“ديمقراطية” مزيفة!

بسام الكعبي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1762)

أطلقت الفضائيات على التظاهرات التي اجتاحت معظم العواصم المحاصرة والممتدة في العالم العربي بأنها “مليونية” في اشارة إلى أعداد المشاركين فيها..لكنها لم تفسر عجز هذه الجموع بإحداث تغيير مهما قلّ شأنه في هرم السلطة السياسية التي لا تخشى الناس ولا تحسب لهم حساباً. هل بَلَغ الأمر في التعامل مع المسيرات الشعبية باعتبارها “ديكورا” يؤشر على ديمقراطية السلطة السياسية ..ربما باتت حركة الجماهير” تحاكي” البرلمانات العربية المعينة التي لا تحرك ساكناً والعاجزة عندما يدير العضو المنتخب ظهره للناخبين ويستبدلهم بالانكسار أمام بريق امتيازات السلطة الحاكمة؟

هاجمتني الأسئلة المتداخلة أثناء متابعة انفجارات الشارع العربي على المحرقة المتواصلة في غزة..لماذا لا يتمكن المواطن العربي من تحويل احتجاجه وغضبه وصراخه إلى أداة تغيير حقيقة لرموز النظام الرسمي القائم، ما معنى أن تخرج تظاهرة احتجاج على صمت نظام تجاه المجزرة دون احداث فعل حقيقي في تركيبته استجابة لضغط الشارع الشعبي.

أعتقد أن “المواطنة” بمعناها الفلسفي والاجتماعي والقانوني غائبة في العالم العربي، وتتعامل السلطة الحاكمة مع المواطنين باعتبارهم “عبيداً” يحملون وثائق شكلية تعيش تحت سيف المصادرة والتوظيف عند اللزوم في العقاب والحرمان من حق السفر وغيرها، ويشكل “الرعايا” فوق ذلك مصدراً للتبجح أمام عدسات الكاميرا على ديمقراطية النظام عندما يقدمون “طوعياً” على حق الانتخاب لكن دون حق جمهور الانتخاب بمحاسبة فعلية لبرنامج المرشح ومواقفه عقب انتزاع “مقعد” الشعب قبل تزييف أصوات الناخبين وتسليم الفائض منها لصناديق القمامة.

قد يحتاج العالم العربي إلى علماء اجتماع من طراز رفيع يندر وجوده في المنظمات غير الحكومية وبعيداً عن رشوة السلطات العربية الحاكمة والدول المانحة وأموال المنظمات الدولية والفائض من مال التطبيع، وذلك من أجل تفسير العلاقة بتجرد بين الحاكم والمحكوم وتوضيح قدرة “السيد” على ابتلاع كل شيء في البلاد ليصبح “الوهاب” الذي يتصدق بالعطايا والهبات وتسقط البلاد بطولها وعرضها في حدود مزرعته الشخصية..لماذا يتحول المحكوم إلى أملاك من الدرجة العاشرة في رصيد الحاكم بما فيها يافطاته التي يحملها احتجاجاً؟.

لكن لماذا الابتعاد كثيراً والتحليق في السماء واشعال فتيل المواجهة بصيغتها الاحتجاجية الشعبية المسالمة مع هرم السلطات القطرية الحاكمة..هل يمتلك الصحافيون والكتاب والعمال ومجالس المنظمات الأهلية وغيرهم قدرة على تغيير هيئاتهم “المنتخبة بالتراضي” منذ سنوات طويلة جداً!؟ برأيكم مَنْ أفضل: ديكتاتورية تشهر وحشيتها علانية أم ديمقراطية مزيفة يصعب حرق أقنعتها؟ وعندما نتمكن من العثور على عالم اجتماع بالمواصفات التي يستحقها البحث المجرد كشفاً للتناقضات الاجتماعية من أجل تفسير سقف الاحتجاج الاجتماعي العاجز عن احداث تغيير.. هل تظل مسيرات غضب “الجماهير” شكلا من ممارسة هوايات الصراخ الجماعي في الشوارع؟