من تفكيك مفاصل الدولة القطرية إلى تقويض وجودها (الحلقة الخامسة والاخيرة)

من التنمية بالحماية الشعبية إلى حرب الشعب المدينية

عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1781)

بعد هزيمة عام 1967، لجأت القطريات العربية إلى تصالح فيما بينها. كان ذلك بعد هزيمة 1967 التي كانت هزيمة حقيقية دون حرب حقيقية ودون إرادة حقيقية للقتال أو بالنسبة لبعض الأنظمة دون جاهزية رسمية عسكرية للقتال ودون اعتماد على الشعب في القتال ايضا. لم تنتصر الدولة القطرية في حربها مع العدو لتحرير فلسطين، واضاعت بقيتها وأجزاء من قطريات أخرى. هذا وكأنها تقول لا تطالبوا بما ضاع، فكل حرب ستضيِّع أكثر، فاكتفوا بفقدان ما ضاع، وعلى الله العوضْ! وحتى قبل الهزيمة لم تحقق الدولة القطرية لا الوحدة ولا الحرية ولا الاشتراكية ولا التنمية ولا النمو، ولم تكن معنية بذلك. وهذا جعلها محط تساؤل كبير: ما معنى وجود هذه الأنظمة؟ لكن علينا الاستدراك، فهي لم تحقق اياً من هذه لأنها ضد هذه كلها.

ما الذي قررته هذه الأنظمة بعد هذه الهزائم؟ كان القرار كما يبدو:

□ التخصص في آليات حماية المصالح والسلطة

□ الانسحاب من الحرب، اية حرب مقبلة، مع الكيان الصهيوني

□ المواطن هو العدو الأوحد

□ الصهيونية والامبريالية هما الحليف[1] الطبقي والاستراتيجي في التحليل الأخير، حتى ولو (فيما يخص الصهيونية) بعد فترة انتقالية.

كان الخلاف بين الأنظمة القطرية قبل 1967 على مسألة الوحدة، أنظمة ذات توجه وحدوي وحلم مصلحي طبقي بالوحدة وهي أنظمة الأقطار التي لديها مقومات الدولة المركزية العربية وتحكمها سلطة ذات توجه قومي انتاجي، مصر بشكل خاص، وأخريات ذات توجه قطري ومرتبطة بالاستعمار مباشرة[2]. جاءت هزيمة 1967 لتكشف محدودية الدولة القطرية وخاصة فيما يتعلق بالدولة القومية التوجه، مصر الناصرية خاصة، بمعنى ان الأنظمة الأخرى محمية من الأجنبي مما حال دون قيام مصر الناصرية بدور ضم الدويلات العربية إلى الدولة المركزية بالقوة كما فعل صلاح الدين قبل تحرير القدس[3] بل إن هذا التوجه الوحدوي لمصر كدولة مركزية هو السبب الأساس وراء عدوان 1967 لإنهاء الناصرية كدولة. يجب ان نتذكر أن وصول الجيش المصري إلى اليمن لدعم الثورة في اليمن الشمالي، واقتراب مصر من منابع النفط كان وراء قرار الإمبريالية تصفية النظام الناصري. وهو الطموح الذي كلف العراق وجود دولة العراق نفسها ووصول الحقد الأميركي إلى وجوب إعدام الرئيس صدام حسين الذي حاول تبني سياسة صلاح الدين الأيوبي. وكانت هذه الهزيمة مثابة عقد التصالح بين القطريات كي لا تهاجم واحدتها الأخرى علانية على الأقل. وهو الأمر الذي تجلى في التمسك بجامعة الدول العربية من جهة، ورفع شعار التضامن العربي من جهة ثانية. والتضامن يعني علاقات جوار وليس علاقات أمة واحدة، هو نفي للبعد القومي دون إعلان ذلك. هذا هو جوهر القومية الحاكمة!. وهذا يعني اقتراب الدولة القطرية قومية التوجه من القطرية المتخارجة.[4] هل للكيان الصهيوني والامبريالية دور في هذا الخراب؟ نعم وبشكل مباشر.

لكن التضامن العربي اشتمل على معان أخرى أخطر. لقد اشتمل على مهادنة بين الأنظمة على حساب الشعب، أن لا تقتتل الأنظمة إعلامياً كي لا يفضح واحدها الآخر، طالما الجميع إما خائن أو عاجز. إذن، كل تصالح بين الأنظمة القطرية هو تآمر على وعي الشعب.

كانت هزيمة 1967 مثابة قرار، وإن لم يكن إعلان، خروج الأنظمة الرسمية من المعركة مع العدو، كما أشرت في غير موضع، وهذا ما يفسر كون حرب أكتوبر من جانب النظام على أنها مسألة (ربح وخسارة) ليس أكثر.

* * *

أما المتغير الثاني فكان تدهور الحزبية العربية، ولو تدريجياً، وتصالحها مع الأنظمة.

كيف هذا؟

حتى 1967، كان مجرد وجود اي حزب سياسي في اي قطر عربي، يعني وجود حزب مناقض للنظام القطري ويسعى لإسقاطه. هناك بعض الاستثناءات، ولكن بالعموم كانت الأحزاب التقدمية والقومية والشيوعية ضد الأنظمة تناقضياً. وكان ثمن ذلك القمع المفتوح. كانت الحزبية سرية، وحين سمحت لها القطريات بالعمل العلني، كان ذلك نزع السمكة من الماء! فلا مكان لحزبية حقيقية في مناخات لا ديمقراطية، وفي غياب المجتمع المدني وفي ظل مجتمع سياسي ما قبل راسمالي، بطريركي تابع ومتخارج. وحين فقدت قيادات الأحزاب كفاءة العمل السري والتحريض الجذري، بقيت تركض على ساق واحدة، ساق العلنية، فأي متسابقة هذه!

بعد هزيمة 1967، وبعد كامب ديفيد 1978، اتضح ان معظم الأحزاب التقليدية العربية قد عقدت مصالحات مع الأنظمة القطرية، ليخف القمع عنها ولتفلت ايدي الأنظمة على المواطنين الذين يُقمعون في الحريات، بالجوع، بالفقر، بفقدان الأمل وبالبطالة وفي النهاية ليصبح القطر بأكمله مشاعاً للمنتجات الأجنبية، بينما يتعيَّش النظام على اقتصادات التساقط. بكلمة أخرى، تدجنت الأحزاب واستفحلت السلطات وكشفت تخارجها للعلن. وخرجت صورة العربي للعالم، بعد الناصرية، ككائنات من عصر العبودية بقيت متواجدة بحكم ريع في الأرض زرعه الله واكتشفته ماكينات الأجنبي. والريع ليس إلا ماكينة تمديد الحياة life support machine. هكذا، وكأن لا شيىء اختلف عن عصر الإلتقاط!

ماذا بقي في أجندة التحالف الثلاثي، بعد خروج الأنظمة من المعركة وتحييد الأحزاب تجاه الأنظمة، وبالتالي خروجها من المعركة؟

بقيت جبهة الشعب. على هذه البوابة يدور القتال سواء في بيروت 1982، وفي الجزائر بعد الفتك بالتجربة الديمقراطية التي قربت الإسلاميين من الحكم، وقمع الإسلاميين في مصر، وتصفية اليمن الجنوبي، وإرسال المقاتلين إلى أفغانستان، والبوسنة، وتدمير العراق، ومحاولات تصفية حزب الله، ومحاولات تفكيك السودان، ومصر واحتلال الصومال، وأخيراً المذبحة على غزة.

يدور القتال هذه اللحظة كي تستدخل الطبقات الشعبية الهزيمة، بعد أن استدخلتها الأنظمة، والكثير من الحركة الحزبية العربية. وآلية الاستدخال هذه المرة هي القتل النهائي بالعيِّنة. أخذ غزة كحالة محدودة وفرم أهلها، كي يرتعب كل قومها![5]

لكن المذبحة التي تُدار ضد قطاع غزة قد اتت بمتغير جديد. فكما أشرنا في غير موضع، تخندقت الأنظمة العربية في موقع العدو العلني وتخندق الشعب العربي في موقف قومي يعتبر القضية الفلسطينية قضيته الأولى ومفتاح الوحدة العربية. جاء هذا الموقف الشعبي متأخراً قرابة عشرين عاماً، إن لم يكن أكثر. لو كانت الحزبية العربية معافاة لأدركت اين تتجه الأنظمة حتى قبل إعلان ما يسمى :”الاستقلال الفلسطيني” عام 1988. ولكن، من اين لها التقاط ذلك وهي نفسها كانت تتبع نفس النهج.

الإشكالية الحالية هي على النحو التالي:

تتحرك الطبقات الشعبية العربية كلها ضد الأنظمة تحرك احتجاج على تآمر الدولة القطرية على القضية القومية. وليس تحركاً لهدم النظام المحلي كعدو. ومشكلة التحرك لهدم النظام، وهو نظيف وبريء لكنه يفتقر إلى المفجر: الحركة الحزبية التي تختار الأهداف وتقود وتُسقط النظام القطري. بينما النظام مدجج بالتنظيم، جيوش متعددة، مدربة وجاهلة، وجاهز الرجل بالتالي لاعتقال زوجته وتسليمها للتحقيق، وقد تُغتصب كي تعترف! أو صرع ابنه في الشارع برصاصه أو رصاص قادته وسادته، وكأنه يفعل ذلك في سبيل الوطن! حالات إنكشارية في عصر غير عثماني.

أما والصورة على هذا النحو، فهي تعطي العدو الثلاثي فرصة محاولة تدمير المقاومة واجتثاثها من غزة، فالهدنة الشعبية متوفرة!

ما العمل إذن؟

حين تكون الحرب على الشعب، فلا بد أن تكون مقابلها حرب الشعب. أما حين لا يصل المواطن إلى الاقتناع ومن ثم الإدراك بأن الدولة عدوه، وأن جنديها الذي يسكن جاره هو كجندي المارينز أو فرقة جولاني الصهيونية، فهذا المواطن مجرد نعجة أو دجاجة تُذبح وهي تعتقد أن من يذبحها يحبها. إن عدم الوصول إلى العداء مع أجهزة دولة تخون الأمة هو نتاج شعور لامادي وعقل قطيعي. هذا معنى الوعي السياسي، وهذا نتاج التجهيل الهائل للمواطن منذ قرن متواصل. وهذا إلى حد ما ليس ذنب المواطن، وهو ذنبه في نفس الوقت.

كيف يمكن لمواطن يعرف أن جاره جندي تعذيب في الأقبية للمناضلين ويقيم معه حتى علاقة تحية الصباح!

كما أشرت في غير موضع، فإن التظاهرات قد استنفذ دورها ومعناها منذ التظاهر ضد الغزو الصهيوني للبنان 1982، وغزو العراق 1991، واحتله 2003، والعدوان على لبنان 2006، وغيرها.

يجب ان تكون التظاهرات للكهول من الجنسين، ولذوي الثقافة اللبرالية حاملي شموع الطيب بينما الناس في عرس الدم. ليست المظاهرات مكان الشباب والشابات قط. يمكن للشباب التبرع بالدم، بدل أن يسيل دمهم مجاناً على يد جلاوزة النظام، فدم الجلاوزة هو الذي يجب أن يسيل لأنه لا يصلح للتبرع.

إن المظاهرة هي تعبير جماهيري عن رفض المواطنين لسلوك ما او سياسة ما لدولة يعتبرون أنفسهم مواطنيها، وتعتبرهم مواطنين وتعاملهم على هذا الأساس. وكلما تضخمت المظاهرات في بلد يحترم الشعب، تستقيل الحكومة أو تسقط الدولة. لاحظوا في الدولة الصهيونية الإشكنازية يتظاهر بعض اليهود ضد الحرب، ولا يُضربون من الشرطة الفاشية، ونفس شرطة الكيان تضرب العرب الفلسطينيين المفترض أنهم مواطنون. أما شرطة الأنظمة العربية فتضرب من يتظاهر ضد الصهاينة.

إن الدولة التي قامت بتخريب قطاع واسع من المواطنين وتحويلهم إلى جواسيس لها، أو جنود حراسة لمؤسسات الأعداء، ولغيرها، وقامت بتخريب الثقافة الوطنية والقومية، فليست جديرة بأن تُمنح امتياز التظاهر ضدها، لأن التظاهر في هذا الحال هو تعبير عن رضى الناس عن النظام والضغط عليه من مدخل الثقة به. وهذا مستحيل الوجود في الوطن العربي. أما الأدهى من هذا، فهو أن تحرك الدولة تظاهرات في موقف ما وتمنع الأنفاس في موقف آخر.

إن المقصود هنا هو أن على المواطن أن يدرك بعمق أن الدولة عدوة له، وأن أجهزتها عدوة له، وان أفراد امنها أعداء له وللوطن والمستقبل. وعليه، فمن الحماقة تقديم دمه لهراواتهم.

إرباك أجهزة الأمن

يجب أن تختار المجموعات الشبابية مواقع معادية للشعب وترميها بالحجارة في المرحلة الأولى، وهذا سيدفع قوى القمع للتوجه لحمايتها، وتخصيص ورديات حراسة دائمة لها. وعلى الشباب أن يعيدوا الكرّة باستمرار دون أن يُكتشفوا ليضربوا هؤلاء الجنود ليعودوا إلى اسرهم مصابين أو مُروَّعين فيشعرون بالعار أمام إخوتهم أو أزواجهم أو أبنائهم لأنهم يحمون قواعد عدوة في البلد[6] بدمائهم والأهم بكرامتهم.

في العاصمة القُطرية الواحدة مئات السفارات والمؤسسات المخابراتية والشركات المتعاملة مع العدو وهي لدول عدوة، ولها آلاف السيارات ومحال التوزيع، ومنازل مدرائها، والأهم مهاجع قواتها او مخابراتها في (22 منطقة خضراء في الوطن العربي)، والمؤسسات الثقافية للدول العدوة التي تغري بالمال، واحياناً بالنساء (النخاسة البيضاء في عصر الإعلام الداكن).

حينما تضطر الدولة القطرية لتسخير ما لا يقل عن دزينتين من الجنود كورديات لحراسة كل موقع من هذه، وبشكل دائم، فهي لا شك سوف تتعرض للإرهاق والتعب النفسي، وحتى بعض أفرادها قد يبدأوا بفهم اية مهمة قذرة يقومون بها.

يقود هذا الإرباك إلى خلخلة الخطط اليومية لحماية النظام، وإلى التساؤل عن معنى التعبئة السياسية المعادية للشعب التي تعلمها أفراد هذه الأجهزة سواء من المخابرات الأميركية مباشرة أو من مخابرات بلادهم المتتلمذة على يد المخابرات الأميركية، وغيرها من الغربية ويتساءل: ولكن لماذا لا يطرد الحاكم سفارة الكيان أو أميركا أو بريطانيا او حتى بغاث الطير من الأوروبيين مثل تشيكيا؟ لماذا يقدم الحكام العرب مبادرة عربية للتصالح مع عدو تتضمخ اياديه حتى في دارفور وفي الصومال؟

لماذا لا تتم بعد خلخلة الراحة اليومية لقوى القمع ومطاردة دورياتهم وسياراتهم بدقة ودون التعرض للإصابات ليرهقوا ويتوزعوا على الشوارع وتقاطعات الطرق، وليضطروا للاعتداء على المواطنين نظراً لقلقهم النفسي وشعورهم أن كل مواطن عدو حين يرمقهم في الشارع وقد يرميهم بحجر أو عصا.

لماذا لا تتم في المدارس مقاطعة ابناء الجلاوزة لكي يضغطوا على آبائهم وأمهاتهم من الشرطيات ولكي يضطروا لعدم الذهاب إلى المدارس حيث زملائهم يقاطعونهم.

ولماذا لا تُقاطع اسر هؤلاء القتلة. نعم قتلة، وفي سبيل من؟ في سبيل الصهيونية والإمبريالية وحكام مفروضين على الأمة.

لماذا لا تقوم مواقع الإنترنيت بترويج ثقافة رفض هذه الأنظمة وجلاوزتها وجنودها الذين لم يقاتلوا إلا الشعب، ترويج ثقافة المقاومة المدينية وصولا إلى حرب المدن والأرياف، حرب الشعب باسره. والإنترنيت آلية جديدة للتواصل مع الشباب والشابات الذين نتهمهم بالعدمية. لماذا لا نُخضع الإنترنيت لقانون خلق الشيىء لنقيضه، فقد أنتجوا هذا المخترع ليقوم من بين ما يقوم به بإحصاء انفاس الناس، فلنستخدمه في توعيتهم ثورياً.

يمكن أن تكون الخطوة الثانية هي الإضراب العام التكتيكي والتجريبي وصولا إلى العصيان المدني سواء في عدم دفع الضرائب، أو البقاء في المنازل أو عدم الذهاب إلى الأعمال والوظائف اي شل كافة المرافق.

يمكن لهذه كلها أن تبدأ لفترة تجريبية معينة، وأن تبدأ بشكل عفوي لغياب حركة سياسية تتبناها وتخطط لها. ويمكن للجيل الشاب نفسه أن يبلور قيادة ميدانية لهذه الأنشطة، وأن يمارسها بشكل غير منتظم، اي انفجار موسع ثم توقف كامل ومفاجىء، ثم عودة لهذا وذاك أو هذا وذاك فهذا إرباك للعدو وتدريب للذات، وعندها سوف يُبدع هؤلاء وسائل أخرى للاستمرار والنصر.

نعم، يمكن أن يكون ذلك بين الفينة والفينة. أما قوى أمن القطريات، فتضطر للانشغال المتواصل لأنها لا تعرف متى ستُضرب هي والأهداف الأخرى.

هذه الحرب المدينية، وربما الريفية إن أمكن سوف ترهق النظام من أسفله إلى أعلاه، وسوف تطرح عليه تحديات، إما أن يقترب من المزاج الشعبي، وإما أن يتفكك تدريجياً، وخلال تفككه سوف يضرب ذات اليمين وذات الشمال باذرعه الفاشية، وهذا يقرب نهايته.

الحركة الحزبية

ربما لا توجد نماذج حزبية لأداء هذه المهة في الوطن العربي، وربما يعتبر نموذج حزب الله تركيبة مسلحة تحسم الأمور بشكل اسرع وأقوى. ولكن حين لا توجد، فإن العمل الميداني سوف يوجدها. سوف يشعر الشباب بالفخر والثقة، وسيتقاطع معهم كثيرون من شباب القوى المنظمة، وبالتالي يبدأ التبلور.

بيت القصيد هو: طالما أن إيديولوجيا النظام وقوى الأنجزة والأحزاب الخائنة وقياداتها، قد نجحت في قبول الشعب لهذه الأنظمة، فإن المطلوب اليوم هو وقوف الشعب والنظام على طرفي نقيض، تماماً كما هو في غزة مع العدو الصهيوني. لا فرق قط، بل المحلي أخطر لأنه يعمل في خدمة الصهيوني.

يجب ان يفهم الشباب ان كل جندي أو شرطي يخدم هذه الأنظمة هو صهيوني، وليس عليه صعب إدراك ذلك.

يجب استنزاف العدو تماماً دون استنزاف الذات. يجب أن لا يُصاب الشباب، فالبطولة ليست في الموت المجاني كما عودتنا قيادات كثيرة في الصراع مع الصهيوني، إن البطولة في السلامة وإيذاء العدو. على الشباب أن لا يتصرفوا كمتحمسين بل كقادة صغار حذرين ومخططين. يجب أن يخلعوا من اذهانهم أن ارواحهم رخيصة، أن يخلعوا نظرية القيادات المهزومة والمتواطئة في كثير من فصائل المقاومة التي تعودت فقط أن تتفاخر بعدد ضحايا كل تنظيم! يجب ان تسقط نظرية الذهاب إلى الشهادة مجاناً، ومن أجل من؟ من أجل أن يقتلك عميلل.

يجب أن ينتج عن الاشتباك المديني قناعات لدى أجهزة الدولة بأن الحاكم ليس سوى شخصا عادياً وأقل، وأنه لا يستحق هذه التضحية من أجله. هو في الحكم بالقوة والخداع، وهو ربما غبي! هناك حكام عرب لا يتقنون القراءة والكتابة ولا حتى النطق السليم. هل يستحق هذا ان يحكم الناس ويُقال فخامته، جلالته، صاحب الجلالة، صاحب العظمة…الخ. لو كان أتى بانتخابات، لكان سيذهب وربما لا نحتاج لخلعه بالقوة إلا حينما نصل مرحلة تغيير التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية برمتها.

وبعد،

تنتهي هذه الحلقات بعد انتهاء القمم العربية. بعد أن حاولت الأنظمة المجندة لصالح العدو مخادعة الجماهير من المحيط إلى الخليج. لكن مقررات قمة الكويت عجزت عن تغطية دور هذه الأنظمة واصطفافها ضد الأمة.

انتهت المجزرة الحالية في غزة، وقد تنفجر هناك أو في اي قطر عربي آخر مجزرة غدا أو بعد غد. سوف تنفجر. فكما كان العدو الصهيوني قد حسم أمره منذ بدء الحركة الصهيونية، فإن كثيرا من الأنظمة العربية قد تصهينت وحسمت موقفها. ولا رجعة لها عن ما آلت آليه.

وبدورها، فإن أنظمة المركز الإمبريالي كانت قد حسمت موقفها منذ بداية تكوُّن النظام الراسمالي العالمي، وتبعتها الأنظمة التي التحقت بها. بدأت أوروبا الغربية ولا سيما بريطانيا وفرنسا ولحقتها ألمانيا إيطاليا وهولندا وبلجيكا…الخ وحيث تأخرت إسبانيا، إلا أنها انخرطت في الخطة الجهنمية، ولاحقا دول شرق أوروبا وخاصة تشيكيا. أما الولايات المتحدة فكانت المتعهد الأكبر لدعم الكيان ولا تزال.

لقد خلق هؤلاء الكيان ليحموه ويبقى. وليس هناك أدل من تاييدهم له في المجزرة الأخيرة وتسليحه بأشنع أنواع الأسلحة. إن هذه الأنظمة تقول لنا، سوف نفنيكم جميعاً إن لم تستسلموا.

من هنا، فإن ضرب مفاصل الأنظمة التي تفتح ابوابها لهذه الأنظمة سواء على شكل سفارات أو قنصليات أو مراكز (مستعمرات) ثقافية أو شركات أو ملحقيات تجارية…الخ هو أمر ضروري.

وهذا يفترض ويشترط بدقة التفريق بين الرعايا من هذه البلدان وبين المراكز والمصالح التجارية والرسمية. وحتى لو كان المواطن موظفاً في هذه الأماكن، فهو ليس هدفاً إطلاقاً.

إن قوة التفريق بين المواطن، بين الإنسان وبين النظام الرسمي هي قوة نضال واعٍ يجب الارتقاء بها عن ممارسة الإرهاب الذي قاموا به ضد الأبرياء من شعبنا ومن أمم العالم. وإذا كان لا بد من العين بالعين، فهي عين المواطن العربي بعين النظام المعادي وليس عين المواطن البريىء.


[1] هذا ما عالجته في مقال سابق بشان الظروف والقرار المشترك بين الدولة القطرية والكيان.

[2] انظر عادل سمارة، دفاعاً عن دولة الوحدة، إفلاس الدولة القطرية، طبعتي 2003 و 2004 مصدر سبق ذكره.

[3] يطلق مؤرخو العصر الحديث على ظاهرة قيام الدولة القطرية المركزية بضم الدويلات القطرية تسمية البسماركية، نسبة إلى بسمارك الذي وحد ألمانيا بالقوة تحت راية بروسيا. وهذا صحيح، لكن الأمم الأوروبية، وهي أمم جديدة مقارنة بالأمم القديمة التي تواصل وجودها في التاريخ، كالأمة العربية والفارسية ليست الأولى في التاريخ التي طبقت الوحدة بالقوة وباتالي فرضت المركزانية ألاوروبية علينا حتى مصطلحاتها. لا نريد العودة لما قبل صلاح الدين الأيوبي، ولكن تجربته في توحيد الإمارات العربية آنذاك تحت لوائه، ولا سيما منها التي كانت قد عقدت معاهدات مع الفرنجة، وطعنت بعضها بعضاً من الخلف هي نموذج على القطريات الحالية، وبتوحيدها بالقوة أو اضطرارها لذلك تمكن صلاح الدين من تحرير القدس. قد يكون طموح المتنبي نفسه كشاعر في إمارة هو طموح لتوحيد مصر والشام آنذاك.

[4] المقصود بالتخارج هنا وجود توجه وقرار وقناعة بالارتباط بالخارج بعيدا عن الواقع المحلي (القومي). وعليه، يتصرف النظام أو السياسي أو المثقف وكأنه لا ينتمي الى مجتمعه حيث تكون اطروحاته السياسية وعلاقاته مرتبطه بالاجنبي، او بخارج بلاده.

[5] يقول الرواة العرب أن عنترة العبسي كان مثابة عالم نفس مقاتل. كان ينقض على أضعف الفرسان فيصرعه سريعاً مما يُرهب الفرسان الحقييين، فيكونوا جاهزين للهزيمة. لكن غزة لم تكن فارساً ضعيفاً، فقد اثبتت أن الفارس الضعيف هو الدولة القُطرية بأنظمتها وبجيوشها التي احترفت القمع: من قمع المرأة في البيت إلى قمع المناضلين والمحتجين في الشوارع.

[6] كان الشاويش ابو أنور يعاملني في سجن رام الله عام 1963 بكل القسوة الممكنة؛حيث كان ولدان من أولاده في صفّي في المدرسة وكنت معتقلاً بعد إصابتي برصاصة في مظاهرات الوحدة الثلاثية بين مصر والعراق سوريا. كان يخشى أن يفعل أولاده ما فعلنا. كان في المعتقل آنذاك صحفي، التصقت به في رغبة أن اتعلم، وحين عرف أبو أنور وضعني في زنزانة.