صمود أكبر من انتصار

معقل زهور عدي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1785)

في زيارتها المشؤومة لمصر قبيل الحرب على غزة ( وعدت) تسيبي ليفني بأن الوضع سيتغير في غزة، لاحقا مساء اليوم الثاني من الهجمات صرحت لشبكة سي ان ان : تسعى إسرائيل إلى “إحداث تغيير على الأرض (في غزة)”، بمعنى أنها تريد من العملية، في نهاية المطاف، تقويض حكم “حماس” في غزة.

اذا حاولنا ترجمة الهدف الاستراتيجي السابق لاجراءات محددة على الأرض يمكن لنا ان نتصور شيئا شبيها بما فعلته الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، أي تفكيك القوة العسكرية للخصم، وتدمير بنيته التحتية، ودفع قيادة الخصم للهروب او الاستسلام، والتأسيس لاحلال قيادة بديلة محلها، ذلك وحده ما يصنع معنى ودلالة لفكرة تقويض حكم حماس.

أما تدمير المباني السكنية وقتل وترويع المدنيين فمن الصعب أن يتصور ه المرء طريقا لتحقيق الهدف الاستراتيجي السابق.

من أجل تفكيك القوة العسكرية لحماس كان ينبغي خوض معارك مواجهة أوسع بكثير مما فعلته اسرائيل، وقتل وأسر الألوف من المقاتلين، واحتلال المدن واخضاعها لفترة زمنية كافية تنتهي فيها كل مقاومة ذات أهمية، وتصفية القيادة أو أسرها حتى تتفرق مجموعات المقاتلين وتسلم أسلحتها.

كان ينبغي أن تتم السيطرة على مخازن الأسلحة، ويتم الكشف عن مقرات القيادة والتحكم، وتدمر كافة الصواريخ والأسلحة المتوسطة والخفيفة، ويتسلم الجيش الاسرائيلي مقاليد الحكم في غزة لمرحلة انتقالية ريثما تتم عملية نقل السلطة وتصفية كل جيوب المقاومة.

اذن اما ان ليفني لم تكن تعرف بالضبط الهدف الاستراتيجي للحرب وذلك ما لا يقبله العقل، او انها أعلنت هدفا غير حقيقي، وهو خطأ غير مقبول لأن نتائج الحرب ستقاس بالنسبة لهدفها المعلن، أو أن اسرائيل تراجعت عن هدفها خلال سير المعارك على الأرض وذلك هو الاحتمال الأكثر منطقية.

يعزز ذلك فكرة المراحل الثلاث للحرب التي كثر الحديث عنها، فالمرحلة الأولى كانت مرحلة القصف الجوي والمدفعي عن بعد، والمرحلة الثانية كانت احتلال المناطق المكشوفة وتقسيم قطاع غزة ومحاصرة المدن، اما المرحلة الثالثة التي بقيت غامضة فهي مرحلة المواجهات المباشرة التي ستحسم الحرب مما يؤدي الى قطف الثمرة (تقويض حكم حماس).

حجم القوات العسكرية المشاركة في القتال من الجانب الاسرائيلي لم يكن بحال من الأحوال متناسبا مع متطلبات المرحلتين الأولى والثانية فقط، فرغم التكتم الشديد جرى الحديث عن استخدام ثلث القوات العسكرية الاسرائيلية البرية، اعتمدت القوات الإسرائيلية في هجومها ضد القطاع على القصف الجوي، باستخدام طائرات إف 16 (نحو 60 طائرة)، ومروحيات أباتشي، وطائرات الاستطلاع بدون طيار، والقصف البحري من خلال الزوارق الحربية، كما استخدمت القصف البري بواسطة المدفعية الثقيلة المتمركزة على الشريط الحدودي المحاذي للقطاع، إلى جانب مشاركة دبابات ميركافا وناقلات الجند في عملية الاجتياح البري للقطاع من الشمال والشرق. وفي السياق نفسه، حشدت إسرائيل نحو 10 آلاف جندي للمشاركة في العملية البرية، واستدعى الجيش أيضاً عشرات الآلاف من جنود الاحتياط في اليوم الأول من العملية البرية، وصرح متحدث باسم الجيش الاسرائيلي بأن قوات الاحتياط أرسلت للمشاركة في الهجوم الذي تشنه إسرائيل منذ 17 يوما بهدف انهاء الهجمات الصاروخية التي تشنها حماس عبر الحدود.

أي ان اسرائيل زجت بقوات الاحتياط على دفعتين اولاها في اليوم الأول والثانية بعد 17 يوما من بدء الحرب.

لا يمكن لأي شخص يتمتع بحد أدنى من الحس الاستراتيجي تصور أن تلك القوى الهائلة التي تصلح لحرب دولة قوية وليس لمنظمة شعبية مقاومة كحماس قد حشدت وزجت في المعركة دون أن يكون الهدف الاستراتيجي المتوخى من الحرب أقل من استئصال شأفة حماس وقلعها من غزة مرة واحدة والى الأبد.

ومرة ثانية أقول ان تسيبي ليفني قد كانت تعني ما تقول تماما سواء في تصريحها الأول بمصر او الثاني لشبكة السي ان ان.

لكن السؤال الكبير الذي يفرض نفسه هنا هو لماذا تراجعت اسرائيل وهي تعرف تماما ماذا يعني الفشل في تحقيق هدفها الاستراتيجي المعلن ؟

الجواب الوحيد المقنع هو ذلك الذي يمكن العثور عليه في الميدان، (بالإذن) من جميع المحللين الاستراتيجيين الذين التفتوا الى العوامل الخارجية التي لا يمكن اغفال دورها لكن ليس كسبب مباشر ورئيسي بكل تأكيد.

بطريقة أخرى يبدو لي أن اسرائيل فوجئت بالتماسك والصلابة الاسطوريين التي أظهرتهما المقاومة في غزة والشعب أيضا بدرجة لا تقل بالأهمية على الاطلاق، خاصة بعد الضربة الجوية التي صممت على نمط الضربة الجوية الأمريكية للعراق والتي سميت بالادهاش والترويع، وكان من نتيجتها بالنسبة للعراق تفكك أنظمة السيطرة والتحكم، و( تليين ) مقاومة الخصم ( الجيش العراقي والقوى شبه العسكرية المساندة ) ليكون قاب قوسين او ادنى من الانهيار.

وفوجئت اسرائيل ثانية بحجم الخسائر التي تلقتها في المرحلتين الأولى والثانية نسبة لما هو متوقع، اذ كانت هناك المئات من الاصابات في صفوف الجنود والضباط، وفوجئت اسرائيل أيضا بعدم قدرتها على ايقاع خسائر مهمة بالمقاومة خلال اثنين وعشرين يوما من القتال، كما فوجئت بالقدرة الصاروخية للمقاومة وبقائها رغم القصف والحصار والاختراق.

وباعتبار ان المرحلة الثالثة في الحقيقة هي المرحلة الأصعب، بل هي الحرب الحقيقية، فقد تأكدت اسرائيل أن اكمالها الحرب سيكون مغامرة محفوفة بالمخاطر، وربما لعب خوف القيادات من انهيار معنويات الجنود في الاشتباك القريب دورا هاما اضافيا في مجمل الأسباب الميدانية التي دفعت القيادة الاسرائيلية لانهاء حربها قبل الأوان واجهاض الهدف الاستراتيجي الذي بات عزيز المنال.

لقد أوقفت اسرائيل الحرب مرغمة، وكل حديث عن ضغوط دولية دفعت لانهاء الحرب هو لغو فارغ، فالساحة الدولية لم تكن في وقت من الأوقات أكثر مناسبة لاسرائيل مما كانت عليه، أما القول بأنها أوقفت الحرب من أجل كرنفال تسلم اوباما الحكم فلا يستحق الوقوف عنده.

أرادت اسرائيل من حربها على غزة محو هزيمتها في لبنان واعادة عقارب الساعة الى الوراء، لكن ما حدث أن معركة غزة قد رسخت ما أفرزته حرب لبنان من نتائج حول محدودية قدرة العسكرية الاسرائيلية، لقد هزمت العسكرية الاسرائيلية في لبنان ولكن هزيمتها في غزة أشد مرارة وأكثر اذلالا رغم السحب الكثيفة التي غطتها من آثار القصف والقتل والتدمير اليائس.

قبل انهاء حربها على غزة أوفدت اسرائيل وزيرة خارجيتها لتوقيع اتفاق أمني مع الولايات المتحدة الأمريكية لضمان عدم ( تهريب الأسلحة ) لحماس ! والطريف في الأمر أن البعض قد نظر اليه كإنجاز سياسي للحملة على غزة، في الواقع يتعجب المرء لماذا تلجأ اسرائيل الأقوى عسكريا بين دول الشرق الأوسط والمنتصرة على (حفنة الارهابيين ) في غزة لحماية الولايات المتحدة وحلف الناتو بعد أن حققت كل أهدافها من الحرب كما تقول؟؟

لقد كان ينبغي لها أن تذهب الى واشنطن لقبض ثمن الانتصار وليس لطلب الحماية ضد خصم مهزوم.

يتقاطع ذلك مع احتشاد قادة حلف الأطلسي الذين قدموا لشرم الشيخ على عجل لا لتهنئة اسرائيل بالنصر ولكن ليعبروا عن تضامنهم معها، تضامن لا يخفى كونه محاولة لتغطية هزيمة مريرة لطفلتهم المدللة.

الحرب هي الحرب، تفصل بين عالمين وعصرين، ما يصح قبلها لا يصح بعدها، ونتائجها غير قابلة للارتداد، ومهما حاولت مكنات الاعلام الغربية وملحقاتها العربية تصوير فشل اسرائيل باعتباره نصرا، ونصر المقاومة باعتباره مجرد مذبحة وكارثة، فالحقيقة بدأت تطل برأسها، من بين سحب الدخان وأنقاض المنازل المدمرة، لقد هزمت العسكرية الاسرائيلية ثانية، ولن تعود لغزة.