بين “الراعي” الأمريكي والراعي الفلسطيني

عبد الرزاق عمري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة الثامنة ـ العدد 1745

إجتمع المجلس المركزي ل (م.ت.ف) سنة 1993 وصوت بالإجماع على تعديل (تحريف) الميثاق الوطني الفلسطيني. وقد إستغربت حينها كيف لمئة وخمسين رأساً يصوتوا بالإجماع على قضية مفصليه لواقع ومستقبل القضيه الفلسطينيه؟ لا معترض ولا متحفظ ولا ممتنع عن التصويت. لا بد وأنهم زوروا.

سنين مضت ولم نسمع من هذا المجلس شيئاً يذكر. مجازر، محارق، تهويد، إختطافات، جدار، مستوطنات، إغتيالات، إعتداءات على المواطنين وممتلكاتهم….. ولم نسمع من هذا المجلس شيئاً وكأن لا علاقة له بهذا الشعب. إلى أن إجتمع مؤخراً في تشرين ثاني (نوفمبر) من العام 2008 ليصوت وأيضاً وبالإجماع لمحمود عباس رئيساً لدولة فلسطين الوهميه، ولنكون صادقين، كان الإجماع باستثناء معترض واحد. وهنا عاد الشك يراودني. فجأة لمعت بذاكرتي خاطره. شريط ذكريات عاد بي لأيام الصبا.

شمال وغرب مدينة جنين حيث يبدأ مرج بن عامر لينتهي في تخوم مدينة حيفا. في هذا المرج تتنوع مزارع الخضروات أينما وجدت مياه الري، وحقول القمح والبطيخ وغيرها على مدى البصر في المرج الذي يروى بمياه الأمطار.

كان الرعاة وأغلبهم من البدو يتنقلون مع قطعانهم ما بين الأغوار في الشتاء، ومرج بن عامر في الصيف. كان هؤلاء الرعاة يغدقون على أصحاب المزارع والحقول باللبن والجبن والنقود ويضاربوا على بعضهم ليحصلوا على حق الرعي في هذه المزرعه أو ذاك الحقل بعد نهاية الموسم.

كان لنا مزرعة خضروات تبعد خمسة كيلومترات شمال المدينه، ومزارع الخضروات هي الأفضل للرعاه. هذه المزرعه كانت لتكفي قطيع أغنام من مئة وخمسين رأساً أكثر من أسبوع، أي أنها كانت مغريه للرعاه. ولقد تردد علينا أغلبهم أثناء الموسم وقدموا عروضهم لشراء حق الرعايه. لم يقبل ولم يرفض والدي رحمه الله أي عرض خاصه وأن العروض كلها متقاربه ولا يريد أن يحرج معهم فهم معارفه منذ سنين. وللخروج من هذا الحرج، أوكلني والدي بأن أتصرف واي مبلغ أحصل عليه لا يريد منه شيئاً، وهو عرض سخي لن أفوته. تفادياً للإحراج غاب والدي عن المزرعه وبقيت أنا أضبضب معدات الري وغيرها. وأنا في معترك العمل والعرق يتصبب من جبيني وكل أطرافي حتى في حذائي، جائني أبو حسن وبلهجته البداويه صرخ عن بعد “عفاك الله عفاك” فأجبت بلهجتي الجنينيه ” الله يعافيك، إتفضل” فتقدم وهو يتمتم “موسم خير إنشاالله خير خير خير…خير خير خير…” ولا أدري كم مره كرر كلمة خير قبل أن يصافحني ويسألني عن والدي، فأجبت أنه في المدينه. فسأل هل أعطى الرعايه لأحد؟ فأخبرته بأنه أوكل الأمر لي . فسال: “وش تقول؟” فسألت وما هو العرض؟ فأجاب خمس نيرات “خمس دنانير أردنيه” فأجبت، أبو فلان دفع أكثر. وهنا حاول أن يعزز عرضه باللبن والجبن. كنت آنذاك إبن خمس عشرة عاماً ومنهكاً من التعب، فعرضت عليه بأن لا داعي للجبن واللبن، أقبل بالخمسة دنانير على أن يساعدني بنقل ما تبقى من المعدات، ويدعني أمتطي حماره متى أشاء، فلقد كنت مغرماً بالفروسيه ولو على حمار. فوافق على المساعده أما ركوب الحمار فقال لي “ما تقدر ركب الحمار”، إعتقدت أنه متشكك في قدراتي، فسألت لماذا؟ فأجاب لما ييجي الطرش “يعني القطيع” سأريك. ولكي لا يضيع الوقت وحق الإمتياز، ناولني المبلغ وصفر صفرة تسمع من أميال، ولوح بيده لإبنه الذي كان يرعى القطيع مئات الأمتار إلى الغرب منا. وما هي إلا دقائق حتى وصل القطيع مهرولا يتقدمهم إبنه حسن فارساً ممتطياً الحمار.

أوفى الرجل بوعده، وما هي الا دقائق وبمساعدة الإبن حتى فرغنا من نقل كل المعدات ثم نظر إلي نظرة خبيثه أتبعها بإبتسامة ساخره وقال روح أركب الحمار. فهرعت وامتطيته وبدأت أركله وأضربه بيدي وأصرخ “حا، حا، حا” والحمار لا يحرك ساكناً. فترجلت وأتيت بعصى وامتطيته ثانية وبدأت أضرب وأصرخ بكل لغات الكون ولا حياة لمن تنادي. فترجلت واستدرت لأرى أبا حسن يضحك بملئ شدقيه ويقول “مش قلت لك” فعدت خزياناً أستحلف أبا حسن بأن يعطيني كلمة السر. فأجاب، قلت لك ما تقدر. وبقيت ألح عليه إلى أن قال هيا إمتطي الحمار فذهبت وبداخلي أفكر أي مقلب ينتظرني؟ وما أن إمتطيت الحمار حتى نقنق أبو حسن “أخرج صوتاً بلسانه” حينها دبت الروح بالحمار وبدأ يهرول. بعد لحظات أطلق أبا حسن صوتاً آخر بلسانه فتوقف الحمار واستدار، إلتفت فإذا بالقطيع بأكمله سائراً خلف الحمار. إستدار القطيع وبقي ساكناً إخترق حمارنا القطيع حتى تصدره وتابع الحمار سيره نحو مصدر الصوت والقطيع يتبعه. ترجلت وأتى أبو حسن وربت على ظهر الحمار وأطلق أصواتاً بلسانه فذهب الحمار الى الرعي وأنتشر القطيع في المزرعة يرعوا ما طاب له من نعيم الخضروات. لم أكن لأصدق ما رأيت!!! القطيع كله مقاداً بحمار، والحمار موجه بنقنقات الراعي.

وماذا عن الكلبين؟

مكث أبو حسن بقطيعه المئة وخمسين رأساً حوالي العشرة أيام في مزرعتنا حتى أتوا على كل ما هو أخضر فيها. منذ اليوم الأول لاحظت كلبين كسالى مع القطيع يقضوان يومهما نيام. وما أثار فضولي هو محبة أبي حسن لهما حتى شعرت بأنه يفضلهما على قطيعه. لقد رأيته يضرب الغنم ورأيته يضرب الحمار أما الكلبين فكان يداعبهما ويلاعبهما، وحين يصحوان بعد غفوة طويله كان يحلب إحدى الغنمات ويغمس الخبز بلبنها ليطعم الكلبين. ويتركهما يلعبان ويعربدان ويركبان بعضهم بعضاً وهم ذكور. إختنقت في فضولي ، تقدمت من أبي حسن وهو في نشوة السعادة يداعب كلبيه اللواطيين، لما هؤلاء الكلاب سألت. فأجاب “وهو أنا أقدر أحوش الغنم إن ذاحت؟” فأومأت برأسي وكأني فهمت فقد خجلت بأن أظهر وكأني لا أعرف معنى كلمة ذاحت وأنا رجل كبير ذو الخامسة عشر من العمر.

في المساء وما قبل الغروب أتت النساء ببراميل معدنيه محملة على الحمير وأوان معدنيه وبلاستيكيه بأياديهن وعلى رؤوسهن وشرعن بحلب الغنم. وهنا ولأول مره ألحظ أن لهؤلاء الكلاب مهام غير العربدة واللواط. فالمرأه تحاول الإمساك بالغنمة لتحلبها، فتحاول الغنمة الإفلات والهرب، وهنا يقفز الكلب مكشراً عن أنيابه في وجه الغنمة ليوقفها وتلقطها المرأة من أذنها وتعيدها إلى حلبة الحلب. ركبت دراجتي الهوائيه وعدت أدراجي إلى البيت لأسأل والدي ما يعني “ذاحت” فأجابني: هامت على وجهها ورفضت الإنصياع أو تمردت. أهذه قوات أمنك يا أبا حسن؟ رحمك الله، يبدو أن الراعي الأمريكي درس على يديك.