ثلاثة محاور تحكم الدبلوماسية الفرنسية

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1759)

تعتقد الإدارة الفرنسية الحالية أنّ العالم يجتاز اليوم منعطفاً تاريخياً نوعياً انتقالياً، وأنّ استعصاء أزمة الهيمنة الأميركية هو أبرز مظاهر هذا المنعطف، وليس ثمة شكّ أنّ باريس الرسمية مصيبة في تقديرها هذا، لكنها تخطئ كثيراً إذا كانت تعتقد أنّ أزمة العالم تتلخص في أزمة الهيمنة الأميركية الناجمة عن أخطاء الإدارات الأميركية، خاصة إدارة الرئيس بوش الابن، وإذا كانت تعتقد أنّها فرصتها للعمل على تلافي الأخطاء الأميركية والمضي بالسياسات الدولية ذاتها، فالأزمة ليست أزمة هذه الإدارة أو تلك بل أزمة العصر الأوروبي الأميركي، وأزمة نظامه العالمي العنصري الاحتكاري السائد منذ حوالي خمسة قرون، وقد بلغت حدّ الاستعصاء الذي لا علاج له بقوانين النظام السائد ومن داخله!

لقد عبّرت وزارة الخارجية الفرنسية (في آب/أغسطس 2007) عن اعتقادها بأنّ على جهازها الدبلوماسي أن يضع نصب عينيه زمناً دبلوماسياً مفتوحاً تحكمه ثلاثة محاور: أوّلها انهيار جدار برلين، وثانيها انهيار برجي التجارة العالمية في نيويورك، وثالثها انهيار المشروع الأميركي في العراق! وفي خطابه أمام 180 سفيراً فرنسياً اجتمعوا في باريس “لتصويب الرؤية السياسية الفرنسية الجمعية” قال وزير الخارجية كوشنير: “هناك عالم ما قبل حرب العراق، وهناك عالم آخر مختلف، في طور الولادة، هو عالم ما بعد حرب العراق.. إنّ زمن ما بعد حرب العراق يظهر أنّ أزمة الهيمنة الأميركية قد بدأت، وأنّها أزمة ستدوم زمناً أطول مما نعتقد بكثير.. ولن يقع أيّ حدث انقلابي يخفّف من وطأة أزمة الهيمنة الأميركية، حتى لو تغيّرت الإدارة وجاء رئيس ديمقراطي إلى البيت الأبيض”! أضاف وزير الخارجية الفرنسي مخاطباً سفراءه: “يجب أن يلاحظ السفراء آثار الأزمة في الشرق الأوسط، فأنا عندما أزور هذه المنطقة أشعر بأنّ مراجعة وتقييم السياسة الأميركية ومآلها سوف يستغرقان زمناً طويلاً، فالأزمة الأميركية مفتوحة مستمرّة، ويترتّب على الدبلوماسية الفرنسية الاستفادة من انفتاحها واستمرارها في الشرق الأوسط لصياغة منهج مصلحي لعملها”! أي أنّ السباق لملء الفراغ في المنطقة، واستباق حدوثه إذا ما تقلّص الوجود الأميركي، قد افتتحا، كما فسّر الأستاذ محمد بلوط ساخراً كلام الوزير الفرنسي (صحيفة “السفير” البيروتية/31/8/2007).

وهكذا انتهى الخطاب الفرنسي إلى دمج المحورين الأول والثاني في المحور الثالث الذي لخّصه “عالم ما بعد الحرب في العراق”، أي عالم دخول الهيمنة الأميركية مرحلة الأزمة المستعصية المفتوحة الطويلة الأمد، وبما أنّ الإدارة الفرنسية غفلت، أو تغافلت، عن دور شعب العراق في إنضاج الأزمة وتسريع استفحالها، وعن العمق التاريخي الأممي، المتعلق بالهيمنة الأوروبية الأميركية وبعنصرية نظامها العالمي السائد منذ قرون، فقد انحدر خطابها على الفور من عليائه، التي عبّرت عنها مقدّماته، ليغوص في الأوحال والمستنقعات التي تتخبط فيها السياسات والجيوش الأميركية!

إنّ الخطاب الفرنسي لا يرى في البلاد العربية طرفاً إنسانياً يستحق الذكر، لا حكومات ولا مقاومات! فلا إشارة إلى النظام الرسمي العربي، الذي إن لم يضمن للولايات المتحدة النصر السريع الحاسم المؤزّر في العراق ولبنان، كما عوّدها من قبل، فقد جنّبها الهزيمة الميدانية الحاسمة المؤكدة دون ريب لولا تواطئه! كذلك لا إشارة إلى المقاومة العربية في العراق ولبنان وفلسطين، التي إن لم تحرز النصر المؤزّر فقد ثبتت في مواقعها وما زالت، ويبدو أنها ستبقى ثابتة عصيّة على الهزيمة رغم تواطؤ النظام الرسمي العربي ضدّها! ففي مؤتمر الدبلوماسيين الفرنسيين، وفي خطاب رئيسهم، لم يحضر العرب كطرف فاعل إلاّ لماماً أو تلميحاً، بل حضروا كطرف مفعول به، أو كموضوع لصراع إقليمي وكأهداف لمشاريع سيطرة يسعى إليها الفرنسيون على حساب الأميركيين، كما شرح الأستاذ محمد بلوط!

لقد رأى السفراء الفرنسيون في البلاد العربية أنّ الاستراتيجية الإيرانية هي الوحيدة المتّسمة بالشمولية من بين دبلوماسيات المنطقة! إنّ الإدارة الفرنسية،كما لاحظ الأستاذ بلوط، تتجه نحو تكريس اعتراف أكاديمي ودبلوماسي بمركزية الدور الإيراني في البلاد العربية! ونحن نقول أنّ ذلك ليس إعجاباً بإيران ولا تقديراً لأهميتها، بل هو مدخل لإحكام الحصار على العرب وخنق أية محاولة لنهوضهم في مهدها، فحضور إيران في حدّ ذاتها يبقى محمولاً وقابلاً للمعالجة أو التعايش إلى حين من قبل الحلفاء الغربيين، أما نهوض العرب فلا يمكن تحمّله أبداً، لأنّه المدخل إلى نهوض العالم الإسلامي كلّه، وإلى تغيير النظام العالمي بمجمله! وهكذا استحضر الفرنسيون العرب للحوار بإدارتهم تحت عنوان: “إيران فاعلاً سياسياً في العالم العربي”! أي أنهم يتطلعون إلى دور إيراني يحول دون نهوض العرب، وفي الوقت نفسه يتطلعون إلى استخدام العرب ككتل صمّاء، أو كقطعان وحشية، في محاصرة إيران وعزلها وترويضها!

بالمقابل، على صعيد التعامل مع المجتمعات العربية وليس الحكومات، ألحّ مؤتمر السفراء الفرنسيين على تبنّي دبلوماسية نشطة تستند إلى معايير حقوق الإنسان، وقد حضّ الوزير سفراءه على تحويل مقرّات سفاراتهم إلى “بيوت لحقوق الإنسان”! ولكن ليس على الطريقة الأميركية “التي تعقّد الأمور”! قال الوزير الفرنسي مخاطباً السفراء: “عليكم تكييف الخطاب والمنهج العملي مع تقييمكم لطبيعة الثقافات المحلية، ولتعلموا أنّ أوروبا ليست أفريقيا ولا أميركا اللاتينية”! وعبّر الوزير عن صدمته لافتقار الخارجية الفرنسية لخبراء في الأديان، حيث جميع الحروب في العالم لم تخل من دافع ديني: “لذا علينا استكمال فهمنا لهذه الحروب بتحليل دور الدين فيها”!

إنّ الوزير الفرنسي يلحّ على إبراز الدافع الديني للحروب، خاصة في البلاد العربية، وفي الوقت نفسه يلحّ على اعتماد دبلوماسية نشطة تستند إلى معايير حقوق الإنسان، فالحروب الدينية (المرعيّة الموجّهة) المستمرّة تحتاج إلى منظمات حقوق الإنسان (المدعومة المتفرّغة) للمؤاساة ولتضميد الجراح باستمرار، إلى ما لا نهاية! أليس هذا ما يريد الوزير (المتحضّر المتفوّق) الوصول إليه؟ أما الهموم الأخرى، هموم الحضارة التي تليق بالأوروبيين فقط، فسوف يتولاها “اتحاد المتوسط ” الذي يسعى الرئيس ساركوزي بكلّ طاقته لإنهاضه، بحيث تشكّل أوروبا مدنه ومراكزه المتقدمة المتمدّنة، وتشكّل البلاد العربية ومثيلاتها أريافه وأطرافه المتخلّفة المتوحّشة! غير أنّ هذا الذي يفعلونه كلّه لن ينجح سوى في عرقلة وتأخير نهوض العرب والعالم الإسلامي، وفي عرقلة وتأخير تغيير هذا النظام العالمي الربوي الشايلوكي الفاسد!

ns_shamali@yahoo.com