العدوان على غزة : التحريض على حماس يُؤتي أُكله

هذا هو رأيي الخاطئ فشكراً لمن يهديني الصواب

أكرم إبراهيم

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1762)

كل قول يتضمن دعوة إلى فعل من طبيعته. لذلك قالوا إن الكلمة إذا ما تبنتها الجماهير تحولت إلى قوة جبارة. سأحاول في هذه المقالة تبيان كيفية تحويل دعاية فصائل منظمة “التحرير” للفلسطينيين في الضفة إلى متضامنين مع شعبهم في غزة. تتكافل مقالتي هذه مع مقالة بعنوان”مواقف عربية شعبية .. لكن ماذا عن القوى الفلسطينية في الضفة”، ناصر السهلي، عرب48، 1/1/2009( 1 )

بعض الأطراف الفلسطينية لم تمل من تكرار الدعوة إلى الوحدة الوطنية وتجاوز الانقسام. وهي تقصد بذلك الوحدة بين السلطة والمقاومة، واضعة بذلك نفسها خارج الانقسام أو على الحياد. لكن أي حياد هذا؟! معنى هذا الحياد يتكشف من خلال معرفة سبب الانقسام.

ما هو سبب الانقسام؟ هم يقولون أن السبب هو الصراع على سلطة تحت الاحتلال الإسرائيلي، فما معنى هذا، خاصة أن المتصارعين يمثلان غالبية الشعب الفلسطيني؟ لا يوجد سوى تفسيرين، إما أن طرفي الانقسام كيلهما وطنيان، وهذا معناه أن الشعب الفلسطيني ما يزال غير راشد غارقاً في الجهل والتخلف لأنه ما يزال عاجزاً عن الولاء لقضيته العامة والتوحد حولها، وإما أنهما طرفان مرتزقان يتعيشان على حساب الشعب الفلسطيني ولهذا معنى ألعن من سابقه. لا يوجد معنى لاقتتال على سلطة تحت الاحتلال غير هذين المعنيين، فإن وجد فليشرح لنا هؤلاء هذا المعنى. إذاً لا بد أن يكون السبب غير ما يقولون به ما دام الشعب الفلسطيني لا هذا ولا ذاك.

لم يخل بيان من بيانات القيادة الموحدة للانتفاضة الثانية، ولا بيانات اللجنة العليا لمتابعتها، من دعوة السلطة بقيادة ياسر عرفات إلى وقف التنسيق الأمني مع العدو، والكثير من هذه البيانات دعا إلى الضرب على يد العملاء بدلاً من الضرب على يد المقاومين. هذه البيانات وقع عليها ثلاثة عشر فصيلاً فلسطينياً بما فيها فتح. هذا يعني أن هذه السلطة، التي قامت خلافاً لرغبة الجميع، أي دون اعتبار للوحدة الوطنية ورأي بقية الفصائل، بدأت منذ قيامها بالتعاون مع العدو. وهذا التعاون لا يمكن إلا أن يعزز الانقسام والصراع الذي دشنه اتفاق قيامها.

هم يقولون أن الصراع محصور بين حماس وفتح، فهل يستطيع هؤلاء القيام بعمل مسلح ضد العدو من الضفة؟! هم لا يستطيعون لأنهم إن فعلوا تعرضوا للاعتقال أو القتل، لأن الاتفاقات الموقعة بين السلطة وإسرائيل تلزم بهذا. كلام “وزير الداخلية” للقوات الفلسطينية ذات التدريب الأمريكي والتسليح الأمريكي الإسرائيلي واضح؛ لقد قال لهم أنتم ليس لقتال إسرائيل، فقتال إسرائيل لم يأت لنا إلا بالويلات، أنتم لتثبتوا لإسرائيل أنكم قادرون على الفعل. ورئيس السلطة لا يمل من تكرار القول أنه لا معتقلي رأي لديه، وأن ما لديه هم خارجون على القانون ( 650 مقاوماً منهم 400 منتمون إلى حماس ) وأنه يسمح بتعدد الآراء لكنه لا يسمح إلا بسلاح واحد ( طبعاً للمهمة التي حددها وزير داخليته ) فما معنى أن يحيدوا أنفسهم؟! هذا يعني أنهم غادروا مواقع المقاومة ولم يعد لديهم سلاح مصادرته مطلوبة.

لماذا، إذا كان الأمر خلاف ما ندعيه عليهم وعلى السلطة، لماذا لا يقومون بعمليات عسكرية من الضفة في هذا الوقت العصيب دفاعاً عن شعبهم في غزة، بل أين ما يقومون به اليوم مما قاموا به أثناء الانتفاضتين؟! حتى التوجه إلى الحواجز من أجل رشق الجنود الصهاينة بالحجارة لم يحدث!!.. ما نشهده اليوم في الضفة لا يرقى إلى مستوى ما يحدث في أفغانستان أو الهند، بل لا يرقى إلى مستوى ما يحدث في أمريكا وأوستراليا!!.. أهذه هي الضفة التي كانت مركز ثقل الانتفاضتين المجيدتين؟! لقد قامت الشرطة بقمع التظاهرات الفلسطينية في الأيام الأولى للعدوان بذريعة الخشية من تطورها إلى صدام مع قوات الاحتلال، فهل أصبح هذا من المحرمات ؟! ولماذا لم يتظاهروا ضد هذا السلوك وقد رأيناكم يتظاهرون في غزة منذ الأسبوع الأول للحسم؟!.

الجواب لا يعدو أن يكون أحد أمرين؛ إما أنهم لا يريدون التصعيد في الضفة على أمل أن تنجز لهم إسرائيل مهمة الخلاص من قوى المقاومة الجذرية وفي هذه الحال تكون هذه الحرب حصاداً لنتائج الحرب الإعلامية التي شاركوا بها ضد حماس، أو أنهم يتجنبون الصدام مع القوات الإسرائيلة تجنباً للصدام مع السلطة. تجنب الاصطدام مع السلطة إما لتجنب تعريتها في هذا الوقت وهذا يعني شراكة لها وضعفهم من ضعفها، وإما حفاظاً على الوحدة الوطنية.

إن عباس أيضاً يعبر عن قناعته بضرورة الوحدة الوطنية، لكن الوحدة الوطنية كما يراها تتحقق بسيادة نهج التعاون مع الاحتلال وتجريم البندقية المقاومة. لقد أذاع عباس كلمة مسجلة بعد بدء العدوان، بمناسبة ذكرى انطلاقة حركة فتح، حمل فيها حماساً مسؤولية ما يجري في غزة بزعم أنها أفشلت الحوار وانجرت إلى إنهاء التهدئة استجابة لأجندات إقليمية لا تمت لمصالح الشعب بصلة، ودعا إلى أن تكون السلطة عنواناً لوحدة الشعب لا أن تكون مدخلاً لتفريقه وتفريق صفوفه وإلى “استعادة الوحدة، وممارسة كل أشكال النضال السلمي في مواجهة الاحتلال، وتأكيد وحدة الشعب والأرض في الضفة وغزة، دون عبث يعرض مصالحنا للخطر”.(عــ48ــرب، 31/12/2008). لمن لا يجيد القراءة أقول إن عباس ما يزال على دعوته إلى الوحدة الوطنية عبر القضاء على المقاومة بديل أنه 1 ـ يحمل حماس مسؤولية العدوان 2 ـ يدعي أنها تتصرف وفق أجندات أجنبية إقليمية لا تمت إلى مصالح الشعب بصلة 3 ـ إنها تمزق الشعب بسبب شهوتها إلى السلطة 4 ـ يدعي أن المقاومة المسلحة عبث يعرض مصالح الشعب للخطر لذلك يكون المطلوب هو ممارسة النضال السلمي حصراً 5 ـ أن هدفه من الحوار تجنب العدوان أي الوحدة على برنامج السلطة.

بعد هذه التهم ماذا يعني “تأكيد وحدة الشعب والأرض في الضفة وغزة” غير دعم العدوان الجاري على غزة؟! فكيف نميز دعوتهم إلى الوحدة الوطنية والحوار عن دعوة عباس إليهما ما داموا لا يرمون حاجزاً إسرائيلياً بحجر في هذا الوقت؟! لا يصطدمون الآن مع الجنود الإسرائيليين، ولم يصطدموا سابقاً مع سياسة التعاون والتفريط والفساد والقمع، واصطدموا مع حماس منذ الأسبوع الأول للحسم، فهل يكفي هذا دليلاً على أن دعوتهم إلى الوحدة الوطنية هي دعوة إلى الالتفاف حول برنامج السلطة؟!

في ظروف الاحتلال يتوقع المرء في كل لحظة ممارسات قمعية. لذلك تنطوي التعبئة ضد فصيل مقاوم على تحالف موضوعي مع الاحتلال، من حيث أن شحن النفوس ضد هذا الفصيل سيضعف رد الفعل على بطش العدو به. لهذا وجدنا القوى الاستعمارية والشباطيين العرب يبدؤون هجوماً إعلامياً على حماس منذ انتصارها، لإسقاطها بالعزل أو تحضيراً للعدوان في الوقت المناسب ما لم ينجح هذا العزل. وما التحريض على حماس إلا لأنها القوة الأكبر، أي أن القضاء عليها هو قضاء على نهج المقاومة. فصائل منظمة التحرير، إما بسبب ضيق أفقها وإما بسبب تواطئها مع السلطة، وقعت في فخ التحريض على حماس، وها هي دعايتها ضد حماس تؤتي أكلها اليوم على شكل ضعف وهزال الدعم من الضفة؛ فبعد أن قالت الفصائل أن حماس تتصرف خدمة لأجندات أجنبية، وأنها سعت إلى الانفصال بدافع الشهوة إلى سلطة تحت الاحتلال، وأنها لا تختلف عن السلطة في شيء، وأنها سلطة دينية تتسم بكذا وكذا، بعد هذا كيف يمكن لهذه الفصائل أن تستنفر الجماهير؟! إنها حتى لو أرادت هذا الاستنفار لن تستطيع ذلك دون أن تناقض نفسها، لأن سلطة وصفوها بما وصفوها به لا تريح الناس كثيراً مما هم فيه، ولن تستطيع استنفار الناس أيضاً لأنها لا تستطيع أن تقتلع بين ليلة العدوان وضحاه ما زرعته في الأذهان خلال سنوات. من ناحية أخرى، يتكشف الآن أن تطبيع التعاون مع العدو، عبر الدعوة إلى الوحدة الوطنية بين المقاومة وبين سلطة تتعاون مع هذا العدو، هي أخطر من التعاون ذاته. ذلك لأن التعاون يكون من فئة محدودة وطارئة، أما تطبيع التعاون فيشيع القبول به ويحوله إلى ثقافة عامة لها قدرة على الديمومة والثبات، وعندما يصبح التعاون ثقافة تضعف ردود الفعل على العدوان ومهما كانت ضحيته.

الدعاية ضد حماس في ظروف السلم قد تكون بسبب ضيق الأفق لكنها في ظروف الحرب تصبح شراكة. هذا ما يصح على خطاب محمود عباس المنوه به كما يصح على تصريحات نايف حواتمة: ينسب “كلنا شركاء”: 30/12/2008، إلى نايف حواتمة، الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، أنه دعا في حوار وزع عبر نشرة بريدية، إلى جبهة وطنية عريضة للتعامل مع قصف غزة، وينقل من هذه النشرة قول نايف حواتمة: “حماس حالها حال الأجنحة العسكرية الأخرى في قطاع غزة، وعلينا أن لا نرتكب الخطأ ولا ترتكب حماس الخطأ من جديد بشعارات عامة دون خطط عملية وبرنامج سياسي فلسطيني موحد. الخطأ الذي ارتكبته أنظمة عربية معينة عام 1967، ونحن الآن نعالج الهزيمة من عام 1967 وحتى الآن، 40 عاما في الثورة، لأنني سمعت بعض الأقوال من الأخوة في حماس بأن هدف الاحتلال هو إزاحة حماس من السلطة، فالسلطة كلها تحت الاحتلال، وهذا يذكرنا بأقوال أنظمة عربية عام 1967 أن هدف العدوان هو إزاحة هذه الأنظمة”. فهل هذا أوان الحديث عن الجبهة الوطنية العريضة والشعارات العامة والبرنامج السياسي الفلسطيني الموحد؟! وهل هذا وقت مقارنة خطأ حماس بخطأ الأنظمة ( أية أنظمة يقصد ) الذي ما نزال نعالج آثاره منذ عام 67 ؟! كل الذين سمعتهم من حماس تحدثوا عن استهداف إسرائيل لكل الشعب الفلسطيني من خلال استهداف مقاومته، كل مقاومته، ولئن كان حواتمة قد سمع أحد قادتها يقول أن هدف الاحتلال هو إزاحة حماس من السلطة، فهذا ما يفهم من كلام نبيل شعث وأبو الغيط عندما قالا ما معناه أن فشل الحوار واستمرار حالة الانقسام يعرقلان جهود محمود عباس “السلمية” . بهذا المعنى يكون القول بأن هدف العدوان هو إزاحة حماس صحيحاً. ما يفضح هذا التحريض هو قول نايف حواتمة أن “السلطة كلها تحت الاحتلال”، وأن”ما يجري الآن على غزة يذكرنا بحرب “السور الواقي” التي شنها شارون في آذار/ مارس 2002، ودمر فيها كل مراكز السلطة والأجهزة الأمنية، وحاصر مقر عرفات حتى رحل مسموماً في نوفمبر/ تشرين الثاني 2004، واحتل جيش الاحتلال كل مناطق السلطة حتى يومنا هذا”. هكذا إذاً، سلطة محمود عباس واقعة تحت الاحتلال ولا فرق، والهدف من جديد هو تدمير “كل مراكز السلطة والأجهزة الأمنية” ولا فرق أيضاً؛ لا هم لإسرائيل إلا تكرار ما فعلته في الضفة؛ فما هذه الغيرة على “كل مراكز السلطة والأجهزة الأمنية” في غزة وقد رأينا مواقفه السابقة منها؟! الجواب يكمن في هذا الحرص على سلطة تحت الاحتلال، وفي المساواة بين أجهزة أمن غزة وأجهزة أمن الضفة التي يدربها ويسلحها الأمريكيون والإسرائيليون.

أخيراً: الشباطيون عامة يتحدثون عن إنهاء التهدئة من قبل حماس في محاولة لحصر الصراع بينها وبين إسرائيل. يفعلون هذا لكي يمرروا مقولاتهم، تماماً مثلما جعلوا الصراع محصوراً بين إسرائيل وحزب الله أثناء عدوان تموز على لبنان. هذا مريح لفصائل منظمة التحرير التي تصمت عن ادعاء عباس والشباطيين عامة بأن حماس تفردت بإنهاء التهدئة. والواقع أن الفصائل كلها طالبت يإنهائها، خاصة الفصائل المسلحة. إنها تصمت عن تهمة التفرد تحسباً لنجاح العدوان في كسر شوكة الشعب الفلسطيني؛ فهي في صمتها عن هذا الادعاء وتجنبها لتصحيحه، إما أنها تعبر عن روح انتهازية تخاف تحمل المسؤولية عن قرارها، أو أنها دفعت باتجاه إنهاء التهدئة من أجل عودة السلطة إلى غزة على الدبابة الإسرائيلية بعد الخلاص من حماس وبقية الفصائل الجذرية.

كل ما سبق يثير شكوكاً حول سلاح بعض الفصائل. لذا يتوجب على الفصائل الجذرية في غزة، إذا ما خرجت من هذا العدوان سالمة، أن تقيد هذا السلاح لأنه موجه بقرار سياسي هذه هي ملامحه.

( 1 ) أنقل هذه الأسطر لمن يتوخى السرعة : “إن غياب الفعل المنظم (مشاركة بعض القيادات بمبادرة فردية وعدم اتخاذ الفصائل حتى لقرار التضامن ) أدى في حالات مرئية وبالعين المجردة إلى فلتان شعاراتي قد يكون منبعه الغضب وترك الأمر لقوى الأمن أن تتدخل هنا وهناك لتوقيف هذا أو ذاك من الذين هتفوا بهتافات يبدو أن توجها ما في السلطة الفلسطينية لا يريده رغم كل الشعارات عن وحدة الشعب وقواه وضرورة توحد الجهود.. فالهتاف الذي يرى في المقاومة سبيلا لدعم غزة مرفوض.. والهتاف الذي ينتقد أنظمة حكم عربي بعينها مرفوض أيضا.. وغيرها الكثير مما لا يمكن الآن سرده بتفاصيل مملة..”