لماذا استمر تدني الأسعار..رغم تقليص إنتاج النفط؟

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة الثامنة ـ العدد 1744)

انتهى مؤتمر أوبك الأخير في الجزائر بقرار إما نتج عن الشعور الأعلى بالقلق على المداخيل، والعودة إلى العجز في الميزانيات الذي حلَّ بكثير من دول هذه المنظمة ما بين 1985-1998، إو نتج عن جرأة أعلى من ذي قبل حيث قررت اوبك تخفيض إنتاجها النفطي ب 2.2 مليون برميل يومياً، ليصل تخفيض الإنتاج منذ تشرين أول لهذا العام إلى 4 مليون برميل في اليوم. وقد يكون لمشاركة روسيا في المؤتمر بنائب رئيس وزرائها كمراقب، وتلميحها بأنها قد تنضم إلى اوبك بمعنى ان روسيا تقلل من عدد الدول النفطية التي لم تنضم إلى عضوية هذه المنظمة مما يقربها من التحول إلى قوة احتكارية متماسكة.

ورغم استعداد روسيا لتقليص 320,000 برميل من انتاجها اليومي ً إلا أنها رهنت موقفها بعدم نزول النفط عن سعره الحالي ما بين 38-40 دولار للبرميل، وهو شرط يعني وجوب استعداد أو تعهد الدول الأخرى بتقليل إنتاج النفط إذا ما اصبح هذا السقف السعري مهدداً بالتدني. بعبارة أخرى المقصود تصليب موقف أعضاء أوبك أكثر من ذي قبل، وبدء التخلي عن شعار الحرص على توازن السوق الدولي الذي كان يتم عادة على حساب منتجي الوقود وليس على حساب محتكري التكنولوجيا.

وهذا يفتح على نقاش دور “المنتج المرجَّح” الذي كانت تلعبه بعض الدول في السابق. وهو دور كان ممكناً حينما كان الوضع الاقتصادي الدولي مستقراً إلى حد ما. وهذا بعكس الوضع الحالي حيث تحاول كل دولة قومية حماية اقتصادها خلال أزمة تعصف بالجميع.

وقد يكون وضع روسيا هو الأكثر حساسية في هذه الفترة، ففي الوقت الذي بدأ فيه تراخي قبضة الولايات المتحدة على الصعيد العالمي، وحصل صعود قطبي روسي وغير روسي بالطيع، فإن تدهور اسعار النفط يمكن أن يقطع، أو يعيق، هذه القفزة الروسية لا سيما أن نموها الاقتصادي تراجع من 7 إلى 3%. ولا شك أن للنفط دور كبير في هذا النمو.

تماسك المشترين وتفكك المنتجين

تعتبر أوبك احتكاراً خطيراً بالنسبة للدول الصناعية عموماً لما للنفط من دور على كلفة الإنتاج الصناعي بشكل خاص. لذا، ولتبرير الضغط على أسعار النفط إلى الأدنى يُزعم دائماً بأن النفط “السلعة العالمية الوحيدة” دون أن يُقر الزاعمون بأن التقنية المتقدمة هي أيضاً سلعة عالمية وذلك تلافياً لتبرير الضغط على هذه السلع لتقليل اسعارها، هذا ناهيك عن التنكر لحقيقة أن الأغذية الرئيسية هي ايضاً سلعاً عالمية.

لكن المشكلة الرئيسية هي أن تماسك الدول المنتجة للنفط ليس بنفس درجة تماسك الدول الصناعية المتقدمة التي تشكل دوماً جبهة متماسكة رغم الخلافات التجارية فيما بينها وذلك ربما لأن النفط يؤثر عليها جميعاً. وهو التأثير الذي طالما استثمرته دول الاستهلاك بهدف إلزام الدول المنتجة بالحفاظ على توازن السوق الدولي وتلافي إحداث صدمة للسوق العالمية؟ وهذا يعني إلزام منتجي النفط بدفع كلف علاج الاقتصاد العالمي بغض النظر عن الطرف الذي سبب الأزمة الحالية، أي الولايات المتحدة على سبيل المثال.

يتم الضغط على أوبك حالياً بضعف الطلب، ونظراً لوجود احتياطي لدى الدول المستهلكة الكبرى، وهو الاحتياطي الذي تضاعف تاثيره نظراً للركود الصناعي وبالتالي تراجع الطلب. لكن هذا الركود هو ركود مؤقت على الأقل في جانبه المتعلق بالاحتياطي . ومن هنا وجوب قيام أوبك بتخفيض اشد مما هو جارٍ حالياً لكسر احتكار المونبوسوني Monopsony (احتكار المشترين) بقوة احتكار الباعة Monopoly، أو على الأقل لتقصير فترة صمود المشترين بشراء كميات اقل من النفط كي يحصل عطش أعلى للنفط على ضوء ضعف افسباع.

من هنا أهمية توسيع أوبك لنطاق عضويتها أو على الأقل تحالف غير الأعضاء معها. وكذلك التزام أعضائها وخاصة إيران وفنزويلا حيث لم تلتزما بالتخفيض في المرة السابقة .

جوانب المعادلة الصعبة

لكن المعادلة الصعبة، ولو مؤقتاً على الأقل، هي ترافق تدني اسعار النفط مع تقليص الإنتاج، وهو تناسب يجب أن يكون عكسياً لا طردياً، على الأقل بمفهوم السوق في العرض والطلب. لكن سوق النفط ليست سوقاً محصورة ولا مباشرة، ولذا، فإن آثار التقليص قد لا تعطي ثمارها فجأة. فقد وصلت اسعار النفط في الأسبوع الماضي إلى حافة 34 دولاراً للبرميل، وهو ما لم يحصل خلال السنوات الأربع الماضية. وبهذا تكون اسعار النفط قد تراجعت بقرابة 110 دولاراً عما كانت عليه قبل اشهر قليلة حيث وصلت 147 دولاراً.

للخلل في هذه المعادلة أكثر من مسبب. فمن جهة هناك تراجع في الاستهلاك الصناعي للنفط طالما انتقلت الأزمة من اللحم إلى العظم، اي من سوق المال إلى الاقتصاد الصناعي. وهناك المخزون الاحتياطي كما اشرنا أعلاه، وهناك العامل النفسي كذلك الذي يسمح للمضاربين بتخفيض سعر النفط كما سمح لهم سابقاً برفعه بشدة إلى أعلى.

ما العمل إذن، طالما أن تخفيض الإنتاج كان هذه المرة برقم قياسي، ومع ذلك بقي مؤشر الأسعار إلى الأدني؟ ليس أمام اوبك سوى التحمل والصمود إلى أن تنخفض مخزونات الاحتياطي، وبعدها تستغيد بعض الأسواق عافيتها كي تتمكن أوبك من رفع سعر النفط إلى ما يقارب هامش دخل مقبول، ولا نقول ما كان عليه سابقاً. فسوق الانتاج الحقيقي ليس كسوق المضاربات يتغير تغيراً الكترونياً.

وإذا ما اتبعت أوبك الحرب النفسية كذلك بالتصريح أنها ستواصل تقليص الإنتاج في الأشهر المقبلة، فإن هذا سوف يساعد على رفع السعار حيث سيحاول اصحاب مخزون الاحتياطي ملئها قبل ارتفاعات أعلى للأسعار.

قد يساعد ما اقترحته روسيا كثيرا بإنشاء مصرف لدول أوبك وروسيا. فهذا الاقتراح يؤدي على المدى القريب إلى تطمين الدول المنتجة أن بوسعها الاقتراض من المصرف في فترة الأسعار الجاف، وبالتالي يحاصر ضغط الدول المستهلكة على المدى القصير والمباشر، أما على المدى البعيد، فيشكل المصرف رافعة تتحكم بسعر النفط حيث تكون الترتيبات جاهزة سلفاً في حالة الأزمة مما يقنع مختلف الأعضاء بالإقدام على تقليص الإنتاج دون خوفاً من ردة فعل الدول المستهلكة.

إذا نجحت روسيا في هذا الاقتراح، فهي في الحقيقة تفتح لفوائض النفط مجالات تصريف جديدة غير المصارف التجارية غير التجارية في الغرب. وعليه، فإن هذه الأموال إذا لم تسُتثمر داخل بلدانها، فإنها سوف تذهب لصالح المراكز الجديدة مثل روسيا، وهذا يزيد من تآكل الهيمنة الأميركية. وهذا يعني ان الاقتراح الروسي هو سياسي اكثر مما هو تُقيا اقتصادية!

على أن هذا ليس المدخل التنموي الحقيقي لبلدان العالم الثالث، بمعنى أن القاعدة هي أن يتم استثمار الفوائض في البلد أو في نطاق اعتماد إقليمي على النفس اي بين مجموعة من البلدان المتجاورة، بدل أن تفيض الفوائض الى الخارج. ولذك، إذا كان هذا خارج الأجندة، فليتم دعم التعاطي مع القطبيات الجديدة لإضعاف قبضة القطب الواحد أو القطبيات القديمة المتحكمة برقاب بلدان العالم الأخرى.

وفي حالة حصول هذا كذلك، سوف نشهد مقدمات لعلاقات عربية – روسية أعمق وعلى حساب العلاقة بالولايات المتحدة واوروبا الغربية. وقد يكون هذا التحول اقل كلفة في هذه الأيام، لأن الولايات المتحدة متعبة من التدخل المباشر في الدول التي تحاول الخروج من تحت عبائتها.