أموت خجلا يا غزة

مازن كم الماز

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1770)

أموت خجلا من دمائكم يا أطفال غزة، اليوم وأنتم تقتلون كالخراف، كالجراد، بذات السهولة وبذات الفجور، وعندما يقف عالم بأكمله يتفرج على قاتلكم ويبتسم مباشرة في عينيه الفاجرتين ويغض النظر عن دمكم الذي يصبغ كل المشهد من الشجاعية إلى رفح.

هذا هو زمن الفجور. هذا زمن النفاق عندما تستطيع كل الأنظمة والقوى التي تدوس علينا أن تجند من تشاء من أزلام وأقلام، من أنصاف أو أشباه بشر ينضحون قذارة لا توحي بها ملابسهم الأنيقة ولغتهم المهذبة ليقولوا أن موتكم، موتنا، جوعكم، جوعنا، لا معنى له، لا قيمة له أمام قدسية آلهتهم، أربابهم، ليبرروا ويفتوا وينظروا لموت طفولتكم في هذا الزمن الفاجر في هذا العالم الفاجر.

أنا ألعن كل هؤلاء الأرباب، ربا ربا، كل أرباب هذا العالم الفاجر، كل من يحول دمنا إلى سلعة، إلى سيارات فارهة و قصور وعسس وسجون وجوقات من المادحين الفاجرين.

أعرف يا غزة أن الإنسان هو الضحية الأولى لكل ما هو كبير وهام في عالمهم الفاجر، أن الفقراء هم الضحية الأولى، بل والوحيدة، للحروب، كما أنهم الضحية الأولى، بل والوحيدة، لسلامهم أو ما يسمونه بالسلام.

أعرف أننا أول من يموت، أعرف أنه من دمنا وجوعنا وعرينا وموتنا تستمد الآلهة، كل آلهة هذا العالم الفاجر، قوتها وأهميتها وقداستها. هكذا يثبت اليوم من جديد أن قصورهم أقدس من دمائكم. أن هذه الحفنة ممن يستبيحون كل شيء في عالم الصغار في عالم الفقراء هم آلهة لا جدال في ذلك، وأننا مجرد عبيد، موتى، جوعى، “شهداء”، محاصرين، ملعونين وكفى. حتى موتنا يريدون أن يمر دون أن يشاغب على من يقسم كل من يكتب اليوم أنه مخول، من السماء ومن كل شرائع الأرض ومجلس الأمن وإعلانات حقوق الآلهة التي نحن عبيدها، بقتلنا أو ببيع دمنا لمن يشاء، أن ما شاؤوا كان وما شئنا لم يكن، أنه لا إنسان إلا ما سموه إنسانا، أنه لا دم إلا ما سموه دما، أننا إذا كنا بشر فهذا لأنهم شاؤوا ذلك وهذا فضل منهم ومنة، وإذا شاؤوا أننا لا نساوي شيئا فهذا فضل منهم أيضا ومنة. هم يملكون ويأمرون ولا يملك أحد إلا ما تفضلوا به عليه حتى حياته وحتى أطفاله أو لقمة خبزه.

اليوم يا غزة يثبتون من جديد أنهم آلهة على جسدك، يهللون جميعهم للفاشستي وهو يغرس سكينه في قلوب أطفالك، يهللون للعهر الذي يسمونه عالما قديما وجديدا وبعد حداثي، كان وما يزال يتغذى على دماء الأطفال وجوع الفقراء.

يا غزة، اجتمعت كل آلهة الأرض على ذبحك، على أولوية قصورهم في مقابل دماء أطفالك، على أولوية أمجادهم على نصف ومليون فقير يؤكد الجميع أنهم، مثلي، مثلنا، عبيد وليسوا من جنس الآلهة، النظام المصري، بوش، أوباما، ساركوزي، النظام السوري، السعودي، السلطة الفلسطينية، النظام الإيراني، القطري، الكويتي، بوتين، رجال كل الأديان، العلمانيون من كل أديان عبادة السلطة والتضحية بالإنسان على مذبح السلطة – الإله، شيوخ وأمراء وملوك من كل الأجناس والأطوال والأشكال.

أنا اليوم يا غزة لست مؤمناً ولا علمانياً، أنا لست منهم يا غزة، ولا أستطيع أن أكون، فأنا مثلك فقير منبوذ ملعون بلا اسم ولا حق ولا هوية في عالمهم الفاجر.

أنا اليوم لا أؤمن بأي شيء، أنا أؤمن بكِ فقط.

أؤمن بأطفالك فقط، أنا الذي يقف على طوابير الخبز، تماما مثل من تبقى حياً فيك.

أنا من لا يملك لأطفاله إلا كسرة الخبز التي بالكاد تبقينا على قيد الحياة، تماما كمن بقي من أطفالك، أنا من يغسل سياراتهم الفارهة وقصورهم ويصفق لهم بالروح وبالدم.

أنا من يدوسون عليه، كل أرباب الأرض، كما داسوا ويدوسون عليك، لا أؤمن بسواك. يا رائحة أمي وأنين أطفالي وطعم الخبز في فم الجوعى، كفرت بكل هذا العالم، بكل الأرباب، كفرت بكل هذا العهر واخترت اليوم أن أبكيك بخجل، أن أبصق على شرفهم المزعوم وعلى كل خطاباتهم وكل شعاراتهم وفلسفاتهم وكل مبادئهم وأديانهم وآلهتهم.

أنا اليوم المنفي في وطنه، أنا الميت الحي في عالم ينوخ بثقله على أجسادنا وجثث أطفالك، أنا اليوم غزاوي وكفى……………