ماذا تقول زيارة جميلة بوحيرد للجنوب المحرر؟

بادية ربيع

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1785)

الإسم جميلة بو حيرد

والعمر اثنان وعشرونا

في السجن الحربي بوهرانَ

والرقم اثنان وتسعونا

العينان كقنديلي معبد

والشعر العربي الأسود

كالصيف كشلال الأحزن

إمرأة من قسنطينة

لم تعرف شفتاها الزينة

لم تعرف كنساء فرنسا

بيت اللذة في بيجال.

هذه مقاطع البداية من قصيدة للشاعر الراحل نزار قباني إثناء اعتقال جلاوزة الاستعمار الفرنسي للمناضلة جميلة بوحيرد في خمسينات القرن العشرين، وتعذيبها ليصل إلى درجتين من مبتغاه:

الأولى: كسر إرادة المرأة الثائرة، وتحديداً كإمرأة شرقية، كي تخرج المرأة من ساح الثورة مما يساعد على قمعها القائم فتتأخر الثورة وليس التنمية وحسب.

والثانية: لكي يتمكن المستعمِر من الوصول إلى مجاهدي جبهة التحرير الوطني الجزائرية، فينكسر كل شيىء.

فشل المستعمِر في الثانية بلا مواربة، ولكن نجاحه في الأولى لم يكن لضعف جميلة بوحيرد، بل لعوامل في الثوريين وفي أنظمة الحكم العربية، في قطريات الاستقلال الشكلي، والخروج المموه للاستعمار. لو كان نجاح الاستعمار نتاج انكسار جميلة، لما زارت اليوم بقامتها الفارعة جنوب لبنان المحرر، بل لقالت كما يقول الذين احترفوا الهزيمة، واستدخال الهزيمة، لم تنتصر الجزائر، ولم تنتصر المقاومة اللبنانبة، ولم تصمد غزة هاشم حتى وهي ارقة بين أشلاء أبنائها وفي الدم.

بالتخصيص، فجميلة هي امرأة مناضلة، لكن الثورة ليست عملا فردياً بحتاً، ربما هي من الأعمال القليلة التي هي فردية جدا وجماعية جدا في نفس الوقت، فجميلة بوحيرد تمثل المرأة الجزائرية المناضلة ضمن الثورة الوطنية بأسرها.

في زيارتها للجنوب اللبناني بما هو أرض محررة، ولسجن الخيام كشاهد على الاستعمار الإستيطاني الأبيض، وخلال قيام العدو “الإسرائيلي” بمجزرة غزة ووقوف كل الغرب الرسمي معه، كأن جميلة بوحيرد تقول: اتيت من المغارب العربية لأجسد انتمائي العروبي لهذا الوطن المبتلى بعداء تاريخي من الغرب، عداء يشتد كلما مر الزمن، ويتنوع كذلك، عِداء يُذكرنا كل يوم أن كلنا عرباً ولا طريق سوى الوحدة.

لكن سيدة ومناضلة من وزن جميلة بو حيرد يقول حضورها الكثير. يقول حضور جميلة بوحيرد أين انتهت المناضلات الجزائريات بعد الثورة، أين كل نساء الوطن العربي، وهل يمكن لوطن أن يتحرر ويتقدم بجنس واحد؟ بل إن عدم تحرر ولا تقدم هذا الوطن، ناتج عن تغييب جنس للآخر، وامتلاكه له. أو انشغال جنس بالسيطرة على الجنس الآخر، متسلحاً برأس المال والذكورة ومستخدما قراءة وتفسيراً خاصاً للثقافة والتراث والدين…الخ.

كأن جميلة بوحيرد تقول، ها قد مضى نصف قرن، وأنا قد اجتنبت رقعة صغيرة من المكان أرقبكم منها، وكأنكم توقفتم عند بدايات الثورة الجزائرية. لا بل توقفتم في أشياء وتراجعتم في أشياء كثيرة أخرى. في تلك الفترة كانت الأمة العربية بأسرها تساعد الثورة الجزائرية، أما اليوم، فمعظم الأنظمة العربية تستجدي الكيان الصهيوني ليذبح المقاومة، ومعظم الأنظمة العربية قدمت لواشنطن كل ما تعرفه عن قيادة العراق وحواري بغداد وشواطىء دجلة. وكثير من الأنظمة العربية تمنت على أولمرت تصفية حزب الله. ومعظم الأنظمة العربية القطرية تمنت لو يقوم الكيان الصهيوني بإلقاء غزة في البحر، وها هو قد اغرقها في الدم.

قبل خمسين عاماً كانت المرأة العربية في المزرعة والمطبخ. أما اليوم فهي إما في المطبخ او في المخدع والمطبخ، أو أن لها في المخدع شريكة/ات/ك من رقيق العصر بمختلف ألوان بنات الأرض. قبل خمسين عاماً كانت الأرض تنتج والناس يكتفون، أما اليوم فالوطن مكشوف غذائيا كما هومكشوف قومياً. هل هي لعنة إبعاد المرأة عن الأرض، إبعاد المرأة عن العمل؟

قبل خمسين عاماً كانت هناك قامات قيادية كبيرة حلمها الوطن الكبير، الدولة القومية، واليوم هناك قادة، ولا أبي عبد الله الصغير، قامات ضئيلة متضائلة بقدر القُطر او الكنتون.

يقول حضور جميلة بوحيرد، أن المرأة الاستعمارية كانت تقف حسيرة متضائلة أمام صمود جميلة، أما اليوم، فالمرأة الإستعمارية ترقص على اشلاء نساء غزة، وتراقص الحكام العرب رقصة الإيقاع بالسفهاء لتنهب دم الأمة. أليست نساء الراسمالية المعولمة هي التي تسرح في قصور حكام القطريات العربية، كونداليزا رايس، وميركل، وليفني، وشيرلي بلير… ةيرهن. بل إن هذه النسوة يعلَّمن نساء الجو المخملي العربي كيف يكن غربيات لا محليات، ليترفعن على هذا الشرق وتراثه، وليربطن حاضره ومستقبله بدور عبودي للغرب.

لكن حضور جميلة باختصار هو: دعوة للثورة، دعوة للمقاومة مقاومة المحتل، والمستعمِر، ومقاومة الرجل التابع لينهض من تبعيته، أو ينصرف، ومقاومة إخضاع المرأة وصولا إلى حقها كما هو خِلْقةً.