الخيانة العظمى.. ومحاكمة الرؤوساء

المحامي عبدالله سليمان علي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد1773)

بعد موجة الاتهامات الصريحة والعلنية التي تعرض لها رئيس دولة عربية كبرى من أطراف رسمية و شعبية بالتواطؤ والخذلان في الحرب التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على أرض غزة الفلسطينية، وأهم هذه الاتهامات التورط في قرار شن الحرب والتحريض عليها والمشاركة في الحصار ومنع وصول الإمدادات إلى شعب غزة ورجال مقاومتها. فقد أردنا أن نقتنص هذه الفرصة النادرة كي نسلط الأضواء القانونية على موضوع قلما يتم التطرق إليه في عالمنا العربي وهو موضوع الخيانة العظمى. وذلك لتحديد مفهوم هذه الجريمة وتبيان الآثار التي تترتب على ارتكابها وإجراءات محاكمة ومعاقبة من يثبت أنه قام بها.

تنص أغلب الدساتير العربية على جريمة الخيانة العظمى وبعض هذه الدساتير تجعل من الخيانة العظمى الجرم الوحيد الذي يؤدي ارتكابه إلى محاكمة رئيس الدولة ومعاقبته.
ورغم وجود النصوص المتعلقة بالخيانة العظمى في أغلب الدساتير العربية وقوانينها، إلا أنه يلاحظ انعدام الاهتمام الفقهي والقضائي بهذه النصوص سواء من حيث دراستها وتفسيرها أو من حيث تطبيقها وتنفيذها.

لذلك سوف نأخذ على عاتقنا محاولة الإسهام في بحث هذا الموضوع وتوضيح الجوانب المتعلقة به.

في البدء من المتفق عليه أن ثمة فارق بين جرم الخيانة العادية التي يرتكبها المواطن والمنصوص عليها في قوانين العقوبات، وبين جرم الخيانة العظمى المرتكب من قبل رئيس الدولة والمنصوص عليه في الدستور. وإلا كانت إضافة وصف “العظمى” على خيانة الرئيس من قبيل العبث الذي ينزه واضع الدستور عن مثله.

والفرق الأساسي في اعتقادنا أن الخيانة العادية مقصورة على المساس بأمن الدولة الخارجي فقط وهي تشمل جرائم واعتداءات محددة بشكل حصري في نصوص قانون العقوبات مثل جريمة حمل السلاح ودس الدسائس لدى دولة أجنبية لدفعها إلى مباشرة العدوان على الدولة التي ينتمي إليها الفاعل أو على دولة حليفة أو صديقة لها ودس الدسائس لدى العدو لمساعدته على فوز قواته وغيرها.

أما الخيانة العظمى فإن مفهومها أوسع من ذلك ويشمل المساس بأمن الدولة الخارجي والداخلي وكذلك ـ وهنا بيت القصيد ـ المساس أو الإضرار بمركز الدولة السياسي.

وبالتالي فإن جرم الخيانة العظمى يتوفر إذا ارتكب الرئيس إحدى الجرائم الماسة بأمن الدولة الخارجي والتي ذكرنا بعضها أعلاه، أو الداخلي مثل جرائم التجسس وإفشاء الأسرار، أو ارتكب أفعالاً من شأنها الإضرار بالمركز السياسي لدولته سواء كان هذا المركز على المستوى الإقليمي أو الدولي.

ولكن تجدر الإشارة إلى أنه حتى في حالة ارتكاب فعل الخيانة العظمى وثبوت ارتكابه، فإن ملاحقة مرتكبه أمام القضاء يتسم بصعوبة تقارب المستحيل. لأن الدستور المصري مثلاً في المادة 85 منه اشترط لتوجيه الاتهام إلى الرئيس بجرم الخيانة أن يكون بناء على اقتراح مقدم من ثلث أعضاء مجلس الشعب على الأقل، ولا يصدر قرار الاتهام إلاّ بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس.

وبالتالي فإن موضوع الخيانة العظمى يغلب عليه الطابع السياسي أكثر مما من الطابع الجزائي.
وليس هذا وحسب ما يؤدي إلى تغييب جريمة الخيانة العظمى وعدم ملاحقتها، فهناك أمر آخر لا يقل أهمية وهو التغيير الحاصل في مفهوم الولاء للوطن والأمة، فلم يعد لهذا الولاء نفس المضمون الذي كان عليه ولا نفس هالة التقديس التي كانت تحيط به خاصة في بعض الأنظمة التي ركبت موجة الحكمة المفاجئة والاعتدال العليل. فالولاء هناك ليس للجغرافيا ولا الدم وإنما للارتباطات السياسية التي تشكل ركيزة وجودها أو استمرار وجودها. ونتيجة ذلك أن الكثير من الأفعال التي كان ينظر إليها على أنها تدخل في نطاق المساس بروابط الولاء للوطن والأمة لم تعد كذلك في الوقت الحالي.

وهذا ما يدفعنا إلى القول أن الاتهام بالخيانة العظمى أصبح غير واقعي وغير قابل للتطبيق رغم أنه فيما مضى كان مجرد التلميح به يكفي لوصم الشخص بعار يلاحقه مدى الحياة.
ومما يؤسف له فعلاً أن جريمة الخيانة العظمى وآليات ملاحقتها أصبحت مجمدة ومعطلة أو حتى غير موجودة عملياً وأصبحت كلمة “خائن” مثل كلمة “طفل غير شرعي” فقدت الكثير من معناها المشين.

المصدر: نشرة “كلنا شركاء” ـ سوريا