متحارجة من هذا الزمان: راسمالية جديدة ام اشتراكية؟

بقلم: إيلياديس أكوسته ماتوس[1]

هافانا ـ كوبا

ترجمه من الاسبانية الى العربية: نورالدين عواد

بمناسبة دنو الذكرى الخمسين لانتصار الثورة الكوبية

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة الثامنة ـ العدد 1749)

يخطيء تجار الدعاية الراسمالية المهرة:

ليس باراك حسين اوباما، الرئيس الامريكي الجديد، من يجسد “الوجه الجديد” لهذا الزمان، انها كوبا الاشتراكية والاشتراكية في حد ذاتها، اللتين تمثلان الاتجاه الذي اخذت تتحرك فيه شعوب العالم. وهذا الامر بالطبع يفعم البعض بالتفاؤل والبعض الاخر بقلق مشروع. ليس الا.

* *

في الوسائل الاعلامية الامريكية ، تشيع عبارة ليست بريئة في شيء، من اجل وسم باراك حسين اوباما الرئيس المنتخب مؤخرا في الولايات المتحدة الامريكية: ” الوجه الجديد”.

هذه هي العبارة المعنية والتي تحاول ان ترسخ في المخيلة الجمعية العالمية، علامة هذا المنتوج الجديد في التسويق السياسي، الناجح دون شك، والتي اثبتت نجاعتها لدرجة انها اطلقت العنان للمبيعات في ظل مشهد يتسم بالازمة والملل وانعدام الثقة والاحباط والتعب وفقدان القيادة في البلد الاكثر جبروتا على وجه البسيطة.

بيد ان الامر لا يتعلق فقط بدرء ازمة النموذج الامبريالي الامريكي، والسلطان وحيد القطبية والفكر الوحيد، الذي انبثق مشؤوما ومذلاّ من بين انقاض سور برلين، بل ولدرء ازمة النظام الراسمالي العالمي ايضا.

هذه هي المهمة التعجيزية التي أوكلت الى “الوجه الجديد”، الذي يتمتع بكاريزما وخطابة باهرة وشبوبية وجاذبية شخصية وصبر وارادة وذكاء واحساس مرهف بقيمة الافكار والرمزية ولون البشرة والمكانة المرموقة التي يوفرها له الاحتفاظ بصداقات خطيرة، مثل صداقته مع بيل آيريس Bill Ayres، واسطورة ان امه كانت تقدمية، واجداده افارقة، واطلاعه على اعمال بورخيس وكورتازار، وعدم استحيائه من كونه مثقفا في بلد يعج بالاحكام المسبقة الشديدة المناوئة للمثقفين. وللاستزادة على ذلك فانه يحظى يتعاطف ودعم اكثرية مواطني بلاده وبشعور مماثل بين اكثرية رؤساء دول بقية الامم.

خلال الحملة الانتخابية، تم نعت اوباما مرارا وتكرارا بانه “رجل يساري”. فعلى سبيل المثال، في مقال بقلم كليف كروك Clive Crook نشر في الفايننشال تايمز Financial Times بتاريخ 26 اكتوبر 2008، تحت عنوان: كيف خسر ماكين صوت الوسط؟ “How McCain lost the centrist vote” ، يتم التاكيد على ان “…الرقم القياسي للاصوات التي نالها اوباما (بصفته سيناتور) تضعه بثبات في خانة اليسار”. قد لا يكون هذا الكلام مبالغة من الصحفي المذكور الا انه لم يحدد على يسار من؟ فاذا كانت نقطة المقارنة تتمثل في منافسه جون ماكين، فان التصنيف مبرر دون شك. لكن يجب ان نتجنب البلبلة، اذ لا يمكننا ان نقول نفس الشيء عند المقارنة مع المواقف والمباديء التقليدية لليسار، لا سيما اليسار الاشتراكي.

في افتتاحية لـ ذي إكونوميست The Economist نشرت يوم 30 اكتوبر تحت عنوان “آن الاوان” “It’s Time”, تم طرح الامور بوضوح اكبر. كاتب الافتتاحية وهو احد انصار “التغيير” ولا يخجل من استخدام تعابير بالية من زمن الحرب الباردة، يقول: “يجب على الولايات المتحدة الامريكية ان تنتهز الفرصة وتجعل من اوباما زعيما جديدا للعالم الحر، اذا ما تطلعنا الى عام 2017، الذي يامل ان يبلغه الرئيس الجديد، وسط تضافر مشاكل ديموغرافية وازدياد تكلفة البرامج الرئيسية الامريكية مثل الضمان الاجتماعي والرعاية والمساعدة الصحية Medicare y Medicaid مما سيوصل البلد الى الافلاس. على الساحة الدولية، ستكون المهمة الرئيسية التعامل مع القوى الناهضة في المشرق، وهذا لا يعني فقط التصارع مع صعود الهند والصين، من خلال توجيههما الى جهود عالمية مشتركة، مثل مكافحة التغير المناخي، بل واعادة بيع الحرية الاقتصادية والسياسية لعالم يربط بسرعة بين الراسمالية الامريكية وافلاس ليهمان بروذرز Lehman Brothers وبين العدالة الامريكية والقاعدة البحرية في غوانتنمو Base Naval de Guantánamo. يتطلب الامر صبرا وعزما ومهارات تجارية واستراتيجية واضحة من اجل بيع هذه “المنتوجات”.

في هذا الامر بالتحديد وليس في غيره يكمن المغزى العميق لانتخاب اوباما لمنصب الرئاسة في ذلك البلد زعيم الرسمالية العالمية، وهو ما لا تتورع ذي اكونوميست عن التاكيد عليه: يتعلق الامر بمحاولة اعادة بيع العالم منتوجا، مثل النظام الراسمالي، الذي تناقصت قيمته للغاية امام الناظرين، ويحيط به تهديد خروجه من السوق.

هنالك اشارات واضحة على ان الراسمالية العالمية قلقة للغاية ازاء صورتها ومستقبلها. يمكن ملاحظة هذه الاشارات ليس فقط اثناء الازمات الاقتصادية والمالية التي تعصف بكوكبنا، بل وفي المناقشات النظرية التي تعتزم مرافقة عملية الانقاذ التي يجسدها اوباما. فعلى سبيل المثال مؤسسة John Templeton Foundation رعت نقاشا بين باحثين وعلماء وشخصيات من الحياة العامة الامريكية، وقام بنشره لاحقا معهد American Entreprise Institute لمحاولة الاجابة على سؤال بصبغة القرن التاسع عشر، اقرب الى آدم سميث ودافيد ريكاردو وشارليس ديكينز منه الى عصرنا في الالفية الثالثة: ” السوق الحر، هل ينخر الطابع الاخلاقي؟”

بالنسبة لـ آيان هيرزي علي، وهي باحثة من اصل سوداني وتنتمي الى American Entreprise Institute واكتسبت شهرتها بسبب حملتها المناوئة للنفوذ الاسلامي في اوروبا، تقول “…اولئك الذين يعترفون بآيات الضعف الانساني مستعدون للتعامل معها، ويريدون زيادة المجموع الكلي للسعادة الموجهة للاشخاص، السوق الحر مضافا الى الحرية السياسية يشكل افضل طريق للسير فيه”.

الا ان مدافعين آخرين عن الراسمالية، بعيدين عن اصولية السوق الحر، اتعظوا من معطيات الواقع العنيد، الذي تصر آيان هيرزي علي على تجاهله، لهم راي آخر. إيروين ستيلزر Irwin Stelzer من معهد هدسن ، Hudson Institute وهو مركز فكر امريكي ليس قريبا اطلاقا من الافكار الاشتراكية، نشر كراسا بعنوان ” الراسمالية الجديدة” “The New Capitalism” ، وتظهر على واجهته عبارة تستحق الظهور ليس في سجلات معهد هدسن بل في سجلات منتدى ساوباولو[2]: ” لقد ولى الزمان الذي كانت فيه قاطرة الراسمالية، السوق الحر، تعمل دون تدخل الدول”. ويستزيد ستيلزر مشددا على ان …”ثورة قد حدثت عندما استسلم المعارضون للتغيير (في اطار الراسمالية)…ويمكن ملاحظة ملامح الراسمالية الجديدة في:

1. تقلص استعداد الافراد والساسة لقبول المخاطر الملازمة لنظام السوق الساري بهيكليته ووظيفته حتى الآن.

2. تغير ادراكي لمفهوم سلبية وضع صناعات كبيرة تحت سيطرة الدولة، مثل صناعة الطاقة والمصارف والخطوط الجوية..الخ.

3. رفض الاستمرار في قبول املاءات السوق الحر فيما يتعلق بالضرائب وبكيفية توزيع ثمار النمو الاقتصادي.

4. رفض قبول مفهوم يقول بان منافع نظام السوق الحر الذي تمت اقامته بعد الحرب العالمية الثانية، كانت ماثلة للعيان بحيث يجب تعميمها على عموم المعمورة.

5. الاصرار على الاعتراف بان الموازنة بين الكفاءة الاقتصادية والانصاف، التي استرشدت بها السياسات العامة منذ عام 1945 وحتى الآن، يجب تعديلها لصالح الانصاف”.

في خطابه الذي القاه في برلين يوم 24 يوليو الماضي، قال من كان يومها سيناتورا ومرشحا رئاسيا، باراك اوباما، وبالحرف الواحد، العبارات التالية: ” هذه هي ساعة زيادة ثرواتنا التي انبثقت عن السوق الحر وتوزيعها بشكل اكثر انصافا. التجارة هي حجر الزاوية للنمو والتنمية الشاملة، لكن يجب ان لا نحافظ على هذا النمو لصالح قلة قليلة بل للكثيرين. معا يمكننا ان نقيم تجارة تكافيء فعلا العمل الذي يخلق الثروات، مع حماية الناس والكوكب. آن الاوان لأن تصبح التجارة حرة وعادلة للجميع”.

كمحصلة لهذه التاملات والمناقشات بصدد الراسمالية الجديدة و “التغير” الذي يمثله أوباما، كرئيس جديد للولايات المتحدة الامريكية، ولمختلف الاستراتيجيات الرامية الى تقديم مخرج للازمة الرهيبة التي اخذت تعصف بالنظام، ليس من الجرأة في شيء ان نؤكد على حلول مرحلة جديدة في المواجهة الايديولوجية والسياسية والثقافية والرمزية بين الراسمالية والاشتراكية، بين القوى التي تحاول الاحتفاظ بامتيازاتها، رغم انها مقتنعة بوجوب اجراء تغيرات تجميلية معينة، ورشّ منافع معينة على الاكثريات اذا ما ارادت البقاء، والقوى التي تكافح في سبيل التحويل الجذري لنظام، مهما عمل ومهما نادى على الملأ، لا يمكنه الا الاستناد الى الاستحواذ على فائض القيمة الذي تنتجه الاكثرية ووضعه في خدمة الاقلية القليلة، والى استغلال عمل البشر واللا مساواة بين الافراد والامم.

ان الرعونة التي انطلق بها النظام الراسمالي العالمي ومفكروه والناطقون باسمه من اجل رتق صورته البالية وطاقته المهيمنة المكلومة، تقدم الدليل الملموس على صلاحية الافكار الاشتراكية. في زمان المد الراسمالي لم يرفع احد صوته ليعد بتغيرات، ولم يتحدث احد عن ضرورة ضبط التبادل الحر، لم يذكر احد الحاحية اخضاع الشركات والصناعات الهامة لسيطرة الدولة. في ظل الحمى الليبرالية الجديدة والخصخصة، لم يتذكر احد التغير المناخي ولا الوضع الماساوي لشعوب العالم الثالث.

اغاني جنية البحر[3]، لا تعبر عن الطابع او الاستقامة الاخلاقية ولا عن مباديء ولا عن القدرة التجديدية للنظام الراسمالي العالمي، بل عن الرعب الذي دب في اوصاله وسط عواصف الحاضر والمستقبل. ولو لم توجد حجج افضل من هذه التي سقناها لاثبات صلاحية الاشتراكية، لكانت هذه نفسها كافية.

ان الراسمالية العالمية، اذ تتشبث الان باية وسيلة نجاة في خضم بحر هائج متلاطم الامواج، لا تجد حرجا في تقديم نفسها وبطريقة انتهازية، على انها حاملة لواء العدالة الاجتماعية، وحامية حمى التحولات والتغيرات، وناطقة باسم افكار وشعارات استحقت منها كل انواع الانتقادات والقمع، عندما حمل لواءها في حينها المناضلون الاشتراكيون والثوريون.

اما الان فان اوباما ، ومثله فرانكلين ديلانو روزفلت Franklin Delano Roosevelt في زمانه، يتم ربطه بدهاء بالافكار الاشتراكية، دون ان يتوفر اي مبرر لهذه التاكيدات التي تطلقها الدعاية الاعلامية. بل على العكس تماما، يتعلق الامر بشخصيتين ادركتا، كل في حينها، بان الخطر الحقيقي على الراسمالية يكمن في حدوث ازمات تخرج عن السيطرة وتؤدي الى مخارج ثورية واشتراكية، وتتسبب في فقدان النظام لقدرته على المناورة والقهر. ان ترويج النظام، بدافع الضرورة، لسياسيين وخطابات وبرامج من هذا القبيل، ليس حبا بالاشتراكية وصالحها بل ضدها وفي محاولة لدرئها.

حالة امريكا اللاتينية، وهي المنطقة المنهمكة في مرحلة من التحولات الثورية، وكثير منها ذات توجهات اشتراكية، وجاءت كعواقب لعقود ماساوية من السيطرة الليبرالية الجديدة، تقدم الدليل الملموس على الصيرورة التي ترعب دعاة “التغير”. لقد اججوا في القارة ما يمكن ان يحدث في مناطق اخرى من الكرة الارضية، اذا ما استمر النهج الجنوني الذي تتبعه الراسمالية العالمية، والذي بلغ الحضيض في عهد الرئيس بوش الصغير وسياسات المحافظين الجدد التي تدعمه.

لكن، وبعيدا عن الاستراتيجيات التشويشية والتاليفات النظرية، فان الشيء الصحيح يتمثل في ان قسما متزايدا من البشرية يرى بان التغيرات اللازمة، يجب ان تكون جذرية وحازمة، وان تطال مجال الانتاج وتوزيع الثروات والمساس بجذور الشر وعدم الاقتصار على تجلياته الخارجية. وهذا هو بالتحديد المدخل الذي طالب ويطالب به الاشتراكيون في كافة الحقب التاريخية كهدف لنضالاتهم. وعليه واستنطاقا لخطاب اوباما في برلين، فإنه قد آن الاوان لذلك.

كوبا الاشتراكية تقترب من اكمال نصف قرن من الثورة. انجازاتها في ميادين السياسات الاجتماعية والتعليمية والرياضية والصحية والثقافية والعلمية؛ انجازاتها في حقل العدل الاجتماعي وتضامنها الاممي مع بقية شعوب العالم؛ صمودها المظفر امام العداء الامبريالي، ورفضها للتنازل عن مبادئها، على الرغم من انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي؛ مكانتها المرموقة المتنامية وانخراطها في اقتصاد المنطقة، الذي يعبر عنه دخولها مؤخرا الى مجموعة ريو، يبرهن على صلاحية الخيار الاشتراكي، حتى لبلد صغير محاصر ونامي ودون موارد طبيعية كبيرة.

يخطيء تجار الدعاية الراسمالية المهرة: ليس باراك حسين اوباما، الرئيس الامريكي الجديد، من يجسد “الوجه الجديد” لهذا الزمان، انها كوبا الاشتراكية والاشتراكية في حد ذاتها، اللتين تمثلان الاتجاه الذي اخذت تتحرك فيه شعوب العالم. وهذا الامر بالطبع يفعم البعض بالتفاؤل والبعض الاخر بقلق مشروع. ليس الا.


[1] كاتب ومؤرخ وفيلسوف كوبي، يعمل حاليا باحثا في معهد تاريخ كوبا.

[2] منتدى يجمع الاحزاب اليسارية الامريكية اللاتينية ولعب دورا هاما في مكافحة الليبرالية الجديدة والامبريالية المتوحشة في القارة منذ سقوط الاتحاد السوفييتي.

[3] كناية عن الخداع والسراب