من عِبَرالعدوان على غزة

أكرم إبراهيم

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1753)

لم يعد خافياً أن الأطراف التي شاركت في حصار قطاع غزة هي نفسها التي شاركت في العدوان عليه. من هذه الأطراف سلطة أوسلو والسلطتين المصرية والسعودية. نستنتج من هذه الشراكة أمرين.

1) منطق الحديث عن التضامن العربي أو عن العرب بالجملة منطق مضلل، هو أقرب إلى أن يكون منطقاً بدوياً أو عنصرياً. فلا شيء يجمع الشباطيين أنظمة وقوى وأفراداً مع شعوبهم، كل الدعوات العنصرية تنطلق من النظر إلى الأقوام والأديان والمذاهب والمناطق على أنها كتل صماء، لا يأتيها الخلل أو الافتراق في المصالح والقيم والأفكار من أي جهة. وهذا أمر تكذبه الوقائع في كل لحظة.

إن السلطة المصرية، وهي سلطة عربية بالدم والانتماء، لم تفتح معبر رفح أمام من لا دور له في القتال من الأطفال والنساء والشيوخ. وهي تفعل هذا من أجل الضغط على المقاومين؛ فمن المعروف أن المقاوم قد لا يحسب حساباً لحياته لكنه يحسب ألف حساب لحياة هذه الفئات من الشعب، فما الذي يجمع السلطة المصرية والطبقة التي تمثلها، وكلهم عرب، مع المقاومين في غزة وكلهم عرب أيضاً.

2) منطق الحديث عن الوحدة الوطنية وتجاوز الانقسام، عندما يكون مقصوداً به وحدة المقاومة مع سلطة أوسلو، التي ساهمت في الحصار وتساهم اليوم في العدوان، هو كسابقه منطق مضلل، ينتمي إلى عصر البداوة، وينطوي على روح عنصرية لا ترى تمايزاً في المصالح والأفكار والقيم بين الفلسطينيين.

لقد قال مبارك، العربي، في خطاب أمام العالم أجمع، مبرراً سياسته إزاء التنديد باستمراره في إغلاق معبر رفح، حتى أثناء العدوان، قال إن مصر لن تكرس انفصال الضفة والقطاع بفتح المعبر في غياب السلطة الفلسطينية، وإنها سعت دون كلل لتحقيق الوفاق الوطني الفلسطيني، بل وأكثر من هذا، فلقد دعا جميع الفصائل الفلسطينية إلى التوحد لمواجهة العدوان، وتحدث عن محنة فلسطينية جراء هذا العدوان إذ قال: “موقفنا كان واضحا منذ اليوم الأول للعدوان الإسرائيلي بعيدا عن الخطب والشعارات، ونمضي في تحرك يسعى لوقف العدوان فورا دون قيد أو شرط يضع إسرائيل أمام مسئوليتها السياسية والقانونية كقوة احتلال ويقف إلى جانب الفلسطينيين فى محنتهم”. هو لن يكرس الانفصال ويسعى لتحقيق الوفاق الوطني، بل وتحدث عن قناعته بانتصار القضية الفلسطينية إذ خاطب الإسرائيليين قائلاً:”أوقفوا عدوانكم على الشعب الفلسطيني وكفاكم استخفافا بمقدراته، والقضية الفلسطينية أبدا لن تموت”.( عرب48 ، 30/12/2008 )

لم يترك مبارك شيئاً لتحالف “جبهة اليسار” وبقية فصائل منظمة “التحرير”، لكن الجزء المعسول من كلامه لم يخدع أحداً، ببساطة لأنه كان باستطاعته فتح المعبر مؤقتاً إلى ما بعد انتهاء العدوان، الأمر الذي فعل نقيضه؛ فلقد أفادت وكالات الأنباء أنه عزز من إجراءاته الأمنية على طول الحدود مع غزة تحسبا لهجوم إسرائيلي على القطاع. وحسب وكالة الأنباء الفرنسية، نقلاً عن مسؤول أمني مصري في شمال سيناء، أن تكثيف وجود قوات الأمن بالقرب من الحدود مع غزة، يشير إلى “قلق السلطات من أن الضغط الإسرائيلي قد يجبر الفلسطينيين على خرق الحدود”، وهو ما يتفق مع تصريح لمحافظ منطقة شمال سيناء ( عــ48ـرب، 26/12/2008).

لقد لجأ إلى سورية أثناء عدوان تموز على لبنان ما يزيد عن مليون لبناني ولبنانية ممن لا دور لهم في القتال، فما هو الخطر من لجوء أمثالهم إلى سيناء هرباً من القصف ؟!!. الجدير بالذكر أن العدوان على غزة بدأ في صباح اليوم التالي لهذا الخبر، أي صباح 27 | 12| 2008 ، وكلنا يعلم أن تسيبني ليفني وزيرة خارجية الكيان الصهيوني كانت قد أعلنت عن نواياها العدوانية في مؤتمرها الصحفي مع وزير الخارجية المصرية كسار الأرجل، ولا شك أن نشر هذه القوات جاء نيجة الاتفاق على العدوان، ولا يعقل ألا تخبر السلطة المصرية شريكتها الفلسطينية في الحصار عن العدوان.

لقد شن عباس عقب لقائه مع مبارك هجوماً مشتركاً مع أبو الغيط على حماس، حملاها فيه المسؤولية عن العدوان بزعمهما أنه كان بوسعها أن تتجنبه بعدم إنهاء التهدئة ( عرب48 ، 28/12/2008) هذا مع أن التهدئة أنهيت بموافقة وطلب جميع الفصائل. إن التحريض على حماس أثناء العدوان هو موافقة ضمنية عليه، لأنه يعبر عن الرغبة باستثمار نتائجه ( تماماً مثلما كانت دعوة حماس إلى القبول ب “الشرعية العربية” كسبيل للخروج من الحصار )، الأمر الذي كشف عنه المركز الفلسطيني للإعلام، بقوله أن عباس اتصل برام الله من مصر قبل سفره إلى السعودية وطلب تشكيل غرفة طوارئ لمتابعة التطورات ومواجهة احتمال انهيار سلطة حماس في غزة، وما يستدعيه ذلك من استعداد لملئ الفراغ الذي سينشأ. وهو ما أكده أمين سر كتلة حماس البرلمانية قائلاً إن عباس كان على علم بموعد العدوان، مؤكداً أنه يقول هذا عن معلومات وليس عن تحليل ( عرب48 ، 30/12/2008 ). وهذا أمر جدير بأن تسأل عنه الفصائل لتنفيه في حال عدم تقديم الأدلة. وعلى كل حال من تثبت مشاركته في الحصار لا يستبعد عنه تأييد العدوان، خاصة وأنه يتم لحسابه؛ فالهدف المعلن هو سحق حماس وإسرائيل لم تخرج من غزة لتعود إليه، حسب لسان بيريز.

إن مطلب الوحدة الوطنية الفلسطينية هو مطلب مشترك بين مبارك والأمريكيين والإسرائيليين؛ ففضلاً عن مبارك وعباس رأينا أبو الغيط، إثر تأجيل جلسات الحوار في القاهرة، يتوقع أن يترك تعثر الحوار الفلسطيني تأثيرا عكسيا على عملية التسوية، ورأيناه يشير بسبب ذلك إلى ضرورة توحيد الموقف الداخلي. وهو ما يتفق مع تصريح نبيل شعث في نفس المناسبة، والذي مفاده أن الانقسام الداخلي الفلسطيني قوض محاولات عباس لصنع السلام مع إسرائيل.

أمريكياً، نشر ريتشارد هاس مع مارتن اينديك السفير الأمريكي الأسبق لدى الكيان الصهيوني (يهودي صهيوني من إيباك) بحثاً مشتركاً خلصا فيه الى الاستنتاج بأنه “نظراً لسيطرة حماس على غزة ، والتأييد لها بين ما لا يقل عن ثلث الفلسطينيين، فإن أي عملية سلام تستثنيها يمكن أن تفشل تماما” ، لذلك حثا إدارة أوباما على “ضرورة التعامل مع قيادة فلسطينية مشتركة وعلى إجازة إجراء اتصالات منخفضة المستوى بين مسؤولين أمريكيين وبين حماس في غزة” . كذلك أوصى بالتواصل مع حماس والاعتراف بها مجلس العلاقات الخارجية ومعهد بروكينغز الأمريكيان ـ الثاني كان طوال نصف القرن الماضي الأكثر تأثيراً في الإدارات الديموقراطية في مجال السياسة الخارجية ـ لأن التواصل معها يمهد الطريق للوحدة الوطنية الفلسطينية، وهذه بدورها شرط مسبق لا غنى عنه لصنع السلام . ( نقولا ناصر ، موقع قاسيون ، 30|12|2008

يتضح مما سبق أن دعوة فصائل منظمة “التحرير” إلى الوحدة الوطنية مع سلطة أوسلو، ما لم تعبر عن روح بدوية أو عنصرية، هي دعوة إلى قبول الاتفاقات الموقعة بين السلطة وبين إسرائيل. لذا لا يجب أن تكون الدعوة موجهة إلى حماس والسلطة معاً، بل إلى من ضرب هذه الوحدة باتفاقاته مع إسرائيل، وأن تكون دعوته إلى الوحدة مقرونة بدعوته إلى التراجع عن الاتفاقات الموقعة، بل إن دعوة السلطة إلى الوحدة الوطنية مع المقاومة دعوة مضللة، لذا يجب القول صراحة أن مصالحها تمنعها من الاستجابة إلى هذه الدعوة. البديل الصحيح الذي لا يروج الأوهام ولا يضلل ولا يضع الضحية والجلاد على قدم المساواة هو الدعوة إلى وحدة قوى المقاومة، والعمل من أجل وحدة الشعب بالضغط على السلطة من أجل التراجع عن تعاونها مع العدو. أما عربياً فيجب العودة إلى الحديث عن وحدة القوى الوطنية بديلاً عن الحديث عن التضامن العربي أو العرب جملة.

إن أي عربي يدرك أن الحكومات المقاومة في أمريكا اللاتينية أكثر تضامناً معه من الحكومات العربية وممن يضغط على السلطة السورية كي ترعوي عن الممانعة وتأخذ بواقعية مصر والسعودية، بل إن في إسرائيل يهوداً أكثر تضامناً معه منهم. لكنه يعود فيدوخ من جديد لكثرة ما تردد النخب كلاماً عن “العرب” .

من الأمور المعقولة ما نشر عن عتب محمود الزهار على السلطة المصرية لسماحها لليفني بالإعلان عن نواياها العدوانية من مصر، وأن السلطة المصرية أوصلت رسالة واضحة الى حماس بأنه ليس هناك عملية وشيكة، وأن التهديدات أطلقت في سياق انتخابي. لذلك لم تلجأ حماس إلى إخلاء مقرات الشرطة، ما يعني أن حماس كانت ضحية ثقتها بالسلطة المصرية لأنها عربية؛ فللأوهام والأفكار الخاطئة ثمنها الباهظ دائماً.