غزة… ضحية النظام العربي والدولي

د. نزار محمود

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد1765 )

النظام الدولي يمثله بالدرجة الأساس هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والنظام العربي تمثله جامعة الدول العربية. مجلس الأمن والأمم المتحدة قامت على أساس ما أسفرت عنه الحربان العالميتان وبالعلاقة مع أسبابها وأطرافها، وعلى أساس من تقاسم غنائم هذين الحربين وتوازن قوى ومصالح الدول المنتصرة والمتحالفة معها. وأثناء السنوات اللاحقة عزز نظام هذه الهيئة، لا سيما للأعضاء الدائميين في مجلس الأمن، مكاسب هذه الأعضاء وهيمنتهم الدولية، فراحوا محافظين عليه وعلى آلياته التي تحفظ لهم هذه المكاسب وتلك الامتيازات.

ولما كانت هيئة الأمم المتحدة تمثل أعضاءها من دول وأنظمة فقد بات أمر التعامل مع الشعوب والحركات وعموم البشرية على أساس من هذا التمثيل الرسمي الممثل بهؤلاء الأعضاء من دول وأنظمة، ووفق الأنظمة والآليات التي أشرنا إليها.

وفي إطار إصلاح هذه المنظمة، بما يتماشى وظروف تطور الظروف السياسية الدولية، وبما يخص صلاحياتها ومسؤولياتها وآلياتها، كان هناك الكثير من المحاولات التي لم تنته إلى نتيجة لأسباب كثيرة. ولعل عدم رغبة هذا العضو أو ذاك من الأعضاء الدائميين في مجلس الأمن وعدم استعدادهم للتنازل عن امتيازاتهم في آلية صنع القرارات أو ديمومة العضوية فيه، أو عدم رغبتهم مشاركة آخرين هذه الامتيازات ما شكل أهم هذه الأسباب.

وتماشياً مع هذا الواقع فقد تشكلت على مستوى خارطة العلاقات الدولية مراكز وأتباع، شكل الأعضاء الدائمون محاور هذه المراكز وبقية دول العالم أتباعها. بتعبير آخر، راحت دول العالم تبحث عن مظلة لها من هذه المظلات الخمس. ففي ازمة الحرب الباردة كانت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وإلى حد ما فرنسا، تشكل مظلة الدول السائرة في الركب الرأسمالي سواء في أنظمتها السياسية أو الاقتصادية أو على مستوى علاقات رموز بنيتها الفوقية. أما الدول التي لم تكن على هذا الدرب فقد وجدت في الاتحاد السوفيتي، على وجه الخصوص، والصين مظلتها التي تحتمي بها. ولم تخلو تلك التبعيات من أثمان، لا سيما للأتباع، أو العائدات بالنسبة للمراكز.

وكانت حالة التبعية بالنسبة للدول والأنظمة العربية قد إنظوت تحت هاتين المظلتين وبدرجات مختلفة. وقد حصل أحياناً أن حاول هذا النظام أو ذاك التعامل على أساس سيادي أو حتى التلاعب بين هاتين المجموعتين. إن هذه التبعية انعكست على طبيعة مواقف الدول والأنظمة العربية أزاء الأحداث الدولية، لا بل وقضايانا العربية وبالدرجة الأساس القضية الفلسطينية.

ومع توقيع اتفاقيات “كامب ديفيد” وانتهاء الحرب الباردة وانهيار المعسكر الاشتراكي لاحقاً و”انتصار” المعسكر الرأسمالي ودوله ومنها دولة “اسرائيل” تشكلت خارطة جديدة للعلاقات الدولية، هيمنت دول المعسكر الغربي على مقدراتها بدرجة كبيرة، الأمر الذي انعكس على مواقف الدول والأنظمة العربية تجاه القضايا الدولية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

إزاء هذه التطورات الدولية وما تمخضت عند مؤتمرات مدريد وأوسلو وغيرها وانتهاءً بخارطة الطريق وما صاحبها من ترتيبات على مستوى القيادات الفلسطينية وفلسفتها الوطنية وما حل بروح المقاومة وأشكالها، وبروز التيار الأقوى في المقاومة الوطنية “حماس” ونجاحها بالانتخابات الوطنية وتشكيلها للحكومة وما ترتب على ذلك من صيغ وأشكال التعامل مع هذه الحكومة وحصارها، سواء على مستوى دولة “اسرائيل” أو السلطة الفلسطينية أو على المستويين العربي والدولي، انتهى الحال إلى انفصام وخلاف وتناحر لم يعد بالامكان تجنبه أو اغفاله أو التعايش معه. فكانت كارثة الاقتتال الوطني وابتدأت مأساة غزة…

الأمم المتحدة تتعامل مع السلطة الفلسطينية الشرعية، والنظام العربي يرى في هذه السلطة الأمن والأمان والسلام، و”اسرائيل” تماطل مع هذه السلطة وتريدها طروادة حصان!

جامعة الدول العربية لا تريد الاجتماع، ووفدها إلى مجلس الأمن يقوده عباس عدو حماس، ومصر الشريك لا تريد مخالفة الإتفاقات والمعاهدات. الدول العربية غير قادرة أو راغبة في الدخول في اقتتال. جيوشها لحماية الأنظمة والمال، وأمنها هو غاية المنال. شعوبها تنفس عن غضبها ويأسها في صراخ وهتافات، وزيارات الوفود وتقديم المقترحات ليست سوى ذراً للرماد في عيون الضعفاء والأغبياء.

إن غزة الجريحة السجينة ضحية لنظامنا العربي المدجن المكون من مشايخ ودويلات هي بنظر المجتمع الدولي صاحبة العصمة ويجب أن يكون لها الولاء. ومجلس الأمن يرى في غزة تمرد على الشرعية الدولية التي لا ترى حلاً إلا بما يراه الحكماء والعقلاء!

أنهم مساكين حكامنا لا نريد نحن “الغوغائيون” لهم الراحة ولا الأمان، ونروح نهتف بسقوطهم وما درينا أنهم يتلوون بين المطرقة والسندان…لكم منا العطف والشفقة، ولن يكتب التاريخ عنكم ملاحم أبطال…!

لغزة العزة ألف سلام وسلام، صبراً آل ياسر فإن لكم الجنة، عاشت فلسطين حرة عربية، وإنه لنصر قريب بإذن الله…