غزة تهزم حلف الأطلسي

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1784)

1) غزة تهزم حلف شمال الأطلسي و أتباعه

يمكن الجزم إن صمود غزة في وجه آلة الحرب الأطلسية – الصهيونية، التي اضطرت لإعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد. يمكن الجزم بأنه حدث غير مسبوق في التاريخ البشري. فلم يحدث أن صمد مكان بهذا الحجم الصغير:350 كم2، وبهذه الجغرافيا الممتدة كراحة اليد المبسوطة فلا جبال أو وديان أو غابات. ويقع وسط محيط معادي:فهو محاط من العدو ومن أتباع العدو، لم يحدث أن صمد مقاتلون بأسلحة بدائية في مثل هذا المكان من الضيق والحصار أمام آلة حربية هي الأقوى في العالم. آلة تمتلك كل ما أنتجته عقول الشر في مختبراتها من أسلحة وأدوات قتل و إبادة، وبعضها يجرب لأول مرة. آلة عسكرية لديها تغطية سياسية تامة من قبل الأطراف المسيطرة على النظام الدولي من أوربيين وأمريكيين ومتواطئين داخل النظام الإقليمي لتقتل ما تشاء وكيفما تشاء ووقتما تشاء دون أي قيد سياسي أو قانوني أو أخلاقي، ورغم كل ذلك صمد المقاتلون وعجزت آلة الحرب عن إحداث اختراق سياسي أو عسكري له قيمة.

تقفز إلى الذهن في هذا السياق سابقة عكا و صمودها في وجه جيش نابليون، حيث كانت فرنسا إحدى قوتين – القوة الأخرى بريطانيا – مسيطرتين على النظام الدولي. لكن هذا المثال على أهميته التاريخية الفائقة حيث اصطلح المؤرخون عبارة “تكسرت الحملة الفرنسية على أسوار عكا” فبفضل صمودها انهار المشروع الإمبرطوري الفرنسي في المشرق العربي، وارتد نابليون خاسراً إلى مصر، ومن ثم عاد سراً إلى فرنسا بعد أن أدرك فشل مشروعه، فعلى أسوار عكا تحطم المشروع الإمبرطوري الفرنسي. لكن مثال عكا لا يقترب من مثال غزة، فعكا استفادت من صراعات البريطانيين و الفرنسيين لتتنسم بعض الهواء أثناء حصارها فاستمدت من البريطانيين والعثمانيين بعض أدوات الصراع عبر البحر المفتوح لإمدادها. أما في حال غزة فالقوى المسيطرة على سدة النظام الدولي متفقة على ضرورة إبادتها ولا يوجد شق واحد بين الأوربيين و الأمريكان يمكن لغزة أن تستنشق منه بعض الهواء. لقد اتفقوا على إبادتها و مع ذلك صمدت و ردت السكين عن رقبتها.

غزة لا تمتلك من أسباب الصمود سوى إرادة أبنائها.فالإرادة البشرية هي التي صممت فانتصرت على آلة القتل. و كان العدو الصهيو- أمريكي يدرك هذه الحقيقة لذلك أمعن قتلاً وتدميراً كي يكسر هذه الإرادة الصلبة لكنه فشل و بقيت الإرادة على صلابتها وانتصر الدم على السيف، ولو ظهر تشقق واحد في إرادة الصمود لانهارت الجبهة.

في غزة انتصر الإنسان على آلة القتل الأطلسية.

2) أول حروب إدارة أوباما

تكاد الآراء التي سمعتها و قرأتها تُجمع على أن هذه الحرب هي آخر مشروع تقوم به إدارة المحافظين الجدد قبل مغادرتها البيت الأبيض واستلام أوباما السلطة، وتطرف بعض المحللين إلى حد القول إن الإدارة الآفلة تحاول قطع طريق التغيير على الإدارة الجديدة عبر توريطها بهذه الحرب. لكني أخالف هذا الرأي وأقول إن هذه الحرب هي أول حرب تشنها الإدارة الجديدة. فإدارة بوش التي سترحل بعد بضعة أيام شنت هذه الحرب نيابة عن الإدارة القادمة: مقاولة من الباطن.

بتاريخ 19 – 11 – 2008 نشرت صحيفة القدس العربي تقريراً عن محاضرة ألقاها بريجنسكي في معهد ‘تشاتهام هاوس’ في لندن بعنوان: ‘التحديات في السياسة الخارجية التي سيواجهها باراك اوباما’.

ومعلوم أن بريجنسكي أحد الأشخاص الأساسيين في مطبخ الرئيس أوباما للسياسة الخارجية، وربما هو الشخص المقرر في هذا المطبخ. في هذه المحاضرة طرح بريجنسكي رؤيته لحل القضية الفلسطينية، وهي رُغم نفيه أن تكون رؤية رسمية لإدارة الرئيس القادم فإن موقع الرجل وأهميته تجزم أنها ستكون خطة عمل إدارة أوباما. يلخص بريجنسكي رؤيته لحل القضية الفلسطينية بأربعة بنود هي: إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح تشرف عليها قوات من حلف شمال الأطلسي (رفض بريجنسكي أن تكون تابعة للأمم المتحدة)، وتقسيم القدس، وتبادل أراض بين المناطق ذات الكثافة العربية داخل فلسطين المحتلة عام 1948 وبين المستوطنات المقامة في الضفة الغربية، وقصر حق العودة إلى الجزء الذي تقام عليه الدولة الفلسطينية الموعودة.

من يقرأ ما ورد في هذه الخطة يعرف على الفور أن العقبة الأساسية لتحقيق هذا المشروع هي وجود المقاومة على الأرض، وعندما سُئل بريجنسكي عن موقف حركة حماس من هذا الأمر تهرب بأن أجاب أنها ستوافق. طبعاً لو نجح العمل العسكري الصهيوني في غزة فإن حركة حماس كانت بين خيارين إما الفناء أو الموافقة على مشروع بريجنسكي الذي يعني الاستسلام التام، ويبدو أن هذا ما كان يراهن عليه بريجنسكي حين تحدث بثقة عن عدم معارضة حماس لهذا المشروع. إن اجتثاث المقاومة أمر ضروري لتطبيق هذا المشروع الذي يعني إنشاء قاعدة عسكرية أطلسية في الضفة الغربية (قلب المشرق العربي). وغزة (على مفترق الطرق بين آسيا وأوربا وأفريقيا). إذ كيف ستنزل قوات أطلسية في غزة بوجود المقاومة على الأرض؟ وقد سمعنا كيف كانت المطالب الصهيونية في الأيام الأولى للحرب ترتكز على وجود قوات دولية في قطاع غزة. وقد أفشل صمود مقاومي غزة هذا المشروع. وعلينا أن ننتظر البدائل التي ستطرحها إدارة أوباما بعد فشل أول حروبها.سجلوا في مفكرتكم أن العدوان الصهيوني على غزة هو أول حرب تشنها إدارة أوباما.

3) الندابون

ما إن تتوقف المدافع حتى تنطلق جوقة الندابين الذين يتحسرون على القتل والدمار، ويلومون المقاومة التي تدمر شعبها، ويتحدثون عن الكلفة البشرية لهكذا انتصار هذا إن اعترفوا بالانتصار، ففي تجربة حرب لبنان عام 2006 اعترف الصهاينة بهزيمتهم أما هؤلاء فقد أصروا على إنكار النصر!

أكثرية الندابين تنحدر مباشرة من فكر الهزيمة المتأصل في نفوسهم، وأقليتهم يقبضون ثمن مواقفهم وهؤلاء تجدهم يكتبون في صحف ممولة من دول معروفة، أو مرتبطين بأنظمة لها مواقفها السياسية المعلنة.

يتنوع خطاب الندابين، فمنهم من يتساءل ببراءة مصطنعة عن الكلفة البشرية للحرب مع أن حرب الشمال مع الجنوب لتوحيد النموذج الذي يقتدون به: أمريكا، كلفت مليون قتيل عندما كان عدد سكان أمريكا ثلاثين مليوناً. وحرب تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي كلفت مليون شهيد، وقدمت فيتنام على مذبح حريتها ووحدتها ثلاثة ملايين قتيل، واحتاج الإتحاد السوفيتي إلى عشرين مليوناً ليدحر النازية، وقدمت ايطاليا واليونان وفرنسا مئات الآلاف لتتحرر من النازية والفاشية. دعونا نُُهمل كل الأمثلة السابقة ولنُذكرهم أن كارثة واحدة من التي يسببها فساد أنظمتهم ” المعتدلة ” في إدارة شؤونها الداخلية نتج عنها من الضحايا ما يزيد عن عدد شهداء غزة هل نسوا ضحايا غرق عبارة واحدة يملكها فاسد مقرب من أجهزة السلطة، هل نُذكرهم بضحايا حوادث القطارات التي تكاد تكون دورية، أو بضحايا الانهيارات الصخرية !

ندابون من نوع آخر يتحدثون عن ميزان القوى العسكري المختل بشدة لصالح العدو، فحسب ما يقولون يجب أن لا تثور على المحتل إلا عندما تمتلك دبابة مقابل كل دبابة يمتلكها العدو، وطائرة و قنبلة مقابل كل طائرة وقنبلة لدى العدو ولو اتبعت الشعوب نصائح هؤلاء لما قامت ثورة عبر التاريخ البشري لأن كل الثورات قامت على خلل فادح في ميزان القوى يتم ردمه بالإرادة لبشرية والإيمان بالقضية والاستعداد للتضحية لدى الشعب الأضعف، فيتم ردم التفوق التقني والعسكري لدى العدو بإرادة البشر.

في مرات سابقة كان المهزومون الندابون يستدعون غاندي و نموذج المقاومة السلمية في وجه المقاومة المسلحة، ولو أن غاندي استفاق ورأى أي استخدام يستخدمون أفكاره لصرخ بهم ” بهذا المعنى لست غاندياً”، كما صرخ ماركس يوماً “بهذا المعنى أنا لست ماركسياً”. في هذه الحرب كف الندابون المهزومون عن استدعاء غاندي وتحدثوا صراحة عن ضرورة الاستسلام للعدو، فبعضهم ابتسر النموذج النيكاراغوي من سياقه عام 1990 عندما خسرت الجبهة الساندينية الحكم فاستسلمت و سلمت السلطة، مما أدى – حسب ما يقولون – إلى انتصارها اللاحق عام 2007 فيدعون إلى ضرورة الاستسلام الآن من أجل التهيئة للنصر اللاحق. وآخرون استدعوا تجربة استسلام تشيكيا أما النازية مما أدى إلى نجاتها من الخراب. واستغل الفرصة كاتب سوري ليشرح مزايا الاستسلام للعدو في صحيفة السفير اللبنانية، وقد سبق لنفس الكاتب أن استغل فرصة حرب تموز عام 2006 ليمتدح الخيانة في نفس الصحيفة. دعا هذا الكاتب أن يكف الفلسطينيون عن المقاومة كي يتفرغوا للتعليم و بناء المصانع وتحقيق اقتصاد اكتفاء ذاتي، ويبدو أن هذا العبقري لم يعرف أو لا يريد أن يعرف أن الشعب الفلسطيني هو الأعلى تعليماً في المنطقة كلها فنسبة التحاق الأطفال بالمدارس هي 92 % أو تزيد عن ذلك والأمية تكاد تكون شبه معدومة، كما أنه لم يقل لنا كيف يمكن تحقيق فكرته العبقرية عن بناء اقتصاد مكتف ذاتياً في 365 كم2 يعيش عليها مليون ونصف من السكان، وأين يمكن بناء المصانع على أرض لم تعد تسع سكانها، وكيف يمكن الحصول على المواد الأولية، وأين سوق تصريف البضائع في هذا السجن المحاصر.