أشباه اليسار وشهوة القتل عند النازيين الجدد!

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد1773)

ايام زمان، ايام كان اليسار العراقي والعربي، يبجل التضحية بالغالي والنفيس على الصعيد الفردي والجماعي في مواجهة الظلم والاستغلال الطبقي وفي مواجهة استبداد وغطرسة واجرام الانظمة الرجعية والتابعة او مواجهة المحتلين والغزاة ثم مواجهة الصهاينة واطماعهم وارهابهم، ايامها لم تكن طلائع اليسار قد ركبت بعد موجة المهادنة مع اعداء الامس من رجعيين وتابعين وطفيليين وبيروقراطيين وامبرياليين ومحتلين وصهاينة، ولو كان الامر هدنة لهان الامرعلى العبد المهان لكن القضية ابعد من هدنة انه خضوع لارادة الاقوى، فالرجعية اليوم معتدلة والامبريالية يمكن ان تخدم الشعوب المستضعفة بل يمكن ان تلتقي مصالحها مع مصالح الشعوب!

الموقع الجديد الذي اختاره لنفسه هذا اليسار له ثقافة جديدة وله اخلاقيات جديدة جعلته، يبتعد عن المواجهات.جعلته يقف متفرجا على الاحداث ثم يقرر من اي مدخل يدخل للمنتصر ليحافظ على مجرد وجوده حتى لو كان هذا الوجود كتلة هامدة، ولم يكن مستغربا ان ينقلب نفس منظرو اليسار ايام زمان الى منظري اليسار المتهافت اليوم، فالحجة والذريعة مطاطة وجاهزة للاستخدام، انها مقولات التجديد الماركسي والتطوير الذي يناسب المتغيرات، نعم لم تكن الحياة يوما واحدا دون متغيرات هكذا يعلمنا الجدل الماركسي، ولكن هل المتغيرات تجعلنا ننسف اسس تميزنا عن الاخرين؟ وان حصل هذا الا يمكن ان يحتوينا من ينظر للاشتراكية الديمقراطية او ينظر لليبرالية الجديدة؟ الا يعني هذا نسف لجوهر الفكر الماركسي نفسه؟

هذا ما حصل فعلا مع اغلب قوالب اليسار الرسمي العراقي والعربي الحالي، فالذيلية طاغية على معظم تنظيمات اليسار المصري للنظام المتعفن والتبعي فيها، واليسار الرسمي الفلسطيني منقسم بين ذيليين حد الانماج بطفيلية السلطة الفلسطينية كما في فصائل ـ حزب فدا والنضال الشعبي ـ ووسطية تحاول تحقيق ذاتها بابتداع ما يحافظ على تميزها وقدرتها على التاثير وكسب احترام شعبها بنظافة الموقف واليد كما في فصائل الجبهة الشعبية والديمقراطية. اليسار الرسمي السوري ايضا منقسم وبنفس الطريقة الاردني كذلك، اما اللبناني فهو قد نجح بحدود معقولة لمواجهة الانحدار العام المسبب باختلال موازين القوى نتيجة ارتدادات مرحلة انهيار القطب السوفياتي والانفراد الامبريالي الامريكي بالعالم، بموازنته المحلية والاقليمية بين مقاومة الطائفية ومقاومة المشاريع الامريكية الصهيونية، ويبدو ان التجدد الدائم في قيادات هذا اليسار وانفتاحه النخبوي والشعبي قد عودنا على المبادرات والتميز بها، لا ننسى ان هذا اليسار كان مقداما بالتعبئة القتالية والاستشهادية ضد الصهاينة والتي جعلتهم في مقدمة الصفوف لا يخشونهم ولا يقابلونهم بالتخاتل او وضع الراس بالرمل!

اما محنة اليسار العراقي فهي محنة المحن وما مرت على احدا من المذكورين!

“الشيوعية اقوى من الموت واعلى من اعواد المشانق ” فهد وهو يتقدم للمشنقة بتحدي اكسبه بطولة ما زالت محط اجلال الوطنيين العراقيين!

لم يكن محمد مهدي الجواهري شيوعيا كان وطنيا يساريا، كتب عن فهد قائلا :

” سلام على جاعلين الحتوف جسرا الى الموكب العابر

سلام على مثقل بالحديد ويمشي كما القائد الظافر

كأن القيود على معصمية مفاتيح مستقبل زاهر

سلام على نبعة الصامدين تعالت على المعول الكاسر… “

حازم وصارم رفيقاه في الزنزانة وقد حكم عليهما بالشنق ايضا، وكان لحازم اقارب في السلطة توسطوا له بايقاف اعدامه لو انه فقط يعلن عدم مواصلته نفس الطريق ان افرج عنه لكنه رفض وبقوة حتى انه كان يخشى الاستثناء من حكم الشنق ليلة تنفيذه، نوري السعيد كان اذكى من ان يبطش وهكذا ودون عوائد او حسابات، حتى ان مكرم الطالباني وكان وقتها احد محامي المجموعة حاول ان يطالب فهد بتخفيف حدة اقواله في المحكمة لان ذلك سيخفف الحكم عنه ويفوت الفرصة على بهجت العطية الذي كان قد اعد مسبقا حبل المشنقة فلم يستجب فهد وواصل تحديه البطولي مما جعل الامر منتهيا!

سلام عادل، عذبوه عذاب الحسين، قلعوا اظفاره، بقوا عيونه، تفننوا باهانته، كانوا يطالبونه فقط ان يخرج على التلفزيون ويقول انه يقر بان الحزب كان هو المسؤول عن انحرافات قاسم وان الحزب كان يتلقى اوامر من الخارج. لم يفعل وفي داخله كان يقول هيهات منا الذلة، لقد فعلها كيانوري في ايران وقبله فعلها عزيز الحاج، وحافظوا على حياتهم حتى هذه اللحظة لكنهم فقدوا احترام الناس وخانوا احزابهم وبالتالي ساهموا باضمحلالها. المفارقة اليوم ان تكون مواقف الحزب الذي يدعي الانتساب الى فهد وسلام عادل هي ذاتها مواقف عزيز الحاج، طبعا لان مواقف الاخير ايضا عانت من التطور والتجديد على طريقة ماركسية “البقاء للاصلح”!

يمكن ان يقول قائل : هذا انتحار، هذه مواقف عدمية، هذا منطق رومانسي ان يتحمل الانسان كل هذا العذاب من اجل مفاهيم وهمية، الكرامة، الشرف،المباديء، الرسالة الرمزية، التحدي!

يمكن ان يقول اخر هذا غباء وهناك اغبياء كثر قد انهوا حياتهم وهم يعتقدون بانهم يقومون بعمل جبار، التنازل من اجل مواصلة الحياة حتى ولو بخضوع هو اكثر عقلانية وواقعية وبرغماتية من اندفاعات وراء هرطقات روحية وسراب عدمي!

لكن واقع الحال يثبت ان هؤلاء لم يكونوا اغبياء ولا عدميين فالناس تستلهم من مواقفهم العزائم، وعلى قدر اهل العزم تاتي العزائم!

المشكلة في ان قيادة الحزب الشيوعي العراقي تشعر بانها محاصرة بين الانتماء لتاريخ مجيد من الشهادة بالاختيار وهي غير الشهادة العفوية او غير المقصودة ـ اي ان يكون صاحبها ضحية لم تتوفر لها خيارات اخرى، او اخرين يغامرون وهم يتهربون من مواجهة الموت لكنه يصطادهم رغما عنهم ـ وبين اخلاقيات تبثها ثقافتهم الجديدة التي تدعو الى السير مع التيار والبحث عن حصة فيه ولا باس من معاتبته على فضائحه وجرائمه لكن بدون استفزازات قد تؤدي للتضحيات!

المشكلة انهم ينظرون للابادة والقتل والوحشية والبربرية الاحتلالية والصهيونية على انها نتيجة حتمية لعدم إتعاظ القوى الرافضة للخضوع من مغبات رفضها ومواجهاتها ومقاوماتها.، فهكذا كان الموقف عندما ضربت بغداد بالقنابل الذكية والغبية، وعندما انتشر اشعاع اليورانيوم المنضب الخارق الحارق في المباني والاجساد والمياه والتراب، وعندما حصل ما حصل في ابو غريب واذكر هنا ان احد الوعاظ من مدعي الماركسية على الطريقة العراقية قد قال بمرح معلقا على صور ابو غريب قائلا : ماذا يتوقعون هؤلاء ان توزع امريكا عليهم الشوكلاتة مثلا؟ فالح عبد الجبار، اما كنعان مكية فقد علق على قصف بغداد بقوله : اروع سمفونية اسمعها هي موسقى هذه القنابل التي ستطهر بغداد!

واليوم هكذا يريدوننا ان نقتنع بان جرائم اسرائيل في غزة ما كان لها ان تحدث لولا مقاومة حماس ولولا عدم انصياعها لمشروع التسوية!

الواقع يقول انها ليست حماس وحدها في الميدان بل بالعكس انه كلما صمدت حماس كلما ازداد انحياز الفصائل الاخرى الى جانبها، حماس ليست وحدها معها جبهة جورج حبش وابوعلي مصطفى واحمد سعادات معها نايف حواتمة ومعها يسار فتح الاصيل ومعها احمد جبريل ومعها رجال المقاومة الشعبية من المستقلين، من مع عباس، غير السراق والمتخاذلين من احمد دحلان الى ياسر عبد ربة وسمير غوشة ومن لف لفهم؟

الاتجاه الاسلامي تلقف الفكرة من اليسار الاصيل فاحتل المواقع المتقدمة، تلقف فكرة البطولة القيادية الاستشهادية فكرة التضحية بالحياة من اجل النصر المعنوي الذي سياتي نصفه الاخر حتما ـ نصفه المادي ـ احمد ياسين قائد، الرنتيسي قائد، المدهش انهم بالمئات، على طريق البطولة في الدفاع عن حقوق الشعوب كما فعل جيفارا وكما فعلت سناء محيدلي وكما فعل وديع حداد وكما فعلت ليلى المغربي وكما فعل سمير القنطار يضاف الى البطولة نظافة القلب واليد، وهذا ما تفتقده مثلا السلطة الفلسطينية ويسارها ومن على شاكلته من يسار العرب والعراقيين!

تلقف فكرة الحلول الجذرية للمشاكل الاجتماعية الاقتصادية السياسية وليس الارتهان للحلول التميعية والتبعية!

نشرت مواطنة اسرائيلية ” نعيمكا تسيون ” رسالة معبرة رفضت الصحف الاسرائيلية نشرها مما اضطرها الى تسريبها للصحف الاجنبية وتقول في مقطع منها : “اشعر بالاشمئزاز والخوف من تصريحات وزير البنى التحتية بنيامين بن اليعازر لاذاعة الجيش الاسرائيلي والتي اكد فيها ان فؤاده ينشرح ويبتهج كلما ازداد وزن الضربة النازلة على راس غزة.. “!