د. كمال عبد الفتاح: إسرائيل تنهب مياه الفلسطينيين

بقلم: حكم عبد الهادي

كانون أول 2008

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة الثامنة ـ العدد 1744)

لماذا لم تشارك في الوفد الفلسطيني إبان المفاوضات مع إسرائيل على موضوع المياه، والكل يقول أنك تعرف الكثير عن فلسطين جغرافيتها ومياهها؟ بهذا السؤال بدأت حديثي مع الدكتور كمال عبد الفتاح، أستاذ الجغرافيا في جامعة بيرزيت، فأجاب: “تم ترشيحي آنذاك واعتذرت فأنا منذ البداية لم أرى خيراً في اتفاقية أوسلو وكنت وما زلت ضدها على طول الخط!”

لم يكن من السهل إجراء مقابلة صحفية كلاسيكية معه، لأنه لم يرضخ للعبة الأسئلة السريعة والأجوبة القصيرة. قال: “أعذرني تعودت على إلقاء المحاضرات”. في بيته المطل في جنين لم أرى أي مبرر للعجالة، ففي جعبة هذا الرجل الكثير مما تعلمه في الجامعات الألمانية حيث أعد رسالة الدكتوراة في جامعة إرلنجن في عام 1980 تحت عنوان: “مزارعو الجبال والفلاحون في جبال عسير جنوب غرب السعودية: أحوال الزراعة في مجتمع تقليدي”.

والأهم من ذلك أنه تعلم في بلادنا أكثر مما تعلم في أوروبا، ففي فلسطين لم يترك حجرا إلاّ وقلّبه، فهو يعرف من خلال رحلاته مع طلابة معظم القرى والمواقع الفلسطينية.

المياه سبب حرب عام 1967..

كان السادات يردد دائما أن الحروب ستندلع في القرن الواحد والعشرين بسبب شح المياه، والدكتور كمال عبد الفتاح لا يرى أنه كان علينا أن ننتظر ثلاثة أو أربعة عقود، فقد اندلعت قبل ذلك بكثير حرب يونيو 1967 – كما يقول – فقط لأن العرب هددوا آنذاك بتحويل منابع نهر الأردن. إسرائيل عتمت إعلاميا وقتئذ إذ أعلنت أنها لن تتقبل إغلاق مضائق تيران مدعية أن الأمر يعني بالنسبة لها حياة أو موت. بيد أن المضائق لم تكن أبدا بهذه الأهمية لأن معظم تجارة إسرائيل كانت في تلك الأيام مع أوروبا وتجارتها الخارجية عبر البحر الأحمر لم تزد وقتها على واحد بالمئة من مجموع صادراتها ووارداتها. إغلاق عبد الناصر لإيلات كان حجة واهية فالأهم كان خطر تحويل المياه العربية.

وأضاف والابتسامة لا تغيب عن وجهه: إسرائيل سرقت مياه نهر الأردن المتدفقة من الأراضي العربية: هضبة الجولان، جنوب لبنان وشمال الأردن (من الروافد نهر اليرموك، نهر الوزان الحاصباني ونهر اللدان). وهكذا أخذت إسرائيل تضخ كل هذه المياه من بحيرة طبريا الواقعة على مستوى 200 م تحت سطح البحر إلى هضاب الجليل ومن ثم توزعها على الأراضي المسروقة أيضا حيث تشاء. وبدلا من أن تقصف القوات العربية المزلزلة هذه المضخات قررت القمة العربية الأولى آنذاك تحويل مصادر مياه نهر الأردن تجنبا لأي صدام مع إسرائيل. بيد أن إسرائيل التي تعودت أن تحل مشاكلها بالقوة خاضت حربها المعروفة في يونيو 1967 وفاجأت العرب.

ومضى د. كمال قائلا إن الصهيونية كانت منذ البداية تخطط مع حاضنتها بريطانيا لمستقبل إسرائيل مراعية توزيع المياه بحيث تكون لها حصة الأسد وعليه حرصت الحركة الصهيونية منذ مؤتمر بازل في نهاية القرن التاسع عشر إلى وعد بلفور وتقسيم سوريا الكبرى الخ بين فرنسا وبريطانيا على تشييد المستوطنات بالقرب من مصادر المياه على سبيل المثال في الحولة وطبريا وغور بيسان.

باختصار : إسرائيل نفذت مشاريعها المائية فيما يتعلق بالأنهار فهي تستغل مياة نهر الأردن والروافد التي تصب فيه وتبلغ سنويا (بعد التبخر) حوالي 600 مليون متر مكعب. في البداية ادعت إسرائيل أنها ستحول النقب إلى جنة خضراء ولكنه ظل الصحراء التي نعرفها والأراضي المزروعة ليست إلا نسبة تقل عن واحد بالمائة من مساحة النقب.

من الذي يحاسب إسرائيل على سرقة المياه الجوفية أيضا؟

أما فيما يتعلق بالمياه الجوفية في الضفة الغربية فهي مقسمة على ثلاثة أحواض حسب المعلومات التي ذكرها الدكتور كمال عبد الفتاح:

□ الحوض الغربي وهو الأكبر يمتد بالقرب من عنبتا، سلفيت، رام الله، القدس، بيت لحم وغرب الخليل ويعطي 500 مليون متر مكعب سنويا.

□ الحوض الشمالي من بورين بالقرب نابلس إلى جنين ويتجمع فيه حوالي 140 مليون متر مكعب سنويا.

□ الحوض الشرقي ويتكون من مجموعة أحواض تشمل أحواض الفارعه والعوجا وديوك والقلط وتنتج حوالي 200 مليون متر مكعب سنويا.

ويبلغ محتوى مجموع هذه الأحواض 840 مليون مترمكعب تقريبا. إسرائيل تسمح للفلسطينيين بالإستفادة من 120 مليون متر مكعب فقط. ومن ناحيتها تنهب إسرئيل هذه المرة أيضا حصة الأسد وهي 720 مليون متر مكعب أو ما يعادل أكثر من 85 بالمائة من مجموع المياه الجوفية في الضفة الغربية.

إسرائيل بالوعة مياه إذ تبلغ نسبة مساحة الأراضي المروية من مجموع أراضيها الزراعية 50 بالمائة، بينما لا تزيد أراضي الفاسطينيين التي تسمح إسرائيل بريها على الخمسة بالمائة من مجموع الأراضي الزراعية، ناهيك عن ارتفاع الاستهلاك الفردي والسياحي في إسرائيل.

ويرى الدكتور كمال عبد الفتاح أن إسرائيل تنهب مياه العرب والفلسطينيين مما لا يقدر بثمن كونها العنصر الأساسي والمحدد اللازم للتنمية في فلسطين ولبنان وسوريا والأردن. أي أن هذه الأقطار التي تعتبر من مناطق العالم الثالث الفقيرة تساهم قصراً في تطوير إسرائيل التي تعتبر من بلاد العالم الغنية.

وعندما سؤل ناتنياهو ذات مرة: “لماذا تأخذ إسرائيل مياه الفلسطينيين”، أجاب بكل بساطة وبصلافته المعروفة: “لأننا نحتاجها”. ويرى الدكتور كمال عبد الفتاح أن الفلسطينيين يحتاجون لمياههم ويضطرون في كثير من الأحيان أن يدفعوا ثمن فاتورة جزء من مياههم لإسرائيل وأن أزمة المياه التي تتملح في غزة معروفة للقاصي والداني.

ومن مثل هذا السياق روى لي الدكتور كمال قصة مضحكة مبكية:

“عين حوض، قرية في جبل الكرمل، أهلها أصبحوا لاجئين في مخيم جنين ومنهم من لجأ في جبل الكرمل وأسسوا هناك بلدة جديدة إسمها “عين حوض الجديدة”. لم تدمر إسرائيل “عين حوض” القديمة – كما فعلت مع معظم القرى الفلسطينية- إذ كانت قرية صغيرة منسية في قلب الغابات. وفيما بعد أصبحت عين حوض القديمة قرية فنانين إسرائيليين تشكيليين الخ. راحت الأيام وجاءت سيدة أسمها سوزان سلايموفيتش وكتبت رسالة دكتوراة عن أهل هذه القرية… قابلت بعضهم في مخيم جنين وفي إربد. قالت هذه السيدة لأحد الفنانين الإسرائيليين في القرية: “هل تعلم أنك تسكن في بيت فلسطيني “مرمي” في مخيم جنين؟” قال لها : ” يؤسفني ذلك ، ولكن ماذا أستطيع أن أعمل له؟” فردت عليه: “ما رأيك أن تعيد له بيته”؟

فأجاب محتجا: “أبدا لن أفعل!”

فقالت له: “ما رأيك إذاً أن تدفع له أجرة بيته على الأقل كدليل حسن نية”؟

فأجاب محتجاً للمرة الثانية: “أبداً لن أفعل هذا أيضاً”.

د. كمال عبد الفتاح يقول: لا يوجد حجج لدى إسرائيل تبرر سيطرتها على المياه، فقد فرضت ذلك بالقوة والقوة فقط. ويضيف: علينا ان نعرف حقوقنا وأن لا نتنازل عنها مهما كانت الأحوال، فنقطة البداية يجب أن تكون الإعتراف بهذه الحقوق.

* حكم عبد الهادي صحافي وكاتب فلسطيني يقيم في ألمانيا. habdelhadi@gmx.net