ باتجاه السياسات اللبرالية الجديدة، تقديس السوق والتكفير بالسرديات الكبرى، وممارسة التطبيع وتقويض المقاطعة، هي إذن مشروع الهيمنة الثالثة، أي هي وجه جديد للكولونيالية. ومن هنا نسأل المجتمع المدني في الغرب، كيف هو مدني بينما سلطته تستخدم ابناء الطبقة العاملة في الغرب لاستعمار الأمم الأخرىويفعل هؤلاء الأبناء…القتل !

آليات إدخال الأنجزة في المجتمع؟

بناء على موقع ومرحلة تبلورها وعلى طبيعة علاقة مركز/محيط ومركزية السوق فإن آليات إدخالها إلى مجتمعاتنا هي آليات مثيرة للقلق الوطني ومن ثم الطبقي. هي آليات تستدعي ما نسميه الاختراق. ليست هناك من آلية لقراءة العلاقة بين الطرف الممول والطرف المتلقي سوى آلية السوق. والسوق ليست مسألة بريئة ولا تطوعية. لا تقوم دول ذات تاريخ وحاضر استعماري بتقديم مساعدات قط بدون أن يكون هدفها إما تجنيدي مباشر و استثماري سواء لتحقيق مكاسب آنية أو استراتيجية.

بدأ الدخول إلى المجتمع المحلي عبر علاقات بين افراد أو تنظيمات محلية وبين المؤسسات بل والدول الأجنبية، وذلك تحت غطاء مساعدة الشعب الفلسطيني. كان ذلك قبيل الانتفاضة الأولى لكنه اتسع بعد بدء الانتفاضة إلى درجة كبيرة. ليس معروفاً لماذا تم اختيار هذا الفرد أو ذاك، هذه المنظمة أو تلك لتلقي المساعدات. من يدري مقدار المبالغ المحولة من الخارج إلى الداخل إلى هذا الطرف او ذاك، من يدري هل تورط هذا أو ذاك في صفقة سياسية فكرية ثقافية…الخ مقابل ان يحصل على الدعم. بكلمة أخرى، هناك غياب للشفافية تجاه منابع هذه الأموال، لنقل أموال الاختراق. وبالطبع ليست لدى شعبنا وسائل متابعة منابع هذه الأموال كما تتابع الولايات المتحدة ما يسمى ” منابع أموال الإرهاب لتجفيفها”؟ هناك أموالاً يمكن تصنيفها ضمن الإرهاب على الوطن. فما تفسير أن يتلقى هؤلاء اموالاً من دول اجنبية وخاصة المعادية لشعبنا وقضيتنا؟ بعض هؤلاء شرفاء جداً، ولكن لماذا يتم توجيه الأموال إليهم دون غيرهم؟ هذا ناهيك عن آليات ووسائل ومسارات وشروط إنفاق هذه الأموال.

العلاقة بتدهور المشروع الوطني

تتعدد آليات الاختراق التي تستخدمها منظمات الأنجزة الأجنبية، سواء بوجود أفراد ذوي توجهات لبرالية مندهشة بالغرب، أو ذوي ميول ارتزاقية أو من يرون العلاقة تجارية بحتة، أو ضمن نطاق البحث عن عمل…الخ. ولكن ما يوفر اوسع مناخ لهذا الاختراق ويوفر مظلة وغطاء لذلك هو تدهور السقف النضالي الفلسطيني وتفكيك المشروع الوطني.

صحيح أن فترة الانتفاضة الأولى قد وفرت مناخاً لتوسع مساحة التضامن الدولي مع شعبنا، ولكن هذه اللحظة بالذات قد وفرت مناخاً مزدوجاً، للمتضامنين وللمندسين. وبما أن جواز الدخول هو المال فإن الأطراف المعادية هي الأكثر مالاً. في المراحل الأولى للاختراق كانت شروط “المانحين” مرنة جداً وذلك لوضع موطىء قدم، ولاحقاً بدأت أعمال التشدد لانتقاء من يخدمهم بشكل أفضل إلى أن وصل الأمر إلى الطلب العلني بالتوقيع على وثيقة مناهضة الإرهاب! وهكذا يتم تكريس التبعية ومن ثم فرض شروط التجنيد.

ما كان لهذا الشرط العلني، ولا نعرف ما هي الشروط السرية، ان يحصل لولا تدهور السقف النضالي الوطني في الأرض المحتلة، ولولا تغلغل إيديولوجيا التسوية والاعتراف بالكيان والتطبيع كذلك. وعليه، فإن امتطاء لحظة الانتفاضة الأولى قد فتح النافذة الأولى للاختراق، أما اتفاق أوسلو فقد جعل كل شيء مباحاً، بدءاً من التمول من دول المركز كدول معادية علناً لقضية شعبنا الأساسية “حق العودة” انتهاء إلى مشاركة كثير من منظمات الأنجزة في علاقات تطبيعية مع منظمات صهيونية في الكيان وخارجه. بقي أن نضيف، أنه كلما تقادم الزمن على تدهور المشروع الوطني كلما اصبح الاختراق سلوكا عاديا إلى درجة وصل الأمر بكثيرين حد استهجان أن ننقدهم كمطبعين، واستهجان أن ننقد تحولهم إلى مخبرين ثقافيين وبحثيين للأعداء باسم الأكاديميا والبحث العلمي، واستهجان نقدنا لفلسطيني يعيش بين أعتى الصهاينة في كيبوتس مما يشعرهم بأنهم طبيعيين!!.

من بداية غير مرصودة إلى شفافية شكلية

بدأ التمويل الأجنبي المعلن في الأرض المحتلة منذ منتصف السبعينات. ولكن لا أحد يعرف متى بدأ بشكل غير معلن. كيف لنا أن نصدق اية دولة انها تعلن كل ما تفعل؟. ولكن لنفترض أن هذه بدايته، فهو بهذا المعنى قد حُفز بعاملين ليس شرطاً أن هناك تنسيقاً بينهما، لكنهما التقيا في النتائج:

الأول: وجود تراث التموُّل لدى منظمة التحرير الفلسطينية مما جعل تلقي الأموال أمراً عادياً بمعزل عن المصدر. فإذا كان “الممثل الشرعي والوحيد” متلقياً للتمويل من حيث أتى وخاصة من الدول العربية الرجعية والمعادية لشعبها، فلماذا لا يتجرَّأ اللبرالي على التمول من حكومات المركز؟ وبما أن م.ت.ف معتادة بل هي اسست لهذا التموُّل، فهي لن تبدي اعتراضاً على قيام غيرها بذلك، طالما لا ينازعها دورها القيادي. أما تحول المنظمة إلى سلطة أوسلو ففتح الباب لأي مال من المركز وهو الذي تجسد منذ 1993 في تلقي الحكم الذاتي مساعدات مالية، اي ريْع مالي Financial Rent مقابل تنازلات سياسية أخطرها الاعتراف بالكيان الصهيوني.

والثاني : أطروحة بريجنسكي في احتواء القوميين والمثقفين في بلدان المحيط. وهي الأطروحة التي وُضعت قيد التنفيذ برصد أموال تُرشُّ على بلدان المحيط وخاصة الأكثر توتراً بما فيها الأرض المحتلة.

طالما بدأت العلاقة غامضة من جهة، ومسكوت عليها من القيادة السياسية (التي بهذا كانت حصان طروادة) من جهة ثانية، صار سهلاً على منظمات الأنجزة أن تتحدث عن الشفافية وعن فساد سلطة أوسلو-ستان، وأن تزعم أنها منضبطة مالياً وبرنامجياً…الخ، ولكن دون أن تحقق شيئاً على الأرض، ودون أن تتعرض للمسائلة سواء في إنجاز ما تعهدت به أو كيف تتلقى التمويل وما مقاديره. بل صار سهلاً عليها طالما هي مصدر تمويل أن تخترق الأحزاب وتحل محلها.

بل لعل الأمر ابعد من ذلك، فهذه المنظمات هي التي تتحدث عن الفساد، وهي نفسها التي تنتقد بشدة التمويل الأجنبي وتنقد نفسها أحياناً كمنظمات او كشخوص بأنها ممولة أجنبياً، لكنها تواصل تلقي الأموال؟ فهل هذه شفافية؟

تنمية أم حداثة، ما بعد حداثة، وإعادة هندسة؟

إلى جانب حقبة العولمة واللبرالية الجديدة وإعادة التصحيح الهيكلي ترافق انتشار منظمات الأنجزة مع مسألتين هامتين اخريين:

· غرق بلدان المحيط في أزمة المديونية العالمية التي ينسبها البعض إلى طفرتي اسعار النفط 1973 و 1982 مما وضع البلدان الفقيرة تحت طائلة عبء إضافي لتمويل حاجات اساسية منها الغذائية والنفطية والتسليحية،

· التنبه المفاجىء للتنمية من قبل الأمم المتحدة حيث اسمت عقد الثمانينات، تفاؤل اليائس، بعقد التنمية الأمر الذي خلق “موضة” التنمية كما هي موضة الحديث عن المجتمع المدني.

ليس هنا مجال الحديث عن اسباب المديونية الأخرى. أما بخصوص التنمية فمن النادر أن وجدنا منظمة أنجزة لم تُطلق على نفسها ولم تستخدم في خطابها “التنمية”، إلى درجة لم يعد بوسع المرء التفريق بين التنمية والفساد.

لكن الوقائع على الأرض تتحدث عن غير هذا. ودون الخوض في الحديث عن معنى التنمية تحت استعمار استيطاني وعن الشروط الشعبية للقيام بتنمية تحت هذا الاستعمار، فإن هذه المنظمات لم تنجز شيئاً من التنمية. ما يمكننا القطع به ان هذه المنظمات وضمن تسمية نفسها جزءاً اساسياً من المجتمع المدني، قد تلقت أموالاً غير معروفة مقاديرها! وهنا يكون السؤال، إذا كانت المقادير تافهة، فلماذا التنطح لشعارات ضخمة كالتنمية؟ وإذا كانت مقاديراَ ضخمة، فأين مفاعيلها التنموية؟

ما نلاحظه على السطح أموراً أخرى. هناك أنشطة لهذه المنظمات فيما يخص نشر الفكر اللبرالي، وثقافة السوق، وثقافة الغربنة والتخارج كالتركيز على: الديمقراطية بالعموم، والانشغال بالديمقراطية تحت استعمار استيطاني، والتركيز على حقوق المرأة من مدخل الجندر وليس الوطن والطبقة، وعدم التعرض للفكر الراسمالي واعتماد التمول كاساس “للتنمية” دون حدوث تنمية، وإنفاق أموال على المكاتب والرواتب،والتعاطي مع نظائر صهيونية لها…الخ.

وعليه، بين التماهي مع ثقافة السوق والاعتماد على المال الأجنبي وهو مال سياسي، هو ريع مالي لترويج ثقافة سياسية هي ثقافة التطبيع والتسوية والابتعاد عن المقاطعة، وبين الوعظ لنصف المجتمع، اي للنساء بالابتعاد عن العمل الوطني والنضال القومي اي التكفير بالسرديات الكبرى، فقد راوح وانحصر نشاط هذه المنظمات ضمن الحداثة بمفهومها الاختراقي الغربي وبين ما بعد الحداثة بخطورتها على الثقافة والوجود الاجتماعي في البلاد.

وإذا ما قرأنا دورها وسياساتها ومواقفها من التطبيع والمقاطعة والعمل الوطني نجد أنها جزء من مشروع إعادة هندسة المجتمع، وفي هكذا موقع فهي تروِّج للهيمنة الثالثة، الهيمنة التي لا يمكن لسلطة الحكم الذاتي التصدي لها لأنها هي نفسها وليدة اتفاق اوسلو الذي هو وليد وصياغة المركز الراسمالي الغربي وخاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والكيان بالطبع.

ليس المطلوب أن نعلق الآمال على منظمات المجتمع المدني في بنية كالتي نحن عليها، ولا على منظمات الأنجزة بأن تكون قوة رفض شعبي للتسوية، ولكن كونها لا تقف معارضة للتسوية ولأوسلو تحديداً وكونها تتعاطى مع سلطة أوسلو كسلطة طبيعية، فهي بهذا الموقف تقع ضمن إطار إعادة هندسة المجتمع الفلسطيني تحت الاستعمار الاستيطاني.

ترمي إعادة هندسة المجتمع إلى قضية اساسية او هدف أساسي بغض النظر عن فرعياته، وهو تفكيك التماسك النضالي للشعب الفلسطيني وتعييش المجتمع حالة الشعور بأن ما هو قائم ليس فقط الأمر الواقع بل الواقع بعينه الذي لا علاقة له بأي ماضٍ، وتحديداً لا علاقة له بالأرض المحتلة 1948.

ولتمرير وتكريس هذا الهدف لا بد من العمل على تصوير الحياة تحت الاستعمار الاستيطاني كحياة عادية، سواء عبر الانتخابات، والحديث عن تكوين دولة وتمرير وممارسة التطبيع والابتعاد عن المقاطعة، وتشجيع الاستهلاكية والانشغال بالحياة الفردية اليومية وهمومها، والارتباط بمديونيات مصرفية لا يقوم بها سوى شعب في حالة استقرار وطني واجتماعي كالاقتراض للمنازل والسيارات مما يغرق المواطن في القلق على تدبير حياته اليومية.

هنا يبرز الدور الحقيقي لمنظمات المجتمع المدني التي إذا كانت منظمات شعبية، فإن عليها الوقوف ضد الأطراف التي تحاول إقناع الناس بأن هذه هي الحياة العادية لمجتمع تحت استعمار استيطاني، والأطراف هي:

· سلطة أوسلو التي تستوعب قرابة 200 ألف شخص في وظائف باجهزتها مما جعلهم في حالة تبعية للسلطان كمصدر للرزق[21]. لا باس وإن شتموا وصرخوا ضد هذا النظام، لكنهم في النهاية بانتظار نعمته وقد لا يخرجون عليه. وعليه، فهذه السلطة تمارس السيطرة من خلال أجهزة الأمن والمخابرات التي تمارس القمع المزدوج: قمع حركات المقاومة المسلحة، وقمع المواطنين لإثبات هيبة السلطة

وهنا، ليست سلطة اوسلو-ستان جهازاً محايداً، بل هي جزء من الحركة الحزبية الوطنية التي تدجَّنت، بل إن التدجين هو سبب اساس في تقاطعها مع الأنجزة. كما تمارس سلطة الحكم الذاتي الهيمنة من خلال تدجين من يعتمدون عليها، وتمرير خطاب التسوية سواء بالزعم أن المدن مناطق محررة، وأن المطلب للشعب الفلسطيني هو دولة، وأن الاتفاقات التي وقعت عليها منظمة التحرير غير قابلة للنقاش، وأن التطبيع أمراً عادياً وأن المقاطعة تضر بالاقتصاد المحلي…الخ

· الدول المانحة، والتي تمول خزينة سلطة الحكم الذاتي كي تتمكن سلطة الحكم الذاتي من السيطرة والهيمنة على اعتبار أن السلطة والمانحين مشتركين معاً في مشروع التسوية.

· الأنظمة العربية التي تساهم في هذا الهدف اقتصادياً عبر تمويل المانحين للسلطة وسياسياً عبر المبادرة العربية التي طواها شارون في بطنه ومضى،

· وفي النهاية الكيان الصهيوني الذي هو المستفيد الأساسي من كل ذلك بمعنى أن ذلك الاقتران بين المال السياسي لتوظيف قوة العمل الشابة والمناضلة بدل تشغيلها في مواقع الإنتاج، إلى جانب تقويض وإهمال مواقع الإنتاج وخاصة الأرض، والتثبيت في روع المواطن أن الغرب هو ولي نعمته وكل هذه تفتح على التطبيع التدريجي على قبول أطروحة الغرب المجسدة في الوجوب على الفلسطينيين الاعتراف بالكيان الصهيوني. ويصبح هذا الاختراق اسهل وأكثر عمقا كلما اقترن به التراجع النضالي سواء في مستوى الكفاح المسلح أو العمل السياسي.

الفئات المستهدفة للأنجزة

أحد الفوارق الهامة بين التنمية والتحديث أن التنمية استراتيجية تستهدف المجتمع بأكمله، الجميع، أو الأكثرية، بينما التحديث قطاعي أو فئوي او نخبوي. بهذا المعنى، فإن الفئة المستهدفة لا تنسجم مع يافطة التنمية التي تستخدمها منظمات الأنجزة والمجتمع المدني عامة. وبما أنها غير حكومية، فالحكومة هي التي عليها تمثيل أو خدمة الجميع، إن تم تطبيق ذلك فعلاً في اي مجتمع طبقي، ولكن يبقى مع ذلك شعار التنمية مثابة رطانة لغوية.

يمكن فهم الحديث عن الفئة المستهدفة حين نعرف من هي الفئات التي أُستُهدفت سراً أو علانيةً. لعل الفئة المستهدفة الأولى دون الإعلان عن ذلك هي فئة المثقفين، وهي التي اشار إليها نبي العولمة في المحيط زبجنيو بريجنسكي. فهذه الفئة هي ناقلة “مشروع” الأنجزة إن لم نقل المجتمع المدني بمفهومه الغرامشي المستلب. هذه الفئة أو النخبة هي موطىء القدم، وهي أكثر المستفيدين فرادى.

لذا، يحمل النقد الموجه لمنظمات الأنجزة بأنها امتصَّت الكثير من المثقفين وخاصة من القوى اليسارية، يحمل مضموناً حقيقياً. هذا من جهة ومن جهة ثانية، فقد تمكن بعض هؤلاء المثقفين من البقاء داخل منظماتهم السياسية مما سمح بسيطرة تفكير الأنجزة ومواقفها السياسية على بعض هذه التنظيمات الأمر الذي انتهى إلى أنجزة القوى السياسية[22]. ولا حاجة للتفصيل هنا، بان هذه الأنجزة للقوى السياسية قد حولتها بعيداً عن جوهر الصراع العربي الصهيوني وشروطه ومتطلباته.

وفيما يخص الفئات المستهدفة الأخرى، لنقل علانية، هناك منظمات تستهدف المرأة، وأخريات تستهدف العنف ضد المرأة، النساء المعنفات، أو النساء الفاقدات، والبعض يستهدف الشباب في سن مبكرة، والنقابات العمالية والمهنية والبعض يستهدف اصحاب المشاريع الصغيرة…الخ. صحيح أنه من غير الممكن لمنظمة أنجزة أن تستهدف المجتمع ككل، ولكن لماذا تعمل كل منظمة بمفردها/ هل بينها تقسيم عمل؟ ما هو؟ المهم في الأمر أن هذا الاستهداف هو قطاعي وليس عاماً، مما يثير النقد للزعم التنموي، ويبرر لهذه المنظمات أن تعمل ضمن مجالات محدودة جداً مبتعدة عن مجالات في غاية في الأهمية وقريبة من مجال العمل الذي اختارته[23]، كما انه يسمح لهذه المنظمات باختراق النسيج المجتمعي طبقاً لاهدافها وشروط مموليها، وليس طبقاً لسياسة اقتصادية محلية او خطة تنموية وطنية.

ربما يُثار سؤال هنا: لكن، لماذا تسمح الحكومات لهذه المنظمات بكل هذا الدور؟

يردَّنا هذا السؤال إلى مديونية بلدان العالم الثالث وتلزيمها بتطبيق سياسات إعادة التصحيح الهيكلي كشرط للحصول على القروض. لقد وصل الأمر ببلدان كثيرة درجة العجز عن الاعتراض على قيام الممولين الأجانب بالتعامل مع المنظمات غير الحكومية كمعادل للسلطة نفسها[24] وذلك لحاجة هذه البلدان للمساعدات حتى ولو ضئيلة. هل هذا الاضطرار من أجل رفد التنمية، التحديث؟ أم إلى جيوب الفاسدين؟ وهكذا، فبالتمويل لم تخترق هذه المنظمات فحسب بل الأنظمة السياسية ايضاً.

بعض ما نتج عن منظمات الأنجزة والمجتمع المدني:

يسمع المواطن يومياً تردُّد عبارات المجتمع المدني، منظمات المجتمع المدني، المنظمات الأهلية، منظمات غير حكومية…الخ. كما يقرأ كثيراً عن اسماء مشاريع وانشطة وبيانات متعلقة بمختلف نواحي الحياة. ولكن إلى جانب هذه الضجة الواسعة، وهي إعلامية دعاوية، هل هناك وجود موضوعي على الأرض بحجم الدعاية نفسها؟ ما هو معيار تقييم دور اي طرف، حزب، منظمة، طبقة، نقابة في المجتمع؟ومن الذي يحدد ذلك؟ هل هي السلطة، المنظمة نفسها؟ القوى الأجنبية؟ أم واقع المجتمع السياسي والحياتي؟

من أجل قراءة متماسكة لهذه الظاهرة، لا بد من النظر إلى اصول تكونها. وهنا لا بد من التنبه إلى خلط الفئات تحت المصطلح الواحد سواء عن جهل أو قصد. وبغض النظر عن مدى انطباق المصطلح بصيغته التأسيسية لدى غرامشي وفي المجتمع الراسمالي الصناعي، فإن حالة التكوُّن مفصلية هنا. فلا يمكن اعتبار حركة سياسية نشأت محلياً أو نقابة أو حتى جمعية خيرية نشأت محلياً لا يمكن إدراجها إلى جانب منظمة غير حكومية تكونت بتمويل خارجي مهما كان نظيفاً. والإشكالية هنا ليست فقط في عملية التموُّل على خطورتها، بل كذلك في طبيعة البنية. فالمنظمات غير الحكومية تبدأ عادة بفرد أو قلة من الأفراد إضافة إلى مكاتب وإمكانات مالية، وتحافظ على هذا الشكل طوال دورة حياتها. ولا يمكن اطِّلاع صغار الموظفين على مصادر ومبالغ التمويل. وحتى لو علموا ببرامج العمل، فمصادر التمويل ليست في متناول الجميع. كما أن منظمة الأنجزة تعمل ضمن القطاع المستهدف بل الفئة المستهدفة.

أما الحزب فمشروع وطني سياسي مجتمعي يستمد قوته من مدى ترسخ جذوره الاجتماعية والطبقية ومن مشروعه النضالي في القضايا الوطنية. ففي حالة المناطق المحتلة، ينشغل الحزب السياسي الحقيقي في ممارسة كافة أشكال المقاومة الحقيقية ضد العدو وخاصة الكفاح المسلح. وعليه، من الخطورة بمكان خلط الجميع تحت تسمية منظمات المجتمع المدني، وخاصة المنظمات الممولة من الخارج.

المهم أن مدى جدية ومشروعية اية منظمة مجتمع مدني في وطن مستعمَر استيطانياً كامنة في دورها الوطني، وفي تناقضها مع أعداء الوطن. فهل يمكن لمنظة أنجزة تتمول من دول معادية أن تعادي هذه الدول؟ هناك في السنوات الأخيرة مزيداً من الوعظ بالعمل الاجتماعي و “المقاومة الشعبية” دون تحديد طبيعة هذه المقاومة بل بقصد تمييع المفهوم والمبدأ الحقيقيين للمقاومة الشعبية، بل حرب الشعب. لذا، لا بد لكل من يطرح المقاومة الشعبية أن يجيب على اسئلة اساسية: هل تنفي الكفاح المسلح أم لا، هل تمارسه أم لا؟ هل تعترف بالكيان أم لا؟ هل تمارس التطبيع مع الكيان ومنظماته ومع الكمبرادور العربي الذي يرعى الكيان ومع الغرب الراسمالي الذي يحتل الوطن العربي أم لا؟ هل تتمول من مؤسسي ورُعاة الكيان ام لا؟ هل هي مقاومة سلمية ضد عدو لا يمارس سوى العدوان المسلح ؟ هل هي مع اتفاق أوسلو؟ هل تتصرف وتستفيد وتعمل ضمن اوسلو وتزعم أنها ضد هذا الاتفاق؟. هذه الأسئلة الحارقة بهدف كشف محاولات التغطية على ابتعاد منظمات الأنجزة والمجتمع المدني الممولة من الخارج عن الثوابت الوطنية والقومية وبالتالي عن المقاومة الحقيقية.

ما أفرزته منظمات المجتمع المدني الممولة من الخارج، بل التي لا تعيش إلا بذلك التمويل هوشريحة من اصحاب الدخل أو العائدات غير المنظورة. وهي شريحة تحظى، نتيجة لدورها بدخل متميز مقارنة بالأجور والمداخيل للمحليين من نفس الفئة والعمل، ولكنها تفقد بالمقابل دورها السياسي الناشط سابقاً في العمل الوطني والتنظيمي، كما تصل إلى وضعية لا تستطيع معها العودة إلى الوراء، اي إلى ما كانت عليه. وليس هذا الترهل صدفة بل هو ضمن خطة.

من نتائج تبلور هذه الشريحة دورها الثقافي بمعنى نشر الثقافة الراسمالية الغربية عامة وثقافة الوعظ بالسلام والديمقراطية في مجتمع يخضع لاستعمار استيطاني. من هنا نشاهد منظمات غير حكومية تعقد دورات لتدريب النساء على المفاوضات!، والرجال على اللاعنف، وتعقد مؤتمرات للنساء الفاقدات اي اللواتي فقدن الرجال أو الأبناء بسبب المقاومة.

هذه الثقافة الرخوة هي التي تمارس التطبيع كما لو كان أمراً عادياً. ولا يتوقف التطبيع هذا على التطبيع مع الكيان الصهيوني بل كذلك في تسهيل واستدعاء مطبعين عرباً لدخول الأرض المحتلة. وبالطبع تخفي كل منظمة من هذه مطبعيها وربما تفضح تطبيع غيرها. كما يتم استخدام الأماكن والمواقع الممولة من الخارج في استضافة مطبعين عرباً. ناهيك عن استضافة أعداء للشعب الفلسطيني أمثال الموسيقار الصهيوني دانييل بارنباوم. بهذه المسلكيات ودون تعرُّضها للنقد والرفض الاجتماعي يتضح أن هذه المنظمات /الظاهرة قد استفحلت تحت غطاء منظمات مجتمع مدني.

وإذا كان جوهر أطروحة غرامشي عن المجتمع المدني وتحديداً عن الهيمنة هو التناقض بين الهيمنة البرجوازية وبين هيمنة الطبقة العاملة، فاين تقف هذه المنظمات؟ قد يصح ما استنتجناه آنفاً أنها تعمل من أجل الهيمنة الثالثة. وضمن دورها في خدمة الهيمنة الثالثة تُقحم هذه المنظمات قيماً وثقافة حداثية غربية على مجتمع ذي قيم أخرى، اي غير حداثي بالمفهوم الراسمالي الغربي، فلا يعود التاريخ والتراث العربي ذي قيمة، ولا الثقافة العربية الإسلامية ولا مهام التحرر والوحدة العربية ضمن اهتماماتها، ولا السرديات الكبرى القومية والاشتراكية والدين وتنتهي كما في الأرض المحتلة إلى ترويج ثقافة الجندر والتمكين والمساواة بين الرجل والمراة بدل تحرر المرأة وحريتها، وهي ثقافة إبعاد المرأة عن النضال الوطني والقومي والذي ينتهي كذلك إلى إبعادها عن النضال الطبقي. إن المبالغة النسوية اللبرالية والراديكالية في معاداة النضال القومي تقود في التحليل الأخير إلى إضعاف دور المرأة ويحولها إلى حريم، رغم الزعم بأن الهدف أو النتيجة المتوخاة هي تحرر المرأة، أو حتى تمكينها[25].

تحت غطاء المجتمع المدني وثقافة السلام، تشارك الكثير من منظمات “المجتمع المدني” في علاقات تطبيعية سواء في التموُّل أو عقد وحضور ندوات ومؤتمرات مشتركة مع ممثلين عن منظمات ومؤسسات الكيان، أو تسهيل سيطرة الأكاديميا الغربية على الجامعات المحلية واستضافة فرق فنية أجنبية تحت مزاعم ضرورة الفن من أجل الحياة وعدم تناقضه مع المقاومة في حين يكون الهدف خلق وتوسيع نخبة في المجتمع بعيدة عن الهم الوطني مما يولد روح تناقضوحاسدية بينها وبين الأكثرية الشعبية. وهذا يعني استهداف المجتمع بالتفكيك والشقاق الداخلي مما يؤدي في النهاية إلى تراخي النضال الوطني.

إن خلق وتوسيع وتمويل شريحة العائدات غير المنظورة الناشئة عن الأنجزة، ونقصد هنا مدرائها وموظفيها الكبار لم يكن صدفة بقدر ما هو عمل منظم مقصود به ترسيخ قيم الديمقراطية الراسمالية الغربية التي تشجع الفردانية وليس الطبقية، والتي تقدم النموذج الأميركي للمواطن الذي لا هموم سياسية وطبقية لديه، بل جشع استهلاكي، ورخاوة وعي طبقي وشعور بافضلية على الآخرين إلى درجة الاستهانة بقتل العراقي اعتقادا من الجندي الأميركي أنه بهذا ينشر الديمقراطية في العراق[26]. إن تخارج شرائح محلية لصالح هذه الثقافة هو نمط أخطر من التبعية الراسمالية الرسمية لأنه يخترق النسيج الاجتماعي. على أن الأدهى في وجود وسلوك هذه الشريحة فهو:

· أن الغرب الراسمالي وخاصة الأميركي يعتبرها مطية لتسويق ثقافته ولا يعتبرها قادرة على تمثُّل ثقافته لأنها شرقية[27]

· وأن هذا الانبهار يحجب عن هذه النخبة وعن مجمل المجتمع حقيقة كذبة المجتمع المدني في الغرب ناهيك عن وجود التفرقة العنصرية والفقر والاستغلال بفظاظة داخل هذا المجتمع نفسه.

هذا التخارج إلى ثقافة الغرب وحداثته ليس اكثر من احتفال بمولود لن يأتي لأنه نتاج حملٍ كاذب، “أن تحسب الشحم في من شحمه وَرم” -المتنبي”

لقد اشرنا في موضع سابق إلى مناخ ظهور وتوسع هذه الظاهرة، نسبناه سياسياً وكفاحياً إلى تدهور المشروع الوطني، هبوط سقف المطالب الوطنية من تحرير الوطن عبر المشروع القومي العربي وعبر كسب الرأي العام الشعبي العالمي، إلى الانحصار في دويلة في أجزاء من الضفة والقطاع، “أوسلو-ستان”، والاعتراف الممتلىء بالكيان الصهيوني وممارسة التطبيع ووقف المقاطعة مع الكيان والإمبريالية وتمفصلاتها من الحكومات غير الحكومية والكمبرادور العربي، واعتبار الصراع فلسطيني-إسرائيلي، بل بأنه كان صراعاً! ولكن هذا التوضيح بقي قاصراً ما لم نملأ الخطاب الصحيح بالمبنى الاجتماعي المادي للمجتمع.

فالإمكانات المالية الغزيرة المتوفرة لمنظمات الأنجزة والمراكز /المجالس الثقافية والملحقيات…الخ خطيرة حينما تُصب في مجتمع بنيته الإنتاجية فقيرة، متخلفة ومُعاقة التطور بسبب كل من:

*الاستعمار الاستيطاني الصهيوني وخاصة سياسة تدمير البنية الإنتاجية

* غياب سياسة تنموية محلية بدءاً من منظمة التحرير وصولا إلى سلطة الحكم الذاتي

* ووجود قطاع خاص كمبرادوري أكثر مما هو إنتاجي

* وإصرار المساعدات الدولية على أن تكون ريعاً مالياً لتنازلات سياسية وعلى تجنب الاستثمار الإنتاجي.

هذا الفقر الإنتاجي وبالتالي التشغيلي يعطي قوة إضافية لمصادر المال وحامليه، فيتحول رجل الأنجزة أو سيدة الأنجزة إلى رمز اجتماعي وسياسي لأنه مصدر تمويل وتوظيف. وعبر هذا الدور يصبح من الشخصيات السياسية التي تقرر في العمل الاجتماعي والسياسي والوطني!! ويصبح كادر الحزب المأنجز صاحب قرار في حزبه مما يقود إلى فقدان الحزب لحزبيته. من هنا يصبح الحديث عن دور للأنجزة في المشروع الوطني أمراً عادياً، بغض النظر عن : أي دور!!

إن لاستقلالية الفرد والطبقة والمجتمع اقتصادياً دورها الحاسم في استقلالية القرار والموقف، أو عدم الاستقلالية. فليس الأمر أن تكون لدينا افكار وقناعات، بل الأمر أن نمارس تطبيق وخدمة هذه الأفكار بحرية. ليس من الإنصاف أن ننسب إلى منظمات الأنجزة والمجتمع المدني (بغض النظر عن هذا التعريف أو ذلك لها)، أن ننسب لها كامل الخلل في إعادة تشكيل/تشويه المشروع الوطني: الاعتراف بالكيان، انتخابات تحت الاحتلال، دولة ممنوحة وعلى شكل أرخبيل برِّي، ديمقراطية متراكبة على الفساد والمحسوبية، حقوق إنسان من دول تذبح الإنسان، جندر…الخ فهي شريك في هذه كلها من بين شركاء كُثر. ولا تنفع الإدانة هنا بقدر ما نود التأكيد أن هكذا توليفة، لا يمكنها حمل مشروع وطني ولا تحرري اجتماعي.

ويبقى السؤال الأخير، إذا صحت محاولتنا فك الدمج بين الحزبية والأنجزة، وبالتالي وضع الأنجزة ضمن حجمها الحقيقي فما الذي تعمله ولا يمكن للمجتمع ذاتياً أن يقوم به؟ إذا كانت لا تقوم بالتنمية وإنما تخلق شريحة العائدات غير المنظورة، ولا تساهم في النضال الوطني بل تنشر الرخاوة النضالية، إذا كانت لا تساهم في الوعي الطبقي السياسي بل تخدم وتكرس إيديولوجيا السوق، إذا كانت تمارس التطبيع مع الثلاثي المعادي للشعب والأمة، فما الذي يبقى منها؟

إنه ما قال عنه السيد المسيح: لا تعبدوا إلهين: الله والمال. ما يُعبد في هذه الحالة هو المال؟ ولكن، إذا كان هذا المال مسخراً لأفراد وفي افضل الحالات لمجموعة من الأفراد فهل المجتمع بحاجة له؟ بالقطع…لا. إن مجتمعاً لا يمكنه إعالة نفسه، لا يمكنه تمثيل نفسه، ويغدو بقائه على أجندة الانتهاء. أما التاريخ فيقول إن ثروة كل مجتمع كافية لمجموعه ما لم تُسرق أو توزع توزيعاً ظالماً.


[1] [1] أشكر الصديق د. مفيد قسوم على ملاحظاته النافذة على هذا النص، ويبقى اي تقصير علمي وعقيدي هو مسؤوليتي الشخصية.

[2] See Mufid Qassoum, 2004. Glocal Dialectics in the Production and Reproduction of the Palestinian Space under the Various Phases of Globalizations. Uinversity of Illionis at Chicago. Unpublished Ph.D. Dissertation.

[3] هذه إشارة إلى كتاب مشترك وُضع من قبل السيد سامي عدوان أحد المدرسين في هذه الجامعة مع صهيوني. يقف الكتاب على تساوي روايتنا كشعب طرد من وطنه مع رواية الكيان الصهيوني الإشكنازي كغاصب واستعمار استيطاني! إن أخطر السهام التي يوجهها بعض الفلسطينيين إلى قلب القضية هو إشعار العدو بتوازيه حقوقيا وحقا معنا. وكتاب مشترك من احد المحاضرين في جامعة بيت لحم /سامي عدوان، مع صهيوني لا يختلف عن فلسطيني يعيش في الكيبوتسات مع صهاينة، ويزعم أنه قومي عربي السيد أحمد اشقر. أنظر لهذا مقالة عادل سمارة في: كنعان النشرة الألكترونية Kana’an - The e-Bulletin السنة الحادية عشر ـ العدد 2556، أول أيار (مايو) 2011، الثورة والاختراق والتجسس (الحلقة الثانية)، البُعد الطبقي للثورة المضادة: قراءة طبقية في الاختراق والتجسس.

[4] يعتبر غرامشي صاحب فكر سياسي مبدع داخل الحركة الماركسية. ويطلق على فكره اسم

بعض ما كتبناه في د. عزمي بشارة

28 مايو 2011

بعض ما كتبناه في د. عزمي بشارة

1)

أ) مقابلة مع عزمي بشارة من عام 1996: الفلسطينيون في الكنيست الإسرائيلي، ترجمة وتعقيب رجاء زعبي عمري.

ب) مصالحة الإستعمار دون خروجه…تقاسم الوطن مع العدو: عزمي بشارة كحالة دراسية، د. عادل سمارة. (آب 2007)

الرابط:

http://kanaanonline.org/ebulletin-ar/?p=3159

2) متابعات: رسائل القرّاء حول ما نشرناه عن د. عزمي بشارة

الرابط:

http://kanaanonline.org/ebulletin-ar/?p=3164

3) عزمي بشارة المفكّر الأجوف

يحي أبوزكريا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1894)

الرابط:

http://kanaanonline.org/ebulletin-ar/?p=1152

4) التطبيع معكوساً بشارة الى الكنيست على اكتفاف حزب الله عادل سمارة

23 تموز 2001

الرابط:

http://www.kanaanonline.org/articles/00002.pdf

5) إغواء الشباب للتطبيع تحت قشرة “نضالية”

د. عزمي بشارة في “رسالة” التطبيع

عادل سمارة

29 تشرين الاول (اكتوبر) 2010

الرابط:

http://kanaanonline.org/ebulletin-ar/?p=4906

(آخر تحديث 28 مايو 2011)

المحكمة الدولية الخاصة بلبنان: نسخة مطورة عن حرب 2006

23 فبراير 2011

د. ليلى نقولا الرحباني

استاذة العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الدولية

مقدمة

اعتُبر الانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000 بمثابة هزيمة لاسرائيل لكونها المرة الاولى التي تنسحب من أراضٍ عربية بدون قيد أو شرط أو معاهدة سلام. ولكن مع هذه السابقة، اعتقد الاسرائيليون أن الارباح التي يمكن جنيها من خلال زوال المقاومة في جنوب لبنان قد تكون كافية لتعويض خسارتهم. لكن بعدما ظهر ان المقاومة مستمرة وفعالة وان ثقافة المقاومة تنتشر في المنطقة بعدما قُدّم لها نموذج صالح للتطبيق والتقليد، وبعدما أيقن الاسرائيليون مدى تأثير مقاومة لبنان في قيام الانتفاضة الفلسطينية الثانية في ايلول عام 2000 اي بعد أشهر فقط من انسحاب اسرائيل من لبنان في أيار 2000، أصبح القضاء على حزب الله هدفًاً استرتيجياً ملحًّاً بالنسبة للإسرائيليين. أما بالنسبة لسوريا ووجودها في لبنان، فحتى العام 2004، كان الأميركيون يردّون على المطالبات اللبنانية بإنهاء الوجود السوري العسكري في لبنان أن هذا الوجود يشكّل “عامل استقرار” في لبنان. لكن رفض الرئيس السوري التعاون لتثبيت الاحتلال الاميركي للعراق ورفضه المطالبات بالقضاء على المقاومة في لبنان، بدلا الموقف الاميركي تجاه سوريا ونظامها.

كيف تغيرت السياسة الاميركية، وما هي الوسائل التي استخدمت في الحرب الاميركية الغربية على المقاومة وسوريا؟ وكيف استخدم اغتيال الحريري والمحكمة الدولية الخاصة بلبنان لمحاولة القضاء على النظام السوري أو تطويعه أو لمحاولة اجتثات المقاومة في لبنان؟ وما هي التجاوزات التي استخدمت في محكمة لا مثيل لها في تاريخ العلاقات الدولية والقانون الدولي، وكيف يتم استثمارها؟ هذا ما نبحثه في هذه الورقة، وسنجري في القسم الاول عرضًا سريعًا للخلفية التاريخية لتطور مسار المحكمة والقرارات السياسية التي أنشأتها، أما في القسم الثاني سنعرض للتسييس والعيوب التي رافقتها منذ ولادتها، وفي القسم الثالث سنفنّد بعض الادعاءات التي تساق لتعمية الرأي العام، ثم نعرض أخيرًا للسيناريوهات المحتملة.

I - الخلفية التاريخية


المرحلة الاولى: احتلال العراق وعدم التعاون السوري


سمحت أحداث 11 أيلول 2001 للولايات المتحدة بإعطاء تفسير واسع لمفهوم أمنها “القومي”، وفي تمجيد القوة العسكرية، ما أدى الى التقليل من العامل “الجيو ثقافي” لصالح العامل “الجيوستراتيجي”، بعد أن عجزت الوسائل الاقتصادية والثقافية وحتى المؤسسات الدولية، برأي الادارة الاميركية، في مواجهة التحديات الامنية الجديدة. وهكذا ابتعدت ادارة بوش عن أساليب القوة الناعمة التي لطالما اعتمد عليها الاميركيون، واتجهوا الى الافراط في استخدام القوة الصلبة التي اضرّت بهم كثيرًا وأفقدتهم المصداقية والشرعية.(1) من هنا بات بالامكان القول ان عالم التسعينات، بعد سقوط جدار برلين، لا يشبه بتاتًا العالم الذي تلا 11 أيلول2001، فقد أعطت الظروف المستجدة بوش الابن فرصة نادرة للانطلاق من خلالها في سياسة خارجية تدخلية بكل معنى الكلمة، وذلك عبر استراتيجية وعقيدة عسكرية انفرادية تعيد المنطق القائل بأن “القوة تجلب الشرعية”، وان ممارسة الولايات المتحدة الحرب “كما تريد” كافية لاضفاء شرعية الحق عليها،(2) وهكذا انطلق بوش في حرب على العراق عام 2003 بدون تفويض من الامم المتحدة ضاربًا عرض الحائط كل الاعتراضات الدولية التي قادتها فرنسا والتي قسمت العالم الى معسكرين: معسكر الحرب ومعسكر السلام.

في هذا الوقت وجدت فرنسا – شيراك نفسها قد خسرت كثيرًا بمعارضة الاميركيين، وأيقنت أن مصالحها في الشرق الاوسط ستتضرر بشكل مفرط فيما لو استمر العداء الفرنسي الاميركي على ما هو عليه، فراح شيراك يتحين الفرصة لمصالحة الاميركيين والدخول الى الساحة لاعبًا لا متفرجًا. فكانت الفرصة في العام 2004. وجد شيراك المستاء من عدم قدرته على أن يكون “وصيًا على الرئيس السوري بشار الاسد”(3) في الغيظ الاميركي من النظام السوري بسبب عدم تعاونه معهم في الملف العراقي وفي عدم القبول بالقضاء على المقاومة، الفرصة المؤاتية لمصالحة الاميركيين فاقتنصها. وهكذا كان قرار مجلس الأمن الرقم 1559 في أيلول 2004 بتوافق فرنسي أميركي، ويتضمن أهدافاً عدة منها خروج سوريا من لبنان والضغط على حلفائها ومنهم الرئيس لحود، بالاضافة الى نزع سلاح المقاومة الذي اصبح يزعج اسرائيل كثيرًا. لكن سوريا والمقاومة في العام 2004 كانت من القوة في لبنان بمكان بحيث يصعب تطبيق القرار 1559، فكان لا بد من حصول زلزال سياسي كبير يسرّع الامر، فكان اغتيال الحريري في 14 شباط 2005.

المرحلة الثانية: اغتيال الحريري وانشاء المحكمة


وقعت حادثة اغتيال الرئيس الحريري في مرحلة بالغة التوتر، عربيًا ودوليًا. وقد كان المحور العربي الثلاثي، مصر- سورية - السعودية، في أكثر أوقاته تشنجًا وخلافات حول السياسة الأميركية بعد أحداث 11 أيلول 2001، والتباينات الأكثر حدة كانت حول الغزو الأميركي للعراق، فبينما عارضت سوريا احتلال بلد عربي شقيق وانتهاك سيادته بالرغم من كل تاريخها السيء مع صدام حسين، قامت مصر والسعودية بتأييد الاحتلال مدفوعتين بولاء مطلق وتبعية للاميركيين وبخوف من تقسيم بلادهم والاطاحة بهم وهو ما كان قد سربته دوائر أميركية عدة بعد 11 أيلول. وهكذا في لحظة تاريخية مفصلية في تاريخ الشرق الاوسط، وفي حمأة الهجمة الاميركية على المنطقة، تقاطعت مصالح فرنسية- اميركية- عربية وبتواطؤ داخلي لبناني، فأنشئت لجنة تحقيق دولية في اغتيال الحريري وبعدها المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ومهمتها الاساسية “غير المعلنة ” كما حددها لها شيراك “قتل النظام السوري”.(4)

منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005 وإنشاء لجنة تحقيق من قبل الأمم المتحدة في حادث الاغتيال، انصب التركيز الأساسي العلني للتحقيق على دمشق مترافقًا مع تصريحات اعلامية وسياسية تتهم دمشق مباشرة بالاغتيال وتطالب بالثأر والانتقام من قتلة الحريري. وهكذا صدر التقرير الأول لـ “لجنة التحقيق الدولية المستقلة” في تشرين الأول 2005، ويبدو من خلال الوثائق والاسرار التي نشرت فيما بعد أنه قد يكون كُتب قبل أن تشكّل تلك اللجنة من قبل الامم المتحدة، وخلص التقرير كما كان متوقعًا له وقتها، بأن «خيوطاً كثيرة تشير إشارة مباشرة إلى تورط مسؤولي أمن سوريين في حادث الإغتيال»(5). وحتى العام 2009 لم يتم ذكر حزب الله من خلال التقارير التي تصدرها “لجنة التحقيق الدولية المستقلة” كل ثلاثة أشهر، ولم يكن هناك من تداول في هذا الامر. واستطاعت سوريا الصمود بوجه الضغوط الدولية والاقليمية، وانتقلت من مرحلة الدفاع و”فك العزلة” التي حاول البعض فرضها عليها، الى سياسة خارجية قوية واثقة بعدما أثبتت التطورات صحة خياراتها الاقليمية وصحة خيارات الرئيس السوري بدعم المقاومة في لبنان واعطائها عمقًا استراتيجيًا فانتصرت في تموز 2006، واسقطت اسطورة الجيش الذي لا يقهر. وهكذا سقط الاتهام السياسي لسوريا، وتمّ إطلاق الضباط الاربعة في نيسان 2009(6) وتسارعت عجلة التوافق السوري – السعودي وتراجع الدور الأميركي في لبنان وتراجع جنبلاط والحريري بعد الانتخابات النيابية 2009 معتذرين عن اتهام سوريا بالاغتيال وطالبين من سوريا الصفح والغفران.

المرحلة الثالثة: حزب الله في دائرة الاتهام


بعد فشل “القوة الصلبة” في تحقيق أهدافها في القضاء على المقاومة عام 2006 وبعد عجز أميركي عن تحويل لبنان الى ساحة ينطلق منه “الشرق الاوسط الجديد”، وانكشاف هشاشة وكلاء وحلفاء أميركا الداخليين عام 2008، والاقتناع بعدم القدرة على عزل سوريا وتفكيك نظامها، تحوّلت المقاومة في لبنان والقضاء عليها هدفًا ملحًا. وبالفعل، تحوّل حزب الله بعد حرب تموز 2006 واحداث ايار 2008 إلى قوة عسكرية وسياسية بالغة التأثير، ليس على المستوى اللبناني وحسب، بل على المستوى الإقليمي أيضًا. فتحالفه الوثيق مع سوريا وايران، ودعمه الوثيق للمقاومة في فلسطين التي اتخذت من حزب الله في لبنان ملهمًا ونموذجًا يمكن الاقتداء به لتحرير فلسطين، بالاضافة الى تحوله الى مصدر إلهام للمقاومات الاخرى في المنطقة ولحركات التحرر في العالم، زد على ذلك نظرة التعاطف والاعجاب التي يخصّه بها معظم مسلمي العالم بسبب دوره في الحاق هزيمة باسرائيل لطالما تمنوها … كل هذا ما جعل حزب الله مصدر تهديد استراتيجي لاسرائيل، وللسياسة الأميركية في المنطقة، ولحلفاء الولايات المتحدة، مثل السعودية ومصر والسلطة الفلسطينية.

كشفت حرب تموز وهن اسرائيل وجبهتها الداخلية وافتضح عجز القوة عن تحقيق أهدافها، فأزال الاميركيون والاسرائيليون – مرحليًا(7) - من أذهانهم امكانية القضاء على المقاومة من خلال القوة العسكرية، وبدأوا بمحاولة تنفيذ هذا الهدف بوسائل “أذكى”، وذلك من خلال تمويل طائل لتشويه سمعته واضعافه سياسيًا كما أقرّ فيلتمان في شهادته أمام الكونغرس(8)، كما محاولات اغراقه في عنف داخلي ومحاول اشعال فتنة سنية شيعية، لذا كانت قرارات 5 أيار التي تبعها أحداث 7 أيار الشهيرة، وكان بالطبع الاتهام باغتيال الحريري وتسليط سيف القرار الاتهامي و “المحكمة الدولية” على رقبته لاخضاعه. وهكذا، نشرت مجلة “دير شبيجل” في أيار 2009، مقالاً ذكرت فيه بقدر كبير من التفصيل كيف شاركت عناصر من حزب الله في جريمة القتل، وكيف اكتشفت “لجنة التحقيق الدولية” ارتباط أولئك العناصر في حادث الإغتيال. وتتحدث أن أحد عناصر الحزب “ارتكب طيش لا يصدق” حيث اتصل بصديقته بواسطة هاتف خليوي تم استخدامه في عملية الإغتيال، مما أتاح للمحققين فرصة تحديد الرجل. وتوالت التسريبات، وتوالت السيناريوهات التي تربط حزب الله باغتيال الحريري، وصولاً الى ما كشفه الامين العام لحزب الله عن لقاء بينه وبين الحريري ومحاولة تسويق نظرية قيام “عناصر غير منضبطة” من حزب الله باغتيال الحريري ورفض حزب الله لهذه التسوية، ولنا على هذا الامر ملاحظات نشرحها فيما بعد.

II - العيوب التي رافقت تأسيس المحكمة من الاساس


أولاً: عيوب تأسيسية


أ‌- نلاحظ أنه لأول مرة في تاريخ العلاقات الدولية والقانون الدولي ينشئ مجلس الأمن محكمة دولية بموجب الفصل السابع لا تنظر بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم التطهير العرقي والابادة التي تعتبر المبرر الوحيد لإقامة محاكم جنائية دولية بموجب الفصل السابع، والذي يشترط حصرًا ان يكون هناك تهديد للسلم والامن الدوليين لاعتماده. ولأول مرة في التاريخ، تتشكل محكمة خاصة بقرار من مجلس الأمن دون حرب أهلية أو حرب دولية سابقة ولمجرد وقوع حادث إرهابي، علمًا بأن أحداث أيلول 2001 الإرهابية لم تستدع قيام أي محكمة خاصة لمحاسبة الجناة. فعليًا، لقد بدأت ثقافة انشاء المحاكم الدولية تتسع وتصبح أمرًا شائعًا في العلاقات الدولية مع إنشاء المحاكم الدولية الخاصة بيوغسلافيا ورواندا، وهي محاكم عالمية أنشئت ابتداء من العام 1993 للبت في جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي ارتكبت في دولة ما خلال فترة محددة من الزمن، وخلال نزاع محدد. ومعظم هذه المحاكم الدولية الخاصة انشأتها قرارات مجلس الامن بموجب الفصل السابع.

تعد هذه المحاكم تطبيقًا عمليًا لمبدأ “المسؤولية” فبعد أن تبين أن الدولتين المذكورتين غير قادرتين على القيام بالتزاماتهما تجاه شعبيهما، قام المجتمع الدولي بتحمل المسؤولية فتشكلت المحكمتان بصورة مستقلة عن النظم القضائية الوطنية، وتولى العمل في المحكمتين قضاة ومحامون وموظفون دوليون، كما تولى المجتمع الدولي تمويل المحكمتين، وقد أقر أن تكون احكامهما القضائية أعلى من احكام المحاكم الوطنية. لكن الكلفة العالية جدًا التي تكبدها المجتمع الدولي، بالاضافة الى النقص في الموارد والكثير من المصاعب والاعتراضات التي واجهت هذه المحاكم، بالاضافة الى اعتبارها كوسيلة هيمنة واتهامها بالتسييس وبأنها “محاكم المنتصر” دفعت بالمجمتع الدولي الى الاستعاضة عنها باقرار مبدأ المحاكم المختلطة، أي التعاون مع البلدان المتضررة على تشكيل محاكم “ذات طابع دولي” تجمع ما بين النظم القضائية المحلية والدولية وعلى هذا النمط نشأ العديد من المحاكم ومنها محكمة سيراليون وتيمور الشرقية و”المحكمة الدولية الخاصة بلبنان“.

ب - بما أن “المحاكم ذات الطابع الدولي” تنشأ بالتعاون مع البلدان المتضررة، فاللافت أنه لأول مرة، يلجأ مجلس الأمن إلى الفصل السابع من الميثاق الأممي لإنشاء محكمة أساسها القانوني اتفاقية لم تستوفِ الشروط الدستورية لإبرامها، إن لجانب الجهة الصالحة للتفاوض بشأنها، أو لجهة موافقة السلطة التشريعية للدولة عليها التي هي الطرف الأساسي في هذه الاتفاقية، ما يطرح علامة استفهام كبرى حول قانونية المحكمة.(9) قد تكون المحكمة الخاصة بسيراليون النموذج الأقرب، من حيث البنية، إلى المحكمة الخاصة بلبنان. فمنذ البداية، عُدّت محكمة لبنان ثمرة اتفاق ثنائي بين لبنان والأمم المتحدة، وقدّمت المحكمة الخاصة بسيراليون إطاراً نموذجيًاً لاعتبار مثل هذا الاتفاق أساسًاً قانونيًا للتطبيق. لكن محكمة سييراليون قامت بالرضى المتبادل، ومثّل وضعها القانوني وقانونها الساري وتأليفها وبنيتها التنظيمية مواضيع تفاوض الطرفان بشأنها واتفقوا عليها لابرامها، لكن هذا لم يحصل بطريقة قانونية في لبنان وباعتراف كاسيزي نفسه الذي قال انه كاستاذ جامعي يعترف بأنها اقرّت بشكل مخالف للدستور اللبناني.(10) كذلك أنشئت محكمة سيراليون الخاصة لكي تشمل صلاحيتها الجرائم التي تندرج ضمن القانون الإنساني الدولي، بالاضافة الى بعض الجرائم الخاضعة لقانون سيراليون، بينما محكمة لبنان تمارس صلاحيتها حصريًاً على الجرائم التي يحددها القانون المحلي، أي القانون اللبناني.

ج- الميزة الفارقة الأخرى المتعلقة بمحكمة الحريري هي أنها أول محكمة خاصة ذات طابع دولي تنشأ تحت رعاية الأمم المتحدة لمحاكمة قتلة رئيس وزراء أسبق أو شخصية بارزة. يُذكر أن الدول الكبرى، التي أنشأت محكمة الحريري، لم تعمد الى انشاء محكمة مماثلة للتحقيق في اغتيال رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة بنازير بوتو، على الرغم من طلب العديد من الباكستانيين وسواهم إنشاء محكمة دولية، أو حتى بعثة دولية، للتحقيق في جريمة اغتيالها.

د- تسمية ديتليف ميليس كانت بايعاز وتخطيط محكم من المخططين الدولين، وفي كتاب “سر الرؤساء” نرى بوضوح أن شيراك “يثابر على الاقتناع بأن بشار الأسد سيسقط كثمرة ناضجة، يكفي الانتظار فقط”. وبنظره إن التحقيق الذي يقوده ديتلف ميليس، والذي لم يستطع القيام به بحرية في دمشق، سيساهم في زعزعة النظام. «إن تقرير ميليس سيكون قاسيًا مع سوريا»، هكذا شرح شيراك لرايس قبل صدور التقرير واعلانه. وقال «حتى لو لم نعرف على أي مستوى تقع المسؤوليات، فسيظهر التقرير أن دمشق لم تتعاون مع التحقيق، وأنها متورطة في اغتيال الحريري. في هذا السياق، لا بد من التمديد لمهمة ميليس، لقد تحول القاضي الألماني إلى تجسيد للعدالة والديموقراطية في لبنان” بحسب شيراك. إذًا كان شيراك يعلم ما سيكون في تقرير ميليس قبل أن يُكتب وقبل أن يقدمه، فأي تحقيق شفاف وصادق يمكن أن يكون قد قام به ميليس وتقريره معروف التفاصيل قبل تعيينه؟ وكما كان تقرير ميليس مكتوبًا كما يبدو قبل التحقيق، فقد يكون القرار الاتهامي لبلمار أيضًا قد كتب قبل تحقيقاته، وينتظر التوقيت المناسب للاعلان عنه فقط.

ه – في سابقة في تاريخ التحقيقات الدولية، يستمر التحقيق في اغتيال الحريري أكثر من خمسة أعوام، إذ في الاطلاع على تاريخ التحقيقات والمحاكم الدولية، لم يطل أمد صدور اي قرار اتهامي كل هذه المدّة، قد يطول أمد المحاكمة عشرات السنوات ولكن ليس القرار الاتهامي، ما يفترض بأن المدعي العام بلمار أما لا يملك الأدلة الدامغة لكي يبني القرار الاتهامي على أساسها، أو أن ثمة إرادة سياسية من دول عظمى لتأجيل هذا القرار واستخدامه للوصول الى تسويات أو مكاسب إقليمية أو دولية أو محلية.

ثانيًا: ايجاد التماس كاذب لتحويل المسؤولية الى المجتمع الدولي


لقد أدت التطورات في مفاهيم العلاقات الدولية ومضامينها الى تبدل في مفهوم السيادة، فتحول مفهوم السيادة من “السيادة كسلطة الى مفهوم السيادة كمسؤولية، وفيه ان “التفكير في السيادة كمسؤولية” يعني:
أ‌- مسؤولية الدولة في حماية مواطنيها وسلامتهم وتأمين رفاهيتهم.
ب‌- ان وكلاء الدولة يتحملون المسؤولية عن الاعمال التي يقومون بها.(11)
ت‌- السلطات المحلية مسؤولة تجاه مواطنيها في الداخل وتجاه المجتمع الدولي من خلال الامم المتحدة.(12) وقبول هذا المفهوم “السيادة كمسؤولية” يعني انه في حال “عدم قدرة الدولة” أو “عدم نيتها” على حماية مواطنيها، فان هذه المسؤولية تتحول الى المجتمع الدولي وبالتحديد الى مجلس الامن(13). وتطبيقًا على مسار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، فبالرغم من قدرة الشعب اللبناني على تعبئة أكثر من مليوني شخص في شوارع بيروت - سواء كانوا من قوى 14 آذار أو قوى 8 آذار- في مظاهرات سلمية لم يحصل خلالها تهديد للامن والاستقرار ولم يتم اعتقال أحد تعسفيًا أو تهديده أو الضغط عليه لمنعه من قول رأيه بحرية او لمجرد ترهيبه، فقد جرى الطعن في قدرة اللبناني على إدارة شؤون بلده بنفسه، القيام بتحقيق نزيه وشفاف في اغتيال الحريري، وعدم قدرة الدولة اللبنانية على الاضطلاع بمسؤولياتها، لتحويل هذه المسؤولية الى مجلس الامن. وفي أمر يمسّ الشعور الوطني اللبناني بالصميم، كتب الأمين العام للأمم المتحدة في تقريريه لعامين متتاليين عن عدم قدرة لبنان على مواجهة مشكلاته الداخلية والتدخلات الخارجية أو قيام محكمة وطنية بمحاكمة الجناة في الجريمة الإرهابية التي نالت رئيس وزرائه الأسبق.(14)

ورغم الطابع غير الدبلوماسي لمثل هذه التصريحات التي تمس المشاعر الوطنية، تداعى عدد من السياسيين اللبنانيين إلى تكرار نفس الخطاب في عمالة مفضوحة، تثبيتًا لعدم قدرة القضاء اللبناني على ملاحقة الجناة ومتحدثين عن ضغوط يمكن أن يتعرض لها القضاة، ومن هؤلاء رئيس وزراء لبنان فؤاد السنيورة، الذي قام في 13 كانون الأول 2005 على اثر اغتيال الشهيد جبران تويني، بارسال رسالة “غب الطلب” كان يطالبه بها الفرنسيون والاميركيون،(15) ودون مشاورة أو موافقة رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان، طالب فيها الأمين العام للأمم المتحدة، بإنشاء “محكمة ذات طابع دولي” لمحاكمة جميع المسؤولين المفترضين عن الاعتداء الذي وقع يوم 14 شباط 2005 في بيروت والذي أدّى إلى مقتل رئيس الوزراء اللبناني و22 آخرين. ورغم النتائج الكارثية المعروفة على عمل الحكومة والبرلمان والرئاسة اللبنانية، وضاربين عرض الحائط الدستور اللبناني والقوانين اللبنانية المرعية الاجراء، وفي سباق غير مبرر مع الوقت تمّ إصدار القرار 1757 عن مجلس الأمن بإقامة المحكمة وفق الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة يوم 30 أيار 2007، أي مع مغادرة شيراك للإليزيه. وقد تمَّ التنازل فيه عن كل ما حفظه مجلس الأمن في قراره رقم 1595 الذي أنشأ لجنة التحقيق الدولية، للسلطات اللبنانية من سيادة بالنسبة لإدارة التحقيق وتطبيق القانون في شأن الأعمال الجرمية التي رافقت اغتيال الحريري وآخرين، إذ نصَّت المادة الرابعة من النظام الأساسي للمحكمة على تنازل السلطات القضائية اللبنانية المسؤولة عن اختصاصها.(16)

وهنا يصح التساؤل، هل كانت الاوضاع في لبنان أسوأ من الاوضاع العراقية أو هل كانت الدولة اللبنانية أضعف من الدولة العراقية لكي لا تحول الأوضاع المضطربة في العراق دون محاكمة القيادة العراقية السابقة من قبل محكمة عراقية محلية بينما اغتيال رفيق الحريري يحتاج الى محكمة دولية خاصة؟ وهل امتلكت الدولة العراقية القدرة والامكانية على تحمل مسؤولياتها بينما اعتبر لبنان دولة فاشلة لا يستطيع ان تتحمل فيه الدولة مسؤولياتها بالقيام بمحاكمة قتلة رفيق الحريري؟

ثالثًا- إمكانية اختراقها اسرائيليًا


رغم معرفة معظم اللاعبين بأن سقف هذه المحكمة لا يتجاوز نسخة عن أزمة لوكربي التي لم تُسقط النظام الليبي بل نجحت في ابتزازه ماليًا وسياسيًا، فإن اسرائيل وأميركا وحلفاءهم لا يخفون اتكالهم على مواجهة المقاومة اللبنانية بسلاح المحكمة الخاصة، وان لم يكن لاجتثاثها وتحويلها للمحاكمة فعلى الاقل لتشويه صورتها واسقاط الشرعية عنها بتحويلها الى عصابة ارهابية مجرمة بدل ان تكون مقاومة بطلة. وقد اعلن رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية الجنرال عاموس يدلين ان القرار الظني للمحكمة الدولية سيشكل - ما سماها - كارثة دعائية على حزب الله، وانه سيقوّض الاستقرار في لبنان.(17) وبالاضافة الى الاختراق الاسرائيلي لشبكة الاتصالات اللبنانية، وما قد يتبين من معلومات وتسجيلات هاتفية تستند اليها القرارات الاتهامية، هناك تأكيد من رئيس المحكمة أنطونيو كاسيزي في بيان نُشِر في 4 آذار 2009، يقول فيه: «تستطيع الدول تقديم معلومات إلى الادعاء أو الدفاع قد تفيد تحقيقاتهما، وذلك سرًا بدون أن يكون المتلّقي ملزمًاً بكشف هوية مانح تلك المعلومات»، ويضيف: «نظرًاً إلى أهمية المعلومات السرية أو الفائقة الحساسية المتعلقة بمحاكمات الجرائم الارهابية، توفّر القواعد للدول سبلاً مختلفة لمساعدة المحكمة في تقديم الأدلة مع الحفاظ على مصالح أمنها القومي».(18) وهكذا إذًا، وبموجب مواد عدة في الإجراءات القانونية للمحكمة، تستطيع إسرائيل أو أية دولة أخرى تزويد المدعي العام لدى المحكمة الدولية بمعلومات قد تكون مزوّرة لا يستطيع الإعلان عن مصدرها إلا إذا وافق هذا المصدر، وقد اعترف مساعد بلمار في مقابلة له مع الصحفيين اللبنانيين في لاهاي بأن اسرائيل هي احد مصادر معلومات المدعي العام.(19)

رابعًا: عدم تطابق اجراءاتها مع قانون حقوق الانسان الدولي


كان المكتب الإعلامي للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان قد أعلن في بيان له مؤخرًا، ان “الهيئة العامة لقضاة المحكمة اجتمعت خلال الفترة الممتدة من 8 إلى 11 تشرين الثاني 2010، للنظر في مسائل متعددة تتضمن التعديلات المقترح إدخالها على قواعد الإجراءات والإثبات، أبرزها التعديلات المتعلقة بالقواعد التي ترعى عملية تبليغ قرار الاتهام، والتي تبين بالتفصيل التدابير العملية التي يجب اتخاذها بعد تصديق قرار الاتهام، ولا سيما في ما يخص مباشرة إجراءات المحاكمة غيابيًا. وإمكان قبول الإفادات الخطية للشهود الذين تحول أسباب وجيهة دون حضورهم للإدلاء بشهادتهم. وأكد البيان أن التعديلات الجديدة “تهدف إلى ضمان اضطلاع المحكمة بالمهمة المسندة إليها من خلال محاكمات عادلة وسريعة”.(20) وكان الكثير من الحقوقيين، ومنهم دراسة اصدرتها جامعة اوكسفورد في أوائل العام الجاري بعنوان “المحاكمات الغيابية في المحكمة الخاصة بلبنان: عدم تطابق مع القانون الدولي لحقوق الانسان”.(21) ويتم في هذه الدراسة تقييم مدى تطابق المادة 22 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان، مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، فيخلص الى اعتبار أن عقد محاكمة غيابية ينتهك المعايير الحد الأدنى للعدالة المعترف بها دوليًا، ويخلص الباحثون الى أن النظام الأساسي للمحكمة غير متوافق مع هذه المعايير الدنيا للمحاكمة العادلة، وبالتالي فهي غير متوافقة مع القانون الدولي لحقوق الانسان الذي يقرّ لبنان بالتزامه به في دستوره.

وإذا كانت المحكمة، وبالتعديلات المتتالية لنظام الاجراءات، قد اعطت اثباتًا حسيًا بأن تلك القواعد مطاطة وغير ثابتة وقابلة للتحريك أو التعديل او التطوير وحتى الإلغاء “عند الاقتضاء” كما يجيز لها نظامها الاساسي. فما الذي يمنع من تبديل وتعديل الاجراءات كلما احتاج معدوها لتطويق المقاومة، كذلك إن علامات استفهام كبرى تحيط بمبادرتها الى اجراء تعديل في هذا التوقيت بالذات، ولا سيما انها بدت في تعديلها الجديد، وكأنها تلاقي مناخا سياسيًا معينًا. فإذا كانت الاسباب الموجبة للتعديل السابق هي التنصل من محاكمة شهود الزور، فإن التعديلات الجديدة بدت موجهة بالدرجة الأولى الى “حزب الله في واقعة العيادة النسائية من جهة وإعلان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله وقف التعاون مع المحكمة الدولية والتحقيق الدولي.

III - مغالطات سياسية كبرى


أ‌- في مقولة ان المحكمة غير مسيسة


يتحدث كثر من اللبنانيين عن ثقتهم بالقضاء الدولي، وان المحكمة الدولية غير مسيسة، ويجب دعمها مهما كان الثمن. إن من يتحدث عن عدم تسييس المحاكم الدولية والثقة بالقضاء الدولي، فإما أنه جاهل أو متعامل. ذلك لأنه منذ تأسيس محاكم نورمبرغ وطوكيو على أثر انتهاء الحرب العالمية الثانية لمحاكمة مجرمي الحرب، منذ ذلك الوقت والمحاكم الدولية توصف بأنها “مسيسة” وأنها “محاكم المنتصر” وقد شابها الكثير من التسييس والتسويات والصفقات الدولية على حساب العدالة والحق،(22) وقد كشفت الكثير من الدراسات الاخرى كيف استغلت القوى المحلية المحاكم الدولية لزيادة نفوذها الداخلي وتصفية واحراج خصومهم الداخليين.(23) أما بالنسبة لتجارب المحاكم المختلطة المشابهة لمحكمة لبنان وعلى سبيل المثال كمبوديا وتيمور الشرقية، فحدث ولا حرج، فقد انتظرت الأولى وفاة مسؤولي الجرائم الكبار لتتحرك بلا جدوى، في حين طالب رئيس تيمور الشرقية منذ فترة وجيزة بإلغاء المحكمة الخاصة ببلده لأنها لم تفعل شيئًا وتكاليفها كبيرة دون فائدة تُرجى منها. كذلك بالنسبة للجان التحقيق وتقصي الحقائق، فقد صدرت كتب ودراسات حول العالم تفحص أعمال هذه اللجان وتسلط الاضواء على تجاربها سواء الناجحة أو الفاشلة. ففي كتاب توثيقي هام بعنوان “تقصي حقائق بدون حقائق Fact-Finding Without Facts “، تدحض الباحثة الاعتقاد السائد بأن المحاكمات الدولية تستطيع أن تحدد بنجاح “من فعل ماذا” خلال اوقات الفظائع والجرائم. وبقيامها بدراسة احصائية عالمية، وجدت الباحثة شيئًا وصفته بأنه مثير للاشمئزاز فقد اكتشفت أن “أكثر من 50 % من الشهود الذين ظهروا في تلك المحاكمات الدولية كانوا شهود زور”.(24) أما بالنسبة للتسريب والتقارير التي تنشر هنا وهناك في الاعلام، تكشف رئيسة رابطة الصحافة الأجنبية في هولندا كيرستين شويجوفير، التي تعمل في المحاكم المنتشرة في لاهاي منذ عشرين عامًاً، أنّ أحدًا من المدّعين العامين في محكمة يوغوسلافيا لم يسرّب معلومات قط قبل صدور القرار الاتهامي، بينما لم يُعرف حتى الآن من يقف وراء التسريبات حول مضمون القرار الاتهامي باغتيال الرئيس رفيق الحريري، وما إذا كانت هذه التكهنات صحيحة أم لا، ممّا يرسم علامات استفهام كثيرة حول هذه النقطة الجوهرية، خصوصًا أنّ هذه التسريبات لا تستخدم كاتهام سياسي في لبنان بل «كواقعة حاصلة».

ب‌- مقولة رفض أي قرار اتهامي غير مبني على أدلة قاطعة


يطالعنا سياسيون لبنانيون من قوى 14 آذار كل يوم، بالادعاء انه من المبكر الحكم على القرار الاتهامي قبل صدوره، وانهم لن يقبلوا بقرار اتهامي لا يستند الى أدلة وإثباتات قاطعة. لكن تدلّ عملية التدقيق في نصوص قرارات اتهامية صدرت سابقًا عن محاكم دولية استثنائية شبيهة بالمحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري أن نصوص القرارات الاتهامية لا تتضمّن أدلّة أو قرائن أو اثباتات. بل يُنتظر إظهار الأدلّة وقياس مدى صدقيتها خلال انعقاد جلسات هيئة المحكمة. تلك الجلسات قد تستغرق سنين تبقى خلالها التهم قائمة وقد يتمّ التراجع عنها أو تعديلها بعد الإعلان عنها وعرض فريق الادعاء الدولي ما لديه وتقديم فريق الدفاع معلومات مضادّة، علماً بأن قواعد الإجراءات والإثبات تتيح عدم الإعلان عن القرار الاتهامي الا لبعض الدول.(25)

ث‌- تسوية «عناصر غبر منضبطة»


ان الاقتراح الذي حمله الرئيس سعد الحريري الى السيد حسن نصرالله بشأن قبول التسوية باتهام عناصر من حزب الله واعتبارها “عناصر غير منضبطة”، هو اقتراح مسموم. وبالرغم من أن السيد نصرالله رفض المساومة والتسوية تلك الا انه من المفيد الاضاءة على بعض الملاحظات بخصوصها. تذكر الفقرة الثالثة من نظام المحكمة الاساسي، أن “الرئيس يتحمل المسؤولية الجنائية عن الجريمة التي يرتكبها مرؤوسون يخضعون لسلطته وسيطرته الفعليتين، نتيجة لعدم سيطرته سيطرة سليمة على هؤلاء المرؤوسين، حيث يكون الرئيس قد عرف أو تجاهل عن عمد أي معلومات تبين بوضوح أن مرؤوسيه يرتكبون أو هم على وشك أن يرتكبوا تلك الجريمة، أو إذا كانت الجريمة تتعلق بأنشطة تندرج في إطار المسؤولية والسيطرة الفعليتين للرئيس أو إذا لم يتخذ الرئيس جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع أو قمع ارتكاب مرؤوسيه للجريمة أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والملاحقة القضائية“. على هذا الاساس فإن السيد نصرالله وقيادة حزب الله ستكون متهمة كما العناصر غير المنضبطة وبالتالي مسؤولة جنائيًا عن الافعال التي قام بها عناصر من حزب الله مهما كانت التسوية ومهما كان العنوان المقترح سواء عناصر غير منضبطة أو غيرها. وفي مقارنة مع بعض القرارات الاتهامية الصادرة في جرائم اخرى، وفي المحكمة الخاصة بيوغسلافيا السابقة، اتُهم بابيتش بأن « خطاباته خلال مناسبات عامة ومن خلال وسائل الاعلام مسّت بالإثنيات وولّدت مناخًا من الخوف والكراهية بين الصرب المقيمين في كرواتيا بهدف الحصول على دعمهم ومشاركتهم في تحقيق أهداف المجموعة الجرمية». وقياسًا على لبنان، يمكن للمدعي العام تضمين القرار الاتهامي بعض الخطب للسيد حسن نصرالله، واعتباره مذنبًا بجرم الحضّ على الكراهية أو على توفير الجو الملائم للاغتيال من خلال خطب اعلامية او تصريحات سياسيات معينة، وهو الأمر الأخطر.

ج‌- محاولة الاطلاع على البنية الهيكلية والقيادية والتنظيمية لحزب الله


«لن نترك حجرًا دون البحث عما هو موجود تحته»، قال بلمار في تصريح لصحيفة الاخبار. فأي حجارة سيبحث بلمار تحتها؟ من المعلوم أن القرارات الاتهامية في المحاكم الدولية تشير الى خلفية المتهم السياسية والتنظيمية السابقة واللاحقة لوقوع الجريمة، ويعرض الادعاء ذلك على المحكمة … وإذا أراد الدفاع تقديم معلومات مضادة عليه أن يقدّم قرائن، حتى ولو أمكن طلب عقد جلسة سرّية، فإن تفاصيل الهيكلية السياسية والتنظيمية والبنيوية ينبغي أن تُعرض. ويُتوقّع أن يطلب الادعاء التعمّق في تشريح تلك الهيكلية بحجّة تحديد علاقة المتهمين بأحزاب وتنظيمات معيّنة ومن خلال ذلك تحديد علاقة الرئيس بالمرؤوس. من هنا يمكن فهم الحاجة الملحة لاتهام حزب الله والفائدة التي سيجنيها الاسرائيليون والاميركيون من اتهام عناصر من حزب الله، وحاجة الدفاع لتقديم تفاصيل الهيكلية السياسية والتنظيمية والبنيوية للمقاومة في معرض الدفاع عن النفس من التهمة.

ح‌- تمويل مشبوه


تفاخر قوى 14 آذار بأنه ما دامت الولايات المتحدة الأميركية وتدعم المحكمة الدولية، فلا خوف على المحكمة على الإطلاق من انعدام تأمين المال اللازم للاستمرارية، ولذلك اندفعت الولايات المتحدة الأميركية وبشكل مريب، إلى دفع مبلغ عشرة ملايين دولار أميركي إضافية للمحكمة مما يجعل مساهمتها تبلغ 30 مليون دولار كما قامت بالطلب من بريطانيا بدعم المحكمة ماليًا. الأمر قد يكون طبيعيًا لكن عندما نعرف أن الولايات المتحدة نفسها تتلكأ عن تسديد الأموال الواجبة للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة في ذمّتها،(26) فهنا تثار الشكوك حول هذه الغيرة الاميركية على المحكمة اللبنانية، ويعني أنّ أولوياتها صارت منصبّة على لبنان، وهي تريد من هذه المحكمة تحقيق مكاسب سياسية قد تعجز عنها أيّة حرب، حتى ولو كانت بمستوى حرب تموز عام 2006.

أ‌- نشر وثائق مستغرب


بالرغم من أن كتاب “سر الرؤساء” وكتاب جورج بوش وطوني بلير وغيرهم من الكتب التي صدرت مؤخرًا، قد اشارت اشارات قوية الى تسييس المحكمة الدولية، إلا انه يجب الانتباه الى الوثائق التي كشفها كتاب “سر الرؤساء” بالتحديد واشارته الى انتقال شيراك بعد لقائه كوندوليزا رايس في 19 و20 اغسطس 2004 «الى سردينيا حيث يمضي رفيق الحريري اجازته الصيفية، وهناك تمت قراءة مشروع القرار 1559 بإمعان شديد على يخت الحريري الذي لم يخفِ غضبه الشديد من السوريين بسبب تعديل الدستور للسماح لحليفهم الرئيس اميل لحود بتمديد ولايته الرئاسية 3 سنوات». قال شيراك صراحة لرايس التي كان يتصل بها مرات عدة في الاسبوع الواحد أن القرار 1559 «سيجعل المتشددين في دمشق في وضع هش ويعطي الذرائع للمعتدلين للتشكيك بقدرات وتوجهات النظام، ولن تكون لنا اي مصلحة في أن نرى في الشرق الأوسط هلالاً شيعيًا من ايران الى حزب الله مرورًا بالعراق وسورية». في هذه العبارات القليلة، يمكن للقرار الاتهامي المسيّس أصلا ان يستند اليها للتأكيد على الذريعة ودافع “المجرم” لقتل الحريري، أي الاشارة الى ضلوع الحريري في مؤامرة 1559، ووقوفه سدًا في وجه التمدد الشيعي الذي سيقيم هلالاً شيعيًا مما قد يربط ايران أيضًا او الحرس الثوري الايراني بالتحديد كمحرضين على الجريمة!

وهنا يمكن أن نطرح علامات استفهام كبرى: كيف يمكن أن يحصل مؤلف الكتاب على اذن خاص للدخول الى أرشيف الرئاسة الفرنسية، ومحاضر اللقاءات الأميركية الفرنسية، والملاحظات على المفكرات الخاصة للرئيس شيراك، وهي رزمة من المعلومات السرية والقيّمة التي حصل عليها، في سياق الفصول التي خصصها للبنان، من موريس غوردو مونتاني، المستشار الدبلوماسي للرئيس جاك شيراك … ان الوصول الى هذه المعلومات وكشفها يثير الريبة، لأن القانون الفرنسي لا يسمح بفتح هكذا أرشيف الا بعد مرور 60 عامًا على مرور تلك الاحداث. وهنا يكمن السر الخطير.

خاتمة


في بلد ومنطقة لا تتمتع بثقافة العدالة، وحيث يصدر الاتهام في وسائل الاعلام ويصدر الحكم وتشوه سمعة الانسان، حتى لو كان بريئًا، لا يمكن اعتبار صدور القرار الاتهامي بإدانة عناصر من حزب الله أمرًا عابرًا، ولا يمكن القول أن الامر منفصل عن الحرب الدائرة بدون نار منذ انتهاء حرب العام 2006. ان ما يُحكى اليوم عن قرار اتهامي هو باختصار نسخة مكررة عن حرب 2006 بأهدافها نفسها ولكن بآليات مختلفة. فكما تحول حزب الله يومها من مقاومة مشروعة الى “مغامرين” ومتهورين، واسرائيل تؤدبهم دفاعًا عن نفسها، يراد اليوم من خلال القرار الاتهامي أن يتحول المقاومة الى مجموعة مجرمين وقتلة وارهابيين، وعلى اسرائيل مساعدة لبنان وقواه العاجزة على اجثتاث الارهاب، باسم المجتمع الدولي الحريص على العدالة وعدم الافلات من العقاب. وتبقى المعركة اليوم هي معركة رأي عام على المقاومة وحلفائها كسبه الى جانبهم من خلال حملة علاقات عامة وإعلام لحسن إدارة المعركة ضد القرار الاتهامي الجائر، وكسبه الى جانبه في المراحل الصعبة المقبلة.

استاذة العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الدولية

هوامش

(1) Joseph S. Nye Jr., Soft Power: The Means to Success In World Politics, Public Affairs, 2005.

(2) Thomas Donnelly, the Democrats and Defense, in National Security Outlook, American Enterprise Institute for Public Policy Research, July 2005.

http://www.aei.org.

(3) انظر كتاب: فانسان نوزيل، “في سر الرؤساء”- مقتطفات من هذا الكتاب منشورة في صحيفة السفير في 8 تشرين الثاني 2010.

(4) هي عبارة حرفية أوردها فرنسوا نوزيل في كتابه- انظر الوثائق التي كشفها كتاب “سر الرؤساء” والتي نشرت السفير مقتطفات منه في 8 و9 تشرين الثاني 2010.

(5) انظر النص الكامل على المدونة التوثيقية للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، بعنوان: special tribunal for Lebanon monitor

على الرابط التالي http://cldh-tribunal-liban.blogspot.com

(6) بدل الاعتراف بالخطأ والاعتذار، اعتبرت قوى 14 آذار أن هذا الاطلاق يؤكد عدم تسييس المحكمة، وان على اللبنانيين منحهم ثقتها.

(7) نحن نعتبر ان الاسرائيليون يعدون لحرب في المنطقة ولكنهم لن يقوموا بها الا بعد التأكد والوثوق من انتصارهم بها، وخاصة بعد القمة الثلاثية التي حصلت في دمشق والتي جمعت الرئيس السوري بشار الاسد والرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد والسيد حسن نصرالله، وبعد اعلان اعتماد استراتيجية الحرب الشاملة في تلك القمة، فان الاسرائيلي سوف يفكر مئة مرة قبل الاقدام على حرب في المنطقة أو شن هجوم على لبنان او سوريا أو ايران.

(8) شهادة فيلتمان في الكونغرس الاميركي في 8 حزيران 2010.

(9) عملا بقرار مجلس الأمن 1664 الصادر عام 2006 أجرت الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية مفاوضات لإبرام اتفاق بشأن إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان لكن الاتفاقية لم تسر المسار القانوني والدستوري المنصوص عليه في القوانين اللبنانية.

(10) في تصريح له لجريدة الاخبار اللبنانية، في 34 تشرين الثاني 2010:

http://www.al-akhbar.com/ar/node/213310

(11) هو ما تم التوصل اليه في اطار تطور المسؤولية الجنائية الفردية من خلال المحكمة الجنائية الدولية وغيرها من المحاكم الخاصة والمختلطة ومنها محكمة لبنان.

(12) The Responsibility to Protect,” Report of the International Commission on Intervention and State Sovereignty, December 2001, p.13, paragraph 2.15

(13) ibid, p. 17, paragraph 2.29.

(14) انظر تقارير الامين العام للامم المتحدة بشأن الوضع في لبنان على موقع الامم المتحدة الرسمي: www.un.org

(15) وقد ذكر جون بولتون في كتابه كيفية مطالبتهم للسنيورة بارسال هذه الرسالة، ويقول ان اغتيال جبران تويني هو “الجريمة الثانية” في سلسلة من الجرائم ابرزها اغتيال الحريري… ووصلت رسالةالسنيورةعلى وقع الدماء والصدمة في بيروت فتم تمرير المحكمة.

انظر: جون بولتون، الاستسلام ليس خيارنا، دار الكتاب العربي، بيروت، 2008، ص 474.

(16) وقد جاء في المادة الرابعة ما يلي:

المادة 4: الاختصاص المشترك

1- للمحكمة الخاصة والمحاكم الوطنية في لبنان اختصاص مشترك. وتكون للمحكمة الخاصة ضمن اختصاصها أسبقية على المحاكم الوطنية في لبنان.

2 - في موعد يحدده الأمين العام، على ألا يتجاوز شهرين بعد تسلم المدعـي العام مهامـه، تطلب المحكمة الخاصة من السلطة القضائية الوطنية المعروضة عليها = = قضية الهجوم على رئيس الوزراء رفيق الحريري وآخرين، أن تتنازل عن اختصاصها. وتحيل السلطة القضائية اللبنانية إلى المحكمة الخاصة نتائج التحقيق ونسخة من سجلات المحكمة إن وُجدت، ويُنقل الأشخاص المحتجزون رهن التحقيق إلى عُهدة المحكمة.

3 - أ) بناء على طلب المحكمة الخاصة، فإن السلطة القضائية الوطنية المعروض عليها أي من الجرائم الأخرى المرتكبة في الفترة من 1 تشرين الأول/أكتوبر 2004 إلى 12 كانون الأول/ديسمبر 2005، أو في تاريخ لاحق يحدد عملا بالمادة 1، تحيل إلى المحكمة نتائج التحقيق ونسخة من سجلات المحكمة إن وُجدت، إلى المدعي العام لمراجعتها.

ب) بناء على طلب إضافي من المحكمة، تتنازل السلطة الوطنية المعنية عن اختصاصها لصالح المحكمة. وتحيل إلى المحكمة الخاصة نتائج التحقيق ونسخة من سجلات المحكمة، إن وُجدت، كما يُحال الأشخاص المحتجزون رهن التحقيق في أي من هذه القضايا إلى عُهدة المحكمة.

(ج) تُطلع السلطات القضائية الوطنية المحكمة بانتظام على التقدم المحرز في تحقيقاتها، في أي مرحلة من مراحل الإجراءات، أن تطلب رسميا من السلطة القضائية الوطنية التنازل عن اختصاصها.

(17) http://almanar.com.lb/NewsSite/NewsDetails.aspx?id=160838&language=ar

(18) انظر: عمر نشابة، المحكمة الدولية: حلبة مصارعة بين السياسة والعدل، صحيفة الاخبار، 30 آذار 2009.

(19) حسن عليق، مساعد بلمار: اسرائيل احد مصادرنا، جريدة الاخبار، الخميس 4 تشرين الثاني 2010. على الرابط التالي:

http://al-akhbar.com/ar/node/213310

(20) وذلك في بيان رسمي صادر في 19 تشرين الثاني 2010.

(21) Wayne Jordash and Tim Parker, Trials in Absentia at the Special Tribunal for Lebanon: Incompatibility with International Human Rights Law, Oxford University Press, 2010. Available at:

http://jicj.oxfordjournals.org/content/early/2010/05/05/jicj.mqq020.abstract

(22) RANDALL T. COYNE, ESCAPING VICTOR’S JUSTICE BY THE USE OFTRUTH AND RECONCILIATION COMMISSIONS, Georgetown University, 1986.

(23) Jelena Subotić, Domestic Political Use of Transitional Justice:Evidence from the Former Yugoslavia, paper Prepared for the 2007 International Studies Association Convention, February 28-March 3, 2007, Chicago, IL

(24) Nancy A. Combs, Fact-Finding Without Facts: The Uncertain Evidentiary Foundations of International Criminal Convictions, Cambridge university press, New York, 2010.

(25) عمر نشابة، المحكمة الدولية: القرار الاتهامي لا يتضمّن أدلّة أو قرائن، الاخبار، 20 أب 2010

(26) وهذا ما أشار إليه بوضوح أحد المسؤولين في قلم المحكمة الخاصة بيوغسلافيا، حيث قال خلال قيامه بشرح طريقة تمويل المحكمة: المحكمة مموّلة من الأمم المتحدة وأيّ دولة تشارك في الأمم المتحدة تساهم في التمويل، ولكنّ الولايات المتحدة الأميركية في طليعة المتأخّرين عن تسديد التزاماتها ومساهماتها المادية

http://leilanrahbany.blogspot.com/2011/02/2006_06.html

الاتحاد السوفييتي من الثورة إلى الإنهيار…وروسيا إلى النهوض الرأسمالي الدولاني

16 ديسمبر 2008

عادل سمارة

تشتمل هذه الورقة على ثلاث معالجات: قدمت المعالجة الأولى (الإتحاد السوفييتي من الثورة إلى الإنهيار” في السيمنار الشيوعي الأممي في بروكسل 1995 ونشر ضمن الكتاب الصادر عن المؤتمر:

The Collapse of the Soviet Union: Causes and lessons, EPO, 1998.

أما في ما يتعلق بروسيا نفسها، فهي إضافة إلى المعالجة الأولى تضيف معالجتين:

الأولى: تجاوز روسيا بوتين للإرث الأسود ليلتسين.

والثانية: روسيا ميدييف، وموقع العرب من التهاب الصراع والمستجدات الدولية الأخيرة، ولا سيما العدوان الأميركي-الأوروبي الغربي- الصهيوني ضد أوسيتيا بداية بمخلب جورجيا.

المعالجة الأولى:

الاتحاد السوفييتي من الثورة إلى الإنهيار

ترتكز هذه الدراسة في تجربة الإتحاد السوفييتي في التنمية على مدخل مركز/محيط. فلفهم تجربة الإتحاد السوفييتي، علينا قراءة ثورة أكتوبر في سياق النظام العالمي، بما هو الحدث الأول الذي أوجد بديلاً للرأسمالية المهيمنة، أول مشروع عملي محقق لحركة اشتراكية/شيوعية[1]، وهي الحقيقة التي حفزت المركز الإمبريالي لشن سلسلة متواصلة من العدوان ضد الإتحاد السوفييتي. ومنذ تلك الأزمنة وحتى اللحظة، يمكننا تلخيص إستراتيجية الإمبريالية على أنها مؤلفة من ثلاث سياسات:

أ‌- تصفية مختلف البلدان الإشتراكية.

ب‌- تأبيد تخلف العالم الثالث

ت‌- إبقاء هذين الجزئين من العالم تحت هيمنة الإمبريالية، وهو أمر تُستخدم لأجله فيالق الإمبريالية العسكرية، والإعلامية والثقافية وبالطبع رأس المال. وفي حين يخدم هذا الإبقاء مصالح الإمبريالية، فإن زواله لا بد سيفتح صراعات فيما بينها.

تتكون هذه الورقة (الأولى) من ثلاثة أجزاء، يشرح الجزء الأول بإيجاز “رؤوس الأقلام” الماركسية في مسألة التطور الإقتصادي. والهدف منه هو أن يكون بمثابة مرجعية لقراءة فترتي ستالين وخروتشوف، لمعرفة كيف ومتى بدأت الإنحرافات عن المبادىء الإشتراكية. ويشرح الجزء الثاني ممارسة التنمية الإشتراكية خلال فترة ستالين وأخذ هذه التجربة بالإعتبار على ضوء المبادىء الماركسية. ويشرح الجزء الثالث السياسات الإقتصادية في فترة خروتشوف، التي هي برأيي الفترة التي وضعت أسس البريسترويكا، أو انهيار الإتحاد السوفييتي.

أولاً: الحوار الماركسي في التنمية

كانت ثورة أكتوبر أهم تغير في تاريخ النظام الرأسمالي العالمي حتى حينه، حيث قدمت أول استراتيجية تنموية بديلة في التاريخ، “استراتيجية الإنسحاب من النظام الرأسمالي العالمي”. لقد طبقت هذه الإستراتيجية في الإتحاد السوفييتي في أعقاب انتصار ثورة أكتوبر 1917. وفي الحقيقة، فإن الغزو الإمبريالي بمليون نصف جندي للإتحاد السوفييتي في أعقاب هزيمة القيصر وفشل الأحزاب الإشتراكية، وخاصة الإشتراكي الألماني، في القيام بثورة إشتراكية في بلدانها، قد دفعت القيادة السوفييتية لتبني هذه الإستراتيجية. كان لينين هو أول من قرر تحويل التركيز النضالي ضد الرأسمالية والإمبريالية إلى المستوى السياسي. ومن بين الماركسيين الأوائل، كانت روزا لوكسمبورغ، هي المنظر الأول الآخر في مسألة الإمبريالية الذي توافق مع توجه لينين (في الكثير خالفت روزا مواقف وأطروحات لينين). وهكذا، يمكن اعتبار لينين وروزا لوكسمبورغ رائدي الإتجاه “النضالي” من بين المنظرين الماركسيين في مسالة الإمبريالية. وقد تميز هذا الإتجاه بعملية مَفْصَلة كل من النظرية والتطبيق ، وهذا أمر يمكن نسبه أو ردّه إلى مسار حياتهما كمناضلين حزبيين (لينين 1960، لوكسمبورغ 1951).

وأبعد من هذا، كان لينين هو أول من تنبه إلى أهمية العالم الثالث في مسار الثورة ضد الإمبريالية، (في كتابه تطور الرأسمالية في روسيا-1964) حيث جادل بضرورة التحالف اللصيق بين الإتحاد السوفييتي وحركات التحرر الوطني:

” لقد تعلمت مختلف حركات التحرر الوطني، في المستعمرات وبين ظهراني الأمم المضطهَدة… من تجاربها الثورية أن خلاصها كامن في انتصار النظام السوفييتي على الإمبريالية (لينين، الأعمال الكاملة، 1966:146).

وفي حين أن هوبسن قد أشار إلى أن الإمبريالية قهرت المستعمرات بالقوة، فإن الشيوعيين/الماركسيين/الإشتراكيين وحدهم هم الذين جادلوا بأن الثورة فقط هي التي توفر طريق الخلاص من الإمبريالية.

وكنتيجة لثورة أكتوبر، تمكن (أو أُرغم بالحصار) الإتحاد السوفييتي من الإنسحاب من النظام الإقتصادي العالمي في الظروف التالية. في عشية ثورة اكتوبر، لم تكن روسيا بلداً متطوراً على الرغم من ظهور الرأسمالية هناك. لقد خصص لينين كتابه الشهير، تطور الرأسمالية في روسيا ليؤكد بأن روسيا كانت قد انتقلت إلى الرأسمالية، وبما أن نمط الإنتاج الرأسمالي متفوق على الأنماط الأخرى، فإنه حمل معه طبقة المستقبل، الطبقة العاملة.

حينما قرر النظام البلشفي تأميم مختلف المشاريع الإقتصادية الكبرى في الإتحاد السوفييتي، كان هدفه هو تسريع تطوير الصناعات الثقيلة. ولعل الطريقة الممكنة الوحيدة للقيام بذلك كانت بتوليد أكبر كم ممكن من الفائض من الزراعة لتغذية التطوير الصناعي. فبدون تمويل الصناعة من الفائض الزراعي، سيكون مستحيلاً إنجاز تراكم موسع. وفي هذا السياق أدرك لينين الإمكانية الثورية الكامنة في الفلاحين في بلد متخلف، ولذا، رفع شعار وجوب التحالف بين العمال والفلاحين. (لينين، المجلد 6، 1961).

كان العبئ كبيراً جداً، فالثورة لم تقم في أوروبا. كما أن المجاعة كانت تنتشر بين السكان، وكانت آثار الحرب مؤلمة، وإضافة إلى كل هذا، ووجه الإتحاد السوفييتي بالغزو الأجنبي. لذا، كان لا بد من نظام صارم من جهة، وسياسة اقتصادية ليبرالية جديدة من جهة ثانية (ال نيب السياسة الإقتصادية الجديدة New Economic Policy NEP). كانت هذه هي الظروف التي ضمنها حصل التراجع الإستراتيجي لتبني سياسة ال “نيب” وهي سياسة جوهرها: “تزايد الإعتماد على السوق، ولكن كتراجع مؤقت” (سويزي، 1970:21).

لقد منحت هذه السياسة الفلاحين درجة ملموسة من حرية التجارة (التسويق) بينما فرضت نظاماً أكثر صرامة في الحزب. فقد ارتأى لينين ضرورة أو لزوم فترة أطول للعيش مع الإقتصاد المختلط قبل أن يتم توسيع القطاع الإشتراكي بشكل ملموس” (بوتومور، 1983:278).

كان ستالين هو القائد السوفييتي الذي طور الخطوط الرئيسية للإستراتيجية السوفييتية في ممارسة الإعتماد على الذات بتسريع نمو الصناعة الثقيلة واستخلاص أو انتزاع الفائض الزراعي بإجبار الفلاحين على الإنضمام للتعاونيات. كانت الفترة الطويلة لستالين في السلطة هي التي سمحت للإتحاد السوفييتي بتطوير استراتيجيته التنموية ممثلة في تنميته الإقتصادية بالإنسحاب من النظام الرأسمالي العالمي في تلك الفترة لإنجاز هذه الإستراتيجية(ماو، 1977). لعل السمتين الأساسيتين لتلك الفترة هما الإنجاز الإقتصادي والقمع السياسي. وبدورها، فإن الصين قد اتبعت الإستراتيجية السوفييتية، مع بعص الإختلافات، طبقاً لخصوصيات وضعها، فقد أعطت، على سبيل المثال، مرونة أوسع للفلاحين، وهي السياسة التي اتبعتها لاحقاً كل من فيتنام والصين، أو ما أسماه ماو: “المشي على ساقين- أي تنمية الصناعة والزراعة بالتوازي”.

خلق انتصار الثورتين في روسيا والصين معسكراً جديداً في النظام العالمي. وبدورهم حاول منظرون شيوعيون ماركسيون في الإمبريالية منذ أربعينيات القرن العشرين تطوير استراتيجية فُضلى لتطور العالم الثالث. وقد بدأ معظم هؤلاء المنظرين من ضرورة تصفية النظام الرأسمالي واختيار التطور الإشتراكي. وفي هذا المستوى جادل لينين:

” إن التناقض بين المركز والمحيط هو عامل أساسي في النظام الرأسمالي، فهذه أطروحة تفرض نتائج سياسية. فإذا ما كان إنشاء دولة برجوازية وطنية وإنجاز عملية الإعتماد على الذات اقتصادياً، أمراً غير ممكن في بلدان المحيط، وعليه، يصبح من الضروري الذهاب إلى مدخل آخر في التنمية، …مدخل الإنسحاب وتبني الإشتراكية. (أمين، 1988:25).

وفي دراسات أخرى في التقسيم العالمي للعمل، ودراسة أنماط الإنتاج وسمات أخرى للنظام الرأسمالي العالمي فإن معظم هؤلاء المنظرين (رغم الكثير من الإختلافات فيما بينهم)، أجمعوا على أن المركز يقوم قصداً بالإبقاء على تخلف المحيط، وأن الثورة الإشتراكية هي شرط مسبق وأساسي للتنمية الإقتصادية (فرانك، 1969).

ثانياً . النموذج السوفييتي في التطبيق

1. فك الإرتباط بالنظام العالمي:

لم يكن قط هدف ثورة أكتوبر إنجاز الثورة الإشتراكية في بلد واحد بمفرده. ولكن الإتحاد السوفييتي بقيادة لينين وستالين، ووجه بضرورة الإختيار في مسألة الثورة في بلد واحد. وفي الحقيقة، كان بناء الإشتراكية في بلد واحد هو رد الفعل المناسب على الغزو والحصار الإمبرياليين. وعليه، فإن فك الإرتباط كان بمثابة تطوير لاستراتيجية دفاعية أكثر مما هو استراتيجية تم تبنيها اختياراً. فقد أدّت إستراتيجية فك الإرتباط هذه إلى حماية البلد الإشتراكي الناشئ من الوقوع في مصيدة علاقات التبادل اللامتكافىء، مع المركز الإمبريالي خارجياً، وهو ما يُبقي على اعتماد قانون القيمة في الداخل، وهذان أمران يكفيان لتقويض التحول الإشتراكي. ولذا، فإن سنوات التنمية المستقلة عن المركز 1917-1954 كانت سنوات التطور السوفييتي الحقيقي على الرغم من الحصار والعدوان الإمبريالي. تبنى الإتحاد السوفييتي في تلك الحقبة، سياسة تمويل التصنيع بالفائض الزراعي الذي خلق “جُماعيات بشكل قسري نوعاً ما”. وهي السياسة التي انتُقدت بشكل كبير لأنها لم تقدم للزراعة إلا القليل من الدعم.

بصفته رئيس مفوضية الشعب، واجه لينين ألواناً من الأزمات مثل: المجاعة في الريف، وانهيار قطاع النقل، والجيش، والتدخل الأجنبي والحرب الأهلية. كان همه الأساس هو تحريك واستغلال الموارد المحدودة للبلاد بالشكل الأمثل: فقد تم استبدال الإدارة الذاتية واللامركزية في تجربة كومونة باريس بطبعة متشددة من ديكتاتورية البروليتاريا التي أدرك لينين أنه لا بد من ممارستها من قبل حزبه. وفي آذار 1921 قاد لينين حزبه في اتجاه تطبيق السياسة الإقتصادية الجديدة، التي اشتملت على مرونة أكثر في ما يخص حرية التجارة بالنسبة للفلاحين. فقد ارتأى لينين ضرورة وجود فترة طويلة من الإقتصاد المختلط قبل أن يتم توسيع نطاق القطاع الإشتراكي” (بوتومور، 1983:278).

أقر بوخارين بدوره بضرورة توفير حقنة أو دفعة حاسمة للصناعة وذلك بتشجيع الإنتاج الخاص ضمن الجُماعيات الفلاحية التي تنتج الفائض. وهذه تعني بكلمات أخرى، الدمج المنسجم أو الناعم للكولاك في بناء الإشتراكية، أي عملية التصنيع البطيئ. وفي المقابل كان برنامج المعارضة اليسارية مع تسريع أعلى في التصنيع على حساب الكولاك ومكونات السياسة الإقتصادية الجديدة.

لا بد من قراءة هذه الإجتهادات على ضوء الأوضاع الداخلية والخارجية معاً. فالتحول البطيئ الذي مال إليه بوخارين، كان ممكناً في بلد يواجه تحديات داخلية في التحول، بينما كانت الدولة الوليدة تواجه الهجوم الإمبريالي الخارجي بهدف التقويض، وربما كان هذا ما أسس للتوجه “الدولاني” رغم النصوص عن الديمقراطية في أطروحات ماركس وإنجلز ولينين وغيرهم!

ما نقصده هنا، بوضوح، أن الدولانية في مختلف البلدان التي حاولت ” الأشركة” (تطبيق الإشتراكية) كانت اضطراراً دفاعياً، ليس فقط وأساساً ضد الثورة المضادة في الداخل، بل لمواجهة الغزو والحصار بأنواعها من قبل الرأسمالية الإمبريالية[2] من الخارج، وهذا دون التقليل من قوة وإصرار هذا العدو.

2. التصنيع أنجزه ستالين

تجدر الإشارة إلى أن التأسيس لتصنيع الإتحاد السوفييتي تم خلال فترة لينين، ولكن جرى تسريعه وإنجازه في عهد ستالين. وعلى الرغم من مختلف الإنتقادات، على وضد حكم ستالين، فإن فترته كانت الأولى والأخيرة التي اقترب فيها الإتحاد السوفييتي من مستوى تطور الغرب (ماو 1977) والمهم أن ذلك تحقق رغم مختلف التكاليف والخسائر والتضحيات التي بُذلت لهزيمة النازي[3].

3. التصنيع وتوقع الغزو النازي:

لم يكن التصنيع أُحادي البعد هو خيار ستالين. فما تسبب في ذلك كان الغزو النازي، وهو الأمر الذي تطلب قاعدة صناعية قوية لتمكين البلد من ممارسة مقاومة عنيدة ومنتصرة. وعلى أية حال، فإنّ تمكُّن الإتحاد السوفييتي من قطع شوط ملموس في التصنيع الثقيل يجب أن لا ينسينا أنه فشل في إنجاز التنمية الصناعية الخفيفة، وتنمية الزراعة، بما هي، أي القطاعات الثلاثة، ضرورة لاقتصاد متكامل ومتمفصل قطاعياً بشكل مناسب. وطبقاً ل ماو تسي تونج، “فإن الحبل الذي يضبط ويشد الإبحار الإشتراكي السريع في الصناعة هو الفولاذ، والحبل الذي يضمن الزراعة هو القمح”

ولكن، دعونا نقول أن هذه الأخطاء حصلت إبان حكم ستالين. فلماذا لم يقم الذين تلوه ونقدوه بتغيير هذا النهج وتجاوز الأخطاء طالما تنسب الأخطاء إلى الأشخاص وليس إلى البُنى والسياسات الحكومية وإلى ما ورائها من محركات طبقية؟ لماذا تدهور الإتحاد السوفييتي في عهد من تلوا ستالين ونقدوه بأنه ليس ديمقراطياً، ولماذا “تحت حكم سلطة البلاشفة أي بعد خمسين سنة من هذه السلطة وصل السوفييت في عصر السيارات ما وصلت إليه الولايات المتحدة في العشرينيات” (سويزي وبتلهايم، 1971: 85).

لا علاقة بين هذه التطورات والنظرية الماركسية نفسها. فخلال فترة حكم خروتشوف في الإتحاد السوفييتي رفع خروتشوف شعار “المباراة السلمية”، وهي التي كان معناها الفعلي فتح الفرصة لإعادة دمج الإتحاد السوفييتي في السوق الرأسمالية العالمية.

فقد فرض بهذا التوجه تطبيق قانون القيمة الرأسمالي على حساب قانون القيمة الوطني/الإشتراكي، وهو الأمر الذي قاد في النهاية إلى انخراط الإتحاد السوفييتي في علاقات التبادل اللامتكافىء. لقد أرست سياسة خروتشوف أسس إعادة الرأسمالية في الإتحاد السوفييتي وبالتالي قيامه بخلق محيط له، محيط لبلد إشتراكي!. وعليه، ليس من المدهش أن انهيار الإتحاد السوفييتي بدأ من محيطه في العالم الثالث باعتباره الحلقة الأضعف.

لا مناص من الإشارة هنا إلى أن الخلاف الصيني-السوفييتي، فور وفاة ستالين، وقيام الإتحاد السوفييتي بوقف العلاقات الإقتصادية مع الصين ومن ضمنها التجارية قد أثّر على تطور الصين من جهة وأفقد الاتحاد السوفييتي سوقاً واسعة كانت له فيها حصة تربو على 50% وكان لأوروبا الشرقية حصة تصل إلى 20 بالمئة. لذا يجوز لنا القول بأن عوامل تقويض تطور الاتحاد السوفييتي، ومن ثم انهياره بدأت بفقدانه سوق الصين، قبل أن يبدأ بفقدان محيطه من العالم الثالث.

إذا كان من الصحة بمكان أنه لتقويض التماسك الداخلي لبلدان المركز، ولتفجير الإستقرار الداخلي الإقتصادي فيه، وتفكيك الهيمنة التي تحمي الطبقة البرجوازية هناك، إذا كان لا بد لبلدان المحيط من تبنّي “القطيعة” مع السوق الرأسمالية العالمية، فإن العداء السوفييتي للصين قد عكس الأمر فطبّق هذه الإستراتيجية على البلدان الإشتراكية نفسها لتقود إلى انهيار الإتحاد السوفييتي وتحريفية الصين.

4. قانون القيمة

ترتكز أسعار السوق العالمية على مستويات الأسعار السائدة في المركز. وهي تعكس بدورها مستوى التنمية والإنتاجية في هذه البلدان. “تُقاس إنتاجية كل عامل في قطاع معين على أساس تقسيم القيمة المضافة في ذلك القطاع على عدد العمال في ذلك القطاع. (أمين، 1986 : 31)

يتضمن التناول الشيوعي/الماركسي لقانون القيمة انفصالاً كلياً عن قانون القيمة العالمي ومن ثم توجيه الإنتاج نحو الحاجات الأهلية. إنه “موجّه داخلياً” ليجعل تطبيق قانون القيمة المحلي ممكناً. لا بد لحساب القيمة من أن يرتكز على علاقات الإنتاج والتبادل والتوزيع الأهلية. كما تُقاس مستويات المعيشة وكلفة المعيشة على أساس الحاجات الضرورية. فلا بد من إنتاج معظم الحاجات الأساسية محلياً وبهذا يكون في وسعها أن تكون أساساً لحسابات قانون القيمة المحلي. لا بد أن تكون السوق المحلية ناشطة، وفي المقابل لا بد أن يتم تقليص السوق الأجنبي (التجارة الخارجية) أي التبادل مع السوق العالمية في تقلُّص موازٍ. وبالطبع، فإن هذه المجادلات تتطلب بلا مواربة القطيعة مع السوق العالمية إلى الحد الممكن الأقصى، وهو الأمر الذي تحقق إلى حد كبير في حقبة ستالين، لكنه، أُهمل بشكل مقصود في حقبة خروتشوف.

5. التخطيط المركزي

تقوم نظرية ماركس في الإشتراكية على فرضية نظام مشترك أو تشاركي بين المنتجين الأحرار، نظام ينتهي فيه الإنتاج السلعي (إقتصاد السوق)، والطبقات الإجتماعية والدولة إلى الإختفاء. وعليه، تهدف قيم الماركسية إلى إنجاز مجتمع تسود فيه الإدارة المركزية للعاملين. لقد أدرك ماركس أن الرأسمالية طوال 200 عام من حكمها قد عجزت عن إدارة السوق والإقتصاد. لذا، لطالما ووجه النظام الرأسمالي بالأزمات الدورية. وحتى اليوم، وفي الوقت الذي يدخل فيه النظام الرأسمالي مرحلة التكنولوجيا المتقدمة ويمعن فيها، فإن العالم الثالث يعاني من موت الملايين بسبب الجوع.

كان ستالين على حق في تطبيق التخطيط المركزي رغم فشله في إنجاز ديمقراطية المنتجين الأحرار. وربما كان هذا بسبب التحديات الفريدة التي واجهت الإتحاد السوفييتي حينها. أما بعد ستالين، فقد تقلصت سلطة المخططين المركزيين، وتم هذا بالطبع لصالح المدراء وليس لصالح المنتجين أنفسهم. وطبقاً لعدد المدراء الكبير، تكون سياسة خروتشوف قد فتحت الباب للفساد الفردي ولتكوين أنوية شريحة طبقية فاسدة“النومينكلاتورا” التي كان من الصعب ظهورها في فترة التخطيط المركزي.

6 . ملكية عامة أم ملكية الدولة

تتحدد طبيعة نظام الملكية عبر أو طبقاً لأية طبقة هي التي تدير أو تتحكم بوسائل الإنتاج. مثلاً، طبقا لعلاقات الإنتاج. كتب ماركس: ” لا يتحدد موقع الرأسمالي طبقاً لحجم رأس المال الذي يحوزه، والذي يمكِّنه من شراء قوة العمل، ولكن بواسطة القوة أو السلطة التي يملكها لتشغيل العامل ككاسب أجر في عملية الإنتاج”.

كان من المفترض أن يكون بناء النموذج الإشتراكي في الإتحاد السوفييتي قد أقيم على الملكية العامة لوسائل الإنتاج، والإدارة الديمقراطية والمساواة. كانت هذه هي الأسس التي كونت البناء الداخلي لهذا الموديل. وطبقاً لذلك، فإن تجربة تلك الفترة لا بد أن تقاس بناء على مدى إنجاز هذه الأهداف. فقبل وفاته، عرَّف لينين الإشتراكية بأنها مجتمع المتعاونين الحضاريين (ديفز، 1990). وهذا يؤكد على حقوق العمال في ديمقرطية المنتجين. ولكن على هؤلاء العمال الحضاريين أن يكونوا متحررين من أية ميول أو ترسبات الملكية الخاصة، وهي فكرة أو مطلب مثالي ليس ممكناً تحصيله بدون وعي شيوعي.

ومع بداية ثلاثينيات القرن العشرين، هيمنت ملكية الدولة على الإقتصاد السوفييتي وحلت محل ديمقراطية المنتجين الخلاقة. وقد تُعزى هذه المسألة إلى الأزمة الإقتصادية الحادة التي حلّت بالإقتصادات الرأسمالية الغربية والتي تواصلت خلال الحرب العالمية الثانية وهو الأمر الذي عزز التخطيط المركزي مقابل فوضى الإنتاج الرأسمالي. ولعل ما هو هام هنا، حقيقة أن الفائض كان يُستثمر على أساس إنتاجي.

7. بوسع من يتحكم بالسلطة السياسية أن يغير النظام

في أعقاب ثورة أكتوبرتحولت علاقات الملكية لصالح ملكية الشعب الذي أصبح حينها متحكماً بوسائل الإنتاج على أساس التساوي. وحينما قال لينين في أوائل أيام الثورة للجنة المركزية: “إسرقوا الأموال المسروقة” (أملاك البرجوازية)، روى بوخارين قائلاً: “أُصبنا جميعاً بالصدمة، ووقف شعر رؤوسنا، فهل نحن لصوصٌ أم ثوريون …لكننا تحققنا لاحقاً، أننا كنا جميعاً مسيحيين وأن لينين كان الشيوعي الوحيد” (العفيف 1990: 95).

في أعقاب وفاة ستالين تحولت السلطة من المخططين المركزيين إلى المدراء الذين تحولوا لاحقاً إلى نخبة بيروقراطية (المكوّن الأساسي للنومنكلاتورا). وكات النتيجة هي التدهور التدريجي لوعي الطبقة العاملة والحزب إلى أن أصبح في وسع جورباتشوف الإطاحة بالنظام بأكمله.

8. البروليتاريا والأجور

في حين ركز وأكد ماركس على دور العمال في قيادة الدولة الإشتراكية، فإن الثورة الشيوعية والحرب الأهلية والغزو الإمبريالي أدت إلى حصد أرواح العديد من الكوادر الشيوعية العمالية. وكانت نتيجة ذلك اللجوء إلى عناصر أقل وعيا وكفاءة ما أرسى بذرة القيادة بالدور البيروقراطي أكثر مما هو بالوعي والإنتماء الطبقيين. وهو ما أدى إلى بدء التعاونيات بتشغيل عمال مأجورين مبررة ذلك بتخريجات نظرية، إلى جانب تبرير تفارق الأجور كان ستالين قد تحدث للمدراء عام 1931 قائلاً:

” علينا وضع حد للمساواة البرجوازية الصغيرة. إن التفارقات ضرورية للوصول إلى نجاعة أعلى في مجتمعنا الإشتراكي ” (ديفز، 1990). وهنا علينا الإشارة إلى أن الهدف من وراء هذه السياسة هو الحصول على الإستفادة من الخبراء البرجوازيين الذين يجب أن يعملوا تحت رقابة شديدة.

لعل ما حصل في فترة حكم خروتشوف ، هو على أية حال تحول المدراء إلى شريحة جديدة تتوسط ما بين المخططين المركزيين والعمال. وكان دورهم كامناً في منع المنتجين المباشرين من التحكم بوسائل الإنتاج. وهذا يعني أن النخبة الإدارية تتحكم بالإقتصاد لمصالحها ولمصالح النخبة الحاكمة التي تصادر العمل غير مدفوع الأجر للمنتجين المباشرين لأهداف خاصة. (شافانسي، 1977 : 2).

9 . الإدارة

في ما يخص الماركسية، فإن الوضع الطبيعي أو الأساس في النظام الإشتراكي هو الإدارة الذاتية للعمال. فقد أشار إنجلز إلى أن : “الإدارة الذاتية لا بد أن تقود إلى الرأسمالية فقط، لأن التكاليف الهائلة للحرب، ولا سيما فقدان الكوادر العمالية المجربة والواعية، أرغم لينين عام 1918 على القول بأن ” الإدارة الفردية هي الأكثر نجاعة” في الصناعة. وبحلول عام 1920، طلب استبدال إدارة اللجان بإدارة الأفراد، رغم اعتراضات اتحاد العمال وأعضاء الحزب، هذا رغم أن لينين نفسه كان ضد البيروقراطية. والسؤال هو هل اتخذ هذا القرار مضطراًً… وهذا يسمح لنا بالإفتراض بأنها نفس الشروط الفريدة التي أرغمته على تطبيق سياسة ال (نيب) التي أرغمته بدورها على المطالبة ب ،أو قبول ،الإدارة الفردية كخطوة استشنائية. لكن بعض التغيرات طرأت في العقود اللاحقة وخاصة في الخطة الخمسية الأولى، إلا أن هذه لم تظل طويلاً” (1990).

على أن التغير السلبي الرئيسي كان في فترة خروتشوف، حيث أعطي مدراء الجماعيات الزراعية سلطة التعيين والفصل وبيع وسائل الإنتاج كما يرون، وسلطة تشغيل العمال الذين ليسوا أعضاء في التعاونية. إضافة إلى أن أجورهم ارتفعت بما يربو على عشرة أضعاف أجور العمال.

ثالثاً . بداية البريسترويكا

أحد أهم الفوارق بين فترتي ستالين وخروتشوف هي العلاقة بالسوق العالمية. ففي فترة ستالين كان فك الإرتباط والتصنيع هما السمتان الأساسيتان للإقتصاد السوفييتي. بينما حصل اهتمام أكبر خلال فترة خروتشوف بالتعاطي مع السوق العالمية، وهذا التوجه هو بمثابة تعبير عن أزمة داخلية.

من أهم ملامح الإقتصاد السوفييتي في فترة خروتشووف، إعادة انخراط الإقتصاد السوفييتي في النظام الرأسمالي العالمي، الأمر الذي قاد إلى تدهور القاعدة الإنتاجية في الإتحاد السوفييتي ما جعل هذا الإقتصاد أكثر مَيلاً للتوجه إلى التصدير كما شوّه علاقات الإنتاج الإشتراكية إلى الحد الذي ناقض جوهر الملكية العامة لوسائل الإنتاج بإدخال حافز الربح والإبقاء على قانون القيمة.

وفي نقدهم لستالين، زعم البرجوازيون ودُعاة الطريق الرأسمالي، أنه ألغى السوق وبالتالي حوّل العلاقة بالفلاحين إلى مجرد قمع واستخلاص فوائض. ولكنْ يقول ديفيز:

” رغم أن ستالين غادر سياسة أل “نيب”، فإنه لم يترك الإقتصاد السوفييتي بدون سوق، فبعد تلبية متطلبات الدولة، يصبح مسموحا للمزارع المنزلية والجماعيات بالبيع في السوق تلك السلع التي أنتجوها في المزارع الجماعية. وفي النتيجة، فإن هذه سوقٌ حرة حيث تنظَّم الأسعار فيها بالعرض والطلب. (ديفيز 1990 : 11).

” حينما كان الإتحاد السوفييتي اشتراكياً في عهد ستالين، اتخذ توزيع رأس المال على المشاريع شكل منح الخزينة من الأجسام الإقتصادية المركزية. لقد أسست الإصلاحات آلية مدفوعات من المشاريع إلى الدولة مقابل الموجودات الرأسمالية” (لوتا، 1983 :45)

وفي ما يخص توسع دور المديرين، كان البروفيسور إفزي ليبرمان من جامعة موسكو، الأول الذي اقترح تبني الحوافز المادية لزيادة الإنتاجية. لذا ليس غريباً أن يمتدحه فردريك هايك أعدى أعداء الإشتراكية بين الإقتصاديين. فقد جادل بأن المديرين محرومون من الإستقلال الذاتي لإدارة مصانعم، في حين أن لدى المخططين سلطة أكثر مما يستحقون. لذا، فهم، أي المديرون، يواجهون مشاكل لا يمكنهم تخطيها.

والنتيجة أن هذه الأفكار تم تبنيها كسياسات، وانتهت إلى استبدال المخططين، الذين هم محدودو العدد، لتصعد على حسابهم نواة طبقة من نخبة المديرين.وهذا ما دفع ماو للإشارة بحق أن هذه الفترة كانت قد اشتملت على كل من التقدم باتجاه الشيوعية والإنحطاط باتجاه الرأسمالية. في هذا الصدد كتب أليكس كوسيجين:

“غالباً ما يعتبر ممثلو الصناعة أن التجارة الخارجية أمر ثانوي. إن هذه وجهة نظر خاطئة بالمطلق ولا بد من تغييرها، كما أن الصلة بين الصناعة والتجارة الخارجية لا بد من تقويتها. إن أهمية وجود تقسيم عمل ثابت بين البلدان الإشتراكية والبلدان النامية أمر لا بد من التأكيد عليه” (لوتا، 1983 : 58).

يمثل هذا انتقالاً من الإنفتاح والإنخراط في السوق العالمية إلى خلق محيط للإتحاد السوفييتي. في حين أن التجربة الأولى للإتحاد السوفييتي أبانت أن:

” هذا إثبات إضافي على دور الصادرات للتصنيع الرأسمالي ؛ على العكس، فإن الإتحاد السوفييتي والصين قد انطلقتا في التصنيع دون أي زيادة في مكانة ومقدار تجارتهما الخارجية في اقتصاديهما” (باكوف، 1964). بل إن الصين في فترة ماو كانت تحاول دوماً تقييد التجارة الخارجية لصالح تنمية الإنتاج المحلي الإجمالي، أما تنشيط التجارة الخارجية، فكان يتم خلال الأزمات ولا سيما أزمة الخلاف الصيني-السوفييتي.

إن خروتشوف هو الأول الذي جعل من تحصيل أعلى معدل للربح هو الهدف الرئيسي للنشاط الإقتصادي، كما استخدم الحساب الرأسمالي “الكلفة-الفائدة” وتعديل الأسعار لتمكين هذه المعايير. وفي ما يخص الإستثمار في الخارج قال:

” علينا التأكد فيما إذا كان تمويلنا للسد العالي في مصر مربحاً أم لا. لا شك أننا نريد تقوية علاقتنا بأصدقائنا، ولكن هذا مجرد حديث سياسي بحت، حيث يجب أن لا نلقي بنقودنا في الهواء. علينا التأكد بأن المصريين قادرون على الدفع لنا من قطنهم الجيد ومن أرزِّهم” (كيدرون، 1972).

كان الشعور نفسه لدى كوسيجن الذي أشار في حديثه عن الإصلاح الصناعي بقوله أنه لكي يتم توجيه المشروع ليحقق نجاعة أعلى، يبدو أنه من الأفضل استخدام مؤشر الأسعار…” (لوتا، 1983 ، 44).

لكن تشي جيفارا كان الأول الذي نقد هذا التوجه السوفييتي علناً، وجادل على العكس من هؤلاء تماماً، بقوله:

” لا يمكن بناء الإشتراكية بدون تغيير في الضمير وذلك بخلق موقف أخوي تجاه الإنسانية…فنحن نعتقد بمسؤوليتنا عن مساعدة البلدان التابعة إذ يجب أن نتعامل معها بهذه الروح، ويجب أن لا يكون هناك بعد أي حديث عن تطوير التجارة الخارجية من أجل مكاسب متبادلة قائمة على أسعار محددة تجاه البلدان المتخلفة قائمة على قانون وعلاقات التبادل اللامتكافىء التي يرسيها قانون القيمة”(جيفارا، 1965)

وهذا يناقض بلا مواربة طموحات جورباتشوف لإعادة انخراط الإتحاد السوفييتي في السوق العالمية ولاعتماد قانون القيمة لخلق محيط للدولة الإشتراكية، ولتشجيع بلدان العالم الثالث على تبني منحى التطور اللارأسمالي. ولعل هذا ما قاد جيفارا لمغادرة كوبا إلى بوليفيا.

قادت مكونات سياسة خروتشوف هذه في الإتحاد السوفييتي إلى دخول السوق العالمية طبقاً لقانون القيمة الدارج في هذه السوق.

لوحة رقم 1

واردات وصادرات الإتحاد السوفييتي ببلايين الدولارات:

السنة إجمالي الواردات السكر والمحاصيل الحقلية أخريات

1955 210,4 57,8 47,2

1960 564,4 60,6 177,9

1965 814,9 47,7 155,1

1975 4,280,2 676,6 1,932,6

المصدر: وزارة الشؤون الخارجية السوفييتية، مقتطف من مهروترا و كلاوسون، 1979: 1869.

لوحة 2

صادرات الإتحاد السوفييتي إلى بلدان العالم الثالث.

السنة الصادرات الكلية الماكينات المنتجات النفطية

1955 210,4 5,4 31,9

1960 355,1 125,4 53,9

1965 1,122,7 471,7 131,6

1975 3,173,0 1,132,4 803,4

المصدر: مهروترا وكلاوسون، 1979 :1896.

تبين اللوحة رقم 2 أن تصدير الماكينات شكَّل 40 بالمئة والنفط الخام 25.5 بالمئة. فتصدير الماكينات يُفترض أن يزيد الرسملة وعلاقات الإنتاج الرأسمالية في العالم الثالث بغرض خلق وتقوية الطبقة العاملة. وهذا يُفترض أن يجسد سياسة خروتشوف تجاه العالم الثالث الموجهة نحو زيادة التبادل اللامتكافىء والتي كانت قد أقيمت على الربح، وليس التنمية على أساس إشتراكي.

يشير تصدير النفط الخام إلى أن الإتحاد السوفييتي كان يشتري النفط الرخيص من البلدان الأخرى بما فيها العراق مقابل تصدير الأسلحة إليها. ومن ثم يبيع هذا النفط إلى بلدان أوروبا الشرقية بأسعار أعلى (وهذا ليس تقسيم عمل اشتراكي). وتجدر الإشارة إلى أن تصدير الأسلحة ليس مشمولاً هنا. وطبقاً لتقديرات الحكومة الأميركية، فإن صادرات الإتحاد السوفييتي من الأسلحة تقدر ب 13,460 مليون دولار خلال الفترة ما بين 1965-1970.

وفي حين أن الإتحاد السوفييتي في فترة ستالين كان مهتماً بتعزيز قدرته العسكرية، بهدف الدفاع أمام الغزو والتدخل الإمبرياليين، تحول الأمر في فترة خروتشوف وبالتالي استخدمت القوة للتنافس مع المنتجين الرأسماليين في سوق الأسلحة العالمي. ومع ذلك كان النظام في الإتحاد السوفييتي يسمي هذه التجارة “مساعدات” لأنه كان يمنح زبائنه ثلاث سنوات من السماح قبيل بدء تسديد أقساط الديون على أن تستكمل الدفعات خلال عشر سنوات، وبأسعار أقل 40-50 بالمئة من تلك التي تفرضها البلدان الغربية، وبفائدة 2-2,5 بالمئة (مهرورتا وكلاوسون، (1979) و داتهار (1973:138-139، 259). ويعتقد هؤلاء الكتاب أن هذا السعر المرن راجع إلى النوعية السيئة للسلاح السوفييتي. وفي هذا الصدد يقول كريستيان بالوا: “أن تسورد بسعر رخيص وتبيع بسعر مكلف يعكس الجوهر الإمبريالي للإتحاد السوفييتي” (1975).

“إن التبادل اللامتكافىء هو عامل هام، ولكنه ليس بكافٍ لتوضيح جوهر الإمبريالية…ولبرهان أن الإتحاد السوفييتي إمبريالي بالمفهوم اللينيني فإن تصديره لرأس المال لا بد أن يؤخذ بالإعتبار، فقد أقام الحزب الشيوعي الصيني محاججته حول كون الإتحاد السوفييتي نظامٌ إمبريالي على تصدير هذا الإتحاد لرأس المال ما قوّى /عزَّز التقسيم غير العادل للعمل على صعيد عالمي والذي به تهيمن بلدان على أخرى حيث تظل تابعة للأُولى” (باسو، 1976).

بودي أن أشير الآن إلى أن العامل الحاسم هو طبيعة علاقات الإنتاج التي تبناها الإتحاد السوفييتي. فبيروقراطية الدولة تحت تسمية الملكية العامة، تحكمت بالتوزيع والتجارة الخارجية. وفي الحقيقة، فإن مداخيل الأرباح حفزت العلاقات الإقتصادية بين الإتحاد السوفييتي وبلدان العالم الثالث، فقد كان الهدف هو توسيع محيطه بما هو أبعد من شرقي أوروبا.

وبدورها، فإن الطبقات القومية البرجوازية الحاكمة في العالم الثالث التي استخدمت الخطاب القومي وحتى الإشتراكي، إنما كانت تخدم نفسها تحديداً، أي المصالح البرجوازية. وعليه، فحينما “نضجت” مصالحها أعادت هذه الطبقات دمج نفسها وبلدانها في السوق العالمية، حتى أنها قامت بإعادة “كمبردرة” إقتصادها إلى الحد الذي أزاح في طريقه الأنوية التصنيعية التي كانت قد أُنجزت خلال فترة علاقاتها بالإتحاد السوفييتي. وعليه، إذا لم تكن علاقات التبادل هذه “السوفييتية/العالمثالثية” إمبريالية، فمن المؤكد أنها ليست ثورية واشتراكية.

فبحلول سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، زاد مختلف هذه البلدان متاجرته مع المركز الإمبريالي على حساب متاجرتهم المتواضعة مع الإتحاد السوفييتي(سمارة 1990)، وعليه، فقد الإتحاد السوفييتي مصدراً هاماً من مصادر ربحه، مما ساهم في تفككه، حيث خسر الإتحاد السوفييتي سوق هذه البلدان. ولكي يعوض هذه الخسائر، زاد من ضخ نفطه وموارده الطبيعية موجها إياها للتصدير ما أوصل حصة هذه الصادرات من صادرات الإتحاد السوفييتي الكلية إلى 46,5 بالمئة لا سيما في فترتي الطفرة النفطية 1973، و 1978 التي زادت بشكل إصطناعي مداخيل الإتحاد السوفييتي، أي زيادة ريعية. لكن أميركا فتحت له حرب أفغانستان لتكون العامل الأساس في تدهور الإقتصاد السوفييتي وبالتالي التأسيس الحقيقي لانهياره، إلى جانب فكاك محيطه الأبعد في أفريقيا وآسيا ومحيطه الأقرب دول أوروبا الشرقية. ولا يغيب عنا أن الولايات المتحدة لا سيما في فترة إدارة ريجان الجمهورية كانت قد قررت تصعيد سباق التسلح مع الإتحاد السوفييتي لاستنزاف ثروته ما انعكس سلباً على أدائه الإقتصادي وعجّل في تفككه .

وعلى الرغم من حقيقة أن بلدان المركز ووجهت بأزمة إقتصادية منذ النصف الأول من سبعينيات القرن العشرين حافظت إقتصاداتها على معدل نمو بسيط. أما الإقتصاد السوفييتي فلا. وهكذا، اتسعت الفجوة بين الإتحاد السوفييتي وبلدان المركز الإمبريالي بشكل واضح منذ ثمانينيات القرن العشرين. وإلى جانب ذلك زاد الفساد في الإتحاد السوفييتي. وطبقاً لما كتب سونيل (1990)، “فإن قيمة السوق السوداء في الإتحاد السوفييتي وصلت إلى 145 بليون دولار، بينما كانت قبل ذلك بعشرين عاماً 8 بليون فقط”.

من المهم الإشارة هنا إلى أن الفساد يمكنه أن يكسر عملية التنمية الإقتصادية. فأولئك الذين يحوزون على الفائض في النظام الإشتراكي، النظام الذي فيه الملكية الخاصة غير قانونية، لا يمكنهم استثمار الفائض الذي حازوا عليه في نشاط إنتاجي. وعليه، فإن مصير هذا الفائض هو أن يُنفق على الإستهلاك الترفي وتهريب العملات.

كتب أغابكيان، وهو اقتصادي سوفييتي من مناصري البريتسرويكا: ” في الفترة ما بين 1978-1980، كان معدل النمو السنوي في الإتحاد السوفييتي 2 بالمئة، ولكن في فترة 1980-1985 كان أقل من صفر. (سونيل، 1989).

فيما بعد، أضطر الإتحاد السوفييتي للإستدانة من البنك والصندوق الدوليين لتمويل تدخله في أفغانستان، وأنغولا وموزمبيق. لقد قاد النقص في الإستثمار الإنتاجي إلى نقص في السيولة المالية. وهنا اتخذ النظام الخطوة الطبيعية في مناخ كهذا، أي الإستدانة من المؤسسات المالية الدولية.

ازدادت متاجرة الإتحاد السوفييتي في فترة بريجنيف مع المركز الرأسمالي، فقد زادت الصادرات من 2,2 بليون دولار عام 1970، إلى 17,2 بليون دولار عام 1981، ومن 2,5 بليون دولار للواردات عام 1970 إلى 18,7 بليون دولار عام 1981. وبينما كان 26 بالمئة من وارداته من الغرب هي ماكينات، وأغذية ومواد خام، كانت هذه 23,7 بالمئة من صادراته، وكانت حصة النفط ومشتقاته 58,1 بالمئة من هذه الصادرات. (التجارة والتعايش، 1984 : 159، 162).

لقد قفز عجز متاجرة الإتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية من 3 بليون دولار عام 1973 إلى 9 بليون دولار عام 1975، .. كما أن الدين لصالح الغرب قفز من 20 بليون دولار عام 1974 إلى 90 بليون دولار عام 1981″ (أرمسترونج وهاريسون، 1984 :325 مقتطف في سمارة 1991 : 61).

تجدر الإشارة إلى أن الانفتاح الإقتصادي على السوق العالمية حصل في الإتحاد السوفييتي في فترة أبكر منها في الصين، وكان قد أخذ في حالة الاتحاد السوفييتي مدى أبعد.

مرة أخرى: من يتحكم بالسلطة السياسية بوسعه تغيير النظام

يحصل التفاعل المتبادل بين البنية التحتية والفوقية خلال النشاط الواعي للناس والطبقات الإجتماعية. إن الطبقات الإجتماعية نفسها هي الوكيل الذي يتوسط في تحويل نمط الإنتاج من شكله المجرد إلى حالة محددة وملموسة. وبناء عليه، فإن اللحظة الإجتماعية هي العامل الذي يحول المادي والسياسي والتشكيلة الإجتماعية الأيديولوجية إلى موضوعات ملموسة ومحددة. إن المناقشة المجردة لنمط الإنتاج لا تكفي. لا بد من جرها إلى الحقل الإجتماعي الطبقي. فأية مناقشة ذات معنى لا بد أن تحدد الطبقات الإجتماعية التي تدير وتتفاعل وتصوغ القوانين ومختلف هيئات البنية الفوقية، وبالتالي تُحافظ على نمط الإنتاج السائد. إنها بناء على ذلك، تحافظ على ملكية الطبقات المالكة من خلال علاقات الإنتاج الإجتماعية.

يطرح الماركسيون تساؤلات حول نمط الإنتاج: كيف تنظم العلاقات الإجتماعية من أجل حيازة وتوزيع العمل الفائض؟ وما هي الديناميات الأساسية في التحكم بأية منظومة من العلاقات الإجتماعية؟ من المستفيد منها ومن يدفع كلفتها؟

وكما أشرنا أعلاه، فإن من يتحكمون بالسلطة السياسية يكونون قادرين على تغيير النظام. وما يجعل فعل هذا ممكناً على يد النظام الحاكم هو دوره في علاقات الإنتاج الذي يقود في هكذا وضع قوى الإنتاج…ويصهر القوى والعلاقات” (كتلر، المصدر السابق 1979، فصل 5، وباليبار، 1970: 235، مقتطف في بتامور1983 :179).

“كما لاحظها ستالين، تتضمن علاقات الإنتاج ثلاثة أشياء: الملكية، والعلاقات بين الناس خلال العمل، وتوزيع السلع” (ماو، 1977 : 110-111). وتتضمن علاقات الإنتاج ملكية وسائل الإنتاج والعلاقات بين الناس في مجرى الإنتاج، ونظام التوزيع” (ص 443 و 67 من ماو)… تصبح الملكية عامة…ويصبح الناس أسياد العلاقات الإقتصادية في مجتمعهم” (ص 446 و 72 من ماو). أما هنا، فإن الدور الحساس لعلاقات الإنتاج يصبح جلياً. بوسع البنية البيروقراطية تمكين النظام، وليس الجماهير، من استخدام الإنتاج بالتجربة، وليس كمسألة شكلية. هنا يأتي دور البنية التحتية في علاقتها بعلاقات الإنتاج كجزء من نمط الإنتاج.

قال ماو عن هذا التشوه والإحتجاز… ” بطرق عدة، وبشكل أساسي الإنتاج، واصل السوفييت تقدمهم، ولكن في ما يخص علاقات الإنتاج، فإنهم بشكل أساسي توقفوا عن التقدم” (ماو، 1977 :18).

تجدر الإشارة هنا أن التركيز على تطوير قوى الإنتاج بدون الأخذ بالاعتبار تطور علاقات الإنتاج قاد إلى انحطاط الوعي الإشتراكي وتهميش المنتجين المباشرين وأعضاء الحزب. ولكن في حكم خروتشوف، فإن التشوهات ذهبت بعيداً . فقد استبدل التثقيف الإشتراكي بإعادة التثقيف الرأسمالي من خلال التركيز على الحوافز المادية على المستوى الوطني، والتبادل اللامتكافىء و “التعايش السلمي” مع الإمبريالية على صعيد عالمي.

إن التناقض الأساسي هو على النحو التالي: في حين أن ملكية وسائل الإنتاج كانت وبقيت عامة من ناحية شكلية، خلق نظام خروتشوف نخبة المديرين التي توسطت بين وسائل الإنتاج والمنتجين المباشرين. لم يكن المديرون مالكين بالمعنى القانوني، لكنهم كانوا يتحكمون بالعملية الإنتاجية، وحيث أن لديهم هذه السلطات، كان بوسعهم الحصول على المنافع لأنفسهم. هكذا، وفي النتيجة، فإن كلاً من الحيازة والتوزيع لم تعد تنظم على أساس عام، بل وأبعد من هذا، فقد أصبح الفساد إحدى آليات التوزيع، وقد يكون هذا من فرَّاخات المافيا بعد تفكك الإتحاد السوفييتي.

لعل الشرط الضروري لتدمير علاقات الإنتاج الإشتراكية في الإتحاد السوفييتي هو استخدام الملكية العامة لمصلحة من يُمسكون بالسلطة. كانت رغبة النومنكلاتورا هي تغيير كامل النظام باعتبار ذلك الطريقة الوحيدة التي بها يمكنهم جعل تملكهم غير الرسمي لوسائل الإنتاج مُرسَّماً بشكل رسمي. هذا ما قام به جورباتشوف. وبهذا، فإن النومنكلاتورا قد حمت نفسها من غائلة الثورة الشعبية التي من المحتمل أن تكون ذات طبيعة اشتراكية جذرية.

المعالجة الثانية:

روسيا إلى النهوض الرأسمالي الدولاني

دولة الرأسمالية الوطنية بديمقراطية أقل

ليس حديثاً مغرياً ما تم تداوله بأن البريتسرويكا والجلاسنوست، وأهم من ذلك تتويج يلتسين كان مؤامرة، ولكن قد يكون أكثر إقناعاً القول أن نظام الإشتراكية المحققة كان قد وصل درجة من التعفن لا بد من سقوطه بعدها، وأن البديل الثوري لم يكن له أفق في غياب كلا الإزدهارين:

· الإزدهار الإقتصادي

· والإزدهار الديمقراطي الحرياتي، علماً بأن واحدهما يشترط الآخر. هذا إذا لم نتحدث عن التدهور في سباق التسلح الذي، كونه إنفاقاً هائلاً، كان سباقاً مع المركز في ملعبه القوي، أي قوته المالية التي هي تحصيل الفائض على صعيد عالمي.

وعليه، طالما كان البديل من تحت جلد النومنكلاتورا نفسها مع تبديل أثوابها والإحتفاظ بجوهرها السلطوي وتحويل ما كانت تديره ليصبح ما تملكه وهو ما أسقط في يدها قوى الإنتاج بطريقة فاسدة وربما تآمرية لا غبار عليها. ولأن التحول أخذ هذا الشكل التآمري والإنكساري دون تطور طبيعي، لم يولد علاقات إنتاج سوقية بالمعنى المألوف، وهو الأمر الذي كشف خبث جيفري شاخس الطبيب الرأسمالي الغربي الذي حاول قتل الإقتصاد السوفييتي بالصدمة، وإن زعم أنه يهدف معالجته بالصدمة.

ليس إلا حديثاً مناقضاً لواقع الحال القول أن المركز الرأسمالي الغربي الذي احتجز ولا يزال تطور ورسملة المحيط، أن يكون حريصاً على تطور روسيا رأسمالياً. لذا، انهالت الشركات الغربية على شراء القاعدة الصناعية في الإتحاد السوفييتي، وفي هذا شاركتها وسهلت النومنكلاتورا الأمر.

ما يهمنا هو ملامح استعادة روسيا لوضعها الداخلي وهو المرحلة الإنتقالية السريعة التي أسست بالطبع لاستعادة دورها القطبوي على صعيد عالمي، وهو الدور الذي بدأ مع وصول بوتين إلى السلطة في دورتين رئاسيتين متتاليتين، وكما يُشاع فإن ميديدييف المنتخب في أوائل 2008 سائر على نفس النهج. كان كلٌّ من يلتسين وبوتين بمثابة عقاب شعبي للحزب الشيوعي الذي وصل إلى درجة المنافس القوي لكل منهما ولكنه لم يكن المنتصر.

وفي حين ارتكز يلتسين على المركز الرأسمالي الغربي وعلى رأس المال المالي المحلي ذي التوجه التخارجي، فقد اختار بوتين التحالف مع رأس المال الصناعي وجهاز الدولة. لكن ارتكاز بوتين على الدولة لم يكن بمعنى الدور الدولاني السابق في الإتحاد السوفييتي (رأسمالية الدولة ، بل هو الدولة الرأسمالية التي تقوم على تحالف رأس المال الخاص والجهاز السياسي للدولة.

إذن، تنقسم المجموعة الحاكمة إلى فريقين، أولئك الذين مكَّنهم يلتسين من السلطة ويمثلون رأس المال المالي والذين ظلوا مرتبطين بطريقة أو بأخرى بجهاز الدولة. ضمن هذه المجموعة الأوليغاركية المالية التي تملك البنوك، ولها ملكيات في الصناعات الإستخراجية ، ومن خلال هيمنتها المالية لها حصص أو سيطرة كلية على الكثير من الصناعات، ولكن مدراء المصانع ظلوا إلى حد كبير كما كانوا من قبل وبقي معظم المدراء محتفظين بحصص كبيرة في مصانعهم. إن المدراء القدامى للمصانع هم معظم النخبة السوفييتية لكنهم فقدوا الكثير لصالح نخبة رأس المال المالي ولا سيما أن الصناعة ظلت في مضيق كارثي، وبالنتيجة اندمجت بجهاز الدولة كي تشكل كتلة لدعم بوتين.(ص 35)

والفريق الثاني هو فريق بوتين نفسه. ولعل ما يقوي مركز بوتين، الذي لا يتمتع بصلاحيات قمع كالسابق “السلطة التحريفية السوفييتية”، هو ارتفاع أسعار المواد الخام التي توفر حالة من الإستقرار ولو على المدى القصير والمتوسط. لذا فالخيار الإقتصادي الذي اتبعه بوتين هو العودة إلى النظام القديم، ولإعادة تطبيق سلسلة من أشكال التحكم إلى جانب تأميم أملاك. ومما ساعد هنا هو فشل الإنتقال الإقتصادي الذي انتهجه يلتسين ما أدى إلى أن رأس المال المالي ودعاة السوق والأوليغاركية السياسية أمثال بيريزوفسكي وخوردوفسكي …الخ قد تم عزلهم بشكل متسارع. لعل ما سهل انتصار بوتين هو أن يلتسين اعتمد على العصابات، كما أن الشركات الغربية تدفقت لاستغلال الثروات الهائلة التي لم تكن التكنولوجيا السوفييتية قادرة على استغلالها كما يجب، كما قامت الصناعات الإستخراجية بتصدير منتجاتها إلى الغرب مع إبقاء الأثمان كأرصدة في الغرب وهو حالة من تصدير الأموال أما بوتين فاعتمد على جهاز الدولة، وفي السنوات الأخيرة عاد بعض هذه الأموال إلى روسيا وفي الغالب من أجل شراء الشركات الصناعية واستحلاب موجودات البلد.(35)

لا شك أن بوتين عمل ضد رأس المال المالي، وشركات الأعمال والبنوك الغربية. وهذا عامل ضغط مضاف إليه عدم ارتياح الشعب للسوق. لذا يلجأ بوتين إلى تحسين البنية التحتية والإستثمار في الصناعة، التي تدمرت خلال التحول. وهذه الآلية لا تقوم بها السوق، ممثلةً بالقطاع الخاص، لأنها تحتاج وقتا طويلا وأرباحها ضئيلة. لقد طالب الصندوق الدولي بالإستثمار في الصناعة ولكن الإستثمار في صناعة السلاح والصناعات الإستخراجية كان ضئيلا. أما سياسة حكومة بوتين هي استثمار فائض الطاقة في الصناعة، وهذا سباق مع الضغط الغربي الذي لا يكتفي بدرجة الخصخصة الروسية، واستثمار هذا الفائض في صناعة السلاح بما هو دعامة اقتصاد روسيا وتحديداً إذا كانت تسعى للإرتفاع القطبوي كما كانت سابقاً. لذا يرفض أعداء إعادة بناء روسيا سياسة بوتين كما يوضح النص التالي:

“أعاد الكرملين إلى نفسه السيطرة على شركات البنى التحتية والشركات الأساس في الإقتصاد الروسي وبين الحين والآخر ينقط كمية قليلة من الأسهم في البورصات كي يحظى بالتقدير الغبي للمحللين الأميركيين الذين يثنون على الخصخصة، عمليا لم يخصخص شيئاً ذا معنى في روسيا، وما خصخصه أُُمِّم مرة أخرى، الحكم الروسي مثل الصيني يحافظ على سعر متدنٍّ نسبيا للعملة المحلية ويشتري فضائل العملة الأجنبية الإحتياطي الدولاري لروسيا سيتجاوز قريبا خط500 مليار”[4].

قانون القيمة،السوق، المدراء وعلاقات الإنتاج

يردنا هذا إلى قراءة غير رومانسية لما حصل في الإتحاد السوفييتي. فقد كانت محاولة الإنتقال من التشكيلة الإجتماعية الإقتصادية “الإشتراكية” إلى اقتصاد السوق عملية مؤلمة اجتماعياً للأكثرية الشعبية. فحتى مؤخراً ما زال مستوى المعيشة أدنى مما كان عليه عام 1986. ومن العمالة الكاملة انتقل البلد إلى البطالة العريضة. والمثقفون القدامى والمتقاعدون وعدد ضخم من النساء تحولوا إلى متسولين. وفي حين أن عمال الصناعات الإستخراجية تحسنت ظروفهم فقد تدنى مستوى معيشة أكثرية العمال. ورغم خصخصة أملاك الدولة على نطاق واسع، كانت النتيجة فشل السوق في مجتمع لم يعتد عليه. وكما أشرنا أعلاه، لم يحصل تبَنٍّ حقيقي لاعتماد السوق. فما كان مطلوباً

، في حكم يلتسين، هو تفكيك الإتحاد السوفييتي وليس إقامة رأسمالية متطورة في روسيا.

نعم كان التحول إلى الرأسمالية شاقاً على المجتمع لكنه كان مربحاً لرأس المال. إن تحويل المجتمع من ثقافة وعلاقات إنتاج “إشتراكية” إلى الرأسمالية كان شاقا. وربما هذا ما يساعد بوتين في ما يحاول القيام به، أي إقامة رأسمالية بروح مركزية، وليس بتبنٍّ كامل للمشروع الخاص مستفيداً من ترسبات ثقافة لا رأسمالية.

يقول هيليل تيختين: “يمكن ملاحظة غياب تفوق السوق من الصعيد السياسي، فقد أعتُقِل الرجل الأغنى خوردوفيسكي ، حينما حاول التدخل في السياسة، كما أن إمبراطوريته “شركة الغاز الطبيعي العملاقة يوخوس” تأممت[5]“. (ص 34)

قد لا يكون هذا الحديث دقيقاً، فخوردوفيسكي وفريق آخر معه، هم ممثلو رأس المال المالي الذين تمكنوا من عنق الإقتصاد الروسي في فترة يلتسين، والذين سيَّروا الدولة طبقا لمصالحهم، وهو الأمر الذي ترتَّب عليه، تهريب الفائض من البلاد إلى المركز الرأسمالي المعولم، وانتشار منظمات المافيا، وتمكن الصهيونية من البلد ما أفرز مقابلها حركات قومية روسية متعصبة ومعادية لليهود. لذا، كان خيار بوتين هو رأس المال الصناعي وجهاز الدولة للوقوف في وجه جر البلاد إلى الكارثة. والحقيقة، أن ما يقوم به بوتين، هو محاولة تأصيل الرأسمالية في روسيا، وهو أمر يفتح على جبهتين:

· جبهة الطبقة العاملة والإتجاهات الإشتراكية

· وجبهة رأس المال المالي المتخارج ومن ورائها دول المركز الإمبريالي.

وهذا يطرح التساؤل حول سياسة خلف بوتين فيما إذا كان سينحاز أكثر للطبقات الشعبية؟

لكن السوق تفوق في أكثر من صعيد آخر. فرغم النمو العالي نسبياً الذي حققته روسيا: ” منذ عام 2000 ، بلغ النمو في الناتج المحلي الإجمالي لروسيا 7 بالمئة، أي قرابة 50% خلال سبع سنوات، وبلغت الإستثمارات الأجنبية 45 مليار دولار.(القدس 26-1-2008). رغم ذلك، ما تزال روسيا من بين الدول التي تعاني من أعلى نسبة بطالة في العالم، ولا سيما بعد أزمة القطاع المصرفي 1998، لذا هاجر منها بين 1992-1999 نحو 12 مليون روسي وجد معظمهم طريقهم إلى الدول الأوروبية وإلى الكيان الصهيوني[6]، ولكنها شهدت حالة من الإستقرار في العام 2007، وأغلب المهاجرين من خريجي المعاهد العليا، كما تسيطر على هذه الظاهرة هجرة النساء للعمل في الملاهي الليلية والنوادي وهي ظاهرة أسميت فراشات الليل…لكن مؤخراً بدأت هجرة معاكسة إلى روسيا..فقد هاجر من روسيا 10 مليون يد عاملة عام 1999 واستقبلت 12,6 مليون بالمقابل كثير منهم من الجمهوريات السوفييتية السابقة (القدس 19-1-2008)

ليس من قبيل المبالغة أن نزعم بأن عدم سواد السوق، وعدم تفشي قانون القيمة كما يُبتغى، هي بمثابة أشكال من المقاومة الشعبية للرأسمالية رغم هيمنة الأخيرة. فحسب هيليل:

” قانون القيمة لا يحكم، في ذلك الإقتصاد الذي لا يعمل على أساس القيمة. فأجزاء من الإقتصاد ما تزال تحت النظام القديم، والكثير من العمال، ربما ليسوا الأكثرية واصلوا العمل بأجور لا شيء أو تقارب اللاشيء، وأسعار معظم السلع خارج التجارة الدولية بقيت تعسفية[7]“.

بقدر ما تعتقد هيليل أن هذا امتداد للنظام القديم، بقدر ما أنه لا يخدم سياسة بوتين لأنه ساعد على هجرة الكفاءات وقوة العمل إلى الخارج. يكفي أن مليوناً قد استوطنوا في الكيان الصهيوني كما تجدر الإشارة إلى أن قانون القيمة الرأسمالي كان يعمل في عديد من القطاعات في الإتحاد السوفييتي السابق. فعلى صعيد التجارة الدولية كان الإتحاد السوفييتي منخرطاً في النظام العالمي ومخترقاً بقانون القيمة الرأسمالي العالمي، (كما أشرنا إلى أقوال كوسيجين وخروتشوف أعلاه) القانون الذي توسع نطاق عمله في أواخر فترات الإتحاد السوفييتي. ومع ذلك، فإن أحد عوامل فشل نظام السوق في روسيا، كان المقاومة الشعبية لقانون القيمة الذي جاء مفروضاً من قبل نظام السوق عبر العلاج بالصدمة وليس عبر التحول التدريجي والطبيعي، وهو الأمر الذي لم تكن تريده بلدان المركز الإمبريالي على أية حال.

“أما حقيقة أن الروبل أصبح الآن أقرب إلى كونه عملة (بالمفهوم الرأسمالي وقانون السوق)، فإن تبادله بالعملات العالمية (مع أن العمال لم يُدفع لهم دوماً مقابل قوة عملهم)، فإن هذه خطوة باتجاه الرأسمالية مقابل الستالينية. وعلى أية حال فإن العمال ربما لا يتقاضون قيمة قوة عملهم. من الصعوبة بمكان القول أن قوة العمل كانت “تباع في الفترة الستالينية، وهذا ظل جزئيا هكذا هذه الأيام كما أن معظم العمال في المشروع ظلوا يعملون كما كانوا. في النظام القديم كان هناك للعمال معيار للتحكم في عملية العمل وهذا ما زال الى حد كبير. فلم يتمكن بوتين ولا نظام يلتسين السابق له من التحكم بطريقة عمل العمال من خلال تغيير الدفع وشروط تسمح بزيادة الإنتاجية إلى المستوى العالمي[8]“.

يفتح هذا الحديث على حقيقة أن حكم بوتين، وإن كان بهدف تقوية روسيا كدولة، ولكنه يفعل ذلك على أرضية وطنية لا طبقية بمفهوم الطبقات الشعبية، أي أنه يحاول ذلك عبر البرجوزية الوطنية الروسية، وبالتالي فإن الدولة، وإن بدت القيادة بيدها، فهي في التحليل الأخير ليست دولة العمال. أما احتفاظ المدراء بدور في فترة بوتين، واقترابهم من معسكره، فلا يصب في مصلحة العمال، بالطبع، بل هو استكمالٌ لدورهم في نهايات و/أو إنهاء النظام السابق، ولكن هذه المرة كمالكين أو شركاء في ملكية ما كانوا يديرونه في العهد السوفييتي.

الدارج هي الحماية وليست حرية السوق

إن جشع رأس المال في المركز واللهفة والتلهف على التراكم لا سيما في هذه الحقبة يخدم تماماً إستراتيجية بوتين في تقوية رأس المال الصناعي الروسي وتشديد دور الدولة، ويُضعف النقد الغربي لسياسته الوطنية الداخلية. في هذا السياق، قدمت الحكومة الروسية في تموز 2007 مشروع قانون ينص على منع بيع أسهم أي شركة إستراتيجية إلى المستثمر الأجنبي إلا إذا وافقت على ذلك لجنة حكومية مختصة يرأسها رئيس الوزراء. وهذا كان أسوة بما قامت به الحكومة الأميركية حيث وقع الرئيس الأمريكي في 26 يوليو2007 على قانون يمنح هيئة الرقابة على الإستثمارات الأجنبية المزيد من الصلاحيات، ويطالب بالاستعانة بأجهزة المخابرات لمراجعة صفقات هامة موقعة مع المستثمرين الأجانب[9]. وأعلن المفوض الأوروبي للتجارة في 24 يوليو أن المفوضية تقترح إحياء التعامل بـ”الأسهم الذهبية”، وهي الأسهم التي تحتفظ بها حكومات الدول الأوروبية، من أجل منع بيع شركات إستراتيجية هامة إلى المستثمرين الأجانب. فهل انتهى اذاً عصر التجارة الحرة[10]؟. يجيب الخبير الروسي ميخائيل خازين على هذا السؤال: بأن التجارة الحرة “لم يعد لها وجود”وأنه لا بد من فرض المزيد من القيود على حرية الإستثمار، مشيراً إلى أن السبب هو أن حجم الموارد المالية التي “تتجول حول العالم”، ينمو أسرع من الموارد المادية[11]. وهذا يفتح على مناقشة دور رأس المال المالي وتحديداً المضارب على صعيد عالمي.

أابعد من ذلك، قد يجوز التساؤل حول ما إذا كانت هناك ذات يوم تجارة حرة في المركز الرأسمالي بالشكل الحقيقي؟ فهي كانت في فترات ما ولوقت محدد ولإنجاز أهداف محددة، ويتم تطبيقها كسياسة حين تكون مربحة. ولذا، فإن ما كان سائداً دوماً هو الحماية وليست التجارة الحرة، وهذا المناخ هو الذي يخدم بوتين هذه الأيام بأكثر من التجارة الحرة المزعومة

تطوير على عين المركز

أصبح نهوض روسيا مجدداً من الأسئلة المتداولة عالمياً، حيث يشهد الاقتصاد الروسي فترة إنتعاش تدل عليه مؤشرات أدائه المختلفة، فاستكمالاً لما تشهده روسيا من ارتفاع في معدلات النمو الاقتصادي وانخفاض في معدلات البطالة وغيرها من نتائج إيجابية، أعلن وزير المالية الروسي “ألكسي كودرين”، أن احتياطي روسيا من الذهب والعملات الصعبة زاد في النصف الأول من هذا العام 33.6%، لترتفع إلى 405.8 مليار دولار، وإن معدل التضخم في روسيا خلال الفترة نفسها بلغ 5.7% مقابل 6.2 % خلال الفترة نفسها من 2006. مؤشرات الأداء الايجابية ينظر إليها الكثيرون من المتتبعين بأنها الدعامة التي من المتوقع أن تستند عليها إرادة قوية لإعادة صياغة المعادلات الاقتصادية والسياسية عالمياً، وربما أنها السبب الذي جعل الإدارة الأمريكية تستنفر من “بوش”، الذي أثار ما أسماه بـ”الخطة الإستراتيجية 2007-2012″ لمواجهة ما وصفه بـ”السلوك السلبي لروسيا”، إلى “رايس” التي أطلت على قناة “سي ان بي سي” لتصف انعطاف روسيا باتجاه توسيع مشاركة الدولة الروسية في صناعة النفط والغاز وإجراء تغييرات في شروط العقود بالسيئ على النظام الدولي!!

إستعادة التجربة والدور الروسيين تذكرنا بمسألة هامة في مسألة التنمية والتطور. فقلَّة هم المفكرين الذين قرأوا نجاح التنمية المتمحورة على الذات لأروروبا الغربية على أرضية عدم وجود بنية لنظام عالمي، وتحديداً عدم وجود مركز متقدم يصر على احتجاز محاولات التنمية المستجدة. لعل هذا التفسير يلقي ضوءاً على خرافة مزاعم ماكس فيبر بعلمية ودقة وشفافية الروح البروتستنتية التي تنسب التنمية أو الإنتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، ذلك الإختراق البريطاني، الذي تنسبه إلى العامل الديني، وليس إلى فعل الإنسان، من جهة،وهي الرواية التي لم تلتقط أهمية غياب مركز عالمي معادٍ ليعيق أو يحتجز تمركز أوروبا من جهة ثانية. إضافة إلى أن هذا المركز نفسه الذي نما بمعزل عن اقتحام مركز آخر لمشروعه التنموي لعب هو هذا الدور ضد كافة محاولات التنمية وحتى اللحاق التي حاولتها مختلف بلدان العالم الأخرى سواء في روسيا البلشفية أم في المحيط المستقل بعد الإستعمار.

كما أشرنا آنفاً، فقد جوبهت الثورة البلشفية بغزو إمبريالي بمليون ونصف المليون جندي، ناهيك عن قوى الثورة المضادة الداخلية وتكرار الإستنزاف بالحرب الإمبريالية الثانية[12]، وفرض الستار الحديدي والاستنزاف بسباق التسلح.. إلخ. واليوم، تدور حربٌ مشابهة وإن بطرق مختلفة للحيلولة دون انطلاقة روسيا ثانية، وهي محاولات لا شك معرقلة، حتى وإن كانت لروسيا قاعدة صناعية جرى تهميشها أو خصخصتها أو بيعها بيعاً سياسياً…الخ . لكنّ وجود هذه القاعدة يقرب وضع روسيا اليوم (أي تشابه الحالة) من وضع أوروبا الغربية بعد الحربين الإمبرياليتين الأولى والثانية. وإذا كانت أوروبا الغربية قد دُعمت إقتصاديا أو تمويلياً بمشروع مارشال، فإن روسيا مدعومة بمشروع الطفرة النفطية.

تجاوز النفط المئة دولار للبرميل… هكذا قال الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز بعد ساعات من صعود الأسعار إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق قرب 79 دولارا، لكن آخرين يتذكرون انهيارات الأسعار في السنوات الأربع الأخيرة ويتساءلون إن كانت الأسواق تتجه نحو تكرارها. ودأبت السوق منذ 2003 على دخول مرحلة تصحيح حادة بعد ارتفاعها إلى أعلى مستوياتها في كل عام، وبعد بلوغها الذروة في العام 2006 هوت الأسعار بنسبة 36 % في الأشهر الستة التالية لتنزل عن 50 دولارا للبرميل. وقال محللون أن موجة الصعود الأخيرة هذه يغذيها بالأساس تدفق استثمارات جديدة وليس أنباء كبيرة تتصل بالعوامل الأساسية مثل الأعاصير أو توترات الشرق الأوسط. لكن حقيقة “تسونامي” الأسعار، ما زالت في رأي آخرين مجرد ألاعيب سياسية تزدهر كلما انتعشت الخلافات بين الدول، لتستخدم كأوراق مفاوضات في ساحات الأزمات.

وربما خوفاً من هذه المفاعيل الجانبية ومن تلاعبات دول المركز تتحرك روسيا بسرعة هائلة لتشكيل محاور على مختلف الجبهات والأصعدة، وإن كانت محاور ما تزال في طور الدفاع أمام هجمات الرأسمالية الغربية المعولمة. لذا، تحاول روسيا إقامة احتكار للغاز مع قطر وإيران ومنتجين آخرين على نمط أوبك للنفط. وتقوي علاقاتها مع الجزائر وإيران وتركمانستان وأذربيجان وفنزويللا لتجذير مواقف وسياسات أوبك، وتعقد تحالفات دفاعية مع معظم الجمهوريات السوفييتية السابقة وبشكل خاص كي لا تقبل أيٌّ منها استخدام أراضيها ضد دولة أخرى. لذا تعقد المنظمات التي تقودها روسيا اجتماعات متواصلة وهي : “إتحاد الدول المستقلة” و “منظمة إتفاقية الأمن الجماعي” و ” المجموعة الإقتصادية اليوروآسيوية”. كما أن الصين أصبحت شبه عضو في هذه المنظمات. كما تقوي علاقتها مع سوريا لتكون قوة معادلة للناتو في الوطن العربي والشرق الأوسط، وتقف،ولو بتكتيك متذبذب، إلى جانب إيران “النووية”.

وبغض النظر أيّ تفسير هو الأصحّ، فإن ما يهمنا في هذا السياق هو محاولات الإنطلاق الروسية. فرغم الضربات الموجعة لروسيا منذ بداية حكم جورباتشوف وحتى نهاية حكم يلتسين، فإن روسيا تجهد نفسها للعبور ثانية إلى مستوى المركز والقطبية. وللنفط في هذا دور كبير بالمعنى الإستثماري التنموي بإشراف دولاني، وهذا بعكس ما آل إليه دور النفط في أواخر أيام الإتحاد السوفييتي حيث كان يطفىء عجز ميزانية الدولة وعطش النومنكلاتورا الفاسدة!. لذا، فروسيا حريصة على علاقة جيدة مع منظمة أوبك للنفط للحفاظ على سعر عالٍ للنفط وهو اليوم (آب 2008) 120 دولاراً للبرميل، وكان منذ أسابيع قد قارب ال 150 دولارا للبرميل. ولا نقلق إذا ما أضر هذا بالإستثمارات العالمية ودفعها إلى الوراء أو إلى التثاقل. ففي عالم رأس المال لا يقلق أحد على غير نفسه لا سيما إذا لحق الضرر بمنافسيه وليس بتوابعه، وينطبق نفس عدم القلق على روسيا وبشكل أكبر.

وأبعد من هذا، فقد وصلت روسيا إلى محاولات التحرش الإقتصادي بالولايات المتحدة التي تحاول استخدام الحبوب في إنتاج الطاقة، ولكن روسيا تحاصر هذا المشروع كذلك كونها هي المنتج الأكبر للقمح، وهذا التنافس أعطى فسحة للبرازيل كي تبتز الولايات المتحدة. على أن العامل الحاسم في السياسة الإقتصادية الروسية الحالية هو محاصرة رأس المال[13] المالي فيها وتقوية جناح رأس المال الصناعي بقيادة الدولة لتثبيت التحول إلى مركز.

مرة أخرى، في سياق استعادة الدور عبر النمو الإقتصادي تبادر روسيا لتقوية احتكار أوبك، وإنشاء احتكارين للقمح والغاز، وهذه جميعاً تشكل تحدياً للهيمنة الأميركية، الأمر الذي ترد عليه أميركا بالتحول إلى “منتج” للنفط من خلال احتلال العراق، لذا، قال وزير النفط العراقي في تموز الماضي، بأن سعر النفط ارتفع مؤخراً أكثر مما يجب، وبأن بلاده سوف تضخ كميات أكبر لمنع السعر من الإرتفاع. إذن نحن أمام حالة أخطر من نهايات القرن العشرين عندما كانت تلعب السعودية هذا الدور “دور المنتج المرجِّح” أي الذي يضخ أكثر حينما ترتفع أسعار النفط بأكثر مما ترغب دول المركز. فاليوم، تقوم بذلك دول المركز نفسها. وهي حتى الآن لم تفعل، وهذا يعني أن مقاومة أوبك ما تزال قوية. وتصر أميركا على التحكم بأكبر عدد من بلدان القوس النفطي العالمي من الخليج إلى دول انفكت عن الإتحاد السوفييتي إلى كولومبيا، وبالمقابل تصر روسيا على الإنفتاح على هذه الدول وتجنيدها تحالفياً معها .

روسيا… تحرش لا صدام

حمل بوتين معه إلى قمة كينيبنكبورت مع بوش هموماً روسيةً ليس أقلها القلق الدائم من توسّع حلف الناتو شرقاً ووصوله أبواب موسكو. وكأن الولايات المتحدة في صدد إرهاق الدب الروسي مجدداً بسباق التسلح كي تحتجز تطوره المادي في مشروع لإنهاكه ثانيةً. فإذا لم تعد روسيا دولة شيوعية، فما ضرورة هذا الهجوم الناتوي الموسع إلى هذا الحد؟ أم أن المسألة هي نفسها، بمعنى أن رأس المال وهو يلهث وراء التراكم لا بد أن يدخل في سلسلة متواصلة من الحروب، بل لا بد من الحروب مع كل من لديه ما يزيد التراكم، وعلى القائمة لا بد أن تكون روسيا والصين. أما الهند التي تحاول التطور الرأسمالي المنفتح بأعلى حيادية ممكنة، فما تزال خارج التوجهات التحالفية لروسيا والصين. إلا أن العلاقات التقليدية للطبقة الحاكمة في باكستان بالولايات المتحدة، وهي تبعية في الجوهر، قد تزيح الهند نسبياً، كما ساد تقليدياً، باتجاه روسيا متناسية تناقضها مع صين ماو.

وهذا ما يفسراهتمام أميركا بالهند الجديدة. الهند التي غادرت النموذج السوفييتي في الإقتصاد والتنمية والسياسة، والتي صبغها “جاناتا” بصبغته رغم بعض ملامح القوة لحزب المؤتمر. فأميركا مهتمة بانتزاع الهند من وسط محاولات التحالف الروسي/الصيني.

في سياق تسارع تشكيل الأحلاف، والإستعداد لما هو قادم، رأينا المظلة الدموية الأميركية أو ما يعرف بالدرع الصاروخي الاميركي الذي سيبدأ نشره في دولتي الكتلة السوفيتية سابقاً، الواقعتين على تخوم روسيا، تشيخيا وبولندا (التي أقر مؤخراً نشره فيها)… هذا الدرع الإستباقي، بزعم مواجهة أخطار ما يسمى “الدول المارقة” التي يتم تضخيم حجمها ما يؤكد قرار ضربها أو تخريبها كما حصل تجاه العراق وما يحصل تجاه إيران. هذا الدرع الذي قال فيه الرئيس الروسي : إن ” هذا المشروع ليس درعاً صاروخياً فقط بل هو جزء من التسلح النووي الاميركي”. لكن التسلح النووي ليس مجرد ألعاب نارية للفتيان، فهو في خدمة التراكم في التحليل الأخير، وهو ما يدفع روسيا لرفضه بصرامة.

تجدر الإشارة هنا أن خلافاً حاداً يدور بين روسيا وأميركا على معاهدة الحد من التسلح التي كانت عُقدت إبان ضعف الإتحاد السوفييتي. فلأن المعاهدة أتت باتفاق الحلفين، وعلى ضوء أن حلف وارسو لم يعد له وجود فإن روسيا أصرت على تعديل المعاهدة في بعض أجزائها في عام 1999، على أن تستهدف القيود التي تفرضها المعاهدة تسليح الدول بعينها بدلا من التكتلين (الحلفين)، وبذلك تم التوقيع على الصيغة الجديدة المعدلة للمعاهدة في قمة منظمة الأمن والتعاون الأوربي في اسطنبول عام 1999، علماً بأن المتغيرات (الحراك) التي طرأت على الواقع الأوربي هي التي كانت وراء البحث عن تعديل لتلك المعاهدة، لتأخذ بالاعتبار كل تلك المتغيرات التي جرت، بأن تقضي بالتحول لتقييد تسلح الدول في ذاتها بدلا من الحلفين، خاصة وأن الاتفاق لم يصادق عليه من قبل حلف الناتو حتى الآن.

والذرائع التي ساقتها الإدارة الأمريكية وحلف الناتو كمبرر للامتناع عن المصادقة على المعاهدة المعدلة، ترجعها تلك الأطراف إلى أن روسيا لا تفي بالتزاماتها القاضية بإخلاء قواتها من جورجيا ومولدافيا، في حين أن المعاهدة تم المصادقة عليها فقط، من قبل ثلاث دول من أصل ثلاثين دولة، فيما رفضت بعض الدول الإنضمام إلى المعاهدة، ابتداء، وهي سلوفاكيا، ودول البلطيق، الأمر الذي ضاعف من الهواجس الروسية.

وبسسب عدم مصادقة الناتو على تلك المعاهدة، أقدمت موسكو من جانب واحد على تعليق مشاركتها في المعاهدة ابتداء من 13 من شهر كانون ثاني 2007، أولا لعدم استجابة دول الناتو للشرط الروسي بالتوقيع على المعاهدة المعدلة، وثانيا لأن المعاهدة كما قال نائب وزير الخارجية الروسي ” لا تتماشى بصيغتها الراهنة مع الواقع السياسي، وتتعارض مع أهداف روسيا العسكرية “.

الناتو في المقابل ؟ ينشر قواته في رومانيا وبلغاريا ؛ بل وتخطط الولايات المتحدة الأمريكية، كما أشرنا، لنشر منظومة دفاع مضاد للصواريخ في بولندا وتشيكيا، وهي من دول حلف وارسو السابق، وهو الحلف الذي انضمت ست دول من أعضائه إلى حلف الناتو، في وقت وفت فيه روسيا بالتزاماتها التي نظمتها المعاهدة، بعد أن صادقت عليها، وقامت بسحب جميع أنواع الأسلحة الثقيلة من شطرها الأوربي، فكان من الطبيعي والحال تلك أن تجمد روسيا المعاهدة، وهي التي لم تكتف بالمصادقة عليها فحسب، بل إنها نفذت كافة بنودها، وعلى الأخص سحبها جميع أنواع الأسلحة التقليدية من شطرها الأوربي.

ومما يزيد قلقها أن النظام الصاروخي الأمريكي المزمع إنشاؤه في شرق أوروبا، أي نصب صواريخ اعتراضية في الأراضي البولندية، وإقامة رادار في الأراضي التشيكية، يمكن للأمريكيين بذلك أن يطلقوه نحو روسيا بدعوى أنهم يطلقون صواريخ اعتراضية، بذريعة تدمير صواريخ مهاجمة انطلقت من إيران. يقول رئيس الأركان الروسي: … ليس هذا فحسب، بل من يدري ” فلعل الصواريخ الأمريكية التي انطلقت، على سبيل الإفتراض، من الأراضي البولندية، هي هجومية وليست اعتراضية، وفي هذا يمكن ؛ بل يجب أن تقوم روسيا بالرد، بإطلاق صواريخ مجهزة برؤوس حربية صوب منشآت أمريكية “.

لا شك أن اعتماد المركز الرأسمالي على التسلح هو آلية لضمان سيولة التراكم. لكن شرطه أن يكون تسلحاً من طرف واحد هو المركز نفسه. لذا، وبقدر ما كانت أوروبا سعيدة بمظلة الدعم الأميركية، ارتعدت فرائصها من تهديد بوتين بالانسحاب من معاهدة حظر سباق التسلح التقليدي في أوروبا، وتلميحه بأن الاعتراف الاميركي أو الغربي باستقلال كوسوفو سوف يقابله اعتراف روسيا بأوسيتيا وابخازيا المتمردتان على جورجيا (وهو ما حصل بعد العدوان الجورجي على أوسيتيا في آب لهذا العام). فمسألة كوسوفو بالنسبة لروسيا تعميق لعلاقة تبعية الموجة القومية الثالثة “القومية في حقبة العولمة” للمركز الرأسمالي المعولم[14]، وهي علاقة جوهرها تفكيك الدول المارقة والدول التي لها مشروع تطويري، ومنها روسيا.

روسيا ليست البلاشفة ولا “التحريفية”السوفييتية[15]

إذن، فإن فلاديمير بوتين، ليس فلاديمير لينين! وروسيا الحالية ليست روسيا البلشفية، ولا حتى الستالينية ولا الخروتشيفية أيضاً. فالرأسمالية الصناعية ودولة بوتين تعمل على رفع روسيا إلى مرتبة دولة مركز رأسمالي. لكنها على ما يبدو، وهي وإن ركزت على تصدير الأسلحة، فإنها تجاهد كي تقوي الصناعات المدنية ايضاً، لأن الإقتصاد لا يقوم على السلاح وحده، وقد يقوم على العدوان الخارجي كما تفعل الولايات المتحدة، ولكن دون تغييب كبير للإقتصاد المدني المطلوب منه، على الأقل، التصدير إلى المستعمرات، أو حسب اسمها الجديد، المحيط.

لذا، ليس للعرب والعالم الثالث أن يحلموا كثيراً من تقدم روسيا ” من المغالطة أن ننسب لأنظمة الكمبرادور حلماً بالتنمية والإستقلال، بينما هو حقا حلم الطبقات الشعبية”، إلا إذا كان لديهم ما يقايضون روسيا به؛ أي وجود موقف قومي على الأقل، قرار سياسي، كما كان الأمر في الحقبة الناصرية وإن كانت فقيرة مالياً.


[1] نقصد بهذا الإشارة إلى كثرة المدارس الشيوعية والماركسية والإشتراكية، بينما قلة منها التي جسدت مشروعاً على الأرض، بغض النظر عن الإشكالات والإخفاقات. كانت التجربة البلشفية/ اللينينية ، ومن بين من تلتها تلتها التجربة الصينية/الماوية ومن ثم التجربة الكوبية/كاسترو/جيفارا، كوريا، فيتنام…الخ ولعل أشهر المدارس الشيوعية التي لم تنجز مشروعاً، وراوحت في نطاق الخطاب والتجريد هي الحركة التروتسكية. والمفارقة، أن هذه الحركة تحاول اليوم اقتناص كل تراث الحركة الشيوعية العالمية لتبدو كما لو كانت كافة هذه التجارب “بوحيها”. ولكن كتابات هذه الحركة تنفي بنفسها ما تزعمه الحركة اليوم.

[2] في ما يخص دور النظام الرأسمالي العالمي خارج حدود الدولة القومية، يمكننا مرحلة هذا النظام في ثلاثة: الرأسمالية الإستعمارية وهي التي بدأت منذ بدايات التوسع الإستعماري الرأسمالي حتى في حقبة الميركنتيلية وانتهت أو تحولت مع نهايات القرن التاسع عشر لتحل محلها مرحلة الرأسمالية الإمبريالية والتي انتهت مع نهايات القرن العشرين، لتبدأ مرحلة الرأسمالية المعولمة والتي نعانيها اليوم. أنظر، عادل سمارة:

Beyond De-linking: Development by Popular Protection vs Development by State, Al-Mashriq Al-A’amil for Cultural and development Studies -Ramallah, 2005, Chapter One, especially pages 18-24.

[3] وحدها القراءة الأمينة للتاريخ هي التي تقدم كتابة أمينة للناس، فإن نسب الحرب الإمبريالية الثانية إلى النازيين وحدهم وتصوير دور الإمبرياليات الرأسمالية الأخرى (فرنسا، بريطانيا، والولايات المتحدة وتوابعها) كأنها المدافعة عن الحرية والديمقراطية في العالم، هو غش صِرف. فمختلف الحروب في ظل الرأسمالية، قبل وبعد الحربين الإمبرياليتين، هي حروب من قبل الجميع ضد بعضهم وضد العالم من أجل النهب والإقتسام، اقتسام الضعفاء. هذا ناهيك عن أن الإتحاد السوفييتي كان له الدور الأكبر في هزيمة النازية، وهو الأمر الذي كلفه خسائر بشرية ومادية جعلت البيروقراطية خياراً مراً وصعباً، وعرقلت بناء الإشتراكية.

وفي حين ينسب كثيرون أسباب ومناخ ظهور البقرطة في الإتحاد السوفييتي إلى خسائره من الكوادر الشيوعية المجربة في الحرب الإمبريالية ضده والحرب الأهلية في السنوات الأولى للثورة، فإن أكثريتهم تتجاهل دور الحرب الإمبريالية الثانية في تعميق هذه الخسائر ومضاعفتها وبالتالي دورها في ترسيخ البقرطة. وفي اعتقادنا، أن تجاهل هذه الحقيقة، وحصرها في مجرد منح الإتحاد السوفييتي وسام هزم النازي وتقديم عشرات ملايين الضحايا، إنما هو هروب خبيث من تحليل أسباب غير محلية في انتعاش البيروقراطية في الإتحاد السوفييتي. فالخراب الذي خلفته الحرب كان من التأثير بحيث لم تتمكن القوة الأيديولوجية من تعبئة الناس بما يكفي لمقاومته، وهذه أمور إنسانية لا يمكن تجاهلها، بقدر ما أن الخسائر المادية لا يمكن تعويضها بسهولة والتعويض هنا بالغ الأهمية وحاسم لأنه بهدف البناء وليس الرفاه. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الدول الرأسمالية الإمبريالية قد تعرضت لخسائر ودمار بدورها، وهذ أقل بكثير من خسائر الإتحاد السوفييتي، إلا أنها ظلت تنهب مستعمراتها لتعوض خسائرها، وهو أمر لم يحصل في الإتحاد السوفييتي/ هذا إلى جانب أن قاعدتها الصناعية كانت أكثر تقدماً، وهذا يجعل النهوض أسرع. وقد لا نجانب الصواب إذا أشرنا إلى أن النهوض الروسي حالياً ممكن بدرجة كبيرة بسبب توفر قاعدة صناعية. إن التنمية في نهاية النهايات محكومة إلى درجة حادَّة بالإمكانيات التي تؤسس للتنمية البشرية، فالنوايا لا تكفي.

أنظر عادل سمارة:

Beyond De-linking: Development by Popular Protection vs Development by StateChapter One, especially pages 18-24.

[4] القدس 8-11-2007 سيفر بلوتسكر عن يديعوت. بالمقابل، فإن الإحتياطي الدولاري للصين يصل إلى 1000 مليار دولار، وهو ما يقلق الولايات المتحدة، ولذا، يرى كُثُر من الإقتصاديين أن قيام أميركا بتخفيض سعر صرف الدولار، في جزء منه، حربا إقتصادية على الصين وروسيا.

[5] نفس المصدر هيليل

[6] أنظر عادل سمارة الإقتصاد السياسي للصهيونية: المعجزة والوظيفية، منشورات مركز المشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية، رام الله 2008.

[7] The Disintegrating Country: Behind Russia’s Headlines, Hillel Ticktin, Against the Current, March/April 2007, p.p. 34-

[8] نفس المصدر هيليل

[9] من اللافت أن رئيس الولايات المتحدة اعترض على وأجل صفقة شراء أسهم في شركة بحرية أميركية من قبل الإمارات العربية المتحدة، وهو أمر يؤشر إلى موقف ضد الأتباع! وكأن ما تريده الولايات المتحدة من أتباعها النفطيين العرب هو إعادة عوائد النفط كما هي إلى البنوك الغربية!

[10] هذا إذا كان هناك أصلاً عصراً حقيقياً للتجارة الحرة. فما كان دارجاً دوماً هو تطبيق سياسات الحمائية. وعليه، فإن المبالغة والغزل في سياسات التجارة الحرة هو كذب شاعري من جانب المركز، وهو تضليل للطبقات الشعبية في المحيط كي تقبل بالشعار الخطر مؤخراً: “نحرير التجارة الدولية” وهو الشعار الذي يرغم أنظمة المحيط “دوله” على رفع يدها عن حدودها لتصل من المبوعة السيادية إلى تخليع أبواب اقتصادها. وما معنى تحرير التجارة الدولية بالنسبة لدول تستورد كل شيىء؟

[11] أما وهناك إجماع على أن اقتصاد الولايات المتحدة هو اقتصاد “الملاذ الأخير”، فهو نفسه يعاني من انتفاخ مالي أوصل قيمة اسهم الشركات الأميركية إلى ثلاثة اضعاف القيمة الحقيقية لها، أي أن الإقتصاد المالي أصبح ثلاثة أضعاف الإقتصاد الحقيقي، وهذه فراخة المضاربة، ما قد يجعل من اقتصاد الملاذ الأخير اقتصاد الذهاب إلى الجحيم الأخير.

[12] وفي فترة الحرب الوطنية،شارك في مقاتلة العدو 9 ملايين شيوعي من أعضاء الحزب، استشهد منهم أكثر من 3 ملايين في حين فقد الشعب السوفيتي ما بين 27-30 مليون مواطن.وجدير بالذكر أن قيادة الحزب، خصصت %60 من قادة وكادر الحزب للجيش ولقوات الأنصار، كان بينهم 54 عضوا أو مرشحا لعضوية اللجنة المركزية للحزب.

[13] يُجمع الكثير من الإقتصاديين اليوم على أن ما يتحكم بالعالم هو الرأسمالية الممولنةFinancialization التي تتحكم بالعالم متجاوزة الدولة الكلاسيكية ورأاس المال الصناعي.

[14] أنظر حول كوسوفو مسعد عربيد في KANAANONLINE.ORG, 1429 وعادل سمارة في نفس النشرة رقم 1449.

أنظر حول صراع روسيا على القطبية، كتاب عادل سمارة:

Beyond De-linking: Development by Popular Protection vs Development by State, Published. Chapter One.

[15] أنظر عادل سمارة،

Beyond De-linking: Development by Popular Protection vs Development by State, Published by, Chapter One, especially pages 18-24.

أهلاً بالعالم!

28 أكتوبر 2008

مرحباً بك في ووردبريس، هذه تدوينتك الأولى، حررها أو احذفها، ثم ابدأ التدوين !

الشعوب اليوغسلافية: إلى أين؟

21 سبتمبر 2008

(قراءة من الداخل في اسباب الأزمة وخيارات المستقبل)

مسعد عربيد

(سبتمبر 2008)

“أنظروا ما يحل بالشعوب الصغيرة المنفصلة في أوروبا وما هي قيمة أي منها عندما تهب العواصف الشديدة”

يوسيب بروز تيتو (1945)

توطئة

لقد كُتب في يوغسلافيا وأزمتها ما لا يحصى من مؤلفات جهدت في فهم وتحليل ما آل اليه هذا البلد من أزمات أودت بوحدته وتسببت في إنهياره. وبالرغم من وفرة الكتابات والجهود، ما زالت يوغسلافيا وتفكيكها، في أعين الكثيرين، لغزاً يستعصي حله، في حين أضحت تجربتها، في أعين آخرين، حصاناً تمطتيه قوى عديدة لخدمة غاياتها الايديولوجية والسياسية. وحيال هذا الوضع، تستوقفنا بعض الاشكاليات:

1) أن القراءات والتفسيرت الغربية لطبيعة وأسباب وسياق الازمة اليوغسلافية، هي التي طغت في العقدين الاخيرين. ولعل جل ما وصل الى القارئ العربي هو، بشكل أو بآخر، من نتاج الخطاب السياسي والاعلامي الغربي.

2) ما زلنا، رغم مرور سنين على هذه الصراعات، نفتقر الى دراسة التجربة اليوغسلافية وتبعاتها من خلال قراءة داخلية أي من خلال عيون صربية وكرواتية وبوسنية..الخ. وتقع المسؤولية الرئيسية في هذا التقصير على المؤرخين والمحللين والمثقفين اليوغسلاف انفسهم.

3) بالنسبة للقارئ العربي، ما زالت تعوزنا قراءة عربية لتلك الازمة. وب“القراءة العربية” أقصد فهماً ينطلق من التحليل الامين للواقع اليوغسلافي اولاً، ويعقد المقاربة، ثانياً، بين الحالتين، اليوغسلافية والعربية، من منظور واقع ومصالح الشعوب في هاتين المنطقتين.

ولا تتأتى ضرورة مثل هذه القراءة من منفعة آنية، ولا من كون يوغسلافيا “قوة عظمى” ذات تأثير كبير على مستقبلنا، فهي بالطبع ليست كذلك. بل تتأتى تلك الضرورة من باب النضال المشترك والاخوّة التي جمعتنا مع شعوب ذلك البلد التي ساندت قضايانا لعقود طويلة وقدمت لها كافة أشكال الدعم، وكذلك من أوجه الشبه (مع الإقرار بالكثير من الفوارق) بين واقع وإشكاليات الحالتين، العربية واليوغسلافية، وموقف الغرب الرأسمالي منهما. وربما الاهم هو ما للتجربة القومية في يوغسلافيا (تعدد الشعوب والقوميات والاقليات الاثنية) من أهمية وعِبر تعيننا في بلورة رؤية للمسألة القومية في بلادنا وفي العلاقة مع الاقليات القومية والاثنية المتآخية والشريكة معنا. وإضافة الى ذلك فان الحالة اليوغسلافية تشكل مسألة مفتاحية، من حيث الدروس والعبر التي تمخضت عنها تلك التجربة في فهم الحقبة التي نعيشها وإستراتيجية الهيمنة المعولمة لراس المال الامبريالي، تلك الاستراتيجية التي شكلت يوغسلافيا إحدى محطاتها الدامية و”حقل تجاربها” المبكر ليصبح العراق وإحتلاله وتدميره ضحيتها الكبرى. ومن هنا فان إستقراء آثارها وتداعياتها مرتبط بمنطقتنا العربية ومصيرها.

4) وعودة الى هيمنة القراءة الغربية للازمة اليوغسلافية، تجدر ملاحظة أنها في مستواها الثقافي تعاني من فوقية وعنصرية المركزانية الاوروبية في النظرة الى الشعوب “الاخرى”. أما في المستوى السياسي والايديولوجي، ومهما تعددت الاشكال والوسائل، فانه يتم توظيفها في خدمة الاهداف السياسية والاقتصادية والايديولوجية للغرب الراسمالي ـ الامبريالي. فقد تعامل الغرب[1] ـ بمجمل قواه المهيمنة سياسياً وإعلاميا ودون الدخول في مناقشة الاستثناءات القليلة أو محاولة الفصل بين يساره ويمينه، على أهمية ذلك ـ تعامل مع الشعوب اليوغسلافية (والبلقانية على وحه أشمل) على أنها تركة لحضارة متخلفة إستبدادية (عثمانية)، ما زالت محكومة، وربما بالفطرة (!)، بالتخلف والبغيضة التي ما فتأت تنهش لحمها منذ قرون مديدة. وهي، بالاضافة، شعوب لا تملك من القدرات والمهارات ما يؤهلها لادارة شؤونها، فنراها تتوق للغرب كي يهب لنجدتها. وهنا تحديداً نلمس التجليات والتطبيقات المادية لعنصرية المركزانية الاوروبية في خدمة الغايات الامبريالية للغرب الرأسمالي.

من خلال هذا الفهم، يمكننا ان نوجز الخطاب الغربي السائد في فهم وتحليل الازمة اليوغسلافية في مقولتين أساسيتين:

أ) أن فشل التجربة الاتحادية والقومية في يوغسلافيا (وما نتج عن ذلك من حروب وإقتتال وإنهيار) يعود الى التناحرات الاثنية والنزاعات الشوفينية لدى هذه الشعوب والى عجزها عن “إدارة” أزماتها ومشاكلها وحقن دماء أبنائها. وتوصلنا هذه النظرة في محصلتها الى:

ـ التنظير لإستحالة التعددية القومية والثقافية وتعزيز ايديولوجية أحادية القومية والثقافة وهيمنتها كخيار وحيد أمام الشعوب.

ـ إختلاق الذريعة لتدخل الغرب بحجة أن هذه الشعوب البلقانية عاجزة عن ان تدير أمورها لوحدها، لذا توجب على الغرب “التدخل الانساني” كي يوفر”الحماية للاقليات البريئة” من “البطش الصربي” وحقن الدماء ودفع عملية السلام وبناء “الدمقراطية” عند هذه الشعوب “المتخلفة والمسكينة”.[2]

ب) ان إنهيار التجربة اليوغسلافية، على غرار إنهيار الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية، هو فشل و”موت” للاشتراكية كنظام إجتماعي ـ إقتصادي.

(1)

قراءة بعيون كرواتية:

اطروحة بيلاندجيتش

اقدم في هذه الدراسة عرضاً لوجهة نظر تسود الخطاب الكرواتي أستمدُها من كتابات دوشان بيلاندجيتش[3] (Dušan Bilandžić إقرأ Dushan Bilandjich) حيث تمثل اطروحاته نموذجاً هاماً ل”رؤية كرواتية” سائدة حول أزمة يوغسلافيا ولمستقبل شعوبها. وقد إعتمدت في تقديم خلاصة لرؤية بيلاندجيتش الى العديد من كتبه ومقالاته ومقابلاته الصحفية والتلفزيونية.

لعل أكثر ما شدّني الى اطروحات وكتابات بيلاندجيتش هو انه من القلة المخضرمة التي ما زالت حيّة: فهو ينتمي الى ذلك الجيل الذي شارك في كفاح حرب التحرير الشعبية في يوغسلافيا (1941 ـ 1945) ثم عِبر الحقبة الاشتراكية، كما انه عايش الهزّات والحروب التي أدت الى تفكيك وإنهيار ذلك البلد. إضافة الى ذلك، فان أهمية بيلاندجيتش تكمن في قدرته على حبك الاطروحة وبراعته في “تخريجها”، فضلاً عن كونه يتقن اداء اللعبة السياسية. ولهذه الاسباب مجتمعة، إستطاع بيلاندجيتش أن يساهم في نَظْم الخطاب الكرواتي. وقد آثرت، بعد تردد، تقديم وجهات نظره دون تدخل مني في النص، سوى بخاتمة موجزة وبعض الهوامش المقتضبة، على أمل ان أعود في دراسات لاحقة لتقديم وجهات نظر صربية أو بوسنية وغيرها، والى مناقشة القضايا والاشكاليات التي يثيرها بيلاندجيتش. كما انني وجدت أنه من المفيد إضافة بعض الهوامش التوضيحية لشرح بعض مفردات وخصوصيات التجربة اليوغسلافية.

في السياق التاريخي للازمة اليوغسلافية

بعد عقد من الحروب والصراعات (1991 ـ 1999)، إنتهت “الجمهورية الاشتراكية الفيدرالية اليوغسلافية” الى الانهيار.[4] وما زالت التطورات والاحداث تتسارع في هذا البلد مما يترك العديد من الاسئلة، وفي القلب منها:

· هل ثمة إحتمال لتجديد الصراعات القديمة بين الشعوب والدول اليوغسلافية (السلافية الجنوبية)[5]، إذا ما تغيرت الاوضاع القائمة وحلت ظروف غير مواتية؟

· أم أن هناك إمكانية واقعية للعيش المشترك ولاقامة علاقات الصداقة وحسن الجوار بين تلك الشعوب وأبرزها كرواتيا وصربيا؟

في تقييمه للاوضاع الراهنة للشعوب اليوغسلافية وللعلاقات القائمة بينها [أي الشعوب التي تكونت منها الفيدرالية اليوغسلافية عبر الحقبة الاشتراكية (1945 ـ 1991)[6]]، يطرح دوشان بيلاندجيتش إجابته هلى هذين السؤالين فيما يسميه ب”الاجابة الفرضية” منطلقاً من اننا نشهد “ولادة الظروف والشروط الضرورية التي توفر الفرصة لانهاء الصراعات التاريخية بين الشعوب اليوغسلافية وإقامة علاقات حسن الجوار الطبيعية على ذات المبادئ التي يقوم عليها الاتحاد الاوروبي”. وتستند رؤيته الفرضية هذه على ركيزتين اساسيتين:

1) العملية القائمة حالياً في تشكيل “نظام اوروبي جديد”، يقصد منظومة الاتحاد الاوروبي تحديداً وربما حلف شمال الاطلسي أيضاً.[7]

2) التغيرات الدرامية التي حلّت بالدول اليوغسلافية الناشئة (أي تلك التي قامت بعد تفكيك يوغسلافيا الاتحادية) حيث “سيتم بالتأكيد، ولو ببطء، تدمير الايديولوجيات القومية القديمة والموروثة ومفاهيم الدولة التي إنقرض عهدها حيث أخذت تولد قوى ديمقراطية”.[8]

أما الحجج التي يسوقها بيلاندجيتش في إسناد رؤيته الافتراضية هذه فتقبع في الماضي غير البعيد، من ناحية، وفي النتائج والآثار التي تمخضت عنها حروب التسعينات (1990 ـ 1999) من ناحية ثانية. كما تكمن في السياسات الاقليمية للاتحاد الاوروبي وسياسات الولايات المتحدة الاميركية إزاء جنوب شرق اوروبا. ويستدعي هذا السياق معالجة الازمة والانهيار والحروب التي إحتدمت على التراب اليوغسلافي.

وتبسيطاً لعرض هذه الاطروحات المتشابكة، آثرت ان اقسم رؤية بيلاندجيتش الى المحاور الرئيسية التالية:

· تعقيدات الحالة اليوغسلافية.

· مصدر التناقضات: صربيا.

· إشكاليات الحاضر.

· تصورات الحل النهائي.

· دوافع التفاؤل بمستقبل أفضل.

· برنامج عملي للمستقبل.

(2)

تعقيدات الحالة اليوغسلافية

يرى بيلاندجيتش أنه ليس هناك في أوروبا وربما في العالم باسره من بقعة بهذا الحجم الصغير، احتدم فيها هذا القدر من الصراعات العميقة كما حصل على تراب يوغسلافيا السابقة. فقد تشابكت وتصارعت في هذا البلد مشكلات الحضارات الانسانية المعاصرة حيث جمعت يوغسلافيا على ترابها العديد من الشعوب والقوميات واللغات والثقافات والاديان، إضافة الى ما توارثته من تراث متنوع وعناصر البيئات الحضارية والثقافية المتباينة: المتوسطية والبيزنطية والاوروـ وسطية والاسلامية. فضلاً عن هذه الفوارق، فان الشعوب اليوغسلافية والى حين قيام يوغسلافيا الاولى (1918)[9] في أعقاب الحرب الامبريالية الاولى، قضت قرونا عديدة منفصلة عن بعضها تحت نير الامبراطوريتين، العثمانية والنمساوية ـ الهنغارية. كما تفاوتت تلك الشعوب في مراحل الحداثة والتطور والتنمية وبلغت الفوارق بينها حداً يفوق في بعض الاحيان الفوارق بين أكثر دول اوروبا تطوراً وأكثرها تخلفاً.[10]

(3)

مصدر التناقضات: “صربيا”

يوغسلافيا: “وحدة مصطنعة”

تحت عنوان “ماذا كانت يوغسلافيا؟” يشخص بيلاندجيتش جذور الصراع على أرض يوغسلافيا، فيقول: “يكمن مصدر وعقدة الصراع في يوغسلافيا، وكذلك الازمات والانهيار والحروب التي ألمت بها، في الحقيقة التاريخية أن يوغسلافيا كانت وحدة مصطنعة أكثر منها وحدة عضوية، حيث تصارعت وبشكل دائم منذ اواسط القرن التاسع عشر ايديولوجيات قومية ومفاهيم في إقامة الدول القومية: صربيا، كرواتيا، سلوفينيا، مكدونيا، جمهورية الجبل الاسود، البوسنة والهرتسك، البانيا [يقصد القومية الالبانية في اقليم كوسوفوـ م ع]“.[11]

ثم يشرح لنا بيلاندجيتش أن صربيا، بفعل ظروف تاريخية معينة، كانت الوحيدة بين هذه الشعوب التي إستطاعت ان تحوز على إستقلالها منذ اواسط القرن التاسع عشر، في حين لم تحظى الشعوب اليوغسلافية الاخرى بمثل هذه الفرصة فبقي بعضها يرزح تحت الحكم العثماني وبعضها الآخر في ظل الامبراطورية النمساوية ـ الهنغارية. وحسب رأيه، سعى الصرب “عبر عملية تكوّن وتوسيع دولتهم، منذ البداية وحتى إنهيار يوغسلافيا ـ أي على مدى 150 عاماً ـ الى إقامة “صربيا الكبرى”. ثم يضيف:”فقد إستطاعت صربيا، باسم يوغسلافيا، أن توسع حدودها خمسة إضعاف في الحروب بين 1912 ـ 1918″.[12] ويرى أنه على أرضية هذا النجاح الصربي الباهر إنتعشت الايديولوجية القومية الصربية لتصل “حدوداً اسطورية” حيث تم إختلاق اسطورة كيف ان “صربيا الصغيرة” استطاعت ان تهزم امبراطوريتين كبيرتين (العثمانية والنمساوية ـ الهنغارية) وتحقيق حلمها الازلي. ويتابع قائلاً: “وهكذا تم فهم وإستدخال الدولة الجديدة، أي يوغسلافيا الاولى (1918)، على أنها الوطن الصربي الجديد والكبير والخالد والموحد الذي لا يتجزأ”. أي أنه تم إستدخال دولة يوغسلافيا الموحدة في الوعي القومي الصربي على أنها “الوطن الصربي الكبير”.[13]

هكذا تكوّن، حسب ما يذهب اليه بيلاندجيتش، إطار الدولة اليوغسلافية من المنظور الصربي بحيث “تذوب الشعوب السلافية الجنوبية الاخرى في “الامة الصربية” وفق ما حلمت به النخبة القومية الصربية منذ اواسط القرن التاسع عشر. إلا ان التطور التاريخي لم يجري كما تشتهي الرياح الصربية بل إتخذ اتجاهاً معاكسا. فقد خاضت القوى القومية لتلك الشعوب (الصربية والكرواتية وغيرها) صراعات شديدة منذ لحظة إنشاء يوغسلافيا (1918) وناضلت على الدوام في سبيل، وكذلك ضد قيام وإستمرار مثل، هذه “الدولة المصطنعة”.[14]

خيارات الشعوب السلافية قبل إتحادها عام 1918

في وصفه للحقبة التي سبقت إنشاء الاتحاد اليوغسلافي الاول عام 1918، يقول بيلاندجيتش أن الشعوب السلافية الجنوبية ـ في كفاحها من أجل الحرية والاستقلال ـ وقفت آنذاك أمام رؤيتين مختلفتين ومتناقضتين:

الاولى: نحو إقامة امة واحدة تنصهر فيها الشعوب الاخرى.

والثانية:تشكيل دولة متعددة الامم والقوميات[15] ومن شعوب كانت قد أكملت شروط تكوينها القومية قبل قيام يوغسلافيا الاول عام 1918.

وعلى شكلٍ أكثر تحديداً ووضوحاً يبلور بيلاندجيتش أطروحته في أن بذور الانقسام كانت قد زرعت منذ وقبل نشوء يوغسلافيا الاولى: “في رؤية مناقضة تماماً لتحويل الكتلة الاثنية اليوغسلافية الى أمة واحدة، كانت عملية تشكيل بقية الشعوب اليوغسلافية ـ الكروات والسلوفينيين والمكدونيين وشعب الجبل الاسود ـ قد إكتملت قبل خلق يوغسلافيا”، ثم يعود ليذكرنا بان “الصدام الدائم والاكثر إحتداماً كان مستعراً بين كرواتيا وصربيا”.[16]

كانت كرواتيا، قد أكتسبت في ظل الحكم النمساوي ـ الهنغاري وضعاً قانونياً خاصاً إتسم “بالسيادة” على أراضيها كان أقرب ما يكون الى دولة: فقد سميت كرواتيا “مملكة” وكان لها “ملك كرواتي” وحدود معترف بها كما كان لها “بان” (ban) أي ما يشابه الحاكم ونائب ملك، وجميعة عمومية وطنية تقوم مقام البرلمان وحكومة ووحدات عسكرية كرواتية. وقد دُمر هذا كله، وفق ما يرى بيلاندجيتش، لحظة إلتحاق كرواتيا بيوغسلافيا (عام 1918). كما تسبب إلتحاقها هذا بخروج كرواتيا من “دولة قانونية متطورة، مثل ما كانت عليه القيصرية النمساوية”، والانتقال من “دائرة الحضارة الاوروبية الوسطى” الى “نظام صربي ـ بلقاني، عسكري ـ بوليسي بدائي”.[17] إلا أنه يعود ليقر صراحةً بانه: “وبالرغم من كل ما يقال فقد قبلت كرواتيا بالانضمام الى يوغسلافيا [يقصد عام 1918 ـ م ع] لان البديل الآخر الذي كان ينتظرها آنذاك هو إقتسامها بين القوى الثلاث: صربيا الكبرى وإيطاليا الكبرى والمملكة النمساوية ـ الهنغارية (لو قدر لها إلاّ تنهار إثر الحرب العالمية الاولى)”.

أما سلوفينيا واقليم فويفودينا[18] فقد وجدا نفسيهما في الوضع ذاته مثل كرواتيا، حيث كانت هذه البلدان الثلاثة (كرواتيا وسلوفينيا واقليم فويفودينا) “متفوقة على صربيا في كافة المجالات: طور التصنيع، التمدن، الثقافة، المعرفة ..الخ”.

أما الصراع حول مصير البوسنة والهرتسك ومصيره، “فقد كان محتدماً منذ أواسط القرن التاسع عشر وحتى إنهيار يوغسلافيا، على أرضية الافكار القومية الصربية والكرواتية. فقد إدعي كل من الصرب والكروات ان البوسنيين كانوا في الاصل، اي قبل تأسلمهم، صرباً أو كرواتاً”.[19] ولم يكن الصراع وفق بيلاندجيتش يدور حول بقعة صغيرة من الارض بل كانت مساحة كل من هذه البلدان (صربيا وكرواتيا والبوسنة) متقاربة حيث بلغت مساحة البوسنة والهرتسك آنذاك (129و51 ) كم مربع، ومملكة صربيا حتى حلول عام 1912 (968و55) كم مربع ، أما كرواتيا فقد بلغت مساحتها (538و56) كم مربعاً.

الفيدرالية اليوغسلافية وإحياء الهيمنة الصربية

هكذا إذن كان حال مملكة يوغسلافيا، حافلة بالتناقضات والصراعات، حين وصل المحتل النازي عام 1941، فاستسلم الملك اليوغسلافي دون مقاومة وفر من البلاد ليقيم بعد ذلك في لندن.

من وحي تجربة حرب التحرير الشعبية، يرى بيلاندجيتش ان الحزب الشيوعي اليوغسلافي (ح ش ي) بلور رؤيته من المسألة القومية في يوغسلافيا[20] والتي إرتكزت على “ان شعوب يوغسلافيا تستطيع ان تتعايش سوية وبسعادة إذا ما تمت إزالة نظام صربيا الكبرى وإذا ما تكونت فيدرالية على غرار ما حصل خلال مرحلة حرب التحرير الشعبية (1941 ـ 1945). إلاّ أن فكرة صربيا الكبرى لم تنحسر، بل إعتقدت أنها تستطيع ان تفرض ذاتها عبر مركزية الدولة”. وحسب تفسيره، تكمن المفارقة في أنه في حين أسس الشيوعيون اليوغسلاف، دولة مركزية، على غرار الاتحاد السوفييتي، فان صربيا رأت في تلك الدولة أو من خلالها “إمكانية لإحياء هيمنتها بشكل متدرج”.[21]

يوغسلافيا الاتحادية في الذهنية والوعي الصربي

لقد وافق الصرب على نهج مركزية الدولة في الفيدرالية اليوغسلافية منذ إنشاء يوغسلافيا المعاصرة (1945) “آملين بان تصبح الفيدرالية، مع تقادم الزمن، حروفاً ميتة على الورق فيستطيعون [أي الصرب] من خلال هذه المركزية ان يحكموا يوغسلافيا”. لذا سعت صربيا الى تعزيز وتثبيت مركزية الدولة في حين تصدت لهذه المحاولات كل من كرواتيا وسلوفينيا ومكدونيا. إلا أن التعديلات الدستورية لعام 1974، والتي وقف تيتو ورائها بحزم ووضوح، أقرت علاقات ذات طبيعة كونفدرالية بين كافة مكونات الفيدرالية اليوغسلافية (الجمهوريات الست وإقليما كوسوفو وفويفودينا)، مما أدى الى إضعاف صربيا وتفكيكها من خلال منح إقليميها الحكم الذاتي.[22] وقد نظرت صربيا، حسب ما يراه بيلاندجيتش، الى هذه التحولات “كهزيمة تاريخية لفكرة صربيا الكبرى وكتدمير لنتائج أربع حروب 1912 ـ 1945″.[23]

أما النخب السياسية والثقافية الصربية فقد ردت على هذه التطورات، بالشروع ب”الحركة القومية الصربية” كنقيض للحركة الكونفيدرالية ومن أجل تجديد نظام الدولة المركزية الوحدوية. إلاّ أن تلك النخب ظلت عاجزة عن تحقيق هذه المبادرة حتى وافت المنية تيتو وكارديل وباكاريتش.[24] ويشرح لنا بيلاندجيتش كيف أن صربيا هي التي دفعت باعادة المركزية الفيدرالية في حيت عارضت ذلك كافة الجمهوريات الاخرى: “على أرضية الوعي الذي تكوّن عبر قرن من الزمن بان يوغسلافيا هي صربيا الموسعة [يقصد الوعي الصربي بيوغسلافيا وفهم الفيدرالية اليوغسلافية وإستدخالها في الوعي الصربي على أنها صربيا الكبرى او الموسعة ـ م ع]، وعلى أرضية التيقن من اتجاهها نحو الانهيار، ظهرت فور وفاة تيتو (1980)، الحركة القومية لعموم صربيا والهادفة الى تدمير الكونفدرالية/الفدرالية اليوغسلافية وإحياء الهيمنة الصربية. ففي المرحلة الاولى (1980 ـ 1987) إتخذت صربيا مبادرة دستورية لاعادة السياسة المركزية (recentralizacija) في يوغسلافيا، إلاً أن كافة الجمهوريات الاخرى والاقليمين التابعين لصربيا (كوسوفو وفويوفودينا) تصطدت لهذه المبادرة وتمكنوا من إيقافها مما حدى بصربيا بالتوجه نحو إشعال الحروب”.

حروب التسعينات: كيف إختفى التفوق الصربي

كانت صربيا، في أواخر ثمانينات وأوائل تسعينات القرن الماضي، متفوقة عسكرياً على أطراف الصراع الاخرى، كما حظي الصرب أيضاً بالتفوق الديمغرافي حيث بلغ تعداد الصرب آنذنك (اولئك المقيمين في صربيا إضافة الى الصرب الموزعين في الجمهوريات اليوغسلافية الاخرى) 36% من مجموع سكان يوغسلافيا. وفي مقالة بعنوان:” الهزائم العسكرية الصربية في التسعينات: كيف إختفت آليات تفوق مفهوم الكبرى؟”[25]، يستعرض بيلاندجيتش عناصر تفوق صربيا، إضافة الى التفوق الديمغرافي، على النحو التالي:

1) حركة قومية صربية كاملة التطور تضم كافة الصربيين، داخل وخارج جمهورية صربيا، وخاصة اولئك الذين يقطنون كرواتيا والبوسنة والهرتسك.

2) عصبة الشيوعيين اليوغسلاف[26]: يؤكد تاريخ يوغسلافيا على أن من أمسك بزمام هذا التنظيم السياسي القوي يستطيع بكل تأكيد ان يحكم البلاد. إلا انه يبدو أن القيادة الصربية لم تدرك ان هذه العصبة (الحزب الحاكم) كانت قد إنهارت بالكامل في يناير 1990 ولم يلتئم إجتماع لجنتها المركزية بعد ذلك.

3) الجيش الشعبي اليوغسلافي: اي الجيش الفيدرالي الذي شكل دوماً القوة العسكرية القادرة على الدفاع عن النظام والدولة والذي كان قد تلقن العقيدة والايديولوجية الشيوعية والانتماء الى القومية اليوغسلافية.[27]

4) بنية ومؤسسات الدولة الفيدرالية (الرئاسة، الحكومة الفيدرالية، التنظيم السياسي، السلك الدبلوماسي..الخ).

5) مركز القوة المالية (البنك المركزي، البنوك الكبيرة، قلاع التجارة الكبرى في العاصمة بلغراد).

6) إستعداد المجتمع الدولي ورغبته في الحفاظ على يوغسلافيا موحدة ودعم القوة التي تسند وحدة البلاد (أي صربيا). فقد كان المعسكر الشرقي، بقيادة الاتحاد السوفييتي، مستعداً على الدوام للدفاع عن النظام الشيوعي في يوغسلافيا رغم الخلافات معها. أما المعسكر الغربي، وعلى راسه الولايات المتحدة الاميركية، فقد ساند يوغسلافيا ووحدة أراضيها على مدة 35 عاماً وقدم لها كافة أشكال الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي من أجل الحفاظ على إستقراراها.

7) الوهم بان هناك قوى ذات وزن تؤيد الوحدة اليوغسلافية والدولة الاتحادية بين شعوب يوغسلافيا السابقة.

إستنادا لهذه الآليات، راهنت القيادة الصربية وقيادة الجيش الفيدرالي في حساباتها على القضاء على المقاومة وإعادة يوغسلافيا من المنحى الفيدرالي ـ الكونفدرالي الى الادراة المركزية الموحدة وبسط الهيمنة الصربية على الشعوب غير الصربية.[28] إلاّ أن تطوراً تغيراً سريعاً ومفاجئاً حدث بين بين عامي 1989 و1990 وشكل منعطفاً ندر أن يحدث في تاريخ الشعوب وهو إختفاء كل عناصر التفوق الصربي التي أدرجناها أعلاه. فكيف حدث ذلك؟

أ) داخلياً: إنهارت عصبة الشيوعيين اليوغسلاف، الحزب الحاكم وحامية النظام اليوغسلافي، في يناير 1990، حين “رفض الشيوعيون الكروات والسلوفينيون المبادرة التي طرحها الشيوعيون الصرب في إعادة المركزية الى العصبة مما أدى الى إنهيارها”. هكذا، إذن حُسم مصير دولة يوغسلافيا “كما سقط الوهم الاخير بان هناك قوى كرواتية وسلوفينية، على ضآلتها، ستنضم الى صربيا”. كذلك باءت بالفشل كافة محاولات التفاهم بين العاصمة الفيدرالية بلغراد ومسلمي البوسنة والهرتسك عام 1991.[29]

ب) خارجياً (دولياً): غني عن القول، أن الحدث التاريخي والدولي الاكثر حسماً وأثراً على مصير يوغسلافيا عامة ومصير صربيا بشكل خاص، كان إنهيار المعسكر الاشتراكي في اوروبا الشرقية (1989 ـ 1990) وتفكك حلف وارسو وإنهيار الاتحاد السوفييتي (أغسطس 1991)، والذي تزامن مع تحرك الدبابات الصربية من بلغراد متجهة نحو كرواتيا.

بانهيار الاتحاد السوفييتي، فقدت صربيا حليفها الاكبر ـ روسيا ـ “مما سهّل، بشكل حاسم، النضال من أجل قيام دول مستقلة على تراب يوغسلافيا السابقة ـ كما أنه مكّن الغرب في خريف 1991 من التخلي عن فكرة الحفاظ على يوغسلافيا” [يقصد الحفاظ على يوغسلافيا ككيان سياسي موحد ذي سيادة وعلى وحدة اراضيها ـ م ع].

يرى بيلاندجيتش أن الخطأ يكمن في أن “النخبة الصربية الحاكمة التي إرتكزت على ايديولوجية القومية الصربية الداعية لقيام صربيا الكبرى، والتي حظيت بدعم كبير من الشعب الصربي،[30] لم تدرك أن الشعوب غير الصربية، مستعدة للنضال من أجل سيادة دولها كما أنها لم تأخذ بالاعتبار هزيمة الشيوعية في اوروبا وإنهيار الامبراطورية السوفيتية كمنعطف تاريخي ـ عالمي، بل هرعت [ أي النخبة الصربية الحاكمة] الى حرب مغامرة”.

(4)

إشكاليات الحاضر

في معرض تشخيصه للاوضاع والمشاكل الراهنة في بلدان يوغسلافيا السابقة، يرصد بيلاندجيتش الاعتبارات الرئيسية[31] التالية:

ـ سلوفينيا الآن منهمكة ببناء الديمقراطية “المستقرة” والتي كانت الاساس في منحها عضوية الاتحاد الاوروبي.

ـ تدخل كرواتيا “فترة تهدئة دائمة” بعد إقامة دولتها المستقلة.

ـ أما في صربيا، فقد بدأت عملية التهدئة وكذلك الامر في مكدونيا وإقليم كوسوفو.

ـ بعد إنفصالها عن صربيا، ستحرز جمهورية الجبل الاسود الاستقرار على نحو أسرع وأسهل.

ـ قد تحدث بعض القلاقل في البوسنة والهرتسك، بما فيها الصدامات المسلحة، على أيدي بعض العناصر المغامرة.[32]

أما إشكاليات الحاضر فيوجزها بيلاندجيتش في العناوين التالية:

1)الآثار المدمرة للحروب: يعتقد بيلاندجيتش أن الحروب على أراضي كرواتيا والبوسنة وكوسوفو قامت من أجل إبادة الآخر ومن أجل الاستيلاء على الاراضي بين الشعوب المتخاصمة وإقامة دول إثنية نقية، لذا لم تقتصر هذه الحروب على قتل جنود العدو بل تعدت ذلك الى الابادة البيولوجية للشعب “العدو”. “لقد تم قتل وتدمير كل شيء ينبض بالحياة، تم تدمير قرى ومدن ومواقع وآثار ثقافية ودينية وتاريخية كي يتم محو الماضي والحاضر والمستقبل لهؤلاء الضحايا”.[33]

2) “لقد شكلت الايديولوجية القومية والوعي التاريخي بها وخصوصا مكوناتها الاسطورية، الملهم الرئيسي والدليل المرشد لهذه الصدامات والحروب، مما يعيد الاطروحة التي تقول بانه الاجيال المتحاربة اليوم ان تحقق أحلام ووعود الاجيال السابقة، بهدف إقامة دول ذات قوميات متجانسة.”[34] وكما كانت النزعات القومية (الشوفينية) دافعاً للحروب، “فانها تقف اليوم كأكبر عقبة أمام تعافي العلاقات بين الدول الجديدة”.

3) تدمير البنية التحتية الاقتصادية: أما المصدر الآخرللعقبات والمعيقات فهو تلك الحالة المحزنة التي تعيش فيها هذه المجتمعات باستثناء سلوفينيا والى حدٍ ما في كرواتيا”. فقد إجتازت هذه المجتمعات عبر العقدين الاخيرين، “عملية عكسية” أدت الى إعاقتها وتدمير الانجازات التحديثية والتصنيع الاشتراكي المكتمل ليحل مكانه التخلف الصناعي والتكنولوجي، أي التخلف بكل مظاهره، وعلى كافة أصعدة الحياة الاجتماعية. فقد عادت صربيا، حسب المؤشرات الاقتصادية ومن منظور التنمية والتطور الاقتصادي، الى ما كانت عليه قبل 50 عاماً، في حين عادت كرواتيا 20 عاماً الى الوراء، أما البوسنة والهرتسك فقد تم تدميرها إقتصادياً خلال حرب 1992 ـ 1995 وكذلك هو الحال في كوسوفو.

4) تدمير الطبقة المتوسطة: لقد قضت عملية تدمير التصنيع وتفشي الفساد والفوضى على الطبقة الوسطى التي تشكل عامل الاستقرار في المجتمع.

5) الانظمة الجديدة ـ فساد ونهب وإجرام: لم يكن ما ذكرناه من تدمير البنية الاقتصادية وعملية التصنيع نتيجة للحروب وحدها، بل، حسب بيلاندجيتش، “كذلك بسبب التحول الذي وضع “إقتصاداً إجرامياً” في أيدي أثرياء الحروب والفاسدين والحكّام الجدد الذين نهبوا البلاد وكأنهم محتلون جدد لا مقاتلون وطنيون”. يقول بيلاندجيتش في أنظمة ما ـ بعد الشيوعية:”لا تستطيع مثل هذه الانظمة، بل انها لا تسعى الى أية استراتيجية تنموية لان ما يواتيهم هي حالة الفوضى وغياب القانون كي تتيح لهم فرص تراكم الثروة التي حققتها الاجيال السابقة. كل هذا أدى الى معدل عالٍ من البطالة. ففي كرواتيا تناقص عدد العاملين مما يقارب 7و1 مليون عام 1990 الى حوالي مليون. أما في صربيا فان عدد العاطلين يفوق عدد العاملين.”

6) إنهيار القيم: “إلاّ ان أكبر النتائج الوخيمة للحرب والانهيار الحضاري العام هو الوضع الاخلاقي والسيكولوجي العصيب للملايين من الناس. لقد إنقادت الاغلبية الساحقة للشعب لزعمائها القوميين ولقادة الحروب. إلا انه تم، في تلك الحرب، إستنفاذ وتبديد تلك الطاقة “الشعبية” التي حولت الناس الى أشرار. لذا، تعم اليوم النقمة والاحباط والانهاك والهبوط النفسي والمعنوي والقنوط. وبسبب إنعدام الرغبة في المشاركة في الحياة السياسية، إنسحب الناس الى ذواتهم وإنتهت الاغلبية الى السلبية. لقد أصبحت الحياة صعبة، لذا يصح أن نتوقع قيام حركات سياسية ديمقراطية جديدة بالاضافة الى إضطرابات إجتماعية. في ظل مثل هذه الظروف العامة، ليس من الغريب ان نجد أنه لم تتكون أحزاب سياسية مدنية حديثة تنخرط في النضال من أجل تغيير الانظمة الراهنة وفي سبيل خلق مجتمع ديمقراطي حديث”.[35]

(5)

تصورات الحل النهائي

“ان ماضي وحاضر ومستقبل البلقان يتطلب ألاّ تُترك هذه الشعوب لوحدها الى حين تهدأ النزاعات الموروثة والراهنة”

يقيم بيلاندجيتش تصوراته للحل النهائي على الركائز التالية:

أولاً:نهاية الخيار العسكري: يحاجج بيلاندجيتش أن إحتمالات الصدام المسلح بين شعوب يوغسلافيا السابقة لم تعد قائمة. وفي حين أنه لا ينفي إحتمال قيام التوترات بما فيها الصدامات المسلحة، إلا انه يرى أن هذا أيضاً لن يتجاوز حدود التحرشات القومية الشوفينية. وفي تعليله فان إنتفاء إحتمالات الصدامات المسلحة يعود عاملين أساسيين:

أ) غياب المبررات المحلية (الذاتية): “نعم، لقد كانت حروب 1991 ـ 1999 مأساة لكافة شعوب يوغسلافيا السابقة، إلاّ أنها، من الناحية الثانية، عبدّت درب السلام الدائم”. ويقر بيلاندجيتش ان هذه الفرضية “حقيقية بقدر ما هي محزنة”، لان ما حصل هو أن القوميين خاضوا الحروب باسم إنشاء دول متجانسة قومياً. وكان من نتائج هذه الحروب:

· أن أقامت شعوب كرواتيا وسلوفينا ومكدونيا والجبل الاسود والصرب دولها القومية، وعلى الارجح أنه لن يخطر ببالها خوض حروب جديدة. أما الصرب[36] فقد تكبدوا أفدح الخسائر ولن يتطلعون الى خوض حروب جديدةً.

· كما تحررالالبان [يقصد ألبان إقليم كوسوفو] من الهيمنة الصربية التي دامت منذ عام 1912 حتى عام 1999 ويأملون الآن باقامة دولة خاصة بهم.[37]

ب) غياب اللحظة التاريخية: ينحى بيلاندجيتش في تعليله لإنتفاء خيار الحرب لدواعي منهجية أيضاً، حيث يعلمنا التاريخ، حسب قوله، ان الشعوب الصغيرة تستطيع أن تسير في خطوات تاريخية فقط ضمن منعطفات تاريخية كبيرة تحركها القوى الكبرى كما حدث في كل من عام 1918 و 1945 و1991 . ويشرح لنا ما يقصده:”هل من الممكن تصور حدوث منعطف تاريخي جديد في اوروبا أو في العالم مشابه لما حدث في الحرب العالمية الاولى حين إنهارت اربع قيصريات وتفجرت سلسلة من الثورات، أو ما حدث عام 1945 عندما إندحرت النازية ـ الفاشية، أو عام 1991 عندما سقطت الشيوعية؟ إن الحامل العالمي للحضارة والسياسة الراهنتين هما الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الاميركية. هل من الممكن تحطيم البنية الاوروـ أطلسية بالقوة أو ان تنهار لوحدها في المدى المنظور؟”.[38]

يفضي بنا بيلاندجيتش، إذن، الى خلاصة مفادها انه في الافق البعيد لن تكون هناك إحتمالات نشوب نزاعات على غرار ما حدث بين عامي 1990 ـ 2000: “لعله من نافل القول محاججة ان نشوة الحروب في أراضينا قد خبت مما يخلق الحيز لتطبيع العلاقات بين الدول السلافية الجنوبية”.[39]

ثانياً:دور “المجتمع الدولي” في العلاقات المستقبلية

يرى بيلاندجيتش انه في إطار إحتمالات العلاقات المستقبلية بين دول يوغسلافيا السابقة فان المجتمع الدولي سيلعب دوراً رئيسياً، و”ان المجتمع الدولي، وعلى وجه أكثر دقة الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة، يجب أن يستمر في إدارة بلدان البلقان الغربية، كما فعل خلال الحروب السابقة”. ففي تقديره ان مستقبل البلقان يكمن في الاتحاد الاوروبي الذي لن يسمح “لشعوب البلقان الصغيرة التي تشكل ما بين واحد وعُشر بالمئة (1.1 % - 1.0%) من مجمل سكان اوروبا بان تهدد وحدة اوروبا”. لذلك يسعى الاتحاد الاوروبي الى إقامة العلاقات الطبيعية بين هذه الشعوب، “كي تكون هذه البلدان، ومع مرور الزمن وفي حلة حضارية جديدة، مقبولة لدى الاتحاد الاوروبي. ستكون هذه عملية طويلة ومؤلمة، إلا ان ليس هناك بديلا آخر.”

ثالثاً: “يعتمد “الحل النهائي” على ما يسمى ب “القوى الشعبية”، فهي المحرك الرئيسي للانتقال من الاستبداد الى الديمقراطية. “إلاّ أن الشعوب التي إعتادت لعقود طويلة على دعم قادتها السياسيين، لا تدرك لوحدها ولا تستطيع أن تعترف صراحةً بانها كانت على خطأ وأن هذه القيادات قد خدعتها، لان هذا يعني انها تدين نفسها وهويتها القومية والسياسية والايديولوجية. وهذه العملية النفسية صعبة ودراماتيكية وتفترض التخلي عن درب القومية والاستبداد والقبول بالديمقراطية والمصارحة والرغبة في إقامة علاقات حسن الجوار والسلام والتعاون”.[40]

رابعاً: العلاقات الانسانية: تجري في الواقع الكثير من أوجه المصالحة بين الناس الذين تقاسموا العيش المشترك وإختلطوا وتزاوجوا لاكثر من 70 عاماً. إلا انه، بالمقابل، هناك نشاطات منظمة تعادي المصالحة بين الناس مثل بعض أطراف السلطة والمؤدلجين لاقامة دول “نقية الاثنية”.

خامساً: سقوط الايديولوجية: سيسير التطور الاجتماعي في المستقبل على نحو أكثر يسراً بسبب هزيمة الايديولوجيات السياسية في حروب التسعينات:

1) لقد ماتت “القومية السلافية” panslavizam اي الايديولوجية التي تبشر بان “الام روسيا” تحمي وحدة الشعوب السلافية الجنوبية.

2) كما سقطت “اليوغسلافية” (بمعنى قومية الشعوب السلافية الجنوبية) التي ترعرعت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين والتي قامت على إساسها يوغسلافيا الاشتراكية الاتحادية، ايديولوجية “الاخوة” والدول المشتركة “الكبيرة” كحصن ضد هيمنة المانيا وايطاليا وهنغاريا وغيرها من القوى المهيمنة الكبرى.[41]

3) “كذك سقطت الشيوعية، ايديولوجية إقامة المجتمع اللاطبقي و”الحديقة المزهرة” للحضارة الجديدة”.

سادساً: هزيمة “القومية”: سيكون السؤال المفتاحي للمستقبل هو: ماذا سيحلّ بالقومية؟

ينبؤنا بيلاندجيتش بان القومية كايديولوجية ومفهوم في طريقها الى الزوال ويضيف مفسراً بانه قد أصبح الآن جلياً أن نشوة ووتيرة القومية بين الشعوب قد أخذت تخبو رغم أن الاجهزة الدعاوية وبعض الجماعات والافراد ما زالوا يدعمونها. كما أخذت تتوطد القناعة بان القومية لن تنجز تحديث المجتمع لانها (أي القومية) بطبيعتها تحول دون الديمقراطية داخل الامة حيث أنها ترغم المواطنين على الاعتقاد بانه في قمة هرم كافة القيم، تقف الدولة وزعيمها ـ قائد الامة. هذا من ناحية، ومن الناحية الثانية فان القومية تودي الى عزل الامة داخل ذاتها وإنغلاقها على نفسها تحت اسم انقاذ السيادة الوطنية والاقتصاد القومي والثقافة القومية والذي يؤدي في نهاية المطاف الى الهزيمة. خلاصة القول لدى بيلاندجيتش، “ان حلم القرون في تكوين الدولة القومية، وكذلك الحفاظ على الدول القومية يمكن ان يتحول الى هزيمة كما تؤكد عليه حالة صربيا” … “وان العمليات التي تجري حالياً، وخاصة تلك التي سوف تتكشف ستكون مستوحاة من التأثير المتزايد للغرب حيث كان هناك على الدوام وعياً بان المجتمعات الاوروبية الغربية متفوقة في كافة المجالات”.[42]

سابعاً: افول تاريخ وبزوغ تاريخ جديد ـ هيمنة الغرب: يختتم بيلاندجيتش تصوراته للحل النهائي قائلاً: “ان الحرب والحالة الراهنة أمر لا يطاق بسبب الانهيار الحضاري المذكور. هذا من ناحية. ومن الناحية الثانية، فان الحرب قد دفنت ايديولوجيات ونظريات سياسية، ومهدت الطريق كي يبدأ على هذه الانقاض، بناء الديمقراطية الحقيقية. لقد اسدل الستار على تاريخ، ليبزغ فجر تاريخ آخر. إن قيام المجتمع الجديد سيكون على الارجح مشابهاً لتلك العمليات التي مرت بها البلدان الغربية ـ بناء الراسمالية والمجتمع الديمقراطي”.[43] وعليه، “فان ما سيحصل هنا هو تكرار للتاريخ، ولكن في فترة أقصر هذه المرة بحيث نصل في نهاية العملية الى تغيير تركيبة المجتمع الجديد، من الناحية البنيوية والوظيفية ومن حيث المبادئ والممارسة، ومن سَنة الى سَنة، الى أن تختفي “يوماً ما” الفوارق بين كرواتيا والنمسا على سبيل المثال، أو بين صربيا وإيطاليا ـ لا من حيث إتساقها في المظهر والشكل بل من حيث السمات القومية، حتى تصل هذه الدول، من حيث الجوهر، الى التشابه والاصالة مع الدول الغربية. هذا الدرب لا مفر منه ولكنه سيكون صعباً وطويلاً.”[44]

ثامناً: الآثار النفسية: “ستترك حروب 1991 ـ 1999 وإنهيار يوغسلافيا على عقول ونفسية ودنيا الملايين من الناس آثاراً وتغييرات قد تفوق تلك التي تركتها الحربان العالميتان”. فقد كشفت هذه الحروب لكافة الشعوب السلافية الجنوبية عن “الوجه الحقيقي لكل منهم وأزالت القناع عن كل الاطراف، إضافة الى أنها، أي الشعوب، أدركت من ساهم في تلك الحروب سلباً وإيجاباً”.

(6)

المستقبل: مبعث التفاؤل

“ان تدمير الايديولوجيات القومية التي حكمت الناس قرابة 200 عاماً، هو الذي يعبد درب حسن الجوار والسلام المستقر”.

رغم تاريخ طويل من النزاعات، يرى بيلاندجيتش أنه ما زالت “في هذا الجزء من البلقان حجج عقلانية، روحانية ومادية” تدعم الامل بمستقبل أفضل، ويسوق لنا منها ما يلي:

اولاً، زوال الاوهام حول “صربيا الكبرى” و”كراتيا الكبرى“: دفنت حروب 1991 ـ 1999 “كل الاوهام حول مفهوم صربيا الكبرى والذي كان السبب الرئيسي للنزاع في يوغسلافيا السابقة وسبب كافة النزاعات التي دامت قرناً من الزمان على أرض البلقان”. ومن ناحية ثانية، تدخل كرواتيا “فترة تهدئة دائمة” حيث، تحقق، حسب ما يقوله القوميون الكروات، “حلمهم الألفي” في إقامة دولة مستقلة، وإنهزمت فكرة “كرواتيا الكبرى” والتي كانت تطمح بكافة أراضي (او بجزء منها) البوسنة والهرتسك وبحدود تمتد شمالاً نحو نهر الدانوب قرب بلغراد.[45]

ثانياً، الحروب والفقر: يرى بيلاندجيتش ان الحرب والفقر قد خلّفا تأثيراً مضاداً للانظمة القائمة وداعماً في الآن ذاته للاصلاحات الديمقراطية. فقد “إستنفذت حروب العقد الماضي الطويلة والمضنية ما تبقى من الموارد الاحتياطية وأتت على آية رغبة في مغامرات عسكرية جديدة. هناك اليوم ما يقارب من مليون إنسان من المنهكين والمكتئبين. كما أوصلت أنظمة حقبة ما بعد ـ الشيوعية الاقتصاد الى حالة محزنة، حيث هبط معدل الانتاج الاجمالي الى مستويات ما كانت عليه قبل عدة عقود. وبشكل موازٍ نجد أن طبقة صغيرة قد أثرت في حين يتم إفقار الشعب”.[46]

ثالثاً، إحياء وتوطيد الروابط العضوية: لقد أدت حروب التسعينات الى قطع الروابط بين الشعوب والدول اليوغسلافية مما أدى الى خسائر إقتصادية فادحة لكافة الاطراف، وهي أحدى الحجج التي تدعّم الروابط بينها. وعليه، يرى بيلاندجيتش:

أ) إن “الروابط العضوية التي حكمت العلاقات بين الشعوب اليوغسلافية هي في حقيقة الامر سُنة حياة أكثر من كونها شأناً ايديولوجياً أو مجرد نوايا حسنة”.

ب) وأن “مسار الاحداث ومستقبلها سيرغم الانظمة الراهنة وقوى المعارضة والقوى الجديدة الساعية للوصول الى السلطة وكذلك بلدان الجوار، على إحياء العلاقات والروابط التي كانت قائمة قبل حقبة الحروب” [يقصد قبل إندلاع حروب عقد التسعينات].

رابعاً، تعاون الشعوب على أرضية “الحسابات الصافية”: “لقد خلّفت التركيبة الجيو ـ سياسية الجديدة في البلقان دولاً مستقلة تستطيع الآن ان تقيم علاقات التعاون على أساس الحسابات الصافية والمصالح المشتركة دون وساطة الايديولوجيات الكاذبة”.[47]

خامساًً، دور “المجتمع الدولي” وبناء اوروبا الجديدة

أ ) تفوق الغرب: يقول بيلاندجيتش إن “النتيجة النهائية” للعلاقة بين “الكل” (ويتمثل حسب تعريفه بالولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي) والاجزاء (وهي الدول الناشئة حديثاً) واضحة تماماً: يتوجب على الاجزاء ان تتكيف مع الكل. ويرى أن “تفوق الغرب الروحي والمعرفي ـ التكنولوجي والاقتصادي والثقافي”[48]، بالمقارنه مع البلقان مغري الى حدٍ كبير، بحيث لا تقوى اية دولة صغيرة على ان تقف في وجهه. ويوضح قائلاً ان “البلقان، الجزء الاكثر تخلفاً في اوروبا، لا يستطيع ان يحيا طويلاً دون الاندماج في الغرب. فالعولمة ليست موضوع رغبة بل هي سُنة حياة أكثر قوة من الايديدولوجيا. أما البديل فهو الاختناق داخل جيتو الذات، الاختناق الاقتصادي أولاً ومن ثم الانهيار الروحي. والدليل التجريبي على مثل هذا المصير هي صربيا اليوم التي حلت بها الكارثة بعد ثمانية أعوام من العقوبات”.[49] ويضيف موضحاً أن مساهمة شعوب البلقان:”في المعرفة والتكنولوجيا والثقافة الاوروبية هامشية وليست ذات أهمية على الاطلاق بالرغم من أنهم “يتنافخون” بنرجسية بانهم “أقدم الشعوب”.[50]

ب) من هذا المنطلق، يرى بيلاندجيتش، أن المجتمع الدولي سيلعب خلال السنوات العشر القادمة دوراً حاسماً في تهدئة الاوضاع وتدعيم الاستقرار في البلقان. ولا يتواني بالرد إستباقياً على من يخالفه الرأي: “يرفض بعض المتمسكين بالسلطة والمنظرين القوميين بشيء من القرف والتخوف، يرفضون تدخل المجتمع الدولي متهمينه بانه لا يثق بقدرات هذه الشعوب في أن تدير شؤونها بنفسها وبانه [أي المجتمع الدولي] يسعى لتدمير سيادتها”.

ت) التدخل الغربي ـ ضمانة الاستقرار والسلام: “يدل التدخل العسكري للمجتمع الدولي في الحروب اليوغسلافية 1991 ـ 1999 على دوره المرغوب به. ومع ان هذا التدخل جاء متأخراً ومتلكئاً، فلولاه لاستمرت هذه الحروب على الارجح حتى التدمير الذاتي للشعوب المتحاربة. أما معاهدة الاستقرار فهي استمرار لتلك السياسة في ظل السلام”.[51]

ث) “بروكسل”: نهاية المطاف: “ان الحل النهائي والغاية المنشودة هي الوصول الى وضع تلتغي فيه الحدود من الحياة اليومية والعملية للناس العاديين بمعنى إنتفاء الحدود التي تحول دون حرية حركة الناس والافكار والتجارة ورأس المال كما هي عليه الحال اليوم بين بلدان الاتحاد الاوروبي”.[52] وكي لا يدع مجالاً للتأويل أو إساءة الفهم، يؤكد بيلاندجيتش ان ما يقصده هوان السيادة سوف تنتقل في المستقبل، تدريجياً، من عواصم تلك البلدان (بلغراد، زاغرب، ليوبليانا…) الى بروكسل “حيث تلتحق بغيرها من البلدان في بناء اوروبا الجديدة”.

(7)

خلاصة اطروحات بيلاندجيتش

برنامج عملي

إتساقاً مع الفرضيات الاساسية لاطروحاته “وبروح الاصلاح”، على حد قوله، الذي يقود نحو إدخال دول جنوب شرق اوروبا في الاتحاد الاوروبي، يخلص بيلاندجيتش الى ضرورة العمل على الاسس وبالاتجاهات التالية[53]:

· إستمرار تواجد المجتمع الدولي في تلك البلدان لسنوات عديدة؛

· تجريد المنطقة من السلاح؛

· بناء البنية التحتية لنظام سياسي وحقوقي ديمقراطي؛

· إنتقال الملكية من ملكية الدولة الى الملكية الخاصة؛

· التعمير الاقتصادي على غرار خطة مارشال؛

· إعادة بناء التركيبة الاثنية التي كانت قائمة في حقبة ما قبل الحرب؛

· الإندماج المتزامن بين هذه الدول الجديدة الناشئة بعضها البعض، من جهة، وبينها وبين الاتحاد الاوروبي من جهة اخرى.[54]

هذا هو بيت القصيد والبرنامج العملي للحل كما يتصوره بيلاندجيتش. ولم يغب عن بال بيلاندجيتش، وهو السياسي والمؤرخ المحنك، ان هذا التوجه يحمل في ثناياه، مخاطر جسيمة على مستويات السيادة الوطنية وأحوال الطبقة العاملة الكرواتية والدونية الحضارية والثقافية والمعرفية. إلا ان هذه المخاطر والمحاذير لا تردعه عن الدفع برؤيته الى حدها الاقصى، ولعلها امنيته المنشودة، فيقول: “أدرك تماماً مخاطر فقدان السيادة بل ومخاطر الوضع الكولونيالي ضمن الاتحاد الاوروبي والذي قد يحوّل الكروات الى اجراء مطاعم ورعاة والحيلولة دون الوصول الى التكنولوجيا العالية والفروع الصناعية المربحة والاشغال ذات الاجور الجيدة، ناهيك عن الثقافة والمعرفة وما شابه. لذا يجدر بنا إقامة الحوار حول هذه المخاطر كجزء من هذه المناقشة. وهذا جهد بحثي كبير يتطلب عمل فريق من الخبراء”.

(8)

خاتمة

تستوقفنا اطروحات بيلاندجيتش في محطات عديدة، تحتاج كل منها الى وقفة نقدية متأنية. وسيتطلب الرد مناقشة ما قاله، وربما الاهم، مناقشة ما لم يتطرق إليه. فلا بد من نقاش، على سبيل المثال لا الحصر، حول مقولته بان “يوغسلافيا…وحدة مصطنعة”، وكيف تقفز هذه عن تطلعات ومصالح ونضالات الشعوب عبر قرن من الزمن، كما لا بد من التوقف ملياً عند إستفراده بصربيا كمصدر وسبب للازمات والحروب والانهيار، وتفسيره للنزعات الشوفينية بمعزل عن دوافعها المادية (الاجتماعية والاقتصادية) ووظيفتها السياسية، وتحليل إنهيار يوغسلافيا بعيداً عن القراءة الطبقية.

أما مأزق التبعية للغرب، والذي يرى فيه بيلاندجيتش “الحل المنشود” بذريعة “ضمانة السلام” وبناء “الديمقراطية”، فيحتاج الى إستقراء عميق للحقبة التي نعيشها وبعيون تستلهم مصالح الشعوب وإرادتها. وعلى النقيض من توقعات بيلاندجيتش، فقد تكون اوروبا واميركا “والبنية الاوروـ أطلسية” برمتها مقدِمة على هزّات تزعزع ما يبدو من إستقرارها وأمنها.

كما يجب ان يوفر هذا النقاش متسعاً لمهة المثقف ومحاكمتها على ضوء دوره في خدمة المجتمع والانسانية. فهي مهمة لا تُختزل في “وداعاً يا يوغسلافياً”، بل تمتد بصيرة المثقف الى:”وداعاً… والى أين؟” … “والى اللقاء مرة ثانية”. فمن قال ان هذه الشعوب قد إستكانت للغرب كشاطئ أمانها؟ وما يحول دون نهوضها، بل ومن يدرى متى ستنهض مجدداً، كما فعلت مراراً عبر القرنين الاخيرين، للبحث عن صيغة للوحدة تلبي آمالها ومصالحها؟ فعاجلاً أم آجلاً ستحدد هذه الشعوب خياراتها على ضوء مصالحها.

يحضرني، في الختام، حديث للرئيس الراحل تيتو في لقاء حزبي في مدينة زاغرب عقب هدوء الجبهات العسكرية عام 1945 بستة أيام، حيث قال:”أنظروا ما يحل بالشعوب الصغيرة المنفصلة في أوروبا وما هي قيمة أي منها عندما تهب العواصف الشديدة”. فالتبعية، بكافة أبعادها، مصير محتوم للشعوب الصغيرة والمفككة. “فالعواصف الشديدة” قادمة لا محالة، هكذا يعلمنا تاريخ الشعوب، إلا انه يعلمنا أيضاً ان “بروكسل” ليست نهاية التاريخ.

ملاحظتي الأخيرة هي أنه في الوقت الذي يحتفل فيه كثيرون بنهاية التاريخ، وفرادة الغرب بنيوياً وقيادياً للعالم، تقوم روسيا بقلب الطاولة من جديد مما يشكل رداً على اللهاث وراء الصنمية الراسمالية الغربية.

هوامش:


[1] أستخدم هذه المفرد مجازاً مدركاً ان “الغرب” بكل قواه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، ليس كلاً واحداً، بل كغيره من التشكيلات الاجتماعية يتضمن كافة التناقضات الطبقية والاجتماعية والاقتصادية مما يولد طيفاً عريضاً من الطبقات والقوى والتيارت …الخ. إلا أن ما نقصده هنا بالتحديد هو الخطاب الاعلامي والسياسي والثقافي للقوى الطبقية المهيمنة والحاكمة في الغرب ـ م ع.

[2] تم قصف يوغسلافيا عام 1999 لمدة 78 يوما لحماية ألبان كوسوفو، وبشهادة العديد من المنظمات الدولية (الغربية) فان الدمار الذي خلفه هذا القصف فاق بدرجات الخسائر والمعاناة (المادية والانسانية) التي حلت بالبان كوسوفو ـ م ع.

[3] يُعتبر دوشان بيلاندجيتش من أكبر مثقفي وأكاديميي كرواتيا تإثيراً وأكبرهم سناً كما تحظى كتاباته وأطروحاته بوزن ورواج كبيرين على المستويين المحلي والدولي. ولد بيلاندجيتش عام 1924 في كرواتيا وإنضم للحزب الشيوعي اليوغسلافي عام 1942. شارك في حرب التحرير الشعبية كمقاتل وموجه سياسي. تولى خلال الحقبة الاشتراكية العديد من المناصب السياسية والاكاديمية الهامة والحساسة أهمها: مسؤول قيادي في النقابات العمالية، باحث في تاريخ الحركة العمالية في يوغسلافيا، بروفسور وعميد لكلية العلوم السياسية في جامعة زاغرب، العاصمة الكرواتية. كما شغر لفترة منصب عضو في اللجنة المركزية لعصبة الشيوعيين الكروات. تم إنتخابه عام 1990 عضواً في مجلس رئاسة الجمهورية الكرواتية. أصبح عضواً في أكاديمية العلوم والفنون الكرواتية عام 1980 وتدرج في مناصب هذه الاكاديمية حتى يومنا هذا ـ م ع. انظر الموقع الالكتروني لتلك الاكاديمية:

http://www.hazu.hr/

[4] بدأ تفكيك الفيدرالية اليوغسلافية بانفصال سلوفينا وكرواتيا في 27 يونيو 1991، تبعه إنفصال مكدونيا (8 سبتمبر 1991)، ثم جمهورية الجبل الاسود (3 يونيو 2006) وأخيراً إنفصال إقليم كوسوفو عن صربيا (17 فبراير 2008) ـ م ع.

[5] تعني كلمة يوغ باللغات السلافية الجنوب، وعلية فمفردة يوغوسلاف تعني “السلافيون الجنوبيون” ـ م ع.

[6] بلغ تعداد سكان يوغسلافيا لحظة إنهيارها عام 1991 ثلاثة وعشرون مليوناً و472 ألفاً، وتشكلت آنذاك من ست جمهوريات، صربيا وكرواتيا وسلوفينا ومكدونيا والبوسنة والهرتسك وجمهورية الجبل الاسود، وإقليمي كوسوفو وفويفودينا اللذان كانا جزءً من جمهورية صربيا وفي الوقت ذاته شكل كل منهما “وحدة فيدرالية”. وقد منح دستور البلاد لعام 1974 كل من الجمهوريات صفة “الدولة” وحق الاستقلال أي الانفصال عن الدولة الاتحادية ـ م ع .

[7] سيلحظ القارئ لاحقاً أن القوة الدافعة والمرشدة لاطروحة بيلاندجيتش هي اللحاق بالغرب، الذي يحدده بالاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة، كخيار وحيد أمام الشعب الكرواتي والشعوب السلافية الاخرى ـ م ع.

[8] راجع دوشان بيلاندجيتش: ” الفيدرالية اليوغسلافية والهيمنة الصربية: مستقبل العلاقات، تجديد الصراعات أم علاقات الصداقة؟”، صحيفة “الفيسنيك” الكراوتية اليومية Vijesnik بتاريخ 21 نوفمبر 2006.

[9] المقصود هنا الاتحاد اليوغسلافي الاول الذي تشكل في الاول من ديسمبر 1918 تحت أسم مملكة الصرب والكروات والسلوفينيين ثم سمي لاحقاً ب”مملكة يوغسلافيا” التي إنهارت أمام الاحتلال النازي عام 1941 ـ م ع.

[10] على سبيل المثال، كان دخل الفرد في جمهورية سلوفينيا لحظة إنفصالها عند الفيدرالية اليوغسلافية عام 1991 يفوق دخل الفرد في اقليم كوسوفو بسبعة مرات ـ م ع.

[11] بيلاندجيتش، نفس المرجع في هامش 8. وكذلك راجع فصل:” ماذا كانت يوغسلافيا؟” من كتاب “تاريخ كرواتيا الحديث” (باللغة الكرواتية ـ الصربية)، ص 770 ـ 812. المرجع:

Dušan Bilandžić, Hrvatska Moderna Povijest, Golden Marketing, Zagreb Croatia, 1999.

[12] يقصد حربي البلقان عام 1912 و1913 والحرب الامبريالية الاولى (1914 ـ 1918). فقد خاضت شعوب البلقان المتحالفة في “عصبة البلقان”، صربيا والجبل الاسود واليونان وبلغاريا، حربي البلقان في عامي 1912 و1913 لاجلاء الاحتلال التركي عن اراضيهم ـ م ع.

[13] يستخدم بيلاندجيتش في العديد من كتاباته واطروحاته وبشكل متكرر، العديد من المفردات المختلفة على نحو متبادل وللدلالة على ذات المفاهيم او على الاقل خلق الانطباعات المتماثلة. وبهذا المعنى نراه يستحدم مفردات صربيا والصرب والقومية الصربية والحركة الشوفينية الصربية ومشروع صربيا الكبرى قاصداً التدليل على الدور والمسؤولية الصربية في الازمة اليوغسلافية. وقد حرصت لدى ترجمة أقوال بيلاندجيتش على الترجمة الحرفية لما يقوله. إلا أنه من الملفت للنظر أن إستخدام بيلاندجيتش لهذه المفردات والمصطلحات، وعلى هذا النحو “المتبادل” والمشوش، يفتقر الى الدقة العلمية، فضلاً عن أنه يؤدي الى إختلاط الامر على القارئ ويثير الريبة في النوايا السياسية والايديولوجية لهذا الكاتب حين يضع “صربيا”، الشعب والمجتمع والتاريخ والمفاهيم القومية والحركات السياسية..الخ دون تمييز، في سلة واحدة ـ م ع.

[14] بيلاندجيتش، صحيفة “فييسنيك”، المرجع أعلاه.

[15] أستخدم مصطلح “القوميات” في هذه الدراسة ضمن سياق التطور التاريخي والسياسي ليوغسلافيا لندلل على كافة الشعوب والاقليات القومية والاثنية والدينية التي تعايشت في يوغسلافيا وأهمها الصرب والكروات والسلوفونيون والمكدونيون ومسلمو البونسة والهرتسك وشعب الجبل الاسود والالبان والمجر وغيرها ـ م ع.

وحول خصوصيات وتطورات المسألة القومية في يوغسلافيا، احيل القارئ الى مقالتي: “كوسوفو: إنفصال أم إستقلال؟ … وتساؤلات اخرى!” المنشورة في موقع كنعان (17 و 18 شباط 2008):

http://www.kanaanonline.org/articles/01429.pdf

http://www.kanaanonline.org/articles/01430.pdf

وفي موقع “الحوار المتمدن” بتاريخ 19 فبراير 2008 على الرابط التالي:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=125371

[16] بيلاندجيتش، المرجع ذاته.

[17] هل ينطوي هذا على حنين للماضي الكولونيالي وعلى بعد عنصري للمركزانية الاوروبية ـ م ع.

[18] يفرد بيلاندجيتش هذه المناطق الثلاث بخصوصيات تطورها الصناعي المتقدم. وهو قول، على صحته ورواجه، يستخدم في كثير من الاحيان لاغراض سياسية وشوفينية ـ م ع.

[19] أي قبل أن يتأسلموا ويصبحوا “السلاف المسلمين” Islamized Slavs . ومنعا للالتباس نشير الى أن لمفردة “مسلمون” في السياق اليوغسلافي مدلول يختلف عن المدلول السائد في الوطن العربي او العالم الاسلامي أو العالم باسره. فمسلمو يوغسلافيا يشكلون “قومية” ويتمتعون بدولة مستقلة (البوسنة والهرتسك)، أي أن العامل الديني لمسلمي البوسنة والهرتسك أصبح ـ حسب رؤية الحزب الشيوعي اليوغسلافي وزعيمه تيتو صاحب تلك المقولة ـ عاملاً قومياً وذلك لاسباب سياسية وتاريخية عديدة ومعقدة تخرج عن نطاق هذه المقالة ـ م ع.

[20] الجزء الثالث من كتاب “تاريخ كرواتيا الحديث”:”كرواتيا خلال الحرب العالمية الثانية”، فصل 9:”تأملات في الحرب في يوغسلافيا السابقة (1941 ـ 1945). ص 189 ـ 203.

[21] بيلاندجيتش، صحيفة “الفيسنيك” الكراوتية اليومية Vijesnik بتاريخ 21 نوفمبر 2006 .

[22] يقصد إقليمي كوسوفو وفويفودينا اللذان ـ وفقاً للتعديلات الدستورية التي اقرت عام 1974 ـ مُنحا الحكم الذاتي والمساواة في الصلاحيات والتصويت والانتخاب (بما فيها حق النقض) في أجهزة الرئاسة الفيدرالية اسوة بالجمهوريات الست. ويُيذكر ان الزعيم اليوغسلافي تيتو قد وقف خلف هذه التعديلات بلا مواربة ومن منظور حماية المشروع اليوغسلافي، فيدرالياً وإشتراكياً ـ م ع.

[23] يقصد حربي البلقان الواقعيتن عام 1912 و 1913، ثم الحرب العالمية الاولى فالثانية ـ م ع.

[24] الجزء السادس عشر من كتاب بيلاندجيتش: “تاريخ كرواتيا الحديث”:”عملية إنهيار يوغسلافيا بعد وفاة تيتو (1980 ـ 1987)، ص 695 ـ 748. ويشكل هؤلاء القادة الثلاثة: يوسيب بروز تيتو (1892 ـ 1980) وإدوراد كارديل (1910 ـ 1979) وفلاديمر باكاريتش (1912 ـ 1983) الركائز الرئيسية للنظام اليوغسلافي وللحزب الشيوعي الحاكم ـ م ع.

[25] ظهرت المقالة في صحفية “الفيسنك” بتاريخ 22 نوفمبر 2006. والمقصود هنا الحروب التي إشتعلت بين صربيا وسلوفينينا وبين صربيا وكرواتيا والبوسنة عبر عقد التسعينات من القرن الماضي م ع.

[26] تأسس الحزب الشيوعي اليوغسلافي في نيسان/ابريل 1919 وبقي يحمل هذا الاسم حتى عام 1952 حين إتخذ إسمه الجديد “عصبة الشيوعيين اليوغسلاف” حتى لحظة إنهياره ـ م ع.

[27] المقصود هنا الايمان بعقيدة “القومية اليوغسلافية” أي بقومية الشعوب اليوغسلافية ووحدتها والاخوة بينها حسب رؤية الحزب الشيوعي اليوغسلافي وزعيمه تيتو ـ م ع.

[28] الجزء السابع عشر من كتاب “تاريخ كرواتيا الحديث”:”عدوان صربيا والجيش الشعبي اليوغسلافي على بقية يوغسلافيا”، إقامة كرواتيا المستقلة (1987 ـ 1991)، ص 749 ـ 778.

[29] فشلت “مبادرة بلغراد” والمحادثات بين الرئيس اليوغسلافي الراحل سلوبودان ميلوشوفيتش وعادل ذو الفقار باشيتش زعيم الحزب البوسني. كما رفض الحزب الرئيسي للمسلمين في البوسنة عام 1991، بقيادة علي عزتبيجوفيتش، ضغوط ميلوشوفيتش للإبقاء على البوسنة والهرتسك جزءً من يوغسلافيا الاتحادية - م ع.

[30] هل هذه إيماءة غير مباشرة بتعميم هذه الايديولجية على الشعب الصربي باسره؟ ربما. إلا ان هذا الاسلوب في التعاطي مع الوقائع والتي لا يخلو بعضها من الصحة بالشكل المجرد، هو مثال لما أشرنا اليه في ملاحظتنا في هامش رقم 13 ـ م ع.

[31] تثير هذه الاطروحات، المتفائلة من حيث الجوهر، تساؤلات حول المغالاة بالثقة بالمستقبل والذي يبدو انه ـ من وجهة نظر بيلاندجيتش ـ يسير بشكل طردي مضمون دون عوائق أو إنتكاسات. ويبعث هذا “الاطئنان المطلق” تساؤلات حول رؤية (وقصورها) لدى هذا المؤرخ والاكاديمي في تقييم مستقبل وإستقرار النظام الاوروبي والغربي والعالمي القائم، ومقدار المخاطرة التي تعود على المجتمعات جرّاء الركون الى الدعم الخارجي والتبعية السياسية والاقتصادية للاتحاد الاوروبي ـ م ع.

[32] البوسنة الآن واقعة تحت “الحماية الدولية”، إلا أن بيلاندجيتش كما يبدو لا يرى في ذلك إحتلالاً أجنبيا ولا إستقواءً بالاجنبي ولا تبعية للغرب، بل يرى فيه الخير لذلك البلد والبديل الوحيد ويطالب في مكان آخر من هذه المقالة بابقاء هذ “الحماية” لامد طويل الى حين “ترتقى” هذه الشعوب ـ م ع.

[33] لقد تشرد 60% من أهل البوسنة من بيوتهم جرّاء هذه الحروب ـ م ع.

[34] مقالة دوشان بيلاندجيتش:”ماذا حلًّ بالقومية؟ ما تبقى للمغامرين هي المزيدات القومية، أما الحروب فلن تحدث”، صحيفة “الفيسنيك” الكراوتية اليومية Vijesnik بتاريخ 23 نوفمبر 2006.

[35] بيلاندجيتش، المرجع السابق.

[36] يقصد هنا الصرب المقيمين داخل جمهورية صربيا بالاضافة الى الصرب المقيمن في اجزاء اخرى من يوغسلافيا السابقة وخصوصاً في البوسنة وكرواتيا حيت يتواجدون باعداد كبيرة ـ م ع.

[37] كتب هذا قبل إنفصال إقليم كوسوفو عن صربيا في 17 فبراير 2008 ـ م ع.

[38] دوشان بيلاندجيتش، المرجع السابق.

[39] من الملفت للنظر إستبدال بيلاندجيتش لمفردة يوغسلافيا ب”السلاف الجنوبيين” ولمفردة الشعوب اليوغسلافية بالشعوب “السلافية الجنوبية”، بالرغم من أن المعنى، من الناحية اللغوية، واحد. وربما إستخدم بيلاندجيتش ذلك منعاً للالتباس، إلا أنني أظن، ولهاجس في نفس بيلاندجيتش وغيره من الكتاب والمثقفين الكروات، أنها أيضاً محاولة لمحو “يوغسلافيا” كإسم ونعت من المفردات المتدوالة يوميا وبشكل دارج في الثقافة الشعبية، مما سيؤدي مع تقادم الزمن الى زوالها. ولعل في هذا محاولة للتطبيع الثقافي ونقيض لما حدث في أواخر القرن التاسع عشر حين نحت القومي الكرواتي شتروسماير مفردة “يوغسلاف” و”يوغسلافيا” في دعوته لوحدة السلافيين الجنوبيين ـ م ع.

[40] لا يتناول بيلاندجيتش مسألة “القوى الشعبية” باي تفصيل بل يمر عليها هكذا وبشكل عابر ـ م ع.

[41] ألم تأتي ايديولوجية الاخوّة والدول المشتركة، في سياقها التاريخي والسياسي، أيضاً من اجل استقلال الشعوب وتحررها وحماية مصالحها وانجاز مشروع التنمية ـ م ع؟

[42] بيلاندجيتش، المرجع السابق.

[43] بيلاندجيتش، صحيفة “الفيسنيك” الكراوتية اليومية Vijesnik بتاريخ 23 نوفمبر 2006 .

[44] إذن فان ما يحلم به بيلاندجيتش (وغيره كثيرون) هو إزالة الفوارق بين الشعوب كي تصبح الشعوب مشابهة لشعوب اوروبا الغربية ـ م ع .

[45] من الملاحظ ان تعرضه ل”كرواتيا الكبرى” مرّ بشكل عابر مع ان الحركة الشوفينية الكرواتية الاوستاش Ustaš إقرأ Ustash التي تبنت هذه الايديولوجية الساعية الى إقامة دولة كرواتية “نقية الاثنية” قد لقيت تجسيدها المادي فيما سمي “الدولة الكروانية المستقلة” المعروفة ب NDH والتي قامت خلال الاحتلال النازي وبدعم وتعامل مفتوح مع المحتل. وقد دامت هذه الدولة من عام 1941 حتى نهاية الحرب الامبريالية الثانية وإقترفقت خلال هذه السنوات أبشع مذابح الابادة الاثنية وجرائم الحرب ضد عشرات الالاف من الصرب واليهود والغجر وغيرهم، لعل معسكر Jasenovac أكبرها وأكثرها وحشية ـ م ع .

[46] دوشان بيلاندجيتش:”القومية فوق الايديولوجية: الفرضية الساخرة في الحرب كدرب نحو السلام الدائم”، صحيفة “الفيسنيك” الكراوتية اليومية Vijesnik بتاريخ 24 نوفمبر 2006.

[47] رغم أن بيلاندجيتش يدعو بحماسة الى توطيد أواصر التعاون والشراكة بين الشعوب، إلا انه يجب الالتفات الى أن هذا التعاون يقوم بين دول ومجتمعات منفصلة أي أنه تعاون ينطلق من تكريس التفكيك القائم ـ م ع.

[48] قد يفهم المرء تفوق الغرب المادي والتكنولوجي، أما التفوق الروحي، ومن مؤرخ ماركسي عايش القرن العشرين بكل تجاربة، فهي معزوفة تثير الاستهجان وتنضح بالدونية، وهي مقولة قد لا يقبل بها حتى بعض الغربيين انفسهم ـ م ع.

[49] بيلاندجيتش، صحيفة “الفيسنيك” الكراوتية اليومية Vijesnik بتاريخ 24 نوفمبر 2006 .

[50] وفي مقابلة صحفية بعنوان “هزيمة صربيا محتومة”، يتحدث بيلاندجيتش حول رفض الغرب للقوميات العدوانية وضرورة تكيف الشعوب الصغيرة مع مفهوم “اوروبا” وإلا فلن يكون لهذه الشعوب وجود. راجع:

Bilandžić: Slom Srbije je neizbježan, a neće je štititi ni Rusija

http://www.vjesnik.com/html/1999/02/25/ntem.htm

[51] حول دور تدخل أميركا يرى بيلاندجيتش أنه “لولا تدخل أميركا لتمت تجزئة البوسنة، ومن الممكن انه لولا هذا التدخل لإستمرت الحرب الى يومنا هذا”. انظر:

Debate on the wars in Croatia and Bosnia, in Bosnia Report, January - April 2005, http://www.bosnia.org.uk/bosrep/report_format.cfm?articleid=2965&reportid=167

[52] يحضرني في هذا المقام ما قاله لوك فيرفايت، رئيس “الاتحاد الدولي للبرلمانيين من أجل فلسطين”، في كلمته الافتتاحية للمؤتمر الثالث لتلك المنظمة (بروكسل، مايو 2008)، حيت عبّر عن قلقه على مستقبل الديمقراطية في اوروبا وإنزلاق الحقوق الديمقراطية هناك نحو المفهوم “المتأمرك” للمجتمع. وقد ذكّر المستمعين بان “أكبر ديمقراطية في العالم” اليوم تحظى باعلى نسبة للسجناء (يقصد الولايات المتحدة). وجدير بالذكر ان حديثه هذا جاء في سياق إمتنانه للفلسطينين الذين ابقوا على جذوة النضال ـ م ع. انظر النص الكامل في موقع “كنعان”:

http://www.kanaanonline.org/articles/01543.pdf

[53] بيلاندجيتش، صحيفة “الفيسنيك” الكراوتية اليومية Vijesnik بتاريخ 24 نوفمبر 2006 .

[54] تشير مفردة “الدول الجديدة” او “الدول الناشئة” الى الدول التي قامت بعد تقكيك الفيدرالية اليوغسلافية وحصلت على عضوية الامم المتحدة ـ م ع.