يومٌ دامٍ في عَمّان

هشام البستاني*

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد1764 )

ياسر ابو هلالة صحفي شجاع، وهو بالاضافة الى ذلك مدير مكتب الجزيرة في عمان، وتعرض للضرب والاهانة، مثله مثل باقي الناس المتواجدين في المظاهرة التي انطلقت ظهر أمس الجمعة 9/1/2009 في الرابية، الضاحية العمانية التي تستقر بها سفارة الكيان الصهيوني.

لكن لأن الجزيرة تملك ثقلاً اعلامياً كبيراً، ولأن خبر ضربه ظهر مباشرة على الشريط الاخباري، ومن ثم في نشرة الاخبار، فقد تلقى على الفور مكالمة من الملك الاردني للاطمئنان على صحته، تبعته زيارة له من قبل رئيس الوزراء نادر الذهبي ووزير الداخلية عيد الفايز والناطق الرسمي باسم الحكومة ناصر جودة، وظهروا يُقَبّلونه معتذرين والابتسامات على محياهم، مُعْلِمينه بأنهم شكلوا لجنة للتحقيق في الحادث المؤسف، ومؤكدين له أنها حادثة فردية.

حادثة فردية؟ الآن نسأل هؤلاء المسؤولين جميعاً: ماذا عن عشراتٍ من الآخرين الذي تلقوا الشتائم والاهانات والضرب المبرح بالهروات واللكم والركل والدعس في البطون؟ من سيعتذر لهم؟ ومن سيشكل لجان تحقيق حول ما تعرضوا له؟ والى متى سيظل المواطن في الاردن رخيصاً الى درجة ان صلاحيات رجال الامن تشمل ضربه وسبه والدعس في بطنه؟ الى متى سيظل المواطن “حادثة فردية”؟

ظهر أمس، كنت أتواجد في الصف الاول لمظاهرة الرابية، وحاولت جاهداً مع بعض الاصدقاء النقابيين (كما يشهد البث المباشر للجزيرة) ولمدة اربعة ساعات متواصلة منع الاحتكاك بين المتظاهرين المتحمسين للوصول الى سفارة العدو في عمان وبين قوات مكافحة الشغب النوعية التي أُنشأت حديثاً وجهزت بأحدث التقنيات المستوردة من الولايات المتحدة، هذه القوات التي سميت “قوات الدرك” وصدر لها قانون خاص.

كان بامكان قوات الدرك الاستمرار في احتواء الموقف بطريقة “الدفع” التي كنا نستعملها بنجاح طوال اربع ساعات، ولكن لا، فالهراوات والدروع والتجهيزات الاخرى الهاي-تيك موجودة للاستعمال على ما يبدو، لا للركن جانبا ومحاولة اجتراح طرق احتواء لا عنفية كما يُفترض في بلد يحترم مواطنيه ويحفظ كراماتهم.

نعم، كانت هناك اساءات قليلة من المتظاهرين، فبين حين وآخر كانت زجاجة ماء أو حجر يلقى من بعيد، ولكن لم يكن ذلك الا حالات منفردة وبسيطة لم تشكل أي تهديد على الاطلاق لقوى مدججة بالدروع والخوذ. ولكن هل كان هذا مبرراً لقوات الامن للتعامل بأقصى ما تملك من العنف مع المتظاهرين؟

بالنسبة لي شخصياً، انا المخلص لفكرة منع الاحتكاك طوال ذلك اليوم، فقد سقطت قنبلة الغاز المسيل للدموع مباشرة أمام وجهي، وغبت بعدها عن الوعي لأجد نفسي في المستشفى. زميلي أ.ج.ر الذي كان يساعدني في منع الاحتكاك أكل نصيبه من الهراوات حتى شبع، فيما كسرت رجل زميل ثالث (هو ج.ش) وهي تلتف الآن بكتلة ثقيلة من الجبس.

عند خروجي من المستشفى، اصريت على احد الاصدقاء لاصطحابي بسيارته الى الرابية مرة أخرى لاسترجاع سيارتي. هناك، في احد الشوارع الفرعية الضيقة، كان الى جانبها ما يزيد عن العشرة من قوات الدرك المدججين بالعصي يضربون مواطنين اثنين لم يكن في الشارع غيرهما، كالوا لهم الصفعات والركلات، واحدهم تلقى هراوة على رأسه فانبثق الدم غزيرا، وبين الكف والركلة والهراوة كنت تسمع: “يا أخو الش…”، “… أمك”، وهكذا. الحقيقة انني خفت. خفت ان فتحت الباب محاولاً التدخل، ان ينالني من الركل والضرب والسباب ما يعيدني الى المستشفى مرة أخرى. فبلعت اهانة مشاهدة آخرين ينكَّل بهم دون ان أتدخل، وطفرت دمعة من عيني.

عندما عدت الى البيت، ورأيت المشاهد التي التقطتها الجزيرة لعمليات التنكيل بالمواطنين، صارت المسألة أكثر من واضحة:

1) ماذا يفعل خمسة دركيين مجتمعين فوق مواطن منطرح على الارض ممسكا بخيمة الاعتصام الصغيرة يضربونه بكل ما يمتلكون من عنف وتنويعات الى الدرجة التي طار فيها أحدهم في الهواء ليركله في بطنه؟ كيف يُؤَهّل هؤلاء الافراد؟ وماذا يُقال لهم عن مواطنيهم ليتعاملوا معهم بهذه الدرجة من القسوة والعنف والدموية؟

2) لماذا يتم التعامل بعنف هائل فقط مع مظاهرات الرابية؟ وهل -رغم كل التلميحات الحكومية حول “خياراتهم المفتوحة تجاهها”- تظل سفارة العدو الصهيوني خطاً أحمر يُفرَم في سبيلها المواطنون؟

3) أين القوى السياسية المعارضة؟ وهل هناك تواطؤ بينها وبين السلطة لاحتواء الشارع وافراغه؟ الملتقى الوطني للاحزاب والنقابات وحركة الاخوان المسلمين غير معنيين بالشارع واتجاهاته بتاتاً في تكرار مرير لتجارب الـ2000 (انطلاق الانتفاضة الثانية) و2002 (مجزرة جنين) التي خرج الناس فيها في ذات الموقع، وبالآلاف، ضد سفارة العدو. ففي الجمعة السابقة (2/1/2009)، عندما كان يفترض ان تخرج مسيرات من الجوامع من كل المناطق، لم يجد الملتقى الوطني سوى ستاد عمان، الملعب الكبير لكرة القدم في العاصمة، ليحشروا الناس فيه لعقد مهرجان خطابي ويفرغوا الشوارع منهم. اما هذه الجمعة، فقد قررت مكونات الملتقى الوطني المشاركة فرادى في مسيرة تنظمها الحكومة وسط البلد، بعيداً عن السفارة ومشاكلها، فيما اقام الاخوان المسلمون مهرجانا لهم في طبربور، واحدة من ضواحي عمان البعيدة جداً عن المظاهرة المركزية التقليدية في الرابية.

المشهد في الاردن مغرق بالمأساوية، فمطالب الناس باغلاق سفارة العدو في عمان واعلان بطلان معاهدة وادي عربة يبدو ان لا مستمعين لها، وبين العنف الواقع عليه من السلطة السياسية والاحتواء والتوظيف الواقع عليه من قوى المعارضة الرسمية، يجد المواطن نفسه مدمياً ومهاناً على قارعة الطريق، ولسان حاله يقول: ليتني كنت أيضاً مراسلاً للجزيرة.

….

*كاتب من الاردن