الاتحاد السوفييتي من الثورة إلى الإنهيار…وروسيا إلى النهوض الرأسمالي الدولاني
16 ديسمبر 2008عادل سمارة
تشتمل هذه الورقة على ثلاث معالجات: قدمت المعالجة الأولى (الإتحاد السوفييتي من الثورة إلى الإنهيار” في السيمنار الشيوعي الأممي في بروكسل 1995 ونشر ضمن الكتاب الصادر عن المؤتمر:
The Collapse of the Soviet Union: Causes and lessons, EPO, 1998.
أما في ما يتعلق بروسيا نفسها، فهي إضافة إلى المعالجة الأولى تضيف معالجتين:
الأولى: تجاوز روسيا بوتين للإرث الأسود ليلتسين.
والثانية: روسيا ميدييف، وموقع العرب من التهاب الصراع والمستجدات الدولية الأخيرة، ولا سيما العدوان الأميركي-الأوروبي الغربي- الصهيوني ضد أوسيتيا بداية بمخلب جورجيا.
المعالجة الأولى:
الاتحاد السوفييتي من الثورة إلى الإنهيار
ترتكز هذه الدراسة في تجربة الإتحاد السوفييتي في التنمية على مدخل مركز/محيط. فلفهم تجربة الإتحاد السوفييتي، علينا قراءة ثورة أكتوبر في سياق النظام العالمي، بما هو الحدث الأول الذي أوجد بديلاً للرأسمالية المهيمنة، أول مشروع عملي محقق لحركة اشتراكية/شيوعية[1]، وهي الحقيقة التي حفزت المركز الإمبريالي لشن سلسلة متواصلة من العدوان ضد الإتحاد السوفييتي. ومنذ تلك الأزمنة وحتى اللحظة، يمكننا تلخيص إستراتيجية الإمبريالية على أنها مؤلفة من ثلاث سياسات:
أ- تصفية مختلف البلدان الإشتراكية.
ب- تأبيد تخلف العالم الثالث
ت- إبقاء هذين الجزئين من العالم تحت هيمنة الإمبريالية، وهو أمر تُستخدم لأجله فيالق الإمبريالية العسكرية، والإعلامية والثقافية وبالطبع رأس المال. وفي حين يخدم هذا الإبقاء مصالح الإمبريالية، فإن زواله لا بد سيفتح صراعات فيما بينها.
تتكون هذه الورقة (الأولى) من ثلاثة أجزاء، يشرح الجزء الأول بإيجاز “رؤوس الأقلام” الماركسية في مسألة التطور الإقتصادي. والهدف منه هو أن يكون بمثابة مرجعية لقراءة فترتي ستالين وخروتشوف، لمعرفة كيف ومتى بدأت الإنحرافات عن المبادىء الإشتراكية. ويشرح الجزء الثاني ممارسة التنمية الإشتراكية خلال فترة ستالين وأخذ هذه التجربة بالإعتبار على ضوء المبادىء الماركسية. ويشرح الجزء الثالث السياسات الإقتصادية في فترة خروتشوف، التي هي برأيي الفترة التي وضعت أسس البريسترويكا، أو انهيار الإتحاد السوفييتي.
أولاً: الحوار الماركسي في التنمية
كانت ثورة أكتوبر أهم تغير في تاريخ النظام الرأسمالي العالمي حتى حينه، حيث قدمت أول استراتيجية تنموية بديلة في التاريخ، “استراتيجية الإنسحاب من النظام الرأسمالي العالمي”. لقد طبقت هذه الإستراتيجية في الإتحاد السوفييتي في أعقاب انتصار ثورة أكتوبر 1917. وفي الحقيقة، فإن الغزو الإمبريالي بمليون نصف جندي للإتحاد السوفييتي في أعقاب هزيمة القيصر وفشل الأحزاب الإشتراكية، وخاصة الإشتراكي الألماني، في القيام بثورة إشتراكية في بلدانها، قد دفعت القيادة السوفييتية لتبني هذه الإستراتيجية. كان لينين هو أول من قرر تحويل التركيز النضالي ضد الرأسمالية والإمبريالية إلى المستوى السياسي. ومن بين الماركسيين الأوائل، كانت روزا لوكسمبورغ، هي المنظر الأول الآخر في مسألة الإمبريالية الذي توافق مع توجه لينين (في الكثير خالفت روزا مواقف وأطروحات لينين). وهكذا، يمكن اعتبار لينين وروزا لوكسمبورغ رائدي الإتجاه “النضالي” من بين المنظرين الماركسيين في مسالة الإمبريالية. وقد تميز هذا الإتجاه بعملية مَفْصَلة كل من النظرية والتطبيق ، وهذا أمر يمكن نسبه أو ردّه إلى مسار حياتهما كمناضلين حزبيين (لينين 1960، لوكسمبورغ 1951).
وأبعد من هذا، كان لينين هو أول من تنبه إلى أهمية العالم الثالث في مسار الثورة ضد الإمبريالية، (في كتابه تطور الرأسمالية في روسيا-1964) حيث جادل بضرورة التحالف اللصيق بين الإتحاد السوفييتي وحركات التحرر الوطني:
” لقد تعلمت مختلف حركات التحرر الوطني، في المستعمرات وبين ظهراني الأمم المضطهَدة… من تجاربها الثورية أن خلاصها كامن في انتصار النظام السوفييتي على الإمبريالية (لينين، الأعمال الكاملة، 1966:146).
وفي حين أن هوبسن قد أشار إلى أن الإمبريالية قهرت المستعمرات بالقوة، فإن الشيوعيين/الماركسيين/الإشتراكيين وحدهم هم الذين جادلوا بأن الثورة فقط هي التي توفر طريق الخلاص من الإمبريالية.
وكنتيجة لثورة أكتوبر، تمكن (أو أُرغم بالحصار) الإتحاد السوفييتي من الإنسحاب من النظام الإقتصادي العالمي في الظروف التالية. في عشية ثورة اكتوبر، لم تكن روسيا بلداً متطوراً على الرغم من ظهور الرأسمالية هناك. لقد خصص لينين كتابه الشهير، تطور الرأسمالية في روسيا ليؤكد بأن روسيا كانت قد انتقلت إلى الرأسمالية، وبما أن نمط الإنتاج الرأسمالي متفوق على الأنماط الأخرى، فإنه حمل معه طبقة المستقبل، الطبقة العاملة.
حينما قرر النظام البلشفي تأميم مختلف المشاريع الإقتصادية الكبرى في الإتحاد السوفييتي، كان هدفه هو تسريع تطوير الصناعات الثقيلة. ولعل الطريقة الممكنة الوحيدة للقيام بذلك كانت بتوليد أكبر كم ممكن من الفائض من الزراعة لتغذية التطوير الصناعي. فبدون تمويل الصناعة من الفائض الزراعي، سيكون مستحيلاً إنجاز تراكم موسع. وفي هذا السياق أدرك لينين الإمكانية الثورية الكامنة في الفلاحين في بلد متخلف، ولذا، رفع شعار وجوب التحالف بين العمال والفلاحين. (لينين، المجلد 6، 1961).
كان العبئ كبيراً جداً، فالثورة لم تقم في أوروبا. كما أن المجاعة كانت تنتشر بين السكان، وكانت آثار الحرب مؤلمة، وإضافة إلى كل هذا، ووجه الإتحاد السوفييتي بالغزو الأجنبي. لذا، كان لا بد من نظام صارم من جهة، وسياسة اقتصادية ليبرالية جديدة من جهة ثانية (ال نيب السياسة الإقتصادية الجديدة New Economic Policy NEP). كانت هذه هي الظروف التي ضمنها حصل التراجع الإستراتيجي لتبني سياسة ال “نيب” وهي سياسة جوهرها: “تزايد الإعتماد على السوق، ولكن كتراجع مؤقت” (سويزي، 1970:21).
لقد منحت هذه السياسة الفلاحين درجة ملموسة من حرية التجارة (التسويق) بينما فرضت نظاماً أكثر صرامة في الحزب. فقد ارتأى لينين ضرورة أو لزوم فترة أطول للعيش مع الإقتصاد المختلط قبل أن يتم توسيع القطاع الإشتراكي بشكل ملموس” (بوتومور، 1983:278).
كان ستالين هو القائد السوفييتي الذي طور الخطوط الرئيسية للإستراتيجية السوفييتية في ممارسة الإعتماد على الذات بتسريع نمو الصناعة الثقيلة واستخلاص أو انتزاع الفائض الزراعي بإجبار الفلاحين على الإنضمام للتعاونيات. كانت الفترة الطويلة لستالين في السلطة هي التي سمحت للإتحاد السوفييتي بتطوير استراتيجيته التنموية ممثلة في تنميته الإقتصادية بالإنسحاب من النظام الرأسمالي العالمي في تلك الفترة لإنجاز هذه الإستراتيجية(ماو، 1977). لعل السمتين الأساسيتين لتلك الفترة هما الإنجاز الإقتصادي والقمع السياسي. وبدورها، فإن الصين قد اتبعت الإستراتيجية السوفييتية، مع بعص الإختلافات، طبقاً لخصوصيات وضعها، فقد أعطت، على سبيل المثال، مرونة أوسع للفلاحين، وهي السياسة التي اتبعتها لاحقاً كل من فيتنام والصين، أو ما أسماه ماو: “المشي على ساقين- أي تنمية الصناعة والزراعة بالتوازي”.
خلق انتصار الثورتين في روسيا والصين معسكراً جديداً في النظام العالمي. وبدورهم حاول منظرون شيوعيون ماركسيون في الإمبريالية منذ أربعينيات القرن العشرين تطوير استراتيجية فُضلى لتطور العالم الثالث. وقد بدأ معظم هؤلاء المنظرين من ضرورة تصفية النظام الرأسمالي واختيار التطور الإشتراكي. وفي هذا المستوى جادل لينين:
” إن التناقض بين المركز والمحيط هو عامل أساسي في النظام الرأسمالي، فهذه أطروحة تفرض نتائج سياسية. فإذا ما كان إنشاء دولة برجوازية وطنية وإنجاز عملية الإعتماد على الذات اقتصادياً، أمراً غير ممكن في بلدان المحيط، وعليه، يصبح من الضروري الذهاب إلى مدخل آخر في التنمية، …مدخل الإنسحاب وتبني الإشتراكية. (أمين، 1988:25).
وفي دراسات أخرى في التقسيم العالمي للعمل، ودراسة أنماط الإنتاج وسمات أخرى للنظام الرأسمالي العالمي فإن معظم هؤلاء المنظرين (رغم الكثير من الإختلافات فيما بينهم)، أجمعوا على أن المركز يقوم قصداً بالإبقاء على تخلف المحيط، وأن الثورة الإشتراكية هي شرط مسبق وأساسي للتنمية الإقتصادية (فرانك، 1969).
ثانياً . النموذج السوفييتي في التطبيق
1. فك الإرتباط بالنظام العالمي:
لم يكن قط هدف ثورة أكتوبر إنجاز الثورة الإشتراكية في بلد واحد بمفرده. ولكن الإتحاد السوفييتي بقيادة لينين وستالين، ووجه بضرورة الإختيار في مسألة الثورة في بلد واحد. وفي الحقيقة، كان بناء الإشتراكية في بلد واحد هو رد الفعل المناسب على الغزو والحصار الإمبرياليين. وعليه، فإن فك الإرتباط كان بمثابة تطوير لاستراتيجية دفاعية أكثر مما هو استراتيجية تم تبنيها اختياراً. فقد أدّت إستراتيجية فك الإرتباط هذه إلى حماية البلد الإشتراكي الناشئ من الوقوع في مصيدة علاقات التبادل اللامتكافىء، مع المركز الإمبريالي خارجياً، وهو ما يُبقي على اعتماد قانون القيمة في الداخل، وهذان أمران يكفيان لتقويض التحول الإشتراكي. ولذا، فإن سنوات التنمية المستقلة عن المركز 1917-1954 كانت سنوات التطور السوفييتي الحقيقي على الرغم من الحصار والعدوان الإمبريالي. تبنى الإتحاد السوفييتي في تلك الحقبة، سياسة تمويل التصنيع بالفائض الزراعي الذي خلق “جُماعيات بشكل قسري نوعاً ما”. وهي السياسة التي انتُقدت بشكل كبير لأنها لم تقدم للزراعة إلا القليل من الدعم.
بصفته رئيس مفوضية الشعب، واجه لينين ألواناً من الأزمات مثل: المجاعة في الريف، وانهيار قطاع النقل، والجيش، والتدخل الأجنبي والحرب الأهلية. كان همه الأساس هو تحريك واستغلال الموارد المحدودة للبلاد بالشكل الأمثل: فقد تم استبدال الإدارة الذاتية واللامركزية في تجربة كومونة باريس بطبعة متشددة من ديكتاتورية البروليتاريا التي أدرك لينين أنه لا بد من ممارستها من قبل حزبه. وفي آذار 1921 قاد لينين حزبه في اتجاه تطبيق السياسة الإقتصادية الجديدة، التي اشتملت على مرونة أكثر في ما يخص حرية التجارة بالنسبة للفلاحين. فقد ارتأى لينين ضرورة وجود فترة طويلة من الإقتصاد المختلط قبل أن يتم توسيع نطاق القطاع الإشتراكي” (بوتومور، 1983:278).
أقر بوخارين بدوره بضرورة توفير حقنة أو دفعة حاسمة للصناعة وذلك بتشجيع الإنتاج الخاص ضمن الجُماعيات الفلاحية التي تنتج الفائض. وهذه تعني بكلمات أخرى، الدمج المنسجم أو الناعم للكولاك في بناء الإشتراكية، أي عملية التصنيع البطيئ. وفي المقابل كان برنامج المعارضة اليسارية مع تسريع أعلى في التصنيع على حساب الكولاك ومكونات السياسة الإقتصادية الجديدة.
لا بد من قراءة هذه الإجتهادات على ضوء الأوضاع الداخلية والخارجية معاً. فالتحول البطيئ الذي مال إليه بوخارين، كان ممكناً في بلد يواجه تحديات داخلية في التحول، بينما كانت الدولة الوليدة تواجه الهجوم الإمبريالي الخارجي بهدف التقويض، وربما كان هذا ما أسس للتوجه “الدولاني” رغم النصوص عن الديمقراطية في أطروحات ماركس وإنجلز ولينين وغيرهم!
ما نقصده هنا، بوضوح، أن الدولانية في مختلف البلدان التي حاولت ” الأشركة” (تطبيق الإشتراكية) كانت اضطراراً دفاعياً، ليس فقط وأساساً ضد الثورة المضادة في الداخل، بل لمواجهة الغزو والحصار بأنواعها من قبل الرأسمالية الإمبريالية[2] من الخارج، وهذا دون التقليل من قوة وإصرار هذا العدو.
2. التصنيع أنجزه ستالين
تجدر الإشارة إلى أن التأسيس لتصنيع الإتحاد السوفييتي تم خلال فترة لينين، ولكن جرى تسريعه وإنجازه في عهد ستالين. وعلى الرغم من مختلف الإنتقادات، على وضد حكم ستالين، فإن فترته كانت الأولى والأخيرة التي اقترب فيها الإتحاد السوفييتي من مستوى تطور الغرب (ماو 1977) والمهم أن ذلك تحقق رغم مختلف التكاليف والخسائر والتضحيات التي بُذلت لهزيمة النازي[3].
3. التصنيع وتوقع الغزو النازي:
لم يكن التصنيع أُحادي البعد هو خيار ستالين. فما تسبب في ذلك كان الغزو النازي، وهو الأمر الذي تطلب قاعدة صناعية قوية لتمكين البلد من ممارسة مقاومة عنيدة ومنتصرة. وعلى أية حال، فإنّ تمكُّن الإتحاد السوفييتي من قطع شوط ملموس في التصنيع الثقيل يجب أن لا ينسينا أنه فشل في إنجاز التنمية الصناعية الخفيفة، وتنمية الزراعة، بما هي، أي القطاعات الثلاثة، ضرورة لاقتصاد متكامل ومتمفصل قطاعياً بشكل مناسب. وطبقاً ل ماو تسي تونج، “فإن الحبل الذي يضبط ويشد الإبحار الإشتراكي السريع في الصناعة هو الفولاذ، والحبل الذي يضمن الزراعة هو القمح”
ولكن، دعونا نقول أن هذه الأخطاء حصلت إبان حكم ستالين. فلماذا لم يقم الذين تلوه ونقدوه بتغيير هذا النهج وتجاوز الأخطاء طالما تنسب الأخطاء إلى الأشخاص وليس إلى البُنى والسياسات الحكومية وإلى ما ورائها من محركات طبقية؟ لماذا تدهور الإتحاد السوفييتي في عهد من تلوا ستالين ونقدوه بأنه ليس ديمقراطياً، ولماذا “تحت حكم سلطة البلاشفة أي بعد خمسين سنة من هذه السلطة وصل السوفييت في عصر السيارات ما وصلت إليه الولايات المتحدة في العشرينيات” (سويزي وبتلهايم، 1971: 85).
لا علاقة بين هذه التطورات والنظرية الماركسية نفسها. فخلال فترة حكم خروتشوف في الإتحاد السوفييتي رفع خروتشوف شعار “المباراة السلمية”، وهي التي كان معناها الفعلي فتح الفرصة لإعادة دمج الإتحاد السوفييتي في السوق الرأسمالية العالمية.
فقد فرض بهذا التوجه تطبيق قانون القيمة الرأسمالي على حساب قانون القيمة الوطني/الإشتراكي، وهو الأمر الذي قاد في النهاية إلى انخراط الإتحاد السوفييتي في علاقات التبادل اللامتكافىء. لقد أرست سياسة خروتشوف أسس إعادة الرأسمالية في الإتحاد السوفييتي وبالتالي قيامه بخلق محيط له، محيط لبلد إشتراكي!. وعليه، ليس من المدهش أن انهيار الإتحاد السوفييتي بدأ من محيطه في العالم الثالث باعتباره الحلقة الأضعف.
لا مناص من الإشارة هنا إلى أن الخلاف الصيني-السوفييتي، فور وفاة ستالين، وقيام الإتحاد السوفييتي بوقف العلاقات الإقتصادية مع الصين ومن ضمنها التجارية قد أثّر على تطور الصين من جهة وأفقد الاتحاد السوفييتي سوقاً واسعة كانت له فيها حصة تربو على 50% وكان لأوروبا الشرقية حصة تصل إلى 20 بالمئة. لذا يجوز لنا القول بأن عوامل تقويض تطور الاتحاد السوفييتي، ومن ثم انهياره بدأت بفقدانه سوق الصين، قبل أن يبدأ بفقدان محيطه من العالم الثالث.
إذا كان من الصحة بمكان أنه لتقويض التماسك الداخلي لبلدان المركز، ولتفجير الإستقرار الداخلي الإقتصادي فيه، وتفكيك الهيمنة التي تحمي الطبقة البرجوازية هناك، إذا كان لا بد لبلدان المحيط من تبنّي “القطيعة” مع السوق الرأسمالية العالمية، فإن العداء السوفييتي للصين قد عكس الأمر فطبّق هذه الإستراتيجية على البلدان الإشتراكية نفسها لتقود إلى انهيار الإتحاد السوفييتي وتحريفية الصين.
4. قانون القيمة
ترتكز أسعار السوق العالمية على مستويات الأسعار السائدة في المركز. وهي تعكس بدورها مستوى التنمية والإنتاجية في هذه البلدان. “تُقاس إنتاجية كل عامل في قطاع معين على أساس تقسيم القيمة المضافة في ذلك القطاع على عدد العمال في ذلك القطاع. (أمين، 1986 : 31)
يتضمن التناول الشيوعي/الماركسي لقانون القيمة انفصالاً كلياً عن قانون القيمة العالمي ومن ثم توجيه الإنتاج نحو الحاجات الأهلية. إنه “موجّه داخلياً” ليجعل تطبيق قانون القيمة المحلي ممكناً. لا بد لحساب القيمة من أن يرتكز على علاقات الإنتاج والتبادل والتوزيع الأهلية. كما تُقاس مستويات المعيشة وكلفة المعيشة على أساس الحاجات الضرورية. فلا بد من إنتاج معظم الحاجات الأساسية محلياً وبهذا يكون في وسعها أن تكون أساساً لحسابات قانون القيمة المحلي. لا بد أن تكون السوق المحلية ناشطة، وفي المقابل لا بد أن يتم تقليص السوق الأجنبي (التجارة الخارجية) أي التبادل مع السوق العالمية في تقلُّص موازٍ. وبالطبع، فإن هذه المجادلات تتطلب بلا مواربة القطيعة مع السوق العالمية إلى الحد الممكن الأقصى، وهو الأمر الذي تحقق إلى حد كبير في حقبة ستالين، لكنه، أُهمل بشكل مقصود في حقبة خروتشوف.
5. التخطيط المركزي
تقوم نظرية ماركس في الإشتراكية على فرضية نظام مشترك أو تشاركي بين المنتجين الأحرار، نظام ينتهي فيه الإنتاج السلعي (إقتصاد السوق)، والطبقات الإجتماعية والدولة إلى الإختفاء. وعليه، تهدف قيم الماركسية إلى إنجاز مجتمع تسود فيه الإدارة المركزية للعاملين. لقد أدرك ماركس أن الرأسمالية طوال 200 عام من حكمها قد عجزت عن إدارة السوق والإقتصاد. لذا، لطالما ووجه النظام الرأسمالي بالأزمات الدورية. وحتى اليوم، وفي الوقت الذي يدخل فيه النظام الرأسمالي مرحلة التكنولوجيا المتقدمة ويمعن فيها، فإن العالم الثالث يعاني من موت الملايين بسبب الجوع.
كان ستالين على حق في تطبيق التخطيط المركزي رغم فشله في إنجاز ديمقراطية المنتجين الأحرار. وربما كان هذا بسبب التحديات الفريدة التي واجهت الإتحاد السوفييتي حينها. أما بعد ستالين، فقد تقلصت سلطة المخططين المركزيين، وتم هذا بالطبع لصالح المدراء وليس لصالح المنتجين أنفسهم. وطبقاً لعدد المدراء الكبير، تكون سياسة خروتشوف قد فتحت الباب للفساد الفردي ولتكوين أنوية شريحة طبقية فاسدة“النومينكلاتورا” التي كان من الصعب ظهورها في فترة التخطيط المركزي.
6 . ملكية عامة أم ملكية الدولة
تتحدد طبيعة نظام الملكية عبر أو طبقاً لأية طبقة هي التي تدير أو تتحكم بوسائل الإنتاج. مثلاً، طبقا لعلاقات الإنتاج. كتب ماركس: ” لا يتحدد موقع الرأسمالي طبقاً لحجم رأس المال الذي يحوزه، والذي يمكِّنه من شراء قوة العمل، ولكن بواسطة القوة أو السلطة التي يملكها لتشغيل العامل ككاسب أجر في عملية الإنتاج”.
كان من المفترض أن يكون بناء النموذج الإشتراكي في الإتحاد السوفييتي قد أقيم على الملكية العامة لوسائل الإنتاج، والإدارة الديمقراطية والمساواة. كانت هذه هي الأسس التي كونت البناء الداخلي لهذا الموديل. وطبقاً لذلك، فإن تجربة تلك الفترة لا بد أن تقاس بناء على مدى إنجاز هذه الأهداف. فقبل وفاته، عرَّف لينين الإشتراكية بأنها مجتمع المتعاونين الحضاريين (ديفز، 1990). وهذا يؤكد على حقوق العمال في ديمقرطية المنتجين. ولكن على هؤلاء العمال الحضاريين أن يكونوا متحررين من أية ميول أو ترسبات الملكية الخاصة، وهي فكرة أو مطلب مثالي ليس ممكناً تحصيله بدون وعي شيوعي.
ومع بداية ثلاثينيات القرن العشرين، هيمنت ملكية الدولة على الإقتصاد السوفييتي وحلت محل ديمقراطية المنتجين الخلاقة. وقد تُعزى هذه المسألة إلى الأزمة الإقتصادية الحادة التي حلّت بالإقتصادات الرأسمالية الغربية والتي تواصلت خلال الحرب العالمية الثانية وهو الأمر الذي عزز التخطيط المركزي مقابل فوضى الإنتاج الرأسمالي. ولعل ما هو هام هنا، حقيقة أن الفائض كان يُستثمر على أساس إنتاجي.
7. بوسع من يتحكم بالسلطة السياسية أن يغير النظام
في أعقاب ثورة أكتوبرتحولت علاقات الملكية لصالح ملكية الشعب الذي أصبح حينها متحكماً بوسائل الإنتاج على أساس التساوي. وحينما قال لينين في أوائل أيام الثورة للجنة المركزية: “إسرقوا الأموال المسروقة” (أملاك البرجوازية)، روى بوخارين قائلاً: “أُصبنا جميعاً بالصدمة، ووقف شعر رؤوسنا، فهل نحن لصوصٌ أم ثوريون …لكننا تحققنا لاحقاً، أننا كنا جميعاً مسيحيين وأن لينين كان الشيوعي الوحيد” (العفيف 1990: 95).
في أعقاب وفاة ستالين تحولت السلطة من المخططين المركزيين إلى المدراء الذين تحولوا لاحقاً إلى نخبة بيروقراطية (المكوّن الأساسي للنومنكلاتورا). وكات النتيجة هي التدهور التدريجي لوعي الطبقة العاملة والحزب إلى أن أصبح في وسع جورباتشوف الإطاحة بالنظام بأكمله.
8. البروليتاريا والأجور
في حين ركز وأكد ماركس على دور العمال في قيادة الدولة الإشتراكية، فإن الثورة الشيوعية والحرب الأهلية والغزو الإمبريالي أدت إلى حصد أرواح العديد من الكوادر الشيوعية العمالية. وكانت نتيجة ذلك اللجوء إلى عناصر أقل وعيا وكفاءة ما أرسى بذرة القيادة بالدور البيروقراطي أكثر مما هو بالوعي والإنتماء الطبقيين. وهو ما أدى إلى بدء التعاونيات بتشغيل عمال مأجورين مبررة ذلك بتخريجات نظرية، إلى جانب تبرير تفارق الأجور كان ستالين قد تحدث للمدراء عام 1931 قائلاً:
” علينا وضع حد للمساواة البرجوازية الصغيرة. إن التفارقات ضرورية للوصول إلى نجاعة أعلى في مجتمعنا الإشتراكي ” (ديفز، 1990). وهنا علينا الإشارة إلى أن الهدف من وراء هذه السياسة هو الحصول على الإستفادة من الخبراء البرجوازيين الذين يجب أن يعملوا تحت رقابة شديدة.
لعل ما حصل في فترة حكم خروتشوف ، هو على أية حال تحول المدراء إلى شريحة جديدة تتوسط ما بين المخططين المركزيين والعمال. وكان دورهم كامناً في منع المنتجين المباشرين من التحكم بوسائل الإنتاج. وهذا يعني أن النخبة الإدارية تتحكم بالإقتصاد لمصالحها ولمصالح النخبة الحاكمة التي تصادر العمل غير مدفوع الأجر للمنتجين المباشرين لأهداف خاصة. (شافانسي، 1977 : 2).
9 . الإدارة
في ما يخص الماركسية، فإن الوضع الطبيعي أو الأساس في النظام الإشتراكي هو الإدارة الذاتية للعمال. فقد أشار إنجلز إلى أن : “الإدارة الذاتية لا بد أن تقود إلى الرأسمالية فقط، لأن التكاليف الهائلة للحرب، ولا سيما فقدان الكوادر العمالية المجربة والواعية، أرغم لينين عام 1918 على القول بأن ” الإدارة الفردية هي الأكثر نجاعة” في الصناعة. وبحلول عام 1920، طلب استبدال إدارة اللجان بإدارة الأفراد، رغم اعتراضات اتحاد العمال وأعضاء الحزب، هذا رغم أن لينين نفسه كان ضد البيروقراطية. والسؤال هو هل اتخذ هذا القرار مضطراًً… وهذا يسمح لنا بالإفتراض بأنها نفس الشروط الفريدة التي أرغمته على تطبيق سياسة ال (نيب) التي أرغمته بدورها على المطالبة ب ،أو قبول ،الإدارة الفردية كخطوة استشنائية. لكن بعض التغيرات طرأت في العقود اللاحقة وخاصة في الخطة الخمسية الأولى، إلا أن هذه لم تظل طويلاً” (1990).
على أن التغير السلبي الرئيسي كان في فترة خروتشوف، حيث أعطي مدراء الجماعيات الزراعية سلطة التعيين والفصل وبيع وسائل الإنتاج كما يرون، وسلطة تشغيل العمال الذين ليسوا أعضاء في التعاونية. إضافة إلى أن أجورهم ارتفعت بما يربو على عشرة أضعاف أجور العمال.
ثالثاً . بداية البريسترويكا
أحد أهم الفوارق بين فترتي ستالين وخروتشوف هي العلاقة بالسوق العالمية. ففي فترة ستالين كان فك الإرتباط والتصنيع هما السمتان الأساسيتان للإقتصاد السوفييتي. بينما حصل اهتمام أكبر خلال فترة خروتشوف بالتعاطي مع السوق العالمية، وهذا التوجه هو بمثابة تعبير عن أزمة داخلية.
من أهم ملامح الإقتصاد السوفييتي في فترة خروتشووف، إعادة انخراط الإقتصاد السوفييتي في النظام الرأسمالي العالمي، الأمر الذي قاد إلى تدهور القاعدة الإنتاجية في الإتحاد السوفييتي ما جعل هذا الإقتصاد أكثر مَيلاً للتوجه إلى التصدير كما شوّه علاقات الإنتاج الإشتراكية إلى الحد الذي ناقض جوهر الملكية العامة لوسائل الإنتاج بإدخال حافز الربح والإبقاء على قانون القيمة.
وفي نقدهم لستالين، زعم البرجوازيون ودُعاة الطريق الرأسمالي، أنه ألغى السوق وبالتالي حوّل العلاقة بالفلاحين إلى مجرد قمع واستخلاص فوائض. ولكنْ يقول ديفيز:
” رغم أن ستالين غادر سياسة أل “نيب”، فإنه لم يترك الإقتصاد السوفييتي بدون سوق، فبعد تلبية متطلبات الدولة، يصبح مسموحا للمزارع المنزلية والجماعيات بالبيع في السوق تلك السلع التي أنتجوها في المزارع الجماعية. وفي النتيجة، فإن هذه سوقٌ حرة حيث تنظَّم الأسعار فيها بالعرض والطلب. (ديفيز 1990 : 11).
” حينما كان الإتحاد السوفييتي اشتراكياً في عهد ستالين، اتخذ توزيع رأس المال على المشاريع شكل منح الخزينة من الأجسام الإقتصادية المركزية. لقد أسست الإصلاحات آلية مدفوعات من المشاريع إلى الدولة مقابل الموجودات الرأسمالية” (لوتا، 1983 :45)
وفي ما يخص توسع دور المديرين، كان البروفيسور إفزي ليبرمان من جامعة موسكو، الأول الذي اقترح تبني الحوافز المادية لزيادة الإنتاجية. لذا ليس غريباً أن يمتدحه فردريك هايك أعدى أعداء الإشتراكية بين الإقتصاديين. فقد جادل بأن المديرين محرومون من الإستقلال الذاتي لإدارة مصانعم، في حين أن لدى المخططين سلطة أكثر مما يستحقون. لذا، فهم، أي المديرون، يواجهون مشاكل لا يمكنهم تخطيها.
والنتيجة أن هذه الأفكار تم تبنيها كسياسات، وانتهت إلى استبدال المخططين، الذين هم محدودو العدد، لتصعد على حسابهم نواة طبقة من نخبة المديرين.وهذا ما دفع ماو للإشارة بحق أن هذه الفترة كانت قد اشتملت على كل من التقدم باتجاه الشيوعية والإنحطاط باتجاه الرأسمالية. في هذا الصدد كتب أليكس كوسيجين:
“غالباً ما يعتبر ممثلو الصناعة أن التجارة الخارجية أمر ثانوي. إن هذه وجهة نظر خاطئة بالمطلق ولا بد من تغييرها، كما أن الصلة بين الصناعة والتجارة الخارجية لا بد من تقويتها. إن أهمية وجود تقسيم عمل ثابت بين البلدان الإشتراكية والبلدان النامية أمر لا بد من التأكيد عليه” (لوتا، 1983 : 58).
يمثل هذا انتقالاً من الإنفتاح والإنخراط في السوق العالمية إلى خلق محيط للإتحاد السوفييتي. في حين أن التجربة الأولى للإتحاد السوفييتي أبانت أن:
” هذا إثبات إضافي على دور الصادرات للتصنيع الرأسمالي ؛ على العكس، فإن الإتحاد السوفييتي والصين قد انطلقتا في التصنيع دون أي زيادة في مكانة ومقدار تجارتهما الخارجية في اقتصاديهما” (باكوف، 1964). بل إن الصين في فترة ماو كانت تحاول دوماً تقييد التجارة الخارجية لصالح تنمية الإنتاج المحلي الإجمالي، أما تنشيط التجارة الخارجية، فكان يتم خلال الأزمات ولا سيما أزمة الخلاف الصيني-السوفييتي.
إن خروتشوف هو الأول الذي جعل من تحصيل أعلى معدل للربح هو الهدف الرئيسي للنشاط الإقتصادي، كما استخدم الحساب الرأسمالي “الكلفة-الفائدة” وتعديل الأسعار لتمكين هذه المعايير. وفي ما يخص الإستثمار في الخارج قال:
” علينا التأكد فيما إذا كان تمويلنا للسد العالي في مصر مربحاً أم لا. لا شك أننا نريد تقوية علاقتنا بأصدقائنا، ولكن هذا مجرد حديث سياسي بحت، حيث يجب أن لا نلقي بنقودنا في الهواء. علينا التأكد بأن المصريين قادرون على الدفع لنا من قطنهم الجيد ومن أرزِّهم” (كيدرون، 1972).
كان الشعور نفسه لدى كوسيجن الذي أشار في حديثه عن الإصلاح الصناعي بقوله أنه لكي يتم توجيه المشروع ليحقق نجاعة أعلى، يبدو أنه من الأفضل استخدام مؤشر الأسعار…” (لوتا، 1983 ، 44).
لكن تشي جيفارا كان الأول الذي نقد هذا التوجه السوفييتي علناً، وجادل على العكس من هؤلاء تماماً، بقوله:
” لا يمكن بناء الإشتراكية بدون تغيير في الضمير وذلك بخلق موقف أخوي تجاه الإنسانية…فنحن نعتقد بمسؤوليتنا عن مساعدة البلدان التابعة إذ يجب أن نتعامل معها بهذه الروح، ويجب أن لا يكون هناك بعد أي حديث عن تطوير التجارة الخارجية من أجل مكاسب متبادلة قائمة على أسعار محددة تجاه البلدان المتخلفة قائمة على قانون وعلاقات التبادل اللامتكافىء التي يرسيها قانون القيمة”(جيفارا، 1965)
وهذا يناقض بلا مواربة طموحات جورباتشوف لإعادة انخراط الإتحاد السوفييتي في السوق العالمية ولاعتماد قانون القيمة لخلق محيط للدولة الإشتراكية، ولتشجيع بلدان العالم الثالث على تبني منحى التطور اللارأسمالي. ولعل هذا ما قاد جيفارا لمغادرة كوبا إلى بوليفيا.
قادت مكونات سياسة خروتشوف هذه في الإتحاد السوفييتي إلى دخول السوق العالمية طبقاً لقانون القيمة الدارج في هذه السوق.
لوحة رقم 1
واردات وصادرات الإتحاد السوفييتي ببلايين الدولارات:
السنة إجمالي الواردات السكر والمحاصيل الحقلية أخريات
1955 210,4 57,8 47,2
1960 564,4 60,6 177,9
1965 814,9 47,7 155,1
1975 4,280,2 676,6 1,932,6
المصدر: وزارة الشؤون الخارجية السوفييتية، مقتطف من مهروترا و كلاوسون، 1979: 1869.
لوحة 2
صادرات الإتحاد السوفييتي إلى بلدان العالم الثالث.
السنة الصادرات الكلية الماكينات المنتجات النفطية
1955 210,4 5,4 31,9
1960 355,1 125,4 53,9
1965 1,122,7 471,7 131,6
1975 3,173,0 1,132,4 803,4
المصدر: مهروترا وكلاوسون، 1979 :1896.
تبين اللوحة رقم 2 أن تصدير الماكينات شكَّل 40 بالمئة والنفط الخام 25.5 بالمئة. فتصدير الماكينات يُفترض أن يزيد الرسملة وعلاقات الإنتاج الرأسمالية في العالم الثالث بغرض خلق وتقوية الطبقة العاملة. وهذا يُفترض أن يجسد سياسة خروتشوف تجاه العالم الثالث الموجهة نحو زيادة التبادل اللامتكافىء والتي كانت قد أقيمت على الربح، وليس التنمية على أساس إشتراكي.
يشير تصدير النفط الخام إلى أن الإتحاد السوفييتي كان يشتري النفط الرخيص من البلدان الأخرى بما فيها العراق مقابل تصدير الأسلحة إليها. ومن ثم يبيع هذا النفط إلى بلدان أوروبا الشرقية بأسعار أعلى (وهذا ليس تقسيم عمل اشتراكي). وتجدر الإشارة إلى أن تصدير الأسلحة ليس مشمولاً هنا. وطبقاً لتقديرات الحكومة الأميركية، فإن صادرات الإتحاد السوفييتي من الأسلحة تقدر ب 13,460 مليون دولار خلال الفترة ما بين 1965-1970.
وفي حين أن الإتحاد السوفييتي في فترة ستالين كان مهتماً بتعزيز قدرته العسكرية، بهدف الدفاع أمام الغزو والتدخل الإمبرياليين، تحول الأمر في فترة خروتشوف وبالتالي استخدمت القوة للتنافس مع المنتجين الرأسماليين في سوق الأسلحة العالمي. ومع ذلك كان النظام في الإتحاد السوفييتي يسمي هذه التجارة “مساعدات” لأنه كان يمنح زبائنه ثلاث سنوات من السماح قبيل بدء تسديد أقساط الديون على أن تستكمل الدفعات خلال عشر سنوات، وبأسعار أقل 40-50 بالمئة من تلك التي تفرضها البلدان الغربية، وبفائدة 2-2,5 بالمئة (مهرورتا وكلاوسون، (1979) و داتهار (1973:138-139، 259). ويعتقد هؤلاء الكتاب أن هذا السعر المرن راجع إلى النوعية السيئة للسلاح السوفييتي. وفي هذا الصدد يقول كريستيان بالوا: “أن تسورد بسعر رخيص وتبيع بسعر مكلف يعكس الجوهر الإمبريالي للإتحاد السوفييتي” (1975).
“إن التبادل اللامتكافىء هو عامل هام، ولكنه ليس بكافٍ لتوضيح جوهر الإمبريالية…ولبرهان أن الإتحاد السوفييتي إمبريالي بالمفهوم اللينيني فإن تصديره لرأس المال لا بد أن يؤخذ بالإعتبار، فقد أقام الحزب الشيوعي الصيني محاججته حول كون الإتحاد السوفييتي نظامٌ إمبريالي على تصدير هذا الإتحاد لرأس المال ما قوّى /عزَّز التقسيم غير العادل للعمل على صعيد عالمي والذي به تهيمن بلدان على أخرى حيث تظل تابعة للأُولى” (باسو، 1976).
بودي أن أشير الآن إلى أن العامل الحاسم هو طبيعة علاقات الإنتاج التي تبناها الإتحاد السوفييتي. فبيروقراطية الدولة تحت تسمية الملكية العامة، تحكمت بالتوزيع والتجارة الخارجية. وفي الحقيقة، فإن مداخيل الأرباح حفزت العلاقات الإقتصادية بين الإتحاد السوفييتي وبلدان العالم الثالث، فقد كان الهدف هو توسيع محيطه بما هو أبعد من شرقي أوروبا.
وبدورها، فإن الطبقات القومية البرجوازية الحاكمة في العالم الثالث التي استخدمت الخطاب القومي وحتى الإشتراكي، إنما كانت تخدم نفسها تحديداً، أي المصالح البرجوازية. وعليه، فحينما “نضجت” مصالحها أعادت هذه الطبقات دمج نفسها وبلدانها في السوق العالمية، حتى أنها قامت بإعادة “كمبردرة” إقتصادها إلى الحد الذي أزاح في طريقه الأنوية التصنيعية التي كانت قد أُنجزت خلال فترة علاقاتها بالإتحاد السوفييتي. وعليه، إذا لم تكن علاقات التبادل هذه “السوفييتية/العالمثالثية” إمبريالية، فمن المؤكد أنها ليست ثورية واشتراكية.
فبحلول سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، زاد مختلف هذه البلدان متاجرته مع المركز الإمبريالي على حساب متاجرتهم المتواضعة مع الإتحاد السوفييتي(سمارة 1990)، وعليه، فقد الإتحاد السوفييتي مصدراً هاماً من مصادر ربحه، مما ساهم في تفككه، حيث خسر الإتحاد السوفييتي سوق هذه البلدان. ولكي يعوض هذه الخسائر، زاد من ضخ نفطه وموارده الطبيعية موجها إياها للتصدير ما أوصل حصة هذه الصادرات من صادرات الإتحاد السوفييتي الكلية إلى 46,5 بالمئة لا سيما في فترتي الطفرة النفطية 1973، و 1978 التي زادت بشكل إصطناعي مداخيل الإتحاد السوفييتي، أي زيادة ريعية. لكن أميركا فتحت له حرب أفغانستان لتكون العامل الأساس في تدهور الإقتصاد السوفييتي وبالتالي التأسيس الحقيقي لانهياره، إلى جانب فكاك محيطه الأبعد في أفريقيا وآسيا ومحيطه الأقرب دول أوروبا الشرقية. ولا يغيب عنا أن الولايات المتحدة لا سيما في فترة إدارة ريجان الجمهورية كانت قد قررت تصعيد سباق التسلح مع الإتحاد السوفييتي لاستنزاف ثروته ما انعكس سلباً على أدائه الإقتصادي وعجّل في تفككه .
وعلى الرغم من حقيقة أن بلدان المركز ووجهت بأزمة إقتصادية منذ النصف الأول من سبعينيات القرن العشرين حافظت إقتصاداتها على معدل نمو بسيط. أما الإقتصاد السوفييتي فلا. وهكذا، اتسعت الفجوة بين الإتحاد السوفييتي وبلدان المركز الإمبريالي بشكل واضح منذ ثمانينيات القرن العشرين. وإلى جانب ذلك زاد الفساد في الإتحاد السوفييتي. وطبقاً لما كتب سونيل (1990)، “فإن قيمة السوق السوداء في الإتحاد السوفييتي وصلت إلى 145 بليون دولار، بينما كانت قبل ذلك بعشرين عاماً 8 بليون فقط”.
من المهم الإشارة هنا إلى أن الفساد يمكنه أن يكسر عملية التنمية الإقتصادية. فأولئك الذين يحوزون على الفائض في النظام الإشتراكي، النظام الذي فيه الملكية الخاصة غير قانونية، لا يمكنهم استثمار الفائض الذي حازوا عليه في نشاط إنتاجي. وعليه، فإن مصير هذا الفائض هو أن يُنفق على الإستهلاك الترفي وتهريب العملات.
كتب أغابكيان، وهو اقتصادي سوفييتي من مناصري البريتسرويكا: ” في الفترة ما بين 1978-1980، كان معدل النمو السنوي في الإتحاد السوفييتي 2 بالمئة، ولكن في فترة 1980-1985 كان أقل من صفر. (سونيل، 1989).
فيما بعد، أضطر الإتحاد السوفييتي للإستدانة من البنك والصندوق الدوليين لتمويل تدخله في أفغانستان، وأنغولا وموزمبيق. لقد قاد النقص في الإستثمار الإنتاجي إلى نقص في السيولة المالية. وهنا اتخذ النظام الخطوة الطبيعية في مناخ كهذا، أي الإستدانة من المؤسسات المالية الدولية.
ازدادت متاجرة الإتحاد السوفييتي في فترة بريجنيف مع المركز الرأسمالي، فقد زادت الصادرات من 2,2 بليون دولار عام 1970، إلى 17,2 بليون دولار عام 1981، ومن 2,5 بليون دولار للواردات عام 1970 إلى 18,7 بليون دولار عام 1981. وبينما كان 26 بالمئة من وارداته من الغرب هي ماكينات، وأغذية ومواد خام، كانت هذه 23,7 بالمئة من صادراته، وكانت حصة النفط ومشتقاته 58,1 بالمئة من هذه الصادرات. (التجارة والتعايش، 1984 : 159، 162).
لقد قفز عجز متاجرة الإتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية من 3 بليون دولار عام 1973 إلى 9 بليون دولار عام 1975، .. كما أن الدين لصالح الغرب قفز من 20 بليون دولار عام 1974 إلى 90 بليون دولار عام 1981″ (أرمسترونج وهاريسون، 1984 :325 مقتطف في سمارة 1991 : 61).
تجدر الإشارة إلى أن الانفتاح الإقتصادي على السوق العالمية حصل في الإتحاد السوفييتي في فترة أبكر منها في الصين، وكان قد أخذ في حالة الاتحاد السوفييتي مدى أبعد.
مرة أخرى: من يتحكم بالسلطة السياسية بوسعه تغيير النظام
يحصل التفاعل المتبادل بين البنية التحتية والفوقية خلال النشاط الواعي للناس والطبقات الإجتماعية. إن الطبقات الإجتماعية نفسها هي الوكيل الذي يتوسط في تحويل نمط الإنتاج من شكله المجرد إلى حالة محددة وملموسة. وبناء عليه، فإن اللحظة الإجتماعية هي العامل الذي يحول المادي والسياسي والتشكيلة الإجتماعية الأيديولوجية إلى موضوعات ملموسة ومحددة. إن المناقشة المجردة لنمط الإنتاج لا تكفي. لا بد من جرها إلى الحقل الإجتماعي الطبقي. فأية مناقشة ذات معنى لا بد أن تحدد الطبقات الإجتماعية التي تدير وتتفاعل وتصوغ القوانين ومختلف هيئات البنية الفوقية، وبالتالي تُحافظ على نمط الإنتاج السائد. إنها بناء على ذلك، تحافظ على ملكية الطبقات المالكة من خلال علاقات الإنتاج الإجتماعية.
يطرح الماركسيون تساؤلات حول نمط الإنتاج: كيف تنظم العلاقات الإجتماعية من أجل حيازة وتوزيع العمل الفائض؟ وما هي الديناميات الأساسية في التحكم بأية منظومة من العلاقات الإجتماعية؟ من المستفيد منها ومن يدفع كلفتها؟
وكما أشرنا أعلاه، فإن من يتحكمون بالسلطة السياسية يكونون قادرين على تغيير النظام. وما يجعل فعل هذا ممكناً على يد النظام الحاكم هو دوره في علاقات الإنتاج الذي يقود في هكذا وضع قوى الإنتاج…ويصهر القوى والعلاقات” (كتلر، المصدر السابق 1979، فصل 5، وباليبار، 1970: 235، مقتطف في بتامور1983 :179).
“كما لاحظها ستالين، تتضمن علاقات الإنتاج ثلاثة أشياء: الملكية، والعلاقات بين الناس خلال العمل، وتوزيع السلع” (ماو، 1977 : 110-111). وتتضمن علاقات الإنتاج ملكية وسائل الإنتاج والعلاقات بين الناس في مجرى الإنتاج، ونظام التوزيع” (ص 443 و 67 من ماو)… تصبح الملكية عامة…ويصبح الناس أسياد العلاقات الإقتصادية في مجتمعهم” (ص 446 و 72 من ماو). أما هنا، فإن الدور الحساس لعلاقات الإنتاج يصبح جلياً. بوسع البنية البيروقراطية تمكين النظام، وليس الجماهير، من استخدام الإنتاج بالتجربة، وليس كمسألة شكلية. هنا يأتي دور البنية التحتية في علاقتها بعلاقات الإنتاج كجزء من نمط الإنتاج.
قال ماو عن هذا التشوه والإحتجاز… ” بطرق عدة، وبشكل أساسي الإنتاج، واصل السوفييت تقدمهم، ولكن في ما يخص علاقات الإنتاج، فإنهم بشكل أساسي توقفوا عن التقدم” (ماو، 1977 :18).
تجدر الإشارة هنا أن التركيز على تطوير قوى الإنتاج بدون الأخذ بالاعتبار تطور علاقات الإنتاج قاد إلى انحطاط الوعي الإشتراكي وتهميش المنتجين المباشرين وأعضاء الحزب. ولكن في حكم خروتشوف، فإن التشوهات ذهبت بعيداً . فقد استبدل التثقيف الإشتراكي بإعادة التثقيف الرأسمالي من خلال التركيز على الحوافز المادية على المستوى الوطني، والتبادل اللامتكافىء و “التعايش السلمي” مع الإمبريالية على صعيد عالمي.
إن التناقض الأساسي هو على النحو التالي: في حين أن ملكية وسائل الإنتاج كانت وبقيت عامة من ناحية شكلية، خلق نظام خروتشوف نخبة المديرين التي توسطت بين وسائل الإنتاج والمنتجين المباشرين. لم يكن المديرون مالكين بالمعنى القانوني، لكنهم كانوا يتحكمون بالعملية الإنتاجية، وحيث أن لديهم هذه السلطات، كان بوسعهم الحصول على المنافع لأنفسهم. هكذا، وفي النتيجة، فإن كلاً من الحيازة والتوزيع لم تعد تنظم على أساس عام، بل وأبعد من هذا، فقد أصبح الفساد إحدى آليات التوزيع، وقد يكون هذا من فرَّاخات المافيا بعد تفكك الإتحاد السوفييتي.
لعل الشرط الضروري لتدمير علاقات الإنتاج الإشتراكية في الإتحاد السوفييتي هو استخدام الملكية العامة لمصلحة من يُمسكون بالسلطة. كانت رغبة النومنكلاتورا هي تغيير كامل النظام باعتبار ذلك الطريقة الوحيدة التي بها يمكنهم جعل تملكهم غير الرسمي لوسائل الإنتاج مُرسَّماً بشكل رسمي. هذا ما قام به جورباتشوف. وبهذا، فإن النومنكلاتورا قد حمت نفسها من غائلة الثورة الشعبية التي من المحتمل أن تكون ذات طبيعة اشتراكية جذرية.
المعالجة الثانية:
روسيا إلى النهوض الرأسمالي الدولاني
دولة الرأسمالية الوطنية بديمقراطية أقل
ليس حديثاً مغرياً ما تم تداوله بأن البريتسرويكا والجلاسنوست، وأهم من ذلك تتويج يلتسين كان مؤامرة، ولكن قد يكون أكثر إقناعاً القول أن نظام الإشتراكية المحققة كان قد وصل درجة من التعفن لا بد من سقوطه بعدها، وأن البديل الثوري لم يكن له أفق في غياب كلا الإزدهارين:
· الإزدهار الإقتصادي
· والإزدهار الديمقراطي الحرياتي، علماً بأن واحدهما يشترط الآخر. هذا إذا لم نتحدث عن التدهور في سباق التسلح الذي، كونه إنفاقاً هائلاً، كان سباقاً مع المركز في ملعبه القوي، أي قوته المالية التي هي تحصيل الفائض على صعيد عالمي.
وعليه، طالما كان البديل من تحت جلد النومنكلاتورا نفسها مع تبديل أثوابها والإحتفاظ بجوهرها السلطوي وتحويل ما كانت تديره ليصبح ما تملكه وهو ما أسقط في يدها قوى الإنتاج بطريقة فاسدة وربما تآمرية لا غبار عليها. ولأن التحول أخذ هذا الشكل التآمري والإنكساري دون تطور طبيعي، لم يولد علاقات إنتاج سوقية بالمعنى المألوف، وهو الأمر الذي كشف خبث جيفري شاخس الطبيب الرأسمالي الغربي الذي حاول قتل الإقتصاد السوفييتي بالصدمة، وإن زعم أنه يهدف معالجته بالصدمة.
ليس إلا حديثاً مناقضاً لواقع الحال القول أن المركز الرأسمالي الغربي الذي احتجز ولا يزال تطور ورسملة المحيط، أن يكون حريصاً على تطور روسيا رأسمالياً. لذا، انهالت الشركات الغربية على شراء القاعدة الصناعية في الإتحاد السوفييتي، وفي هذا شاركتها وسهلت النومنكلاتورا الأمر.
ما يهمنا هو ملامح استعادة روسيا لوضعها الداخلي وهو المرحلة الإنتقالية السريعة التي أسست بالطبع لاستعادة دورها القطبوي على صعيد عالمي، وهو الدور الذي بدأ مع وصول بوتين إلى السلطة في دورتين رئاسيتين متتاليتين، وكما يُشاع فإن ميديدييف المنتخب في أوائل 2008 سائر على نفس النهج. كان كلٌّ من يلتسين وبوتين بمثابة عقاب شعبي للحزب الشيوعي الذي وصل إلى درجة المنافس القوي لكل منهما ولكنه لم يكن المنتصر.
وفي حين ارتكز يلتسين على المركز الرأسمالي الغربي وعلى رأس المال المالي المحلي ذي التوجه التخارجي، فقد اختار بوتين التحالف مع رأس المال الصناعي وجهاز الدولة. لكن ارتكاز بوتين على الدولة لم يكن بمعنى الدور الدولاني السابق في الإتحاد السوفييتي (رأسمالية الدولة ، بل هو الدولة الرأسمالية التي تقوم على تحالف رأس المال الخاص والجهاز السياسي للدولة.
إذن، تنقسم المجموعة الحاكمة إلى فريقين، أولئك الذين مكَّنهم يلتسين من السلطة ويمثلون رأس المال المالي والذين ظلوا مرتبطين بطريقة أو بأخرى بجهاز الدولة. ضمن هذه المجموعة الأوليغاركية المالية التي تملك البنوك، ولها ملكيات في الصناعات الإستخراجية ، ومن خلال هيمنتها المالية لها حصص أو سيطرة كلية على الكثير من الصناعات، ولكن مدراء المصانع ظلوا إلى حد كبير كما كانوا من قبل وبقي معظم المدراء محتفظين بحصص كبيرة في مصانعهم. إن المدراء القدامى للمصانع هم معظم النخبة السوفييتية لكنهم فقدوا الكثير لصالح نخبة رأس المال المالي ولا سيما أن الصناعة ظلت في مضيق كارثي، وبالنتيجة اندمجت بجهاز الدولة كي تشكل كتلة لدعم بوتين.(ص 35)
والفريق الثاني هو فريق بوتين نفسه. ولعل ما يقوي مركز بوتين، الذي لا يتمتع بصلاحيات قمع كالسابق “السلطة التحريفية السوفييتية”، هو ارتفاع أسعار المواد الخام التي توفر حالة من الإستقرار ولو على المدى القصير والمتوسط. لذا فالخيار الإقتصادي الذي اتبعه بوتين هو العودة إلى النظام القديم، ولإعادة تطبيق سلسلة من أشكال التحكم إلى جانب تأميم أملاك. ومما ساعد هنا هو فشل الإنتقال الإقتصادي الذي انتهجه يلتسين ما أدى إلى أن رأس المال المالي ودعاة السوق والأوليغاركية السياسية أمثال بيريزوفسكي وخوردوفسكي …الخ قد تم عزلهم بشكل متسارع. لعل ما سهل انتصار بوتين هو أن يلتسين اعتمد على العصابات، كما أن الشركات الغربية تدفقت لاستغلال الثروات الهائلة التي لم تكن التكنولوجيا السوفييتية قادرة على استغلالها كما يجب، كما قامت الصناعات الإستخراجية بتصدير منتجاتها إلى الغرب مع إبقاء الأثمان كأرصدة في الغرب وهو حالة من تصدير الأموال أما بوتين فاعتمد على جهاز الدولة، وفي السنوات الأخيرة عاد بعض هذه الأموال إلى روسيا وفي الغالب من أجل شراء الشركات الصناعية واستحلاب موجودات البلد.(35)
لا شك أن بوتين عمل ضد رأس المال المالي، وشركات الأعمال والبنوك الغربية. وهذا عامل ضغط مضاف إليه عدم ارتياح الشعب للسوق. لذا يلجأ بوتين إلى تحسين البنية التحتية والإستثمار في الصناعة، التي تدمرت خلال التحول. وهذه الآلية لا تقوم بها السوق، ممثلةً بالقطاع الخاص، لأنها تحتاج وقتا طويلا وأرباحها ضئيلة. لقد طالب الصندوق الدولي بالإستثمار في الصناعة ولكن الإستثمار في صناعة السلاح والصناعات الإستخراجية كان ضئيلا. أما سياسة حكومة بوتين هي استثمار فائض الطاقة في الصناعة، وهذا سباق مع الضغط الغربي الذي لا يكتفي بدرجة الخصخصة الروسية، واستثمار هذا الفائض في صناعة السلاح بما هو دعامة اقتصاد روسيا وتحديداً إذا كانت تسعى للإرتفاع القطبوي كما كانت سابقاً. لذا يرفض أعداء إعادة بناء روسيا سياسة بوتين كما يوضح النص التالي:
“أعاد الكرملين إلى نفسه السيطرة على شركات البنى التحتية والشركات الأساس في الإقتصاد الروسي وبين الحين والآخر ينقط كمية قليلة من الأسهم في البورصات كي يحظى بالتقدير الغبي للمحللين الأميركيين الذين يثنون على الخصخصة، عمليا لم يخصخص شيئاً ذا معنى في روسيا، وما خصخصه أُُمِّم مرة أخرى، الحكم الروسي مثل الصيني يحافظ على سعر متدنٍّ نسبيا للعملة المحلية ويشتري فضائل العملة الأجنبية الإحتياطي الدولاري لروسيا سيتجاوز قريبا خط500 مليار”[4].
قانون القيمة،السوق، المدراء وعلاقات الإنتاج
يردنا هذا إلى قراءة غير رومانسية لما حصل في الإتحاد السوفييتي. فقد كانت محاولة الإنتقال من التشكيلة الإجتماعية الإقتصادية “الإشتراكية” إلى اقتصاد السوق عملية مؤلمة اجتماعياً للأكثرية الشعبية. فحتى مؤخراً ما زال مستوى المعيشة أدنى مما كان عليه عام 1986. ومن العمالة الكاملة انتقل البلد إلى البطالة العريضة. والمثقفون القدامى والمتقاعدون وعدد ضخم من النساء تحولوا إلى متسولين. وفي حين أن عمال الصناعات الإستخراجية تحسنت ظروفهم فقد تدنى مستوى معيشة أكثرية العمال. ورغم خصخصة أملاك الدولة على نطاق واسع، كانت النتيجة فشل السوق في مجتمع لم يعتد عليه. وكما أشرنا أعلاه، لم يحصل تبَنٍّ حقيقي لاعتماد السوق. فما كان مطلوباً
، في حكم يلتسين، هو تفكيك الإتحاد السوفييتي وليس إقامة رأسمالية متطورة في روسيا.
نعم كان التحول إلى الرأسمالية شاقاً على المجتمع لكنه كان مربحاً لرأس المال. إن تحويل المجتمع من ثقافة وعلاقات إنتاج “إشتراكية” إلى الرأسمالية كان شاقا. وربما هذا ما يساعد بوتين في ما يحاول القيام به، أي إقامة رأسمالية بروح مركزية، وليس بتبنٍّ كامل للمشروع الخاص مستفيداً من ترسبات ثقافة لا رأسمالية.
يقول هيليل تيختين: “يمكن ملاحظة غياب تفوق السوق من الصعيد السياسي، فقد أعتُقِل الرجل الأغنى خوردوفيسكي ، حينما حاول التدخل في السياسة، كما أن إمبراطوريته “شركة الغاز الطبيعي العملاقة يوخوس” تأممت[5]“. (ص 34)
قد لا يكون هذا الحديث دقيقاً، فخوردوفيسكي وفريق آخر معه، هم ممثلو رأس المال المالي الذين تمكنوا من عنق الإقتصاد الروسي في فترة يلتسين، والذين سيَّروا الدولة طبقا لمصالحهم، وهو الأمر الذي ترتَّب عليه، تهريب الفائض من البلاد إلى المركز الرأسمالي المعولم، وانتشار منظمات المافيا، وتمكن الصهيونية من البلد ما أفرز مقابلها حركات قومية روسية متعصبة ومعادية لليهود. لذا، كان خيار بوتين هو رأس المال الصناعي وجهاز الدولة للوقوف في وجه جر البلاد إلى الكارثة. والحقيقة، أن ما يقوم به بوتين، هو محاولة تأصيل الرأسمالية في روسيا، وهو أمر يفتح على جبهتين:
· جبهة الطبقة العاملة والإتجاهات الإشتراكية
· وجبهة رأس المال المالي المتخارج ومن ورائها دول المركز الإمبريالي.
وهذا يطرح التساؤل حول سياسة خلف بوتين فيما إذا كان سينحاز أكثر للطبقات الشعبية؟
لكن السوق تفوق في أكثر من صعيد آخر. فرغم النمو العالي نسبياً الذي حققته روسيا: ” منذ عام 2000 ، بلغ النمو في الناتج المحلي الإجمالي لروسيا 7 بالمئة، أي قرابة 50% خلال سبع سنوات، وبلغت الإستثمارات الأجنبية 45 مليار دولار.(القدس 26-1-2008). رغم ذلك، ما تزال روسيا من بين الدول التي تعاني من أعلى نسبة بطالة في العالم، ولا سيما بعد أزمة القطاع المصرفي 1998، لذا هاجر منها بين 1992-1999 نحو 12 مليون روسي وجد معظمهم طريقهم إلى الدول الأوروبية وإلى الكيان الصهيوني[6]، ولكنها شهدت حالة من الإستقرار في العام 2007، وأغلب المهاجرين من خريجي المعاهد العليا، كما تسيطر على هذه الظاهرة هجرة النساء للعمل في الملاهي الليلية والنوادي وهي ظاهرة أسميت فراشات الليل…لكن مؤخراً بدأت هجرة معاكسة إلى روسيا..فقد هاجر من روسيا 10 مليون يد عاملة عام 1999 واستقبلت 12,6 مليون بالمقابل كثير منهم من الجمهوريات السوفييتية السابقة (القدس 19-1-2008)
ليس من قبيل المبالغة أن نزعم بأن عدم سواد السوق، وعدم تفشي قانون القيمة كما يُبتغى، هي بمثابة أشكال من المقاومة الشعبية للرأسمالية رغم هيمنة الأخيرة. فحسب هيليل:
” قانون القيمة لا يحكم، في ذلك الإقتصاد الذي لا يعمل على أساس القيمة. فأجزاء من الإقتصاد ما تزال تحت النظام القديم، والكثير من العمال، ربما ليسوا الأكثرية واصلوا العمل بأجور لا شيء أو تقارب اللاشيء، وأسعار معظم السلع خارج التجارة الدولية بقيت تعسفية[7]“.
بقدر ما تعتقد هيليل أن هذا امتداد للنظام القديم، بقدر ما أنه لا يخدم سياسة بوتين لأنه ساعد على هجرة الكفاءات وقوة العمل إلى الخارج. يكفي أن مليوناً قد استوطنوا في الكيان الصهيوني كما تجدر الإشارة إلى أن قانون القيمة الرأسمالي كان يعمل في عديد من القطاعات في الإتحاد السوفييتي السابق. فعلى صعيد التجارة الدولية كان الإتحاد السوفييتي منخرطاً في النظام العالمي ومخترقاً بقانون القيمة الرأسمالي العالمي، (كما أشرنا إلى أقوال كوسيجين وخروتشوف أعلاه) القانون الذي توسع نطاق عمله في أواخر فترات الإتحاد السوفييتي. ومع ذلك، فإن أحد عوامل فشل نظام السوق في روسيا، كان المقاومة الشعبية لقانون القيمة الذي جاء مفروضاً من قبل نظام السوق عبر العلاج بالصدمة وليس عبر التحول التدريجي والطبيعي، وهو الأمر الذي لم تكن تريده بلدان المركز الإمبريالي على أية حال.
“أما حقيقة أن الروبل أصبح الآن أقرب إلى كونه عملة (بالمفهوم الرأسمالي وقانون السوق)، فإن تبادله بالعملات العالمية (مع أن العمال لم يُدفع لهم دوماً مقابل قوة عملهم)، فإن هذه خطوة باتجاه الرأسمالية مقابل الستالينية. وعلى أية حال فإن العمال ربما لا يتقاضون قيمة قوة عملهم. من الصعوبة بمكان القول أن قوة العمل كانت “تباع في الفترة الستالينية، وهذا ظل جزئيا هكذا هذه الأيام كما أن معظم العمال في المشروع ظلوا يعملون كما كانوا. في النظام القديم كان هناك للعمال معيار للتحكم في عملية العمل وهذا ما زال الى حد كبير. فلم يتمكن بوتين ولا نظام يلتسين السابق له من التحكم بطريقة عمل العمال من خلال تغيير الدفع وشروط تسمح بزيادة الإنتاجية إلى المستوى العالمي[8]“.
يفتح هذا الحديث على حقيقة أن حكم بوتين، وإن كان بهدف تقوية روسيا كدولة، ولكنه يفعل ذلك على أرضية وطنية لا طبقية بمفهوم الطبقات الشعبية، أي أنه يحاول ذلك عبر البرجوزية الوطنية الروسية، وبالتالي فإن الدولة، وإن بدت القيادة بيدها، فهي في التحليل الأخير ليست دولة العمال. أما احتفاظ المدراء بدور في فترة بوتين، واقترابهم من معسكره، فلا يصب في مصلحة العمال، بالطبع، بل هو استكمالٌ لدورهم في نهايات و/أو إنهاء النظام السابق، ولكن هذه المرة كمالكين أو شركاء في ملكية ما كانوا يديرونه في العهد السوفييتي.
الدارج هي الحماية وليست حرية السوق
إن جشع رأس المال في المركز واللهفة والتلهف على التراكم لا سيما في هذه الحقبة يخدم تماماً إستراتيجية بوتين في تقوية رأس المال الصناعي الروسي وتشديد دور الدولة، ويُضعف النقد الغربي لسياسته الوطنية الداخلية. في هذا السياق، قدمت الحكومة الروسية في تموز 2007 مشروع قانون ينص على منع بيع أسهم أي شركة إستراتيجية إلى المستثمر الأجنبي إلا إذا وافقت على ذلك لجنة حكومية مختصة يرأسها رئيس الوزراء. وهذا كان أسوة بما قامت به الحكومة الأميركية حيث وقع الرئيس الأمريكي في 26 يوليو2007 على قانون يمنح هيئة الرقابة على الإستثمارات الأجنبية المزيد من الصلاحيات، ويطالب بالاستعانة بأجهزة المخابرات لمراجعة صفقات هامة موقعة مع المستثمرين الأجانب[9]. وأعلن المفوض الأوروبي للتجارة في 24 يوليو أن المفوضية تقترح إحياء التعامل بـ”الأسهم الذهبية”، وهي الأسهم التي تحتفظ بها حكومات الدول الأوروبية، من أجل منع بيع شركات إستراتيجية هامة إلى المستثمرين الأجانب. فهل انتهى اذاً عصر التجارة الحرة[10]؟. يجيب الخبير الروسي ميخائيل خازين على هذا السؤال: بأن التجارة الحرة “لم يعد لها وجود”وأنه لا بد من فرض المزيد من القيود على حرية الإستثمار، مشيراً إلى أن السبب هو أن حجم الموارد المالية التي “تتجول حول العالم”، ينمو أسرع من الموارد المادية[11]. وهذا يفتح على مناقشة دور رأس المال المالي وتحديداً المضارب على صعيد عالمي.
أابعد من ذلك، قد يجوز التساؤل حول ما إذا كانت هناك ذات يوم تجارة حرة في المركز الرأسمالي بالشكل الحقيقي؟ فهي كانت في فترات ما ولوقت محدد ولإنجاز أهداف محددة، ويتم تطبيقها كسياسة حين تكون مربحة. ولذا، فإن ما كان سائداً دوماً هو الحماية وليست التجارة الحرة، وهذا المناخ هو الذي يخدم بوتين هذه الأيام بأكثر من التجارة الحرة المزعومة
تطوير على عين المركز
أصبح نهوض روسيا مجدداً من الأسئلة المتداولة عالمياً، حيث يشهد الاقتصاد الروسي فترة إنتعاش تدل عليه مؤشرات أدائه المختلفة، فاستكمالاً لما تشهده روسيا من ارتفاع في معدلات النمو الاقتصادي وانخفاض في معدلات البطالة وغيرها من نتائج إيجابية، أعلن وزير المالية الروسي “ألكسي كودرين”، أن احتياطي روسيا من الذهب والعملات الصعبة زاد في النصف الأول من هذا العام 33.6%، لترتفع إلى 405.8 مليار دولار، وإن معدل التضخم في روسيا خلال الفترة نفسها بلغ 5.7% مقابل 6.2 % خلال الفترة نفسها من 2006. مؤشرات الأداء الايجابية ينظر إليها الكثيرون من المتتبعين بأنها الدعامة التي من المتوقع أن تستند عليها إرادة قوية لإعادة صياغة المعادلات الاقتصادية والسياسية عالمياً، وربما أنها السبب الذي جعل الإدارة الأمريكية تستنفر من “بوش”، الذي أثار ما أسماه بـ”الخطة الإستراتيجية 2007-2012″ لمواجهة ما وصفه بـ”السلوك السلبي لروسيا”، إلى “رايس” التي أطلت على قناة “سي ان بي سي” لتصف انعطاف روسيا باتجاه توسيع مشاركة الدولة الروسية في صناعة النفط والغاز وإجراء تغييرات في شروط العقود بالسيئ على النظام الدولي!!
إستعادة التجربة والدور الروسيين تذكرنا بمسألة هامة في مسألة التنمية والتطور. فقلَّة هم المفكرين الذين قرأوا نجاح التنمية المتمحورة على الذات لأروروبا الغربية على أرضية عدم وجود بنية لنظام عالمي، وتحديداً عدم وجود مركز متقدم يصر على احتجاز محاولات التنمية المستجدة. لعل هذا التفسير يلقي ضوءاً على خرافة مزاعم ماكس فيبر بعلمية ودقة وشفافية الروح البروتستنتية التي تنسب التنمية أو الإنتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، ذلك الإختراق البريطاني، الذي تنسبه إلى العامل الديني، وليس إلى فعل الإنسان، من جهة،وهي الرواية التي لم تلتقط أهمية غياب مركز عالمي معادٍ ليعيق أو يحتجز تمركز أوروبا من جهة ثانية. إضافة إلى أن هذا المركز نفسه الذي نما بمعزل عن اقتحام مركز آخر لمشروعه التنموي لعب هو هذا الدور ضد كافة محاولات التنمية وحتى اللحاق التي حاولتها مختلف بلدان العالم الأخرى سواء في روسيا البلشفية أم في المحيط المستقل بعد الإستعمار.
كما أشرنا آنفاً، فقد جوبهت الثورة البلشفية بغزو إمبريالي بمليون ونصف المليون جندي، ناهيك عن قوى الثورة المضادة الداخلية وتكرار الإستنزاف بالحرب الإمبريالية الثانية[12]، وفرض الستار الحديدي والاستنزاف بسباق التسلح.. إلخ. واليوم، تدور حربٌ مشابهة وإن بطرق مختلفة للحيلولة دون انطلاقة روسيا ثانية، وهي محاولات لا شك معرقلة، حتى وإن كانت لروسيا قاعدة صناعية جرى تهميشها أو خصخصتها أو بيعها بيعاً سياسياً…الخ . لكنّ وجود هذه القاعدة يقرب وضع روسيا اليوم (أي تشابه الحالة) من وضع أوروبا الغربية بعد الحربين الإمبرياليتين الأولى والثانية. وإذا كانت أوروبا الغربية قد دُعمت إقتصاديا أو تمويلياً بمشروع مارشال، فإن روسيا مدعومة بمشروع الطفرة النفطية.
تجاوز النفط المئة دولار للبرميل… هكذا قال الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز بعد ساعات من صعود الأسعار إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق قرب 79 دولارا، لكن آخرين يتذكرون انهيارات الأسعار في السنوات الأربع الأخيرة ويتساءلون إن كانت الأسواق تتجه نحو تكرارها. ودأبت السوق منذ 2003 على دخول مرحلة تصحيح حادة بعد ارتفاعها إلى أعلى مستوياتها في كل عام، وبعد بلوغها الذروة في العام 2006 هوت الأسعار بنسبة 36 % في الأشهر الستة التالية لتنزل عن 50 دولارا للبرميل. وقال محللون أن موجة الصعود الأخيرة هذه يغذيها بالأساس تدفق استثمارات جديدة وليس أنباء كبيرة تتصل بالعوامل الأساسية مثل الأعاصير أو توترات الشرق الأوسط. لكن حقيقة “تسونامي” الأسعار، ما زالت في رأي آخرين مجرد ألاعيب سياسية تزدهر كلما انتعشت الخلافات بين الدول، لتستخدم كأوراق مفاوضات في ساحات الأزمات.
وربما خوفاً من هذه المفاعيل الجانبية ومن تلاعبات دول المركز تتحرك روسيا بسرعة هائلة لتشكيل محاور على مختلف الجبهات والأصعدة، وإن كانت محاور ما تزال في طور الدفاع أمام هجمات الرأسمالية الغربية المعولمة. لذا، تحاول روسيا إقامة احتكار للغاز مع قطر وإيران ومنتجين آخرين على نمط أوبك للنفط. وتقوي علاقاتها مع الجزائر وإيران وتركمانستان وأذربيجان وفنزويللا لتجذير مواقف وسياسات أوبك، وتعقد تحالفات دفاعية مع معظم الجمهوريات السوفييتية السابقة وبشكل خاص كي لا تقبل أيٌّ منها استخدام أراضيها ضد دولة أخرى. لذا تعقد المنظمات التي تقودها روسيا اجتماعات متواصلة وهي : “إتحاد الدول المستقلة” و “منظمة إتفاقية الأمن الجماعي” و ” المجموعة الإقتصادية اليوروآسيوية”. كما أن الصين أصبحت شبه عضو في هذه المنظمات. كما تقوي علاقتها مع سوريا لتكون قوة معادلة للناتو في الوطن العربي والشرق الأوسط، وتقف،ولو بتكتيك متذبذب، إلى جانب إيران “النووية”.
وبغض النظر أيّ تفسير هو الأصحّ، فإن ما يهمنا في هذا السياق هو محاولات الإنطلاق الروسية. فرغم الضربات الموجعة لروسيا منذ بداية حكم جورباتشوف وحتى نهاية حكم يلتسين، فإن روسيا تجهد نفسها للعبور ثانية إلى مستوى المركز والقطبية. وللنفط في هذا دور كبير بالمعنى الإستثماري التنموي بإشراف دولاني، وهذا بعكس ما آل إليه دور النفط في أواخر أيام الإتحاد السوفييتي حيث كان يطفىء عجز ميزانية الدولة وعطش النومنكلاتورا الفاسدة!. لذا، فروسيا حريصة على علاقة جيدة مع منظمة أوبك للنفط للحفاظ على سعر عالٍ للنفط وهو اليوم (آب 2008) 120 دولاراً للبرميل، وكان منذ أسابيع قد قارب ال 150 دولارا للبرميل. ولا نقلق إذا ما أضر هذا بالإستثمارات العالمية ودفعها إلى الوراء أو إلى التثاقل. ففي عالم رأس المال لا يقلق أحد على غير نفسه لا سيما إذا لحق الضرر بمنافسيه وليس بتوابعه، وينطبق نفس عدم القلق على روسيا وبشكل أكبر.
وأبعد من هذا، فقد وصلت روسيا إلى محاولات التحرش الإقتصادي بالولايات المتحدة التي تحاول استخدام الحبوب في إنتاج الطاقة، ولكن روسيا تحاصر هذا المشروع كذلك كونها هي المنتج الأكبر للقمح، وهذا التنافس أعطى فسحة للبرازيل كي تبتز الولايات المتحدة. على أن العامل الحاسم في السياسة الإقتصادية الروسية الحالية هو محاصرة رأس المال[13] المالي فيها وتقوية جناح رأس المال الصناعي بقيادة الدولة لتثبيت التحول إلى مركز.
مرة أخرى، في سياق استعادة الدور عبر النمو الإقتصادي تبادر روسيا لتقوية احتكار أوبك، وإنشاء احتكارين للقمح والغاز، وهذه جميعاً تشكل تحدياً للهيمنة الأميركية، الأمر الذي ترد عليه أميركا بالتحول إلى “منتج” للنفط من خلال احتلال العراق، لذا، قال وزير النفط العراقي في تموز الماضي، بأن سعر النفط ارتفع مؤخراً أكثر مما يجب، وبأن بلاده سوف تضخ كميات أكبر لمنع السعر من الإرتفاع. إذن نحن أمام حالة أخطر من نهايات القرن العشرين عندما كانت تلعب السعودية هذا الدور “دور المنتج المرجِّح” أي الذي يضخ أكثر حينما ترتفع أسعار النفط بأكثر مما ترغب دول المركز. فاليوم، تقوم بذلك دول المركز نفسها. وهي حتى الآن لم تفعل، وهذا يعني أن مقاومة أوبك ما تزال قوية. وتصر أميركا على التحكم بأكبر عدد من بلدان القوس النفطي العالمي من الخليج إلى دول انفكت عن الإتحاد السوفييتي إلى كولومبيا، وبالمقابل تصر روسيا على الإنفتاح على هذه الدول وتجنيدها تحالفياً معها .
روسيا… تحرش لا صدام
حمل بوتين معه إلى قمة كينيبنكبورت مع بوش هموماً روسيةً ليس أقلها القلق الدائم من توسّع حلف الناتو شرقاً ووصوله أبواب موسكو. وكأن الولايات المتحدة في صدد إرهاق الدب الروسي مجدداً بسباق التسلح كي تحتجز تطوره المادي في مشروع لإنهاكه ثانيةً. فإذا لم تعد روسيا دولة شيوعية، فما ضرورة هذا الهجوم الناتوي الموسع إلى هذا الحد؟ أم أن المسألة هي نفسها، بمعنى أن رأس المال وهو يلهث وراء التراكم لا بد أن يدخل في سلسلة متواصلة من الحروب، بل لا بد من الحروب مع كل من لديه ما يزيد التراكم، وعلى القائمة لا بد أن تكون روسيا والصين. أما الهند التي تحاول التطور الرأسمالي المنفتح بأعلى حيادية ممكنة، فما تزال خارج التوجهات التحالفية لروسيا والصين. إلا أن العلاقات التقليدية للطبقة الحاكمة في باكستان بالولايات المتحدة، وهي تبعية في الجوهر، قد تزيح الهند نسبياً، كما ساد تقليدياً، باتجاه روسيا متناسية تناقضها مع صين ماو.
وهذا ما يفسراهتمام أميركا بالهند الجديدة. الهند التي غادرت النموذج السوفييتي في الإقتصاد والتنمية والسياسة، والتي صبغها “جاناتا” بصبغته رغم بعض ملامح القوة لحزب المؤتمر. فأميركا مهتمة بانتزاع الهند من وسط محاولات التحالف الروسي/الصيني.
في سياق تسارع تشكيل الأحلاف، والإستعداد لما هو قادم، رأينا المظلة الدموية الأميركية أو ما يعرف بالدرع الصاروخي الاميركي الذي سيبدأ نشره في دولتي الكتلة السوفيتية سابقاً، الواقعتين على تخوم روسيا، تشيخيا وبولندا (التي أقر مؤخراً نشره فيها)… هذا الدرع الإستباقي، بزعم مواجهة أخطار ما يسمى “الدول المارقة” التي يتم تضخيم حجمها ما يؤكد قرار ضربها أو تخريبها كما حصل تجاه العراق وما يحصل تجاه إيران. هذا الدرع الذي قال فيه الرئيس الروسي : إن ” هذا المشروع ليس درعاً صاروخياً فقط بل هو جزء من التسلح النووي الاميركي”. لكن التسلح النووي ليس مجرد ألعاب نارية للفتيان، فهو في خدمة التراكم في التحليل الأخير، وهو ما يدفع روسيا لرفضه بصرامة.
تجدر الإشارة هنا أن خلافاً حاداً يدور بين روسيا وأميركا على معاهدة الحد من التسلح التي كانت عُقدت إبان ضعف الإتحاد السوفييتي. فلأن المعاهدة أتت باتفاق الحلفين، وعلى ضوء أن حلف وارسو لم يعد له وجود فإن روسيا أصرت على تعديل المعاهدة في بعض أجزائها في عام 1999، على أن تستهدف القيود التي تفرضها المعاهدة تسليح الدول بعينها بدلا من التكتلين (الحلفين)، وبذلك تم التوقيع على الصيغة الجديدة المعدلة للمعاهدة في قمة منظمة الأمن والتعاون الأوربي في اسطنبول عام 1999، علماً بأن المتغيرات (الحراك) التي طرأت على الواقع الأوربي هي التي كانت وراء البحث عن تعديل لتلك المعاهدة، لتأخذ بالاعتبار كل تلك المتغيرات التي جرت، بأن تقضي بالتحول لتقييد تسلح الدول في ذاتها بدلا من الحلفين، خاصة وأن الاتفاق لم يصادق عليه من قبل حلف الناتو حتى الآن.
والذرائع التي ساقتها الإدارة الأمريكية وحلف الناتو كمبرر للامتناع عن المصادقة على المعاهدة المعدلة، ترجعها تلك الأطراف إلى أن روسيا لا تفي بالتزاماتها القاضية بإخلاء قواتها من جورجيا ومولدافيا، في حين أن المعاهدة تم المصادقة عليها فقط، من قبل ثلاث دول من أصل ثلاثين دولة، فيما رفضت بعض الدول الإنضمام إلى المعاهدة، ابتداء، وهي سلوفاكيا، ودول البلطيق، الأمر الذي ضاعف من الهواجس الروسية.
وبسسب عدم مصادقة الناتو على تلك المعاهدة، أقدمت موسكو من جانب واحد على تعليق مشاركتها في المعاهدة ابتداء من 13 من شهر كانون ثاني 2007، أولا لعدم استجابة دول الناتو للشرط الروسي بالتوقيع على المعاهدة المعدلة، وثانيا لأن المعاهدة كما قال نائب وزير الخارجية الروسي ” لا تتماشى بصيغتها الراهنة مع الواقع السياسي، وتتعارض مع أهداف روسيا العسكرية “.
الناتو في المقابل ؟ ينشر قواته في رومانيا وبلغاريا ؛ بل وتخطط الولايات المتحدة الأمريكية، كما أشرنا، لنشر منظومة دفاع مضاد للصواريخ في بولندا وتشيكيا، وهي من دول حلف وارسو السابق، وهو الحلف الذي انضمت ست دول من أعضائه إلى حلف الناتو، في وقت وفت فيه روسيا بالتزاماتها التي نظمتها المعاهدة، بعد أن صادقت عليها، وقامت بسحب جميع أنواع الأسلحة الثقيلة من شطرها الأوربي، فكان من الطبيعي والحال تلك أن تجمد روسيا المعاهدة، وهي التي لم تكتف بالمصادقة عليها فحسب، بل إنها نفذت كافة بنودها، وعلى الأخص سحبها جميع أنواع الأسلحة التقليدية من شطرها الأوربي.
ومما يزيد قلقها أن النظام الصاروخي الأمريكي المزمع إنشاؤه في شرق أوروبا، أي نصب صواريخ اعتراضية في الأراضي البولندية، وإقامة رادار في الأراضي التشيكية، يمكن للأمريكيين بذلك أن يطلقوه نحو روسيا بدعوى أنهم يطلقون صواريخ اعتراضية، بذريعة تدمير صواريخ مهاجمة انطلقت من إيران. يقول رئيس الأركان الروسي: … ليس هذا فحسب، بل من يدري ” فلعل الصواريخ الأمريكية التي انطلقت، على سبيل الإفتراض، من الأراضي البولندية، هي هجومية وليست اعتراضية، وفي هذا يمكن ؛ بل يجب أن تقوم روسيا بالرد، بإطلاق صواريخ مجهزة برؤوس حربية صوب منشآت أمريكية “.
لا شك أن اعتماد المركز الرأسمالي على التسلح هو آلية لضمان سيولة التراكم. لكن شرطه أن يكون تسلحاً من طرف واحد هو المركز نفسه. لذا، وبقدر ما كانت أوروبا سعيدة بمظلة الدعم الأميركية، ارتعدت فرائصها من تهديد بوتين بالانسحاب من معاهدة حظر سباق التسلح التقليدي في أوروبا، وتلميحه بأن الاعتراف الاميركي أو الغربي باستقلال كوسوفو سوف يقابله اعتراف روسيا بأوسيتيا وابخازيا المتمردتان على جورجيا (وهو ما حصل بعد العدوان الجورجي على أوسيتيا في آب لهذا العام). فمسألة كوسوفو بالنسبة لروسيا تعميق لعلاقة تبعية الموجة القومية الثالثة “القومية في حقبة العولمة” للمركز الرأسمالي المعولم[14]، وهي علاقة جوهرها تفكيك الدول المارقة والدول التي لها مشروع تطويري، ومنها روسيا.
روسيا ليست البلاشفة ولا “التحريفية”السوفييتية[15]
إذن، فإن فلاديمير بوتين، ليس فلاديمير لينين! وروسيا الحالية ليست روسيا البلشفية، ولا حتى الستالينية ولا الخروتشيفية أيضاً. فالرأسمالية الصناعية ودولة بوتين تعمل على رفع روسيا إلى مرتبة دولة مركز رأسمالي. لكنها على ما يبدو، وهي وإن ركزت على تصدير الأسلحة، فإنها تجاهد كي تقوي الصناعات المدنية ايضاً، لأن الإقتصاد لا يقوم على السلاح وحده، وقد يقوم على العدوان الخارجي كما تفعل الولايات المتحدة، ولكن دون تغييب كبير للإقتصاد المدني المطلوب منه، على الأقل، التصدير إلى المستعمرات، أو حسب اسمها الجديد، المحيط.
لذا، ليس للعرب والعالم الثالث أن يحلموا كثيراً من تقدم روسيا ” من المغالطة أن ننسب لأنظمة الكمبرادور حلماً بالتنمية والإستقلال، بينما هو حقا حلم الطبقات الشعبية”، إلا إذا كان لديهم ما يقايضون روسيا به؛ أي وجود موقف قومي على الأقل، قرار سياسي، كما كان الأمر في الحقبة الناصرية وإن كانت فقيرة مالياً.
[1] نقصد بهذا الإشارة إلى كثرة المدارس الشيوعية والماركسية والإشتراكية، بينما قلة منها التي جسدت مشروعاً على الأرض، بغض النظر عن الإشكالات والإخفاقات. كانت التجربة البلشفية/ اللينينية ، ومن بين من تلتها تلتها التجربة الصينية/الماوية ومن ثم التجربة الكوبية/كاسترو/جيفارا، كوريا، فيتنام…الخ ولعل أشهر المدارس الشيوعية التي لم تنجز مشروعاً، وراوحت في نطاق الخطاب والتجريد هي الحركة التروتسكية. والمفارقة، أن هذه الحركة تحاول اليوم اقتناص كل تراث الحركة الشيوعية العالمية لتبدو كما لو كانت كافة هذه التجارب “بوحيها”. ولكن كتابات هذه الحركة تنفي بنفسها ما تزعمه الحركة اليوم.
[2] في ما يخص دور النظام الرأسمالي العالمي خارج حدود الدولة القومية، يمكننا مرحلة هذا النظام في ثلاثة: الرأسمالية الإستعمارية وهي التي بدأت منذ بدايات التوسع الإستعماري الرأسمالي حتى في حقبة الميركنتيلية وانتهت أو تحولت مع نهايات القرن التاسع عشر لتحل محلها مرحلة الرأسمالية الإمبريالية والتي انتهت مع نهايات القرن العشرين، لتبدأ مرحلة الرأسمالية المعولمة والتي نعانيها اليوم. أنظر، عادل سمارة:
Beyond De-linking: Development by Popular Protection vs Development by State, Al-Mashriq Al-A’amil for Cultural and development Studies -Ramallah, 2005, Chapter One, especially pages 18-24.
[3] وحدها القراءة الأمينة للتاريخ هي التي تقدم كتابة أمينة للناس، فإن نسب الحرب الإمبريالية الثانية إلى النازيين وحدهم وتصوير دور الإمبرياليات الرأسمالية الأخرى (فرنسا، بريطانيا، والولايات المتحدة وتوابعها) كأنها المدافعة عن الحرية والديمقراطية في العالم، هو غش صِرف. فمختلف الحروب في ظل الرأسمالية، قبل وبعد الحربين الإمبرياليتين، هي حروب من قبل الجميع ضد بعضهم وضد العالم من أجل النهب والإقتسام، اقتسام الضعفاء. هذا ناهيك عن أن الإتحاد السوفييتي كان له الدور الأكبر في هزيمة النازية، وهو الأمر الذي كلفه خسائر بشرية ومادية جعلت البيروقراطية خياراً مراً وصعباً، وعرقلت بناء الإشتراكية.
وفي حين ينسب كثيرون أسباب ومناخ ظهور البقرطة في الإتحاد السوفييتي إلى خسائره من الكوادر الشيوعية المجربة في الحرب الإمبريالية ضده والحرب الأهلية في السنوات الأولى للثورة، فإن أكثريتهم تتجاهل دور الحرب الإمبريالية الثانية في تعميق هذه الخسائر ومضاعفتها وبالتالي دورها في ترسيخ البقرطة. وفي اعتقادنا، أن تجاهل هذه الحقيقة، وحصرها في مجرد منح الإتحاد السوفييتي وسام هزم النازي وتقديم عشرات ملايين الضحايا، إنما هو هروب خبيث من تحليل أسباب غير محلية في انتعاش البيروقراطية في الإتحاد السوفييتي. فالخراب الذي خلفته الحرب كان من التأثير بحيث لم تتمكن القوة الأيديولوجية من تعبئة الناس بما يكفي لمقاومته، وهذه أمور إنسانية لا يمكن تجاهلها، بقدر ما أن الخسائر المادية لا يمكن تعويضها بسهولة والتعويض هنا بالغ الأهمية وحاسم لأنه بهدف البناء وليس الرفاه. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الدول الرأسمالية الإمبريالية قد تعرضت لخسائر ودمار بدورها، وهذ أقل بكثير من خسائر الإتحاد السوفييتي، إلا أنها ظلت تنهب مستعمراتها لتعوض خسائرها، وهو أمر لم يحصل في الإتحاد السوفييتي/ هذا إلى جانب أن قاعدتها الصناعية كانت أكثر تقدماً، وهذا يجعل النهوض أسرع. وقد لا نجانب الصواب إذا أشرنا إلى أن النهوض الروسي حالياً ممكن بدرجة كبيرة بسبب توفر قاعدة صناعية. إن التنمية في نهاية النهايات محكومة إلى درجة حادَّة بالإمكانيات التي تؤسس للتنمية البشرية، فالنوايا لا تكفي.
أنظر عادل سمارة:
Beyond De-linking: Development by Popular Protection vs Development by StateChapter One, especially pages 18-24.
[4] القدس 8-11-2007 سيفر بلوتسكر عن يديعوت. بالمقابل، فإن الإحتياطي الدولاري للصين يصل إلى 1000 مليار دولار، وهو ما يقلق الولايات المتحدة، ولذا، يرى كُثُر من الإقتصاديين أن قيام أميركا بتخفيض سعر صرف الدولار، في جزء منه، حربا إقتصادية على الصين وروسيا.
[5] نفس المصدر هيليل
[6] أنظر عادل سمارة الإقتصاد السياسي للصهيونية: المعجزة والوظيفية، منشورات مركز المشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية، رام الله 2008.
[7] The Disintegrating Country: Behind Russia’s Headlines, Hillel Ticktin, Against the Current, March/April 2007, p.p. 34-
[8] نفس المصدر هيليل
[9] من اللافت أن رئيس الولايات المتحدة اعترض على وأجل صفقة شراء أسهم في شركة بحرية أميركية من قبل الإمارات العربية المتحدة، وهو أمر يؤشر إلى موقف ضد الأتباع! وكأن ما تريده الولايات المتحدة من أتباعها النفطيين العرب هو إعادة عوائد النفط كما هي إلى البنوك الغربية!
[10] هذا إذا كان هناك أصلاً عصراً حقيقياً للتجارة الحرة. فما كان دارجاً دوماً هو تطبيق سياسات الحمائية. وعليه، فإن المبالغة والغزل في سياسات التجارة الحرة هو كذب شاعري من جانب المركز، وهو تضليل للطبقات الشعبية في المحيط كي تقبل بالشعار الخطر مؤخراً: “نحرير التجارة الدولية” وهو الشعار الذي يرغم أنظمة المحيط “دوله” على رفع يدها عن حدودها لتصل من المبوعة السيادية إلى تخليع أبواب اقتصادها. وما معنى تحرير التجارة الدولية بالنسبة لدول تستورد كل شيىء؟
[11] أما وهناك إجماع على أن اقتصاد الولايات المتحدة هو اقتصاد “الملاذ الأخير”، فهو نفسه يعاني من انتفاخ مالي أوصل قيمة اسهم الشركات الأميركية إلى ثلاثة اضعاف القيمة الحقيقية لها، أي أن الإقتصاد المالي أصبح ثلاثة أضعاف الإقتصاد الحقيقي، وهذه فراخة المضاربة، ما قد يجعل من اقتصاد الملاذ الأخير اقتصاد الذهاب إلى الجحيم الأخير.
[12] وفي فترة الحرب الوطنية،شارك في مقاتلة العدو 9 ملايين شيوعي من أعضاء الحزب، استشهد منهم أكثر من 3 ملايين في حين فقد الشعب السوفيتي ما بين 27-30 مليون مواطن.وجدير بالذكر أن قيادة الحزب، خصصت %60 من قادة وكادر الحزب للجيش ولقوات الأنصار، كان بينهم 54 عضوا أو مرشحا لعضوية اللجنة المركزية للحزب.
[13] يُجمع الكثير من الإقتصاديين اليوم على أن ما يتحكم بالعالم هو الرأسمالية الممولنةFinancialization التي تتحكم بالعالم متجاوزة الدولة الكلاسيكية ورأاس المال الصناعي.
[14] أنظر حول كوسوفو مسعد عربيد في KANAANONLINE.ORG, 1429 وعادل سمارة في نفس النشرة رقم 1449.
أنظر حول صراع روسيا على القطبية، كتاب عادل سمارة:
Beyond De-linking: Development by Popular Protection vs Development by State, Published. Chapter One.
[15] أنظر عادل سمارة،
Beyond De-linking: Development by Popular Protection vs Development by State, Published by, Chapter One, especially pages 18-24.