إعلام عربي مضلل

سامي الأخرس

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد1764 )

في خضم التحدي نبتعد قليلاً عن التحليل ونخضع لقوانين العزيمة والإرادة والتحدي المرحلة للمعركة، وإيمان قطعي بالنصر لأن النصر معلوم قبل الحرب، فالنصر هنا لا يعني أو يعتبر تحقيقه على الأرض فحسب، وإنما النصر هو عدم الانكسار.

وهنا لن نهرب ولن نفر من غزة، ولن نغادر منازلنا مهما كان الثمن، فلن نبرح هذه الأرض قطعاً، هذه هي معالم النصر التي نعلمها ونعرفها ونتثبت بها، وعازمون عليها، أما النصر الجغرافي والعسكري فهو صورة مشوشة، مخادعة لأن المعركة لا تخاض بين جيشين في ساحة حرب مفتوحة، بل هي معركة بين جيش يتسلح بكل أسلحة الدمار وغير الدمار، جيش مسلح بنازية وهمجية لم يعرف لها التاريخ البشري مثيل، وشعب أعزل يتسلح بالإرادة والعزيمة، يتحدي بكل ما يملك من عزيمة ليبقي صامداً ثابتاً على أرضه.

هذه هي المعادلة التي تدور على ألأرض في غزة، والتي يجب أن نعلم طرفيها وندركهما وننقلها للرأي العام العالمي، وليس تلك المعادلة المضللة التي تتناقلها وسائل الإعلام وخاصة العربية والتي تزيد من مآسينا أمام الرأي العام العالمي، هذه الوسائل الإعلامية التي تصور أن ما يدور على الأرض معركة بين جيشين، وهنا تزييف للواقع وللحقيقة، ومشاركة في تضليل العالم ونقل الصورة الخاطئة والمغلوطة التي يرغب بنقلها العدو الصهيوني، ويسعى لها من خلال ماكنته الإعلامية بأنه يقاتل جيش آخر منظم يهدد وجوده وأمنه ويمتلك مقومات القتال.

فهذا الصمود هو صمود إرادة وعزيمة يمتلكه بضعة مئات من الشباب المقاوم أمام آلة الموت الصهيونية، وشعب يواجه بأطفاله وأجساده مذبحة لا ترحم بشر أو حجر أو شجر.

حتى فصائل المقاومة التي تخوض المواجهة لا تمتلك سوى الإرادة والعزيمة، فهي لا تمتلك أدنى مقومات القتال في حرب ومعركة همجية يخوضها هذا العدو، وإنما ما تملكه سوى مخزون وطني ترسمه بدماء أبناء الوطن وشبابه المؤمن بحتمية التحدي، والصمود على أرضهم وفي ديارهم ووطنهم.

فهي معركة كرامة يخوضها شعب لم يتبق له شيئ سوى تلك الكرامة والعزة، شعب لم يعد يجد ملجأ يحتمي به سوى تلك المنازل المتهاوية على أجساد أطفاله، وشيوخه، ونساءه. فهذه هي المعركة التي تدور في غزة الآن، معركة وقودها شعب جله أطفال ونساء وشيوخ وشباب حالم بالعيش بكرامه وإنسانية، حتى تلك الآيادي التي تحمل البندقية المتواضعه فإنها بندقية غير عسكرية، ولا يمكن وصفها بالعسكرية، فهي لا تمتلك من المفهوم العسكري شيئاً.

هذا ما يجب الانتباه له من وسائل الإعلام العربية وأصحاب الفكر والثقافة والتحليل السياسي عند تناول معركة غزة، أم حرب إبادة غزة، وضرورة تحديد أطرافها دون مبالغة أو خيال واسع، ونقل الصورة كما هي وبحقيقتها.

أما حرب إبادة غزة وبمنطق سياسي فهي معركة لا هدف لها حتى راهن اللحظة. فالهدف الأول والأخير هو إبادة شعب أعزل، وتدمير الحلم الفلسطيني بدولة وكيانية وتقرير المصير، وكل ما تتذرع به إسرائيل ما هو سوى مبررات تضعها أمام العالم لذبح هذا الشعب، فتارة تذبحه بالجوع، وتارة أخرى بصواريخها ودباباتها وقنابلها وصواريخها، مسلسل الذبح مستمر منذ ستون عام، لم يتوقف للحظة، فحركة حماس المبرر القديم الحديث الذي تستخدمه إسرائيل كما استخدمت سابقاً فصائل المقاومة مبرراً في حروبها السابقة وذبحها للشعب الفلسطيني.

فمعركتها الحالية التي أعلنت إنها تخوضها ضد حركة حماس هي نفس المعركة التي لا زالت تخوضها منذ ستين عام في عمر المواجهة الفلسطينية – الإسرائيلية، لم يتغير بها سوى أسماء القوي الفلسطينية، وهذه الحركة لا تمتلك جيشاً وأسلحة نووية تهدد الأمن الصهيوني والوجود الصهيوني، وإنما هي حركة من هذا الشعب ومن أبنائه، فالمتأمل لأرقام وأسماء وهوية الشهداء يدرك أن الحرب حرب إبادة ضد شعب وليس ضد قوة معينة.

فدعونا من الخيال والوهم الذي يعشش بأعماقنا تحت مسمى الانتصار، فالانتصار قائم ولن ينكسر أبداً ولن ينكسر مطلقاً لأنه انتصار شعب ضد عدو همجي.