«المسألة الأميركية»

كمال خلف الطويل *

مع قرارها بالحرب على «الإرهاب»، أصبحت الرأسمالية الأميركية أسيرة حماقة قوة كفيلة بفرط انتشار وتمدّد، مفضية إلى انكشاف لا للأطراف وحدها بل للجذع معها، ومؤديّة إلى اشتغال عوامل الحت والتعرية وضربات كعوب أخيل، ومحيلة إلى ترنح يبدأ معتدل الشدة، ليتحول إلى فائق الشدة، لا مندوحة بعده عن سقوط من عل.

نظرة طائر تاريخية هنا تفي بالقصد:

عرفت الرأسمالية الأميركية تحدّيها الأبرز مع نجاح الثورة البلشفية عام 1917 في روسيا، إذ كانت طبائعها حينذاك من الصنف المحفّز على النقمة بل التمرد عليها، كما تجلى في اضطهادها النشاط النقابي والتعامل البوليسي مع جموع العاملين، وفي انفلات جشع لها من عقاله طيلة عشرينيات القرن وصولاً إلى خسف 1929 وما تلاه من كساد عظيم امتد طيلة الثلاثينيات. قيّض الله للرأسمالية الأميركية يومها ابناً حاذقاً بصيراً وفاهماً لحقائق العصر ومستوجباته، ومؤمناً بأن الخلاص من الكساد من جهة، ودرء الخطر البلشفي من جهة أخرى، لا مفر لهما من إعادة إنتاج محسّنة للرأسمالية عنوانها «الأنسنة والرقابة».

استطاعت الرأسمالية الأميركية منذ منتصف الأربعينيات أن تجدّد نفسها وتبعد عنها شبح التهديد البلشفي، بل أن تتفاضل معه لجهة مزايا التقديمات للعاملين، وهم من توجّه البلاشفة بالنداء لهم في الأساس.

تواصل نهج الرأسمالية الذكية طيلة وجود المنظومة الشيوعية، فما أن تداعت وتفرّقت أيدي سبأ إلا وأمسك بناصيتها ـــ الرأسمالية ـــ كل من خالف روزفلت في حياته أو بعد مماته واعتبره أخرقَ خائناً لرأس المال الذي به من بيت أبيه ضرب. بدأت الحكاية مع عرّاب النكوص إلى الوحشية ـــ ريغان. مذّاك، والرقابة تتآكل، والنقابات تذوي، والرأسمالية تتناسل عجائبياً، وأجور الوظائف تتجمد (مع حسبان عامل التضخم)، فيما الاستهلاك يصبح قيمة لا حاجة، والاستدانة فضيلة لا اضطراراً، والتوفير ضرباً من التعويذ لا الفائدة، والبلاد كلها تدخل أتون الاستدانة المتفاقم؛ دولة وشركات وأفراداً ومن خارج الحدود.

تجلّت تقلصات الرحم الحامل في أزمات 87 و90 و 98 و2000 التي ضربت بورصة الأسهم فأذهبت أرباحاً ورقية، وتلاعبت بعوائد ومدخرات واستثمارات مخدوعين بالملايين ظنّوا أن موئلهم هو مجمع لتنظيم الاستثمار لا كازينو قمار بامتياز.
ثم دبّت عوارض الوضع في 11 سبتمبر 2001.

ما بين 9 نوفمبر 89 و 10 سبتمبر 2001، جلست الولايات المتحدة على العرش، وإن من دون استواء تسبّب بافتقاده طيش المضي في طريق القوة حشداً وتهديداً واستعمالاً.
في يوم النار والدم ذاك، انزاح الكرسي عن القمة إلى حوافها، وتعلّق بنتوءات عندها وقته من السقوط المدوي. كانت ما زالت ثمة عافية في جسد الاقتصاد والمجتمع وإن ذاوية، كفلت أن تلجم جاذبية السقوط وتحفظ قدراً من توازن.

اشتدت آلام الوضع وتواترت مع قرار المؤسسة الحاكمة ـــ بقيادة يمينها الصقوري ـــ شن الحرب على «الإرهاب» بدءاً من أفغانستان 2001، مروراً بالعراق 2003 وانتشاراً لما بين مندناو في الشرق إلى كازابلانكا في الغرب.

وما بين أعوام 1981 و 2008، راكمت الرأسمالية الأميركية الطبائع الآتية:

1ـــ ضحّت بدولة الرعاية، أو تكاد، لمصلحة عودة شبه وحشية إلى رأسمالية بلا ضابط ولا حسيب.
2ـــ عظّمت من شريحتها المالية بشرهها اللامتناهي لتحصيل الربح كيفما اتفق.
معها عرفنا «المشتقات» derivatives، والرهانات options-futures shortselling، و«الروافع» levereging، و«تسنيد» securitization القروض العقارية، وتضليل المستدينين، وهدم الجدار الفاصل بين البنوك التجارية وبنوك الاستثمار، والسماح بنسب إقراض قياساً إلى أصول تصل إلى 45/1.
3ـــ أوقفت نشاطها الإنتاجي داخل البلاد ــ سوى الإنتاج العسكري ومتفرقات تقانة ودواء وخلافه ـــ ونقلته إلى دول منخفضة الكلفة، بما يؤمّن عوائد خيالية لها، دون اعتبار كلفة أفدح مع مقبل الأيام ألا وهي البطالة المتصاعدة، التي تقلّص حجم الاستهلاك لسلعها المستوردة من الخارج.
4ـــ استدانت حتى الثمالة عبر بيع السندات الحكومية والشركاتية والبلدية لكل أهل الأرض، ليصل الحكومي منها وحده إلى دزينة من التريليونات، غير عابئة بما تجنيه يداها من عقابيل طويلة الأمد، وعبر إقناع نفسها بأن الدائن هو صاحب حصة في سلامة المستدين، وأن شراء الأجانب لسنداتها شرط لازب لاستهلاك إنتاجهم.
نحن الآن أمام حجم دين حكومي يقارب الدخل القومي السنوي للبلاد… أمن وصفة كارثية أشد نذيراً من ذلك؟
5ـــ خدعت نفسها والغير بترديد مقولة الاقتصاد الجديد المعلوماتي والمعولم، فأضحت بنية الاقتصاد الحقيقية هي من ربع للإنتاج وثلاثة أرباع للخدمات والمعلوماتية.
بذلك، هبط متوسط دخل العامل الأميركي إلى قاع صفصف، لوحته موسومة بوفرة أعمال النوادل وندرة أشغال المنتجين، مضافاً إليه تحايل الشركات عبر توظيف عمال غير دائمين وبلا مزايا إضافية من تأمين وخلافه.
6ـــ خفّضت تكلفة الاستدانة في الداخل إلى مستويات دنيا كفلت رفع أسعار العقار لمديات غير مطروقة، مع ما أفضى إليه ذلك من اجتراح سبل دين متعاظم على العقار ذاته وفّرت «مداخيل» شائهة أطلقت العنان لنوبة استهلاك فاجر لا يعرف هدأة ولا هموداً. فإذا أضفنا عليها ديون بطاقات الائتمان، لوجدنا مواطناً يرتع في نعيم خلبيّ «عابر»، لا بفضل دخله بقدر ما من خلال مديونيته الاقتراضية، دعك عن قروض التعليم لأبنائه وإيجارات سياراته البيعية… وهو فوق هذا وذاك بلا قرش توفير لا لأبيض ولا لأسود من أيامه، فانتهى به الحال أن أضحى مخلوقاً يعيش ليستهلك، فيما نظراؤه في العالم الثالث ينتجون له ويصدّرون.
7ـــ فقدت أي معايير أخلاقية تنظم سلوكها وترعى شفافية تعاملاتها التي طالما باهت بها العالمين لعقود وعقود.

والحق أن التاريخ سيسجل أن أكبر عملية نهب فاضح وعلني في تاريخ البشرية قامت بها الرأسمالية المالية الأميركية طيلة التسعينيات من القرن العشرين وعشرية الواحد والعشرين الأولى.

إن عشرات من التريليونات ذهبت لاحتكارات مصرفية كبرى، ولجيوب قادتها معاً، وعبر استعمال الدولة وبنكها المركزي وخزانتها ودافع ضرائبها مضخّة وقناة.

أزمات إمبراطورية يحدّد مصيرها عام 2009

والطريف أن كثيرين ظنوا أن بعضاً من ذكاء عاد لتلك الرأسمالية، إنهاضاً لنفسها من كبوتها، عبر تأميم جزئي للمصارف. لكن حقيقة ما جرى هي أن الرفد الحكومي اقتصر على شراء أسهم «خاصة» لا تذيب أياً من أسهم المالكين ولا تضمن حقاً في التصويت والإدارة، بل هي حقن نسغ بالوريد لخزائن الرأسمالية المالية وهي تقوم بعملية تجميع صفوفها وإعادة تنظيم ملاكاتها عبر ابتلاع كبيرها لصغيرها، وتكتيل قواها في مجمعات أخطبوطية أقدر على مزيد من القضم والبلع والهضم لمشاريع افتراس.

8ـــ أهملت بدواعي الجشع أي اهتمام «بخضرة» البيئة، بما يشمله ذلك من ابتداع مصادر جديدة ونظيفة للطاقة، فانتهت بأن أصبح اعتمادها على استيراد للطاقة شبه كامل، بظنّ أنّ قعقعة سلاحها كفيلة بتأمين السيطرة على قرارها ـــ أي الطاقة ـــ في بلاد المستضعفين، مغيّبة عن قشرها المخّي أن السطو لا يدوم، وأن ما لصاحبه هو له في النهاية مهما جثم فوقه غصباً الأتباع والعباد، وبدوا كأنهم في أمان يرفلون.
9ـــ مركزت الثروة في أياد أقلية أوليغارشية، بفجاجة لم يعرف لها المجتمع الأميركي مثيلاً. إن 1% من الناس يملكون ما ينوف عن ثلثي الدخل القومي، فيما 80% منهم يحوزون خمسه.

حدث ذلك منذ ريغان، ووصل مع بوش الثاني إلى استقطاب طبقي فادح يهدد سلامة النسيح المجتمعي. نصل الآن إلى الوليد: هو خديج لم يكمل تسعاً، ضربته علل خلقية ومكتسبة أسكنته غرفة العناية المشددة للرضّع والخذّج، فيما الأنابيب والعقاقير والسوائل والمعدات تسري في جسده ومن حوله يمنة ويسرة، والاختصاصيون والممرضات في مداومة لا تتوقف جسّاً وفحصاً وعلاجاً، والعائلة في الخارج ترقب بهلع احتمال الوفاة، مصرّة على المعالجين بذل أقصى الجهد والمضي إلى آخر المطاف في إنعاش الوليد، وبث العافية في جسده من دون حسبان لكلفة.

والحاصل أن ما يتطاير أمامنا من نذر يفضي إلى الاستشراف الآتي:
لن يجدي منعش ولا سائل مغّذ ولا إكسير، بل ولا أنبوب تنفس… كله ضرب محال.
أمام المؤسسة الحاكمة الآن أن تختار بين نهجين: المواظبة على ما فات مع محاولة تشذيبه وإلباسه لبوس حُسن، وإطالة اعتماد نهج القوة في الخارج والانفلات في الداخل بأمل أن يسعفها الوقت أو الحظ بمخارج مأمولة تعيدها إلى القمة، وربما حتى بانفراد أو تبنّي نهج جديد مخالف بالضرورة، بل معاكس في الاتجاه، تفيء فيه إلى حسابات المنطق وإلى إملاءات الضرورة، دون التفات لغرائز الرغبة وجموح العادة.

إنها بين أن تكون دولة قائدة دون إمبراطورية، أو مشروعاً إمبراطورياً يقود ولكن إلى التهلكة.

لم يعد في المستطاع تلفيق المسار ولا التذاكي على النفس قبل الغير، ولا الفهلوة ولا التأجيل ولا التدجيل، بل هي القارعة… وما أدراك! والثابت عندي أن المؤسسة ـــ مقودة بجناحها الديموقراطي ـــ ستصل إلى ضرورة (لا خيار) اعتماد ثاني النهجين… لا لأمر إلا لافتقاد مخرج سواه. لقد دخلت الولايات المتحدة في الربع الأخير من عام 2008 فترة كساد تختلف في قسماتها عن تلك التي مرت بها في الثلاثينيات. لم تكن مديونية الدولة حينها كما الآن، ثم إن الحرب العالمية الثانية كانت البلسم الأخير والشافي حينها.
الآن، حروب 1964 ـــ لتاريخه، هي أهم أسباب ما انتاب الولايات المتحدة من مرض عضال، ومن ثم فهي الداء لا الدواء، فضلاً عن أن مديونية البلاد ـــ دولة وشركات ومواطنين ـــ لا تتيح إلا رسالة من تحت الماء.

لذا فإن النهج الجديد يتضمن بالضرورة الأقانيم الآتية:

1ـــ خفض جذري لميزانية الأمن القومي (دفاع واستخبارات وأمن داخلي) بنسبة لا تقل عن النصف (هي الآن تريليون دولار)، بما يعنيه ذلك من تفكيك معظم القواعد العسكرية المنتشرة في الخارج كغثاء السيل (هناك ما مجموعه 1000 في الداخل و800 في الخارج).
2ـــ إنهاء حربي العراق وأفغانستان على الفور، مع سحب كامل للقوات الأميركية منهما في غضون عام 2009.
3ـــ تأميم ـــ أقلّه نصفي ـــ «حقيقي» للمصارف وشركات التأمين الكبرى، يضمن إشرافاً دولتياً فعالاً على التعاملات المالية، معطوفاً على ضوابط حازمة لأنشطة المرافق المالية المتوسطة والصغيرة الحجم تقي من عبث اللامعقول.
4ـــ إعادة تصنيع، خضراء، للولايات المتحدة تشمل بناء صناعات حقيقية ونظيفة تعتمد على مصادر بديلة للطاقة، وتوفر وظائف عمل برواتب مجزية تكفل هامشاً آمناً للاستهلاك… بما يتطلبه ذلك من حسومات ضريبية لشركات تسلك ذاك السبيل.
5ـــ فرض ضرائب أرباح عالية على الشركات التي تستخدم العمالة الخارجية في مواطنها حافزاً سلبياً لاستعادتها، مصحوباً بالحافز الإيجابي أعلاه.
6ـــ زيادة الحد الأدنى للأجور مع إعفاء ضريبي لصغار الدخل، وخفض ضريبي على الطبقة الوسطى وتصعيد ضريبي على شريحة الـ2% العليا من المجتمع.
7ـــ إخراج شركات التأمين من عملية التأمين الصحي بالكامل، مع فرض خفوضات سعرية كبيرة على شركات الأدوية، وإنشاء وكالة تأمين صحي حكومية واحدة توفّر التأمين الصحي الشامل للمواطنين… بذا تنخفض كلفة الصحة من 17% من الدخل القومي إلى النصف، مزيّنة بإزالة وصمة عار أن في أميركا 46 مليون مواطن بدونه.
8ـــ إبدال اتفاق «بريتون وودز» 1944، الذي دق نيكسون عنقه عام 1971 بإلغاء ثنائية الذهب ـــ الدولار، لمصلحة اعتماد الدولار وحدة قيمة عالمية منفردة، بهيكلية نقدية عالمية تمثّل تلك الوحدة، وبما يقي من شرور المضاربة على العملات وما يترتب عليه من أضرار لا حدود لها على اقتصادات الدول… صغيرها وحتى الكبير منها (بريطانيا ـــ 1992مثالاً).
9ـــ جرف كل «البدائع» الجهنمية المالية من حومة التداول… أقصد المشتقات -derivitives (التي وصل حجم تعاملاتها في العالم إلى ألف تريليون دولار) وصناديق التحوط hedge funds، والروافع، مع تحجيم الرهانات لتقتصر على السلع لا الأدوات المالية.
10ـــ فرض الحراسة على ممتلكات مئات بل ألوف السرّاق والنهّابين الذين اكتنزت جيوبهم من مدّخرات الدولة والمجتمع وعوائدهما.

ما الذي سيؤمنه نهج كهذا من عائد ومردود؟
هو بالقطع سيوقف الانهيار، ويتيح مصادر هائلة للدولة، ومنابع دخل معقولة للناس، تسدّ ثقب الضائقة الائتمانية الأسود، وتوفر حراكاً نقدياً لزجاً وآمن النقلية.
هو ثانياً، سيصالح الولايات المتحدة مع نفسها أولاً، ثم مع باقي خلق الله تلواً.
هو ثالثاً، سيؤمّن للولايات المتحدة ركناً قائداً ـــ بالشراكة والاعتماد المتبادل السلمي والمتكافئ ـــ مع قوى عديدة صاعدة ينتقل إليها مركز جاذبية المعمورة، وبالتحديد منها الصين وروسيا وأميركا اللاتينية والهند… وعالم العرب والإسلام.
هو رابعاً، سيطلق طاقات خلاقة طال استنزافها في حلبة المجمع العسكري ـــ الصناعي، وتقدر على الإسهام المبدع في الارتقاء بحضارة الإنسان إلى مديات غير مسبوقة في العلم والتقانة والطب والفضاء والعمران والطاقة.
ما الذي يعيق اعتناق نهج كهذا؟
حزب الحرب الأميركي ـــ وأكرر التنويه بتراكبه فوق الحزبين الرئيسين ـــ الذي سيفعل المستحيل لوقف اندفاعة الضرورة.
سيترتب على ذلك عسرة المخاض، واحتمال تعرّج المسار بل ربما بطء وتيرته. لكن ما على الحائط قد كتب وما بقي هو هدمه وتجاوز أطلاله.
هل من بديل متاح يغني عن اعتناق نهج جديد؟
لا يحتاج المرء إلا إلى استعراض جملة معطيات تتكامل في مشهد بانورامي يحفل بكل ما عجب وشذ:
1ـــ بعثرت الدولة، من تموز إلى تشرين الثاني، ما مجموعه 8,6 تريليونات دولار في محاولة لجم تسارع الانهيار المالي وحدّته، توزّعت ما بين أعطيات الخزانة (20%)، وتقديمات الاحتياط الفدرالي (60%)، وتغطيات هيئة الضمان المصرفي (12%) من دون جدوى بادية.
2ـــ بلغ عجز الميزانية تريليون دولار. وإذا أضفنا العجز التجاري، قفز المبلغ نصف تريليون آخر.
3ـــ وصل مجموع الدين الأميركي العام والخاص (والأخير يشمل الأفراد والشركات والبلديات والمرافق) حدّ 400% من الدخل القومي، أي قرابة 60 تريليون دولار.
4ـــ اقتربت شركات بطاقات الائتمان والإقراض الجامعي وإقراض السيارات وصناديق التحوط والبنوك الكبيرة من إشهار الإفلاس، دعك من شركات صناعات السيارات.
5ـــ توقفت البنوك عن الاقتراض والإقراض ما بينها، فأضحى بنك الاحتياط هو المحطة الأولى، لا الأخيرة كما دوره، لحقن البنوك بسيولات نقدية تكفل مجرد استمرار عملياتها الاعتيادية.

والحاصل أن الاعتماد على شراء الأجانب للسندات الحكومية كمصدر تمويل رئيسي لم يعد منهل طمأنينة كما الحال عبر ربع القرن المنصرم.

لقد وفرت الثنائية الأميركية ـــ الصينية صيغة اعتياش متبادل: الصين تنتج وتصدّر وأميركا تستورد وتستهلك… الأولى تشتري سندات الثانية لكفالة بقاء الدولار قوياً ضمانة لزهد أسعار صادراتها وحث نهم الاستهلاك الأميركي إلى ما بعد الذروة، والثانية تستعمل السندات المشتراة لسد ثقب أوزونها المالي المتزايد الاتساع، ولدعم دولارها ليحتفظ بعالمية محوريته.

ومن أصل قرابة تريليوني دولار احتياط مالي جمعته الصين بالكد والجهد، موضعت أكثر من 800 بليون منها في قطاع السندات الحكومية وشبه الحكومية الأميركية ابتغاء ما سلف ذكره. يفسر لنا ذلك اضطرار إدارة بوش لاستنقاذ البنكين العقاريين بـ200 بليون دولار تحت تهديد الصين بالتوقف عن أية مشتريات سنداتية جديدة. وحتى بعد انفجار الفقاعة، فإن الصين واظبت على الاستزادة من تلك السندات بأمل صون الاقتصاد الأميركي من الوقوع من طوله. فمصيبته كارثة لهم، وهم من يتّكل اقتصادهم على التصدير، والسوق الأميركية في المقام الأول.

مهماز التنائي المرتقب بين الاقتصادين هو عجز الأميركي عن إدامة معدلات استهلاك عالية بواقع تلقّيه ضربة انكماش ركودي طوّحت به بل تكاد ترميه إلى حافة الكساد.
يضع ذلك الصين وغيرها أمام انعدام جدوى التزيّن بمزيد من تلك السندات، بل حتى الولوج إلى التخفف مما في حوزتها منها، وكلاهما بسبب شحوب التبادلية في العلاقة.
في عرفها أن ما بين توفير هدر كهذا وتحويله لاستصلاح السوق الداخلي ـــ فيما أسواق التصريف في الخارج معطوبة بأنيميا مستعصية ـــ تستطيع الصين أن تخرج بأقل الخسائر، فيما الولايات المتحدة عندها تطرق أبواب المخرج الأخير ـــ ولو لغير النجاة ـــ وهو طبع لا محدود للعملة مع شراء بنك الاحتياط بنفسه لسندات الخزينة المتناسلة.
ما الذي يعنيه ذلك؟ فرط التضخم، ومن ثم الانتقال من حافة كساد إلى مناخ يختلط فيه التنكس الراكد الانكماشي مع تضخم لاهب في سبيكة وقودها أرزاق الناس وحياتهم ومستقبلهم.

أصل لأبعد فأقول، ودون ذرة من مبالغة، إن عام 2009 يحمل جدياً نذر اضطرار الدولة الأميركية لإعلان عجزها عن تسديد ديونها، أي بكلمة واحدة: الإفلاس.
ذلك لو مضت المؤسسة في غيّها، وتعامت عن فداحة خطبها، وظنّت أن هامتها ما زالت بيرقاً تنحني له القامات وتصدع له الأنام.. ولعمري أن ذلك ضرب من جنون فالت من عقاله.

ما هو موقع باراك أوباما من كل هذا التصور؟ الحق أن شرائح يعتد بها من مجمع الشركات الأميركي ذاته تبنّته ثقة بأنه برهن طيلة عضويته في مجلس الشيوخ، 2004ـــ2007 عن حسن تدبيره وذكاء ولائه، وجاذبية أدائه لجهة المؤسسة (جناحها الديموقراطي)، التي فاضلت بينه وبين المرشح الأكثر تقليدية هيلاري كلينتون لتفضّله عليها، لما لخياره من بريق يجمع التجدد والشباب والألق، ويتجاوز أخدود العرق لمصلحة قاسم الحاجة.

هو ثابر وهم تثبّتوا… هو برهن وهم تبنّوا… هو استجابة ذاتية لحاجة موضوعية، وهم قارئون حصيفون لأزمة ضاربة قد تطيحهم في عصفة واحدة إن لم يجترحوا لها ما يشفي ويبرِئ.

والثابت أن الرجل على موعد مع التاريخ… فليس من أسوأ مما هو أمامه من حال سبق وواجه أحداً من قبله، حتى روزفلت. هو الآن وجهاً لوجه أمام المفترق قدماً إلى المهلكة أو استدارة إلى وعد خلاص من نوع جديد.

كيف لأوباما أن ينقل النهج الجديد من استراتيجية عليا إلى تكتيكات عمل ناجح؟
أتصوره يعقد قمماً متعاقبة مع قادة الصين وروسيا، ويحضر قمة منظمة الدول الأميركية ليلتقي فيها كل أخصام الولايات المتحدة (وما أكثرهم) ويجلس مع علي خامنئي وبشار الأسد في أنقرة بحضور غول ـــ أردوغان وحمد آل ثاني. على المناط الروسي، هناك التوقف عن سعار السيادة النووية، وسحب الصواريخ المضادة للصواريخ من بولندا وتشيكيا، ووقف تمدد «الناتو» شرقاً والتدخل في الشؤون الداخلية لروسيا، واللعب في القوقاز، ومحاولة استثناء روسيا من خطوط أنابيب النفط والغاز المنبثقة من آسيا الوسطى وجنوب القوقاز.

على المناط الصيني، هناك وقف التدخل في الشؤون الداخلية (التبشير والأنجزة والدالاي لاما والإيغور)، وعدم عرقلة وحدة تايوان مع الصين على غرار هونغ كونغ.
على المناط المشرقي، هناك وقف اعتماد المشروع الوظيفي الإقليمي الإسرائيلي عبر إعادة إسرائيل لحدود 4 حزيران 1967 مقابل إحياء اتفاق الهدنة 1949.
هناك تسريع الانسحاب من العراق وشموليته مقابل إعفاء واشنطن من تعويضات احتلالها وآثامه (مرفقة بإعفاء العراق من بقايا عقوبات سابقة عليه)، ووقف التدخل بالشؤون الداخلية لإيران، والقبول بامتلاك إيران للمعرفة النووية (كما البرازيل واليابان مثلاً)، وخروج الأسطول الخامس من الخليج إلى المحيط الهندي ليتموضع هناك كما في الأطلسي والهادئ.

لقد وصلت الحال بالإمبراطورية الفريدة (إمبراطورية قواعد ووكلاء ارتكاز إقليميين وشركات متعدية الجنسية ـــ أميركية الأصول) أن ثار عليها، ببأس لا يلين، من كان يحتسب من جواريها وأقنانها في الأميركيتين الوسطى والجنوبية، أي حديقتها الخلفية التي أرسي مبدأ مونرو لإبقائها في الحظيرة.

لقد كان النصف الثاني من القرن العشرين قرناً شبه أميركي، لكن أمارات الدعث والتداعي بدت عليه مع نهايته. فما أن لاحت تباشير القرن الواحد والعشرين إلا وتلاشت بشارة أنه القرن الموعود. هو قرن الإنسانية جمعاء، كلّ حسب إسهامه وقدرته وطموحه… أما دعاوى «الاستثنائية» و«الحلم» فكلها فقاعات هواء تغيب كحلم ليلة صيف.

والراجح أن المجتمع الأميركي لا يعرف الثورة، لكنه يعرف التحول، بدليل أن تحولات بنيوية كبرى لحقت به على مدى قرنين من الزمان: 1860 وتحرير العبيد. 1898 والتوسع الإمبريالي خارج الحدود. 1932 وإعادة إنتاج الرأسمالية مع روزفلت. و1980 والردة الريغانية، والآن 2008ـــ2009 عند مفترق الطرق.

لن يكون التحول سهلاً، صحيح. لكنه فعل اضطرار لا اختيار. هو سيوتّر أجواء المجتمع لحدود حرب أهلية ثقافية، نعم، إذ لم ينتخب أوباما قرابة 46 مليون مواطن مقابل 66 مليوناً صوّتوا له، وبعلم أن 42% فقط من البيض منحوه أصواتهم.

والحاصل أن البيض هم الآن زهاء ثلثي السكان، فيما سيضحون أقل من النصف مع انتصاف القرن، ثم إن هزال الفكر طابع كوادر المؤسسة الراهنة، وضمور المعرفة ميسمها.

أليست فضيحة أن ثلث البالغين (60 مليوناً) هو إما أمّي أو شبهه، وأن ثلث متخرّجي الثانوية العامة و40% من متخرّجي الجامعات لم يقرأوا كتاباً بعد التخرج، وأن 80% من العائلات لم تشتر كتاباً طيلة عام 2007.

* كاتب عربي

المصدر:“الاخبار”

عدد الخميس ١١ كانون الأول ٢٠٠٨

http://www.al-akhbar.com/ar/node/107316

_______