محاولة صهينة الوعي الجمعي للأمة

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1782)

ملاحظة من “كنعان”

تود “كنعان” الاعتذار للصديق ثائر دوري على التأخر في نشر رده على مقالة الصديق جوزيف مسعد. كان التأخر لأمور تتعلق بضغوط النشر فيما يخص التطورات في البلاد على الأرض، إضافة إلى أن مقالة الصديق ثائر تحتمل التأخير النسبي.

لنا ملاحظة على تناول الصديق ثائر لمقالة جوزيف. نحن نقرأ مقالات ومواقف وأفكار الزملاء كمجموع، وضمن السياق العام لمواقف ونتاج الكاتب. ومن هنا فاننا نتعاطى مع مقالات الزملاء كمجموع وليس كل مقالة على حده، على اعتبار أن الكاتب هو مجمل كتاباته وليس هذا المقال أو ذاك.

وبشأن مسألة الصهيونية وصهينة الوعي الجمعي للأمة، فنحن نعلم أن جوزيف مسعد يخوض منذ سنوات حرباً ضد الصهيونية، وحرب دفاع أكاديمية، ربما وحيداً، في مواجهة الصهيونية والهجمة الصهيونية في الأكاديميا الأميركية. ولذا، فهو أبعد ما يكون عن الصهيونية وصهينة الوعي الجمعي.

ننشر فيما يلي مقالتي ثائر دوري وجوزيف مسعد. وكانت “كنعان” قد نشرت النص الانكليزي لمقالة جوزيف مسعد تحت عنوان: The Gaza Ghetto Uprising ، بتاريخ 4 يناير 2009 ، على الرابط التالي: http://kanaanonline.org/ebulletin-en/

( *** )

تعمل المركزية الغربية على رفع تجربة النهوض الغربية فوق التاريخ بمعنى تجريدها من شرطها التاريخي الإنساني واعتبارها تجربة عليا عالية، وعلى الآخرين من أبناء الأمم والشعوب المختلفة محاولة الإرتقاء إليها، فحسب قدرتهم على تقليدها والتماثل معها يُقيم البشر في كل أنحاء المعمورة سلباً أو إيجاباً. فمن كانت طرائقه في الاستهلاك والإنتاج، والزواج والطلاق، والطعام والشراب، والفرح والحزن، والتعبير عنهما شبيهة بما هو سائد لدى الغرب فهو متحضر. وكلما ابتعد عن المعيار الغربي ابتعدت عنه الحضارة واقترب من التوحش. والتجربة الاستعمارية استقرت بين قطبي التوحش والتحضر، فالمستعمر جاء ليحضر الشعوب بجعلها تقبل النموذج الغربي سياسة، وثقافة، واجتماعاً، واقتصاداً – بالطبع نحن هنا لا نناقش الاستحالة الواقعية لأن يصبح العالم كله غرباً لأن نفط العالم كله لن يكفي الصينيين إن استهلك الفرد الواحد منهم ما يستهلكه الفرد الأمريكي، هذا على سبيل المثال فقط – ومن استعصى على التحضر من الشعوب فلابد من إفنائه.

وأدى رفع التجربة الغربية فوق مستوى التاريخ إلى إيجاد مرجعيات غربية فوق مستوى النقد وممنوع التفكير فيها وفي كل مجالات الحياة من الثقافة والفن، إلى السياسة والاقتصاد، وعلى كل الشعوب أن تتبناها. فالمرجعيات الغربية في كل مجالات الحياة هي فوق التاريخ. ولعل أكثر ما يوضح هذه الفكرة هو إيجاد مرجعية غربية عليا للألم الإنساني بعد الحرب العالمية الثانية وهي الهولوكست. فقد قُدمت تجربة اليهود في الحرب العالمية الثانية على أنها وصلت إلى أعلى درجات الألم الإنساني، ففيها – حسب الفكر الغربي المتصهين – بلغت الوحشية النازية الحد الأقصى ضد اليهود، وبناء على ذلك فإن اليهودي المعاصر بحكم أنه وريث الهولوكست المزعوم، هو محتكر للألم الإنساني.

بعد الحرب العالمية الثانية، ثم بداية صناعة الهولوكوست. تم رفع ما تعرض له اليهود في الحرب العالمية الثانية إلى مرتبة الأنا العليا للعذابات البشرية ليس في مرحلة تاريخية واحدة بل عبر التاريخ ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. ففي التاريخ صار ممكناً القول على سبيل المثال لا الحصر: “الهولوكست الأرمني” أو “محرقة الهنود الحمر”……..الخ. لقد حول الغرب الهولوكست اليهودي المزعوم على يد النازيين إلى مرجعية عليا إنسانية للألم، حيث هو وحده لا غير وحدة عالمية لقياس آلام وأوجاع الشعوب الأخرى، لكن دون أن يرقى أحدها إلى أعلى درجة من هذا السلم الذي يتربع على قمته اليهود لأن الهولوكست الحقيقي الكامل محتكر لهم، فهم الذين ارتقوا إلى آخر درجة من سلم العذاب البشري وعبر التاريخ فألمهم هو ذروة الألم حسب مقياس الهولوكست، وبالتالي فالحركة الصهيونية بشقيها : اليهودي وغير اليهودي هي التي تحتكر قياس الألم فهي تحدد ما هو عذاب، وما هو مجزرة، وما هو دفاع عن النفس، وما هو إرهاب، وما هو مقاومة. الصهاينة وحدهم من يقرر كل هذه الأمور، لكن دون أن تصل أي معاناة إنسانية مهما كانت فظيعة إلى مستوى الهولوكست، كما ذكرنا، لذلك يمتعض الصهاينة من إطلاق بعض الشعوب على مآسيهم تسمية “هولوكست” رغم ما يعنيه ذلك من إقرار لتلك الشعوب بمرجعية التجربة اليهودية المعاد إنتاجها صهيونياً، لأن هذه التجربة حسب زعمهم كالأنا العليا يحاول الإنسان أن يرتقي له لكنه لا يستطع.

ويحقق الصهاينة نصرهم النهائي بصهينة الوعي الجمعي للألم الإنساني عندما يتبنى حتى ضحاياهم العرب هذه المرجعية، كما حققوا نصرهم السابق في مجال سيادة الرؤية الغربية للتاريخ، فصرنا نسمع مفكرين وكتاباً عرباً ومسلمين يتحدثون عن “العصور الوسطى المظلمة” رغم أنهم أحفاد العظماء الذين بنوا حضارة إنسانية متطورة وعظيمة في القرون الوسطى، ورغم أنهم ولدوا وعاشوا على الأرض التي كانت تشع على الكون نوراً في تلك العصور التي يصفونها بـ “المظلمة”، وأغلبهم يفعل ذلك دون أن يدرك أية جريمة يرتكب بحق نفسه وبحق أمته لأن المرجعية الغربية للتاريخ قد صارت مرجعية له دون أن يدري فقد تشربها من الكتب الدراسية وفي الأكاديميات التي درس بها، وسمعها من وسائل الإعلام السائدة فلم تعد موضع نقاش البتة.

عندما تتحول تجربة الألم اليهودية المعاد إنتاجها صهيونياً إلى مرجعية عليا لدى ضحايا الصهيونية من العرب نراهم يشرحون مأساتهم على يد الصهاينة وفق مرجعية صهيونية، فإن تكلم الشعراء والنقاد عن الفن وعلاقته بمأساة أمتهم استشهدوا بمقولة أدورنو “إن كانت كتابة الشعر ممكنة بعد أوشفتز”، وإن تعرضت أمتهم لمجزرة شبهوها بما تعرض له اليهود على يد النازيين، وإن قاومت شبهوا مقاومتها بمقاومة غيتو وارسو للنازيين. لأنه لا أهمية لأية معاناة إن لم تكن شبيهة بالمعاناة اليهودية، ولا تعاطف إنساني مع ألم الضحايا إلا إذا تماثل مع المرجعية الصهيونية- الغربية للألم الإنساني. ونرى ذلك جلياً في المقال الذي نشرته جريدة الأخبار اللبنانية في العدد ٧١٦ الثلاثاء ٦ كانون الثاني ٢٠٠٩ للأكاديمي جوزيف مسعد أستاذ السياسة وتاريخ الفكر العربي الحديث في جامعة كولومبيا في نيويورك تحت عنوان يشي بمضمون المقال ” انتفاضة غيتو غزّة”. و إذا كنت لن أتوقف عن مضمون مقاله كثيراً لكني لا أستطيع إلا أن أبدي استغرابي من استغرابه، فهو يقول :

يستغرب المرء تناقضات العلاقات الدولية والتحالفات التي تتمخّض عنها في بعض الأحيان. تمثّل المستعمرة الاستيطانية الإسرائيلية مثالاً على ذلك. فهي، منذ قيامها، أعلنت الحرب على الشعب الفلسطيني ودول عربية عدة، بينما كانت تبني تحالفات مع أنظمة عربية وقادة فلسطينيين”.

أي غرابة في تحالف الحركة الصهيونية مع أنظمة أنتجتها سايكس – بيكو، ومع القوى الطائفية التابعة للغرب ! فكل هذه القوى صنعها الغرب بمصنعه، فالهوية الطائفية ما هي إلا محاولة لطمس الهوية العربية للمنطقة والقول بوجود إثنيات وطوائف بدل الإقرار بوجود امة عربية، وهذا هو حجر الأساس في السياسة الغربية في المنطقة منذ بروز المسألة الشرقية. وأي غرابة في تحالف أنظمة نتجت عن سايكس – بيكو مع توأمها السيامي منتوج نفس المعاهدة، أي : الكيان الصهيوني، الذي هو جزء من ترتيبات سايكس بيكو. أين الغرابة في هذا التحالف ؟

إن كل ما ذكره الكاتب عن هذا التحالف بين الأنظمة والقوى الرجعية والحركة الصهيونية ضد قوى المقاومة صحيح ولا غبار عليه. لكن المأساة تبدأ في النصف الثاني من المقال عندما يبدأ الكاتب بقراءة تجربة المقاومة في فلسطين على ضوء تجربة “انتفاضة غيتو وارسو” ضد النازيين، فهنا فهمنا سر إطلاقه اسم “غيتو “على غزة مع أن غزة ليست غيتو دخله الناس بإرادتهم الطوعية كما كان يفعل اليهود لاعتبارات ثقافية، واقتصادية، وسياسية، إنما غزة سجن كبير حَبسوا فيه شعباً يتوق لتحطيم الجدران والإنطلاق إلى الحرية. وشتان ما بين الغيتو الطوعي والسجن الإجباري. لكن بحث الكاتب عن قراءة للتجربة الفلسطينية في ضوء التجربة اليهودية الصهيونية كي يعترف الغرب بها كألم إنساني أوصله إلى هذا التشابه المغلوط. ويُشتق من هذه الرؤية أن المقاومة لا يُعترف بها كمقاومة إلا إذا توحدت مع تجربة ما في التاريخ – اليهودي المعاد إنتاجه صهيونياً لذلك يستفيض الكاتب بالحديث عن “انتفاضة غيتو وارسو” فيستعجل الكاتب ليقول لنا دون أن يُفصل وكأنه يُقدم مسلمة لا تحتاج إلى برهان. يقول :

“كانت انتفاضة غيتو وارسو دائماً مصدر إلهام للفلسطينيين. عندما كانت منظمة التحرير لا تزال ترمز لتحرير فلسطين، كان يضع ممثّلون عنها أكاليل الزهور على نصب غيتو وارسو لتكريم الأبطال اليهود الذين قضوا أثناء المقاومة”.

ورغم احترامنا وإجلالنا لكل مقاومة و انتفاضة ضد الظلم في أي مكان، ومن أي عرق أو لون وعبر كل التاريخ، كما نسجل تألمنا لأي ألم إنساني، وانحيازنا المسبق لكل المظلومين، رغم كل ذلك فأنا لم أسمع ولم أعتقد يوماً أن تجربة غيتو وارسو كانت أو يمكن أن تكون يوماً ملهماً للمقاومين الفلسطينين، وأرجو ممن لديه معلومات مغايرة أن يصحح لي، فقد سمعنا باستلهام تجربة غيفارا، وماو، ولينين، وكاسترو، وغاندي، والمسيح، وعز الدين القسام، وأبو ذر الغفاري، وخالد بن الوليد، وصلاح الدين، والحسين، وعبد الناصر، وكل أبطال الحضارة العربية – الإسلامية قديما وحديثاً، لكن ليعذرني الكاتب، فأنا لم أسمع أن أحداً من المقاومين استلهم “انتفاضة غيتو وارسو”، وإذا قام سياسي ما ولأهداف سياسية تكتيكية بوضع إكليل على ضحايا غيتو وارسو فهذا يخصه وحده، لا أقول هذا استهانة بالألم الإنساني، أو بعذابات البشر بعض النظر عن عرقهم ودينهم ولونهم فهي مقدسة بالنسبة لي. لكن الاستغلال الصهيوني الرخيص لعذابات هؤلاء البشر هو من يمتهن موتهم بانتفاضتهم ضد الظلم. ثم يغرق الكاتب في مقاله بتشابهات بين ما جرى أثناء انتفاضة ذلك الغيتو من تحركات سياسية وما يجري اليوم أثناء العدوان الصهيوني على غزة. تشابهات لا مكان لها لاختلاف الزمان والمكان والظروف التاريخية والجغرافية والحضارية، وأول هذه الاختلافات وليس آخرها أن الحرب العالمية الثانية في المقام الأول والأخير هي صراع بين الضواري الإمبريالية من أجل إعادة توزيع حصص النهب في العالم، أما القضية الفلسطينية فهي قضية تحرر وطني ذات بعد عربي – إسلامي – إنساني في مفصل تاريخي يطرح استبدال النظام العالمي القائم على جدول أعماله بنظام عالمي أكثر عدالة وإنسانية وبالتالي فإن جهد المقاومين الفلسطينيين يصب في هذا الاتجاه.

أخطر ما تتعرض له القضية الفلسطينية هو محاولة كي الوعي عبر استخدام مفردات صهيونية لشرحها بما يعنيه ذلك من التسليم بمرجعية التجربة اليهودية المعاد إنتاجها صهيونياً كمرجعية عليا للألم و العذابات البشرية. وإذا كان بعضهم يفعل ذلك عندما يكتب بالإنكليزية ويتوجه لجمهور غربي بحجة أنه يخاطبه من داخل نسقه الثقافي (و قد بدأ هذا النهج الخطر أكاديمي فلسطيني راحل)، فأي عذر لمن يفعل ذلك وهو يخاطب جمهوراً عربياً ويكتب بلغة عربية !

بغض النظر عن النوايا الطيبة وطريق جهنم المفروش بها، فما هي إلا صهينة للوعي الجمعي للأمة في مجال الألم الإنساني بعد أن تمت غربنة وعيها التاريخي، لكنها محاولة مضحكة لا قيمة لها، فلنتخيل جواب مقاتل من كتائب القسام أو من شهداء الأقصى – والاسم يكفي للدلالة عما يستلهمونه – إن سألناه إن كانت “انتفاضة غيتو وارسو” ملهمة له !