المثقفون البريطانيون: ” ينبغي لإسرائيل أن تخسر ” !

د. أحمد الخميسي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1784)

في عام 1948 كتب بيرم التونسي في قصيدة له ” يارب أعيش يا انجلترا.. وأشوف أمتك فلايكية ” ! أي أن يرى الفقر وقد نزل على بريطانيا وأحال أبناءها إلي مجرد صيادين سمك بقوارب صغيرة !

كراهية المصريين للإنجليز كانت نتيجة السياسة البريطانية الاستعمارية في مصر وأيضا نتيجة لوعد ” اللورد بلفور” الصادر عام 1917 والذي تعهد فيه ب ” بذل افضل المساعي والجهود من أجل اقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”.

وبعد الوعد المشئوم بثلاث سنوات صدرت وثيقة أخرى- يوليو 1920 – بإشراف لينين زعيم الثورة الروسية نص البند الحادي عشر منها على : ” إن خداع جماهير شغيلة الأمم المضطهدة يتجلى في عملية الصهاينة في فلسطين، كما يتجلى في الصهيونية عموما التي تقدم السكان العرب الكادحين قربانا إلي الاستغلال البريطاني بحجة تأسيس دولة يهودية “.

لكن الرأي العام الأوروبي، ظل أسرى الأكاذيب الإسرائيلية طويلا بما في ذلك المثقفين في أوروبا، حتى أن جان بول سارتر الذي أيد كفاح الشعب الجزائري من أجل الاستقلال عن بلاده فرنسا زار إسرائيل عام 1976 وصرح بقوله : ” لا أعتقد أن إسرائيل من صنع الإمبريالية لكن العرب يقولون ذلك ” !

لكن العدوان النازي الأخير على غزة أيقظ في كل مكان ضمائر المثقفين الذين أدركوا أن مهمتهم الأولى الآن هي محاكمة النازية الجديدة، وذهب بعض الكتاب الروس إلي أن النازية الأولى الهتلرية استحقت تحالفا دوليا لهزيمتها، وتستحق النازية الإسرائيلية الجديدة تحالفا مماثلا. أما في بريطانيا فقد أصدر ثلاثمائة مثقف وأكاديمي بيانا نشرته صحيفة الجارديان في 16 يناير الحالي. نبهتني إلي البيان وأرسلته إلي بالإنجليزية الصديقة العزيزة د. هناء سليمان أحد الأساتذة اللامعين في الطب النفسي. وستظل لهذا البيان أهميته حتى بعد وقف إطلاق النار، لأنه نموذج حقيقي لحوار الثقافات كما أفهمه، ونموذج للضمير العالمي الذي لا يعرف لنفسه موطنا سوى الحقيقة. وإليكم ترجمة لنص بيان المثقفين البريطانيين كما نشرته الجارديان :

” إن المذابح التي ترتكب في غزة هي المرحلة الأخيرة من مراحل الحرب التي تشنها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني منذ أكثر من 60 عاما. الهدف من هذه الحرب لم يتغير قط :استخدام القوة العسكرية للقضاء على الفلسطينيين كقوة سياسية قادرةعلى المقاومة المستمرة لمنع الإسرائيلين من الاستيلاء على أراضيهم ومواردهم. إن حرب اسرائيل ضد الفلسطينيين قد حولت قطاع غزة والضفة الغربية الى سجون السياسية عملاقة. ليس هناك ثوابت في هذه الحرب.. لا المبادئ، ولا التكتيكات ولا النتائج. اسرائيل هي المسؤولة عن إطلاق وتكثيف الحرب وإنهاء آخر فترة هدوء في القتال. ينبغي لإسرائيل أن تخسر. لن تكفي دعوة أخرى لوقف إطلاق النار، أو المزيد من المساعدات الإنسانية. لن يكفي الحث على تجديد الحوار وإيقاظ القلق والمعاناة للجانبين. إذا كنا نؤمن بمبدأ الديمقراطية وتقرير المصير، وإذا كنا نؤكد على حق مقاومة العدوان العسكري والاحتلال الاستعماري، فإننا ملزمون باتخاذ موقف ضد إسرائيل، ومع شعب غزة والضفة الغربية، وعلينا أن نفعل كل ما في وسعنا لمنع اسرائيل من كسب الحرب. يجب أن تقبل إسرائيل أن أمنها يعتمد على العدالة والتعايش السلمي مع جيرانها، وليس على الإجرام في استخدام القوة. ونحن نرى أن على إسرائيل أن تنهى عدوانها على غزة وأن تنسحب فورا بلا شروط وأن تنهي احتلالها للضفة الغربية، وتتخلى عن مطالباتها بامتلاك أو السيطرة على أراض تتعدى حدود 1967. ونحن ندعو الحكومة البريطانية والشعب البريطاني لاتخاذ جميع الخطوات الممكنة لإجبار اسرائيل على تحقيق هذه المطالب، بدءا من برنامج للمقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات “.التوقيع : ثلاثمائة أكاديمي ومثقف بريطاني. لقد أعلنت إسرائيل وقف إطلاق النار، ووقف العملية التي وصفها صفوت الزيات الخبير العسكري المصري بقوله : ” لم أر سوى عصابة للقتل، وشركة مقاولات لهدم المباني “، وعلينا الآن كجزء من الضمير الثقافي العالمي ألا نسمح لإسرائيل بالفوز بأي مكسب سياسي.

***

أحمد الخميسي. كاتب مصري

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com