غزة: تغير تدريجي…لو قرأنا بعين التاريخي لا اليومي

لكن العين الرمداء… لا تبصره

عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1759)

لماذا نتعرض نحن دوماً للعدوان؟ تساؤل يطرحه المواطن العربي سواء على الفضائيات أو في البيوت. وهو تساؤل ينم في العادة عن شعور بالحزن وأحياناً باليأس والتشكي مما قد ينتهي إلى مجرد تفريغ هذه العبارة المتهالكة لتهلك قائلها.

هذا هو الحديث اليومي، وهو حديث مشروع للإنسان بما هو مشاعر وأحاسيس وذي حق في التعبير الحر والمباشر عن ما به.

لكن هذا اليومي، والذي يبدو شديد البطء، ينتهي تاريخياً إلى شيىء ضخم، إلى إنجاز يصعب على الذي يتعامل باليومي مع الحياة أن يلتقطه ويرتفع معنوياً به ومعه.

بكلمة موجزة، فالتاريخي هو ترتيب أحداث وتطورات اليومي ككل والنظر إليها بعين ثاقبة: هل انتهت إلى الأمام؟ أم أمعنت في الرِدَّةِ إلى الخلف. المدخل التاريخي يسمح لنا بإعادة تقييم الحياة ورؤية كم كنا فيها فاعلين، ولنكتشف هل كنا في اليومي مراقبين ام فاعلين. هذا معنى القول: بين المجزرة والمجزرة ما العمل؟ اي ماذا فعلنا؟[1]

أما هنا، في هذه الكلمات القليلة، فلا باس من قراءة التاريخ الحديث للصراع العربي الصهيوني لنرى، إن كان التاريخ إلى الأمام أم إلى الخلف، هذا مع الاعتذار للمؤرخين الحقيقيين وخاصة للناس الذين يعتمدون المنهج المادي التاريخي في التحليل، لأن التاريخ لا يرجع إلى الوراء، حركة التاريخ بالمجمل إلى الأمام، حتى لو مرَّت فترات حدث أن شهدت “خطوة إلى الأمام…خطوتان إلى الخلف”. وهذا الشعار من لينين في منتهى الخطورة إذا لم نفهمه. نعم لأن كثيراً من الحركات التقدمية أو الاشتراكية، وتحديداً قياداتها، صاغت له تفسيرات تضمنت خُطى إلى الخلف، وحين استفاقت وجدت أنها هي إلى الوراء وليس التاريخ. ولعل أفضل تصوير لهذا ما حصل للكثيرين منذ تفكك الاتحاد السوفييتي وكتلة الاشتراكية المحققة حيث استطاب هؤلاء الرجوع إلى ما قبل الفكر الاشتراكي، فأضحوا أدوات لراس المال وكثير منهم غدوا قططاً سمان، أو حتى قططاً لم تسمن!

ودون ذكر اسماء لأن كثيراً من مثقفي البرجوازية الصغيرة الوضع الطبقي والفكر لا يحبون ذلك. فقد استمعت (رغم أذني) ، قبل شهر لخطاب أحد قادة حزب من “اليسار” الفلسطيني الذي عاد ليذكر الماركسية واللينينية والاشتراكية والإمبريالية …الخ ( كما لو كان بلشفيا في موسكو عام 1917) في خطابه بعد أن كان قد دفنها لأكثر من عشرين عاماً. أما خطورة هذا، وهو يقفز (خطوتان إلى الإمام دون سنتيمتر إلى الخلف-وهي معادلة مختلة فيزيائياً أو ميكانيكياً) فهي حين أتت فتاة وقالت لي:

ـ أفضل خطاب هو خطاب (إكس)

كان لا بد أن اشرح لها الفارق (برأيي) بين اليومي والتاريخي، وأن أمثال (إكس) كان قد غير اسمه وتاريخه وأقسم يمين تغيير الإسم، ليصبح قطا سميناً، وليسمي ما حصل في غزة انقلاباً، وليروج للتطبيع والاعتراف بالكيان ومجاملة الأنظمة العربية…الخ. أما اليوم، وبسبب الأزمة المالية، فها هو يعود إلى المائدة، ولكن كقطٍ سمين!

أمر محزن وجود فرص للفتك بوعي الناشئة بهذه السهولة، لأن هذا إذا لم تفعل الازمة المالية فعلها، سوف نقض ثانية على وعي تلك الفتاة.

كل هذا سيدتي وسيدي ليس موضوع هذه المقالة، بل موضوعها أوسع. كيف؟

· في عام 1948 هُزمت عدة جيوش رسمية عربية أمام جيش المستوطنين اليهود المصنوعين والمخلوقين والمدعومين إمبريالياً. وهزمت المقاومة الفلسطينية ذات الإمكانات البسيطة

· وفي عام 1967 هُزمت الجيوش العربية المحيطة بالكيان الصهيوني لدرجة اصبح الشعار الذي يردده الشارع الصهيوني لحكومته بافتخار: “دخلتم في حرب وخرجتم منها دون ان نشعر بها”. نعم لم يُضرب لا عمق الكيان ولا أطرافه.

· في عام 1973، ورغم أهداف النظام المصري آنذاك، هُزم جيش الاحتلال، وشعر بالضربة جيشه وشارعه وحتى هنري كيسنجر، مترنيخ العصر، الذي اضطرت دولته لإنقاذ الكيان بجسرين:

o جسر تآمري مع السادات لتمكين جيش العدو من إحراز نصر ما في ثغرة الدفرسوار.

o وجسر مادي حيث بُني جسر نقل من واشنطن إلى تل ابيب المحتلة!

· في عام 1982، وصل جيش العدو إلى بيروت التي صمدت فيها المقاومة تحت الحصار 81 يوماً. لكن القيادة قررت الهروب من مصير كومونة باريس فخرجت من لبنان. وبقي جيش الاحتلال إلى أن

· طُرد مهزوماً عام 2000

· في عام 2006، تمكن حزب صغير من هزيمة الجيش الكبير في حرب دامت 32 يوماً، دون أن يحتاج هذا الحزب لأية طلقة من اي جيش رسمي عربي، وكان كل ما طلبه سيد المقاومة من الحكام العرب، أن لا يتآمروا ولا يدعموا الصهاينة.

· اليوم في عامي 2008-2009، تقف المقاومة في اصغر بقعة في العالم، وتصد طيران العدو نفسه بعد أعادت الإمبريالية خلقه إثر هزيمته عام 2006.

· في نفس هذه الحرب تصد غزة جيش الاحتلال وتآمر الحكام العرب العلني، والدعم الرسمي الإمبريالي المعلن بوقاحة.

قطاع غزة وحده يصد هذا الجيش الجرار، هذا الثلاثي، ألا يكشف هذا عن تغير رهيب مقارنة مع 1948 و 1967. هذا معنى التاريخ، والتطور التاريخي.

أما السؤال الحارق كحامض الكبريتيك فهو:

سيدي وسيدتي: بعد أن تهدأ مجزرة غزة، بغض النظر عن النتائج، هناك صمود اسطوري، ماذا ستفعلا!

هل ستفكرا في اسر الشهداء والجرحى لإنشاء صندوق شعبي وبإشراف شعبي لكفايتهم حاجاتهم كي يُبادر غيرهم لاحقاً للشهادة؟ وليكن ذلك بتقليل نصف علبة سجائر، وبعض المكياج الفرنسي كل يوم.

هل ستفكرا في التصدي الفكري والنقدي للروث الإنهزامي الذي يملأ السياسة والصحافة في الوطن العربي؟ مثلاً، يوم اشتراكي ويوم راسمالي وفي كلا الموقفين تابع لأستاذ غربي (أحمر أو أبيض)؟

هل سوف تتصالح مع المثقفين الذين يرقصون اليوم افتخاراً بغزة، وغداً تطبيعاً مع مثقفي الكيان؟

هل سيعود هذا وذاك للعمل في منظمات الأنجزة التي دعمت دولها العدوان ووقع مدرائها على نبذ “الإرهاب” (نبذ نضال غزة).

هل ستنقطع عن حضور حفل استقبال السفارة الأميركية بعيد استقلالها (ذبح الهنود الحمر) أو بريطانيا سيدة الذيح الاستعماري الكلاسيكي The British Standard of Massacres وتوليد مشاكل للشعوب المستعمرة لقرون قادمة.

هل سيعود هذا وتلك لمنتديات المراكز الثقافية الغربية الفرنسية والبريطانية ويرتدون قبعات غربية كي يُناسبوا الموقف وللمثول طيِّعين في حضرة غربي تافه، آه لو يعرفون!؟ وبالطيع يهزأون بعمامة سيد المقاومة.

هل سترسل كتابك او ألبوم كرتونك أو رسوماتك كي يطبعها القنصل الألماني أو الأميركي أو الفرانكفوني وحتى لو قنصل عربي أو إيراني فتتوقف فجأة عن الشكوى من الفقر.

هل سيعرض “الفنانون” معرضهم في حضن القنصلة الأميركية مرة أخرى؟

هل ستعودوا للتصويت في انتخابات الحكم الذاتي التي تؤكد على أوسلو؟

هل ستعودوا لتناول منتجات الاحتلال؟

هل ستعودوا لشراء منتجات الدول الغربية التي كانت ضحايا غزة بقنابلها؟

هل ستعودوا تهتفون لنفس القيادات التي أنحت باللائمة على المقاومة؟

هل سوف تعودوا للتسمُّر أمام الشاشات لحضور المسلسلات المدبلجة لتكونو “أمة مُهنَّدْْ”.

هل سيقوم كل واحد بافتتاح “مدوَّنة له” ليجلب العالم كله كي يقرأ بطولاته على الإنترنيت؟

هل سيبني كل واحد موقع كمبرادور انترنيت ليأخذ من هنا ويرسل إلى هناك ليزيد إرباك القارىء وهو يبحث عن مادة لها طعم؟

ما اكثر المهام، ولكن الهم هو الهِمَمْ. هذا هو معنى قراءة التاريخ.


[1] أنظر مقالتي: ” غزة: بين المجزرة… والمجزرة…ما العمل؟”، المنشورة في “كنعان” على الرابط التالي: https://kanaanonline.org/?m=200901