انتفاضة غيتو غزّة

جوزيف مسعد*

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1782)

يستغرب المرء تناقضات العلاقات الدولية والتحالفات التي تتمخّض عنها في بعض الأحيان. تمثّل المستعمرة الاستيطانية الإسرائيلية مثالاً على ذلك. فهي، منذ قيامها، أعلنت الحرب على الشعب الفلسطيني ودول عربية عدة، بينما كانت تبني تحالفات مع أنظمة عربية وقادة فلسطينيين.

بينما وُثّق تاريخ العلاقات الهاشمية الصهيونية وعلاقات الصهيونية بالكنيسة المارونية منذ عقود، هنالك توثيق أقل للخدمات التي قدمتها الصهيونية ولا تزال تقدمها إلى الأنظمة العربية الحاكمة. فقد أصبح معروفاً الآن أن الهجوم الإسرائيلي على مصر عام 1967 كان هدفه، الذي نجح فعلاً، القضاء على عبد الناصر، عدو كل الأنظمة العربية الدكتاتورية المتحالفة مع الولايات المتحدة، الذي كانت الولايات المتحدة ومن قبلها بريطانيا وفرنسا قد حاولوا وفشلوا بالقضاء عليه منذ الخمسينيات. وبهزيمتها لعبد الناصر، قدّمت إسرائيل خدمة جليلة للممالك العربية (وبعض الجمهوريات)، من المحيط إلى الخليج، التي كان يهددها عبد الناصر وتهددها الناصرية. وقد كان التدخل العسكري الإسرائيلي عام 1970 لمساعدة الجيش الأردني بالقضاء على الفدائيين الفلسطينيين وتدمير إسرائيل لمنظمة التحرير الفلسطينية في اجتياحَين مدمّرَيْن للبنان عام 1978 و1982 خدمتين مهمّتين قدّمتهما إسرائيل للأنظمة العربية التي كانت تشعر بالتهديد من الإمكانات «الثوريّة» للمنظّمة ومواقفها المتمرّدة أحياناً على تلك الأنظمة. وقد قدّمت الاستخبارات الإسرائيلية خدمات ومعلومات جمّة لأنظمة عربية عدة ساعدت الأخيرة في القضاء على معارضيها وعلى تعزيز سلطتها الدكتاتورية. من أبرز الأنظمة التي استفادت من هذا الكرم الاستخباراتي الإسرائيلي النظام المغربي والنظام العُماني.

وقد استمرّت إسرائيل بتقديم هذه الخدمات حتى اليوم. فقد استُقبل اجتياحها للبنان عام 2006، الذي كان هدفه المعلن تدمير حزب الله، بالتهليل والتطبيل من الأنظمة العربية والمثقفين النيوليبراليّين العرب العاملين في الصحف ووسائل الإعلام المموّلة من النظام السعودي. وعلى الرغم من أن تدمير جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية وقتل ألف لبناني لم يقضِ على حزب الله بل عزّز قوّته العسكرية والشعبية وأضعف مكانة إسرائيل العسكرية في المنطقة، شعر حلفاء إسرائيل العرب بالعرفان تجاه ما قامت به إسرائيل من أجلها ومن أجلهم.

فمنذ 2006 حتى اليوم، يدعو حلفاء إسرائيل من الأنظمة العربية والمثقفين العرب النيوليبراليين إسرائيل إلى إزالة «الخطر» الإيراني من أجل إسرائيل نفسها ونيابة عنهم أيضاً. وفي هذا السياق، وجدت الولايات المتحدة الفرصة سانحة كي تدمج إسرائيل بالمنطقة كليّاً، حتّى أنّها أشارت إلى حلفائها الخليجيّين بتقديم اقتراحات لتحالف إقليمي تكون إسرائيل جزءاً لا يتجزّأ منه. وبالفعل اقترح وزير خارجية البحرين قبل أسابيع قليلة أن يُسمح لإسرائيل بأن تكون عضواً في جامعة الدول العربية.

وقد قُدّمت اقتراحات أخرى في الأشهر الماضية للترحيب بالمستعمرة الاستيطانية في هذا التحالف الإقليمي ضد إيران.

ومنذ عام 2006، توصّلت الأنظمة العربية والنيوليبراليون العرب والسلطة الفلسطينية المتعاونة إلى الاستنتاج القائل إن إسرائيل هي القوة الوحيدة التي بإمكانها أن تحميهم وتخلّصهم من خطر حزب الله وحماس كأهمّ قوّتين تقفان في طريق تحالفهم المفتوح مع إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران وكل القوى التقدمية في المنطقة. لم يكن هذا الاستنتاج سرّاً مكتوماً بل استراتيجية نوقشت في مجالس خاصة تسرّبت إلى الحيّز العام بسرعة. وقد توضّحت هذه الصورة جلياً من خلال النقاش القائم الآن في الإعلام العربي والكلام المعلن من مسؤولين إسرائيليين في سياق المجازر المستمرّة منذ 10 أيام في حق المليون ونصف مليون فلسطيني القاطنين في غزة. هنالك اليوم تحالف مفتوح وحقيقي بين السلطة الفلسطينية المتعاونة والأنظمة العربية مع إسرائيل، يدعمه النيوليبراليون العرب، بحيث تُخوّل من خلاله إسرائيل مهمة القضاء على حماس، والأخيرة هي الحكومة العربية الوحيدة المنتخبة ديموقراطياً.

دعوني أذكّركم بأن حماس قد انتخبت ديموقراطياً في انتخابات حرّة وأن إسرائيل اختطفت مسؤوليها المنتخبين وأعضاءها في البرلمان الفلسطيني ووضعتهم في سجونها منذ سنوات، وأن السلطة الفلسطينية المتعاونة حرقت مكتب رئيس الوزراء ومكاتب حكومية أخرى وحرّضت على إضرابات غير قانونية ضد حكومة حماس، وأشارت إلى بيروقراطية السلطة بعدم الامتثال لأوامر مسؤولي حماس المنتخبين. وبعدما فشل كل ذلك في إقصاء حماس عن السلطة، تآمرت الولايات المتحدة وإسرائيل والسلطة الفلسطينية المتعاونة للقيام بانقلاب لقتل كل زعماء حماس في غزة، ولكنهم فوجئوا بفشل ذريع عزّز قوّة حماس ضدّهم. إن المذابح التي تقوم بها إسرائيل منذ أيّام في غزّة هي أحدث محاولة إسرائيلية لمنع أي عربي أو فلسطيني من أن يعيشوا في ظلّ حكومة منتخبة، ولإبقائهم تحت حكم دكتاتوريّيهم.

يستغرب الكثيرون اليوم كيف يمكن للأنظمة العربية والسلطة الفلسطينية المتعاونة أن «يخونا» الفلسطينيين بهذه الطريقة المفضوحة، ويتساءل آخرون «ألا تخاف هذه الأنظمة من أن تثور شعوبها عليها؟» الجواب باقتضاب هو «لا». إن تعاون الأنظمة العربية مع إسرائيل ليس بجديد؛ الجديد هو أنهم يتعاونون معها «على المفتوح»، ولكنّ هنالك سبباً وجيهاً لهذا الانفتاح. ففي الأربعينيات والخمسينيات، لم تكن هذه الأنظمة تستطيع أن تجاهر بتحالفها مع إسرائيل على الملأ نتيجة وجود عدد من القوى الشعبية والعالمية التي كانت ستنقلب عليها إن فعلت ذلك. وقد حاول البعض حينها الدخول في تحالفات كانت إسرائيل جزءاً غير رسمي فيها، مثل حلف بغداد، ولكن من تجرأ على الدخول فيه دفع ثمناً غالياً. فقد كانت الحرب الباردة، وثورية العالم الثالث، والقومية العربية، والاتحاد السوفياتي، والصين، وعبد الناصر، كلها عوامل لم يمكن تجاهلها. بينما بقيت هذه العوامل موجودة عندما جاهر أنور السادات بتحالفه مع الولايات المتحدة وإسرائيل في أواخر السبعينيات، لم يبقَ ش

فلقد قوّضت الولايات المتحدة وإسرائيل والأنظمة العربية المتحالفة معها هذه القوى الواحدة تلو الأخرى منذ عام 1967، وبذلك فتحت الطريق أمام هذا التحالف المجاهر به بين إسرائيل والدكتاتوريات العربية التي تخدم بأجمعها المصالح الأميركية في المنطقة. وتحكم هذه الأنظمة العربية شعوبها عن طريق الإرهاب والرعب، وفي متناولها أفضل أنظمة استخباراتية وأمنية قمعية مدرّبة ومجهّزة من الولايات المتحدة ومموّلة من النفط العربي و«المساعدات» الأميركية.

عندما سأل مقدّم محطة «الجزيرة» تسيبي ليفني عمّا إذا كان هنالك ترتيب بين إسرائيل والأنظمة العربية لقيام إسرائيل بمجازر غزّة، حاولت ليفني تفادي السؤال ولكنها بعد إصرار المقدم أنكرت ترتيباً كهذا، مع أنها أكّدت أن هنالك الكثيرين في العالم العربي الذين «يفكرون» في مسألة حماس كما تفكر إسرائيل، وأن حماس هي عدوهم تماماً كما هي عدو إسرائيل. يجب ألا ننسى أن ليفني كانت قد أعلنت منذ أسابيع قليلة للمواطنين الفلسطينيين داخل الخط الأخضر أنها قد قررت إزالة المواطَنة الإسرائيلية عنهم وتهجيرهم إلى البانتوستانات الفلسطينية بعد أن يعلن المجتمع الدولي أن هذه السجون القائمة في الضفة الغربية والمحاطة بجدار الفصل العنصري هي «الدولة الفلسطينية المستقلة». وقد أعلنت ليفني في الأسبوع الماضي بعد بدء حربها على غزة أن هذه الحرب ليست فقط حرباً أمنية بل أيضاً حرب على «قِيَم» إسرائيل التي لا يشاركها فيها الفلسطينيون، إلا المتعاونون منهم. إن ليفني بالطبع على حق في ذلك. فبعكس ليفني والقيادة الإسرائيلية الحاملة لمبادئ التطهير العرقي وخططه من أجل تحويل إسرائيل إلى دولة يهودية صافية وخالية من أي فلسطيني، يؤمن معظم الفلسطينيين بضرورة بقائهم صامدين على أراضيهم، حتى لو أدّى ذلك إلى تلويث الصفاء اليهودي في إسرائيل. وقد أكدت ليفني أنّ قِيَم إسرائيل هي قِيَم «العالم الحر» وقِيَم الأنظمة العربية (غير الحرّة) الحليفة «للعالم الحر». يمكننا أن نضيف أن قيم إسرائيل هي أيضاً قيم النيوليبراليين العرب المموّلين سعودياً وقيم قيادة السلطة الفلسطينية المتعاونة والمختبئة في «المنطقة الخضراء» في رام لله. إن قيم إسرائيل «الحضارية» تشبه كثيراً قيم الولايات المتحدة في حربها المستمرّة ضد العرب والمسلمين، وتشبه أيضاً القيم الأوروبية الكولونيالية في عصر الاستعمار وبعده. تتكلم ليفني ومعها القيادة الإسرائيلية عن حقوق الإنسان، والديموقراطية، والسلام، والعدالة كمبادئ كونية تطبقها فقط على اليهود وتنكرها على الفلسطينيين. هذه ليست حيلة كلامية مقتصرة على إسرائيل. دعنا نتذكر كلمات فرانتز فانون الخالدة في هذا السياق: «دعونا من أوروبا هذه، حيث لا يتعبون من الكلام عن الإنسان بينما هم يقتلونه أينما وجدوه، في زوايا كل شارع من شوارعهم، وفي كل زوايا الكرة الأرضية».

أما على الجبهة الفلسطينية، فإنّ مدّة حكم المتعاون الفلسطيني الأكبر محمود عباس ستنتهي في 9 كانون الثاني/ يناير. وتصبو إسرائيل لتمديد حكمه التعاوني معها كرئيس للسلطة الفلسطينية المتعاونة التي أقامتها إسرائيل من خلال معاهدة أوسلو عام 1993. وبينما تقتل إسرائيل وتجرح الآلاف من الفلسطينيّين، تطبّل قوى العالم العظمى وتزمّر تهليلاً. وهذا ليس بجديد على هذه القوى، فهو ما يحدث عادة عندما يقتل حلفاء الولايات المتحدة وأوروبا شعوبهم. وقد حدث فعلاً أثناء الحرب العالمية الثانية بينما كانت النازية تقوم بأعمالها الإبادية. ففي 19نيسان/ أبريل1943، اجتمعت الولايات المتحدة وبريطانيا في برمودا افتراضاً لمناقشة وضع اليهود في المناطق الأوروبية المحتلة نازياً. وكانت المصادفة أن أعلن النازيون في هذا اليوم بالذات حربهم على ما بقي من اليهود في غيتو وارسو عندما فوجئوا بمقاومة شجاعة غير متوقعة. لم يتمخّض شيء عن مؤتمر برمودا، واستمر الهجوم على غيتو وارسو دون هوادة. وقد أعدمت المقاومة اليهودية المتعاونين من اليهود مع الاحتلال النازي واستعدوا لمواجهة الجيش النازي بالأسلحة الخفيفة التي كانت بحوزتهم قبل أن يتغلب عليهم النازيون. كانت انتفاضة غيتو وارسو دائماً مصدر إلهام للفلسطينيين. عندما كانت منظمة التحرير لا تزال ترمز لتحرير فلسطين، كان يضع ممثّلون عنها أكاليل الزهور على نصب غيتو وارسو لتكريم الأبطال اليهود الذين قضوا أثناء المقاومة.

كان صموئيل زيجلبويم (Smul Zygielbojm) رئيس الحزب الاشتراكي اليهودي المعروف «بالبوند» في بولندا قد شارك في المقاومة ضد الاجتياح النازي للبلد عام 1939. وقد أخذ النازيون زيجلبويم رهينة، ولكنهم أطلقوا سراحه في ما بعد وجعلوه عضواً في «المجلس اليهودي» أو judenrat، وهو المؤسسة النازية التي لها نظير في السلطة الفلسطينية المتعاونة التي أنشأتها إسرائيل عام 1993. طالب النازيّون «المجلس اليهودي» بإقامة غيتو خاص باليهود في مدينة وارسو. وقد عارض زيجلبويم الأوامر النازية ومن ثم هرب إلى بلجيكا وفرنسا والولايات المتحدة، وانتهى به الأمر في لندن عام 1942 حيث انضم إلى الحكومة البولندية المنفية هناك. وفي 12 أيار/ مايو 1943، وبعدما وصله الخبر بأن المقاومة في غيتو وارسو قد أبيدت والمقاومين قد قتلوا، أدار زيجلبويم مفتاح الغاز في شقته في لندن وانتحر ليعبر عن استيائه من عدم الاكتراث وتقاعس الحلفاء لمصاب اليهود في المناطق المحتلة من النازيين. في رسالته الأخيرة، أصر زيجلبويم على أنه بالرغم من أن النازيين هم المسؤولون عن قتل اليهود البولنديين، فإنّ الحلفاء، نتيجة تقاعسهم، مذنبون أيضاً.

«إن الأخبار الأخيرة التي وصلتنا من بولندا توضح دون أدنى شك أن الألمان الآن يقتلون من بقي من اليهود في بولندا بقسوة لا تعرف الحدود. فوراء جدران الغيتو يجري تمثيل آخر فصل من فصول هذه المأساة.

تقع مسؤولية جريمة قتل كل الجنسية اليهودية في بولندا أوّلاً على عاتق من يرتكبها، ولكنها تقع أيضاً بطريقة غير مباشرة على عاتق الإنسانية برمتها، وعلى شعوب دول الحلفاء وحكوماتهم الذين حتى هذه اللحظة لم يتّخذوا أي خطوات حقيقية لوقف هذه الجريمة. فإنّهم، وبمشاهدتهم عملية قتل الملايين العزّل من أطفال ونساء ورجال معذّبين دون القيام بأي عمل، أصبحوا شركاء في المسؤولية.

لا أستطيع أن أبقى صامتاً ولا أن أستمر في الحياة بينما يقتل من بقي من يهود بولندا، وأنا ممثلهم الشرعي. لقد قضى رفاقي في غيتو وارسو وهم يحملون السلاح في آخر معركة بطولية. لم يُسمح لي بأن أقضي مثلهم ومعهم، ولكني أنتمي إليهم، ولقبرهم الجماعي.

أريد أن أعبر من خلال موتي عن معارضتي للتقاعس الذي تملّك العالم الذي يشاهد تدمير الشعب اليهودي ويسمح به».

لم تسعَ السلطة الفلسطينية المتعاونة لمقاومة أي من الأوامر الإسرائيلية. ولم يستقل ولا عضو من أعضاء السلطة القياديين من منصبه ولا رفض تنفيذ أوامر إسرائيل. أما محمود عباس، الذي قدّم خدمات جمّة لإسرائيل، فإنه يفتقر لنزاهة زيجلبويم ولمبادئه النبيلة كي يقوم بالتضحية التي قام بها زيجلبويم. ولكن في هذه الأثناء، سيستمر الشعب الفلسطيني بكل ما أوتي من قوة بمقاومة المهاجمين الإسرائيليين، الذين تفوق قوتهم قوة الفلسطينيين العزل بأضعاف فلكية. إن الشعب الفلسطيني، مثله مثل زيجلبويم من قبله، يعرف أنّ عباس وزمرته والأنظمة العربية والولايات المتحدة وأوروبا مذنبون مثل إسرائيل في جريمة قتله وذبحه. في حالة زيجلبويم، كانت القوى العالمية غير مكترثة ولم تحرّك ساكناً؛ أما في الحالة الفلسطينية، فإن القوى العالمية والإقليمية متآمرة وشريكة نشطة في الجريمة. سيكون تدمير انتفاضة غيتو غزة وذبح سكانه العزّل عملية سهلة نسبياً للآلة العسكرية الإسرائيلية الماردة ولقادة إسرائيل الساديّين. ولكن الصعوبة ستكمن في التعامل مع التصميم الفلسطيني على المقاومة بعد دمار غزة، لا من جانب إسرائيل فحسب، بل من جانب الأنظمة العربية أيضاً. بينما يبقى الآلاف من الفلسطينيين القتلى والجرحى الضحايا الرئيسيين لحرب إسرائيل الإرهابية، فإن الخاسر السياسي الأكبر سيكون عباس وزمرة المتعاونين من حوله. إن الاختبار الأكبر للمقاومة الفلسطينية الآن هو استمرار رفضها الاعتراف بحق إسرائيل باجتياح الشعوب، وسرقة أراضيهم، وتدمير قوت عيشهم، وسجنهم داخل غيتوات، وتجويعهم دون أن تقاوَم.

إن الثابت الوحيد في حياة الفلسطينيين في القرن المنصرم من المذابح الصهيونية هو مقاومتهم للمشروع الصهيوني القائم على محوهم عن وجه الأرض. بينما حشدت الصهيونية متعاونين عرباً وفلسطينيين معها منذ قيامها، على أمل أن تقضي على المقاومة الفلسطينية، لم تفلح لا إسرائيل ولا المتعاونون معها في إيقاف المقاومة. إن الدرس الذي رفضت الصهيونية وما زالت ترفض تعلّمه هو أن شوق الفلسطينيين للحرية من تحت الطغيان الصهيوني لن ينطفئ مهما زادت إسرائيل من وحشية جرائمها. ستعلن انتفاضة غيتو غزة عن أحدث فصل من فصول المقاومة الفلسطينية للاستعمار، وعن أحدث جريمة إسرائيلية استعمارية في منطقة من العالم ترفض شعوبها جمعاء القبول بشرعية مستعمرة استيطانية أوروبية عنصرية في عقر دارهم.


*
أستاذ السياسة وتاريخ الفكر العربي الحديث في جامعة كولومبيا في نيويورك.

المصدر:“الاخبار”، عدد الثلاثاء ٦ كانون الثاني ٢٠٠٩

http://www.al-akhbar.com/ar/node/111788