مدراء أم مافيا؟ هل استثمر أم خلق مدراء الشركات الأميركية الأزمة المالية؟ هل كانت النمنكلاتورا سلف أل CEO’s ؟

عادل سمارة

لو كتب عربي أو صيني ذات يوم، بأن مدراء الشركات الكبرى في الولايات المتحدة والغرب عامة هم فاسدون، أو يقومون بوضع اليد على الأرباح دون وجه حق لما تردد أحد الاستعانة بكتابات صامويل هنتنجتون واتهامه بالمبالغة وبالخيال الشرقي. ولكن، حين يأتي الحديث من جريدة شارع المال الأميركي (وول ستريت) يكون له طعماً آخر تماماً، ويكون لنا درساً آخر بالمقابل.

فقد كتب توم إيلي في هذه الجريدة (28 نوفمبر 2008)[1] يقول: قام CEO’s المسؤولون التنفيذيون والقانونيون في الشركات المالية والعقارية الأميركية قبيل اندلاع الأزمة المالية بلملمة الفلوس الموجودة نقداً في هذه الشركات قبيل إعلان إفلاسها، مؤكداً أو مستذكراً قاعدة أرساها بلزاك: “وراء كل نجاح مالي عظيم جريمة كبرى” هذه عبارة من المناسب كتابتها على ضريح الرأسمالية الأميركية”

ومرة أخرى، لو جاء هذا الحديث على لسان إمرىء من خارج شارع المال والأعمال لقيل هذا ناجم عن الحقد على الحرمان والعين الحاسدية كما صاغها المستشرق الفرنسي العتيق إرنست رينان، وكما جددها أو عمل لها Overhaul الصحافي الصهيوني في أميركا توماس فريدمان! لكن ما يساعدنا على الإطناب في عرض حقائق عن الفساد هو عمق الأزمة المالية، وصعوبة الدفاع عنها.

ولكن، هل السبب متوقف هنا وحسب، أم أن هذا الكشف الجارح مقصود به حصر الخلل في سلوك وجشع أفراد ليكون مثابة دفاع عن النظام باسره الذي تتعرض مصداقيته العقيدية وأدائه الاقتصادي إلى أزمة بنيوية وليست مجرد أخطاء افراد جشعين كما زعم الرئيس الأميركي جورج بوش.

يستطرد توم إيلي قائلاً: اثبت مسح أُجري في وول ستريت جورنال، ان مدراء المؤسسات والشركات المالية والعقارية الأميركية قد حولوا عشرات ملايين الدولارات للأسهم التي بولغ في قيمتها إلى نقود سائلة قبيل اشتعال الكارثة الحالية التي كانت تتجه اليها مندمجاتهم. وتحلل المقالة الثروة التي جناها هؤلاء في الفترة ما بين 2003-2007 والمرتكزة على ما حصلوا عليه من مكافآت لدورهم الإداري ومن بيع الأسهم. فقد أخذ 15 شخصاً منهم 100 مليون دولار نقداً خلال هذه الفترة. أما أكبر المستفيدين فكان تشارلز شواب الذي جنى 816 مليون دولار من خلال شركة المحاسبة التي يملكها والتي تحمل اسمه، وأغلبها من بيع الأسهم.

فمن الشركات ال 120 التي بيعت، تحلل الجريدة أن كبار المسؤولين التنفيذيين والقانونيين فيها جنوا نقداً أكثر من 21 بليون دولار. وبالطبع، فإن هذه الأرقام مأخوذة من الشركات التي عُرضت للبيع العام. لكنها لا تتضمن الثروات التي حصل عليها رؤساء صناديق التحوط Hedge Funds، ولا تشتمل على تجار وول ستريت، ومدرائها الذين باعوا شركاتهم بشكل تام. ولا تتضمن معطيات عن صفقات إنهاء الخدمة أو التقاعد أو الفصل لهؤلاء وهي بمئات ملايين الدولارات والتي كانت كالهبوط في مظلات من الذهب.

يفتح هذا السلوك على تساؤلين:

الأول: هل كان هؤلاء على دراية أكيدة بأن أسواق المال الأميركية مقبلة على كل هذا الإنهيار، وبالتالي قرروا تأمين أنفسهم على حساب المستثمرين الذين وضعوا ثقتهم بهؤلاء المدراء، على أن يعود هؤلاء المدراء لاحقاً، في أعقاب الأزمة كحيتان مال، ويقوموا بالدور الذي قامت به نخبة النومنكلاتورا في روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي؟

والثاني: أم أن هؤلاء هم انفسهم من صمّم أو صنع الأزمة من خلال مضارباتهم المحسوبة هذه؟

ورغم أن الاحتمال الأول هو الأصح إلى حد كبير، إلا أن السلوكين او الاحتمالين يجدان لهما أرضية في طبيعة النظام نفسه.

لقد أكدت الجريدة وجود طفيلية وأعمال جنائية في أوساط النخبة المالية الأميركية. أما المدافعون عن هؤلاء فيبررون ذلك أن هؤلاء (كبار التنفيذيين والقانونيين) هم أُناس موهوبون ومقدامون على “ركوب المخاطر”، وبالتالي فهم الذين يجنون ثروة للمستثمرين. لكن الجريدة كشفت أن لا علاقة بين هذه المكافآت الهائلة ومنح الشركات. بل بالعكس، فإن الكثير من هؤلاء التنفيذيين قد منحوا انفسهم مبالغ هائلة حتى خلال خراب شركاتهم. وهذا ينفي عنهم تلك الهالة المضخمة بأنهم يضحون من أجل المستثمرين، بل ان الأمور بالعكس من ذلك.

من بين هؤلاء ريتشارد فولد، المسؤول التنفيذي في بنك ليمان براذرز، الذي حول اسهم شركته إلى ما يزيد على 100 مليون دولار نقداً. وعندما نضيف هذه إلى راتبه وعلاواته، فإن فولد قد جنى لجيبه 185 مليون دولار في السنوات الخمس الأخيرة السابقة لعام 2008. كما أن جيمس كايني، من مصرف بير ستيرز، فعل الشيىء نفسه في مصرفه الاستثماري حيث جمع 163.2 مليون دولار والتي تكدس معظمها لديه من بيع الأسهم التي بعد ذلك بقليل لم تعد تساوي قيمة الورق المطبوعة عليه.

وبين عامي 2003-2008 جنى موريس جرينبرغ من مؤسسة اميركان انترناشيونال جروب، 132.8 مليون دولار حينما أُرغم على الاستقالة. إن أكثر من 100 مليون دولار من هذا المبلغ قد حصل عليها من لملمة الأسهم المباعة لمؤسسة التأمين هذه. لقد انهارت هذه المؤسسة في ايلول 2008، لكن الحكومة اصرت على انها “أكبر من ان تنهار” لذلك أنقذتها مرتين في اقل من شهر بما مقداره 120 بليون دولار.

وفي شهر آب 2008، فإن مجموعة (كنتري سايد فايننشال جروب) وهي شركة عملاقة لتقديم القروض غير المضمونة التسديد، قد انهارت بمشهد درامي وتم التهامها من قبل مصرف أميركا. خلال السنوات الخمس الأخيرة فإن المدير التنفيذي والقانوني لهذه الشركة أنخيلو موزيلو قد أخذ إلى بيته 471 مليون دولار، وإن أكثر من 400 مليون دولار منها أتت من بيع أسهمها التي تحولت بعد قليل إلى اسهم لا قيمة لها.

يفيد إلقاء نظرة على قطاعات الاقتصاد الذي تمت فيه مكافأة هؤلاء المتنفذين بأن هذا الاقتصاد متعفن بمجمله. بدون استثناء فهم يمثلون مندمجات منخرطة أيضاً في المضاربات المالية، “صناعات مرتبطة بشكل متين بالأزمة المالية”، كما بينت الجريدة، ولا تنتج قيمة حقيقية. وهذه، حتى وقت قريب، أجزاء ” متذبذبة من الاقتصاد وظيفتها هي مجرد لهف كميات هائلة من الثروة الاجتماعية وتودعها في الأرصدة الخاصة بكبار تنفيذيي البنك وكبار المستثمرين.

تورد الجريدة مثالاً على ذلك قطاع القروض الخاصة للطلاب وهي التي جعلت من دانييل مايرز التنفيذي الأكبر في شركة تدعى “فيرست ماربلهيد” رجلاً بالغ الثراء. تتخصص ماربلهيد في خدمات القروض للطلبة الذين حصلوا على أدنى مستوى قروض تقدمها الحكومة” وتقوم بعد ذلك بإعادة توضيبها وبيع ديونها للبنوك الكبيرة مثل بنك أميركا. لقد ربح مايرز قرابة 100 مليون دولار، كان أغلبها من بيع اسهم الشركة، وهي إلى جانب المدراء الآخرين في ماربلهيد حققوا معاً ثروة قدرها 660 مليون دولار. وتقول الجريدة أن مايرز استخدم 10.3 مليون دولار من ثروته لشراء عقار على المحيط في رود آيلاند -الولاية التي بها أعلى معدل بطالة في الولايات المتحدة. لقد قام مايرز بهدم الفيللا التي كانت هناك واقام مكانها قصراً على مساحة قدرها 38,000 قدم مربع وأسماه، مستفيدا من ثقافة القرصنة “مقتحم البحر”.

هناك قطاع آخر من الإقتصاد اثبت أربحيته بالنسبة لكبار التنفيذيين وهو الرهن المنزلي. فإضافة إلى حالة اخيليو موزيلو و “كنتري سايد” السالفة الذكر، ألقت الجريدة الضوء على حالة “نيو سنتشري فايننشال” وهي أكبر مقرض للقروض الى الضعفاء. وفي حين أن المُقرض مفلس الآن، فإن أكبر تنفيذييه خلال السنوات الأربع الماضية قد جمعوا 74 مليون دولار. كما ذكرت الجريدة كذلك حالة هربرت ماريون ساندلر، الذي جمع 2 بليون دولار من بيع شركتهم العقارية، جولدن فايننشال كورب، ل واكوفيا عام 2005. وهذه الصفقة على ما يبدو هي التي قصِّرت أجل واكوفيا التي انهارت في اكتوبر 2008، واشتراها مصرف ويلز فارجو.

وفي حقل مقايضة القروض التي لم تُدفع، تمكن مايكل جووش من جمع 82.5 مليون دولار بواسطة شركته جي تي آي. إن 77 مليون منها قد تحصلت من اختيار التوقيت الأنسب للبيع في ايار 2006. ومنذ تلك اللحظة، فقدت أسهم جي تي آي 90 بالمئة من قيمتها. يملك جووش ثلاثة قصور، وتباهى للجريدة أن بوسعه دفع كامل ما عليه من دين وهو مليون دولار للرهن العقاري، من مجرد تغيير رقم حساب توفيره البنكي.

وقد اشارت الجريدة ببعض الدهشة إلى أن أحد أهم مجالات التعويض او المكافأة هو “بناء البيوت”. فالثروة المتحصلة لدى كبار التنفيذيين في هذا القطاع هي بوضوح من نتاج او متحصلات مضاربات فقاعة الرهن العقاري التي ظهرت في العقد الأخير. إن شركة تول برذرز المتخصصة في بناء القصور قد راكمت ل روبرت و بروس تول، 750 مليون دولار نقداً، أغلبها من بيع الأسهم. ولقد فقدت الشركة 74 بالمئة من قيمتها في العام الماضي.

أما شاد دراير، وهو التنفيذي الأكبر في شركة رايلاند جروب، فقد جمع 181 مليون دولار من بناء البيوت في “الأسواق الساخنة” مثل لاس فيجاس التي ذهبت هباء الآن، واضعة آلاف الأسر في مواجهة حبس الرهن.

لقد أخذ دوايت شكار مبلغ 626 مليون دولار من شركة بناء اسمها إن في آر، ما بين عامي 2003-2007، وأغلبها من بيع الأسهم. وصرف شكار قرابة 86 مليون دولار من هذه الثروة ليشتري بالم بيتش وهو عقار في فلوريدا يخص البليونير رونالد بيريلمان. وتقول الجريدة أن العقار مواجه للبحر ويشتمل على بركتين للسباحة وملعباً للتنس.

لعلها مفاجأة الموسم الآن ان تقوم جريدة وول ستريت وهي الناطقة باسم راس المال المالي في الولايات المتحدة بنشر هذه الأمور التي تعج بالخداع إلى درجة قادت المندمجات إلى الكارثة. لعل المقصود هو تهدئة خواطر المستثمرين الوسطيين الذين فقدوا قمصانهم في الأزمة المالية؟

ويختم بيلي بقوله، وعلى اية حال، فإن هؤلاء الذين أغرقوا الراسمالية الأميركية ليست مشكلتهم مجرد جشع فرد وحسب. فضيق الأفق هو في الراسمالية الأميركية نفسها، والتي اصبح فيها التراكم الأقصى للثروة ومنذ فترة طويلة لا صلة له قط بخلق الثروة الحقيقية.

تجدر الإشارة أن قطاع الشركات الكبرى (المندمجات) في الولايات المتحدة تحديداً هو اساس القطاع الصناعي، وهو قطاع تنبه لأهمية مدرائه ودورهم كثير من الاقتصاديين وفي وقت مبكر. فقد كتب بيرل ومينز كتابهما المهم في هذا الصدد : “الإدارة الحديثة والمندمجات الكبرى” منذ خمسينات القرن العشرين منوهين إلى أهمية المدراء في الاقتصاد.

وبعدهما دار جدل طويل يناقش فيما إذا كان المدراء يشكلون طبقة اجتماعية بحد ذاتهم أم لا. ولا شك أن السؤال له مشروعيته. ولا يعود الأمر هنا إلى عدد المدراء بل إلى دورهم في الشركة الواحدة وإلى دور الشركات في الاقتصاد بشكل عام، أي حصة المدراء من السلطة وفيها.

فالشركات الكبرى نفسها هي التي لعبت الدور الأساس في تثاقل القدرة الاستهلاكية للمواطن الأميركي عبر انتقالها خارج الولايات المتحدة نفسها بحثاً عن معدلات ربح أعلى، وهو الأمر الذي اثر على مستوى التشغيل داخل الولايات المتحدة وقاد إلى البطالة وبالطبع قلة الاستهلاك وبالتالي قلة الاستثمار.

هذا التخريب الذي لعب المدراء فيه دوراً بارزاً في الولايات المتحدة إضافة إلى أن بنية النظام الاقتصادي تسمح بذلك، يذكرنا بتحربة الاتحاد السوفييتي السابق، وربما في نفس الفترة التي صدر فيها كتاب بيرل ومينز. ففي خمسينات القرن العشرين حينما وصل نيكيتا خروتشوف إلى الحكم في الاتحاد السوفييتي أعطى خروتشوف للمدراء دوراً بارزاً في الاقتصاد على حساب مجالس العمال . ومع الزمن اصبح هؤلاء المدراء نخبة أو شريحة طبقية بيروقراطية تعاظم دورها وتفاقم ضررها وتحولت أخيراً إلى شريحة النومنكلاتورا، التي فككت الاتحاد السوفييتي[2] وورثته محولة دورها الإداري إلى دور سياسي ومالكٍ اقتصادي.

هل كان كل ذلك بفعل تلك الشريحة، أم أن البنية ساعدت على ذلك، ما اشبه النتائج رغم اختلاف البُنى!

وكان بالطبع ان تولدت في روسيا في أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي منظمات المافيا والتي لعب قسم منها دوراً في تهريب مليارات الدولارات إلى البنوك الأميركية إلى أن جاء بوتين ليوقف النزيف. هل موقع المدير يسمح بتطور ظاهرة المافيا؟ هذا على الأقل ما تتفق فيه تجربتا روسيا والولايات المتحدة!


[1] World Socialist Web Site

[2] انظر عادل سمارة، حرب الخليج والعلاقات العربية السوفييتية، منشورات مركز إحياء التراث العربي، الطيبة، 1991،