بعد أن صمتت مدافع الحرب

أحمد زكريا ـ القاهرة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1787)

بدايةً أقرر أنني اختلف مع “حماس” و”الجهاد” أيديولوجياً، وإن كنت أتفق مع رؤيتهما ومع رؤى فصائل فلسطينية أخرى سياسياً، فيما يتعلق بمعاداة المشروع الصهيوني، والدولة الإسرائيلية ذات التوجه العنصري الإستيطاني الإحلالي التوسعي. لذلك أقرر أيضاً أنني أحترم هذين الفصيلين في الوقت ذاته، وأعتبر كفاحهما من رصيد المقاومة العربية، الذي أفخر وأعتز به، وأشرف بدعمه، والانتماء له سياسياً.

والآن وبعد أن سكتت آلة الحرب الإسرائيلية عن حصد أرواح المدنيين، واتخاذ من تبقى منهم دروعاً بشرية لجنودهم، بل ولدباباتهم أيضاً، اتقاءً وتفادياً لنيران المقاومين، يمكن إعادة قراءة الأحداث! وكلما قرأتها لا أجد ما كان يمكن للمقاومين عمله لتفادي بطش آلة الحرب الإسرائيلية، فمنذ أكثر من عامين خاضت قوى المقاومة، ومنها حماس، غمار انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني (البرلمان الفلسطيني)، ولم تخطط حماس وقتها لأكثر من الفوز بمقاعد تمكنها من أن تكون معارضة برلمانية قوية، تعيق أي تنازلات قد تقدم عليها سلطة الحكم الوطني الفلسطيني، واضطرت حماس بالتحديد لدخول الانتخابات بعدد كبير من المرشحين تحسباً من ممارسة سلطة الانتخابات للتزوير لصالح “فتح”، فكانت المفاجأة بوجود مراقبين دوليين من أوروبا، فتمت الانتخابات دون تزوير، ففازت حماس بنسبة 74% من مقاعد التشريعي عن قطاع غزة، وبنسبة 53% عن مقاعد التشريعي في مناطق الضفة الغربية، بما يعني اضطلاعها بتشكيل الحكومة منفردةً، ما وضع حماس في مأزق سياسي خطير.

حاولت الحركة الخروج منه بسعيها لمدة ثلاثة أشهر لتشكيل حكومة وحدة وطنية بمشاركة كافة الفصائل، ولكن دون جدوى. فقد أحجمت “فتح”، كما أحجمت بقية الفصائل، عن تلبية دعوة حماس (عسى أن تغرق، فتـُسـَـلـِّم)، فاضطرت الأخيرة لتشكيل الحكومة منفردة، وعقب ذلك قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي باعتقال عشرات من أعضاء المجلس التشريعي المنتمين لحماس، لإضعاف تمثيلها التشريعي، وموقفها السياسي في مواجهة باقي الفصائل، بغية تسييد وترجيح الثقل السياسي لـ”فتح”، وضغطت الإدارة المصرية على حماس لقبول الانضمام لمسيرة التسوية السلمية بقيادة أبو مازن، إلا أن حماس رفضت، وهذا ما كنت أعنيه بالمأزق، فإما أن تقبل حماس بمسايرة أبو مازن في خطه السياسي، وبالتالي التنازل عن كل ما تمسكت به من ثوابت، بخصوص حق العودة والقدس والمياه والمستوطنات في الضفة وانسحاب الإسرائيليين إلى خطوط 5/6/1967، وبالتالي تحافظ على تغريدها داخل السرب العربي المساوم، وتكون بذلك قد خدعت الناخب الفلسطيني، الذي اختار ممثليه في التشريعي من حماس على قاعدة المقاومة بالمفهوم سالف الذكر، وعلى قاعدة محاربة الفساد المالي والإداري، الذي استشرى على يد أبو مازن ورجاله من حكام رام الله، وإما تتمسك بثقة الناخب الفلسطيني، وتقاوم ليس الإملاءات والشروط الإسرائيلية فحسب، وإنما ما يترافق معها من ضغوط فلسطينية ورسمية عربية، أيضاً، من كافة القوى التي تمترست في خندق التسوية السلمية.

ولم يكن من مخرج سوى أن تُجَهـِّز واشنطن خطه للإطاحة بسلطة المقاومة وحكومتها، فأرسل بوش بمندوبه، بخطته تلك إلى رام الله (أبو مازن) منذ عامين (وهي المعلومة التي أكدها محمد حسنين هيكل في حديثة لقناة الجزيرة يوم 22/1/2009)، وبالتوازي مع ذلك كانت القاهرة التي تمارس دور راعي التفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، تمد محمد دحلان بالتمويل والسلاح وتدريب رجاله في القاهرة، وتعيد دفعهم إلى غزة، استعداداً للحظة الإطاحة بقيادات حماس (أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين، وأعضاء الحكومة المُمـَثـِلـَة لرغبة وإرادة غالبية الناخبين الفلسطينيين)، وقد أبلغ وقتها دحلان القاهرة بأن ما يقارب 25 ألفاً من الرجال المدربين يأتمرون بتوجيهاته، وجاهزين للتنفيذ، وكان أن دفعت واشنطن عبر إسرائيل ومصر لمحمد دحلان بـ87 مليون دولار كتمويل لتلك العملية، إلا أن حماس علمت بالمخطط، وحصلت على وثائق وتسجيلات بالصوت والصورة للتفاصيل، ما دفع حماس إلى المبادرة بالإطاحة بمحمد دحلان ورجاله، مع ملاحظة أن التقدير العددي لرجال حماس وقتها لم يكن يتجاوز ثلاثة آلاف مقاتل داخل غزة، بالإضافة إلى أن دحلان لم يكن يمثل سلطة تنفيذية، وإنما كان مستشاراً لرئيس السلطة الفلسطينية للأمن “القومي”، وانتهت الأحداث باستتباب الأمر لصالح الحكومة الشرعية لحماس، التي تحظى بتأييد غالبية المجلس التشريعي، الأمر حتى الآن لا يوجد فيه خرق للشرعية، وانقسم الوضع بين سلطة الرئاسة في رام الله، وسلطة الحكومة وغالبيتها في غزة، فأقال أبو مازن الحكومة الشرعية وقام بتعيين حكومة تسيير أعمال مؤقته، وهذا من صلاحياته وفقاً للقانون الأساسي الفلسطيني، حين يختلف رئيس السلطة مع المجلس التشريعي، وتمتد صلاحية الحكومة المؤقتة لمدة ثلاثين يوماً، فقط، ولا يتم تمديد عملها لشهرٍ آخر إلا بموافقة المجلس التشريعي، وبحد أقصى لشهر ثالث بذات الشروط، يتم بعدها إعادة الانتخابات التشريعية، وهو ما لم يتم حتى الآن، وعلى مدار عامين، فلا التشريعي أقر تمديد عمل الحكومة المؤقتة لتسيير الأعمال، ولا تم إعادة انتخابات التشريعي، وتم حصار قطاع غزة منذ عامين وحتى الآن، حصاراً كاملاً، اشتركت فيه إسرائيل وسلطة رام الله والإدارة المصرية والحكام العرب كلهم، سـُدَّت فيه أبواب كل شيء، مع استمرار استهداف الإسرائيليين للمقاومين ورجال حماس داخل القطاع، انضم لسلطة رام الله في هذا الصراع باقي الفصائل الفلسطينية، باستثناء الجهاد، الذي لم يشارك في انتخابات التشريعي من الأصل، وتم الدخول في تهدئة الأشهر الستة الأخيرة، بهدف وقف الاعتداءات الإسرائيلية على المدنيين، وعلى رجال حماس والجهاد داخل غزة، ورفع الحصار، وفتح المعابر، وفتح البحر أمام الصيادين، لكن لم يتم تنفيذ اتفاق التهدئة من الجانب الإسرائيلي، ذلك الاتفاق الذي ضمنته الإدارة المصرية بذاتها، وعند انتهاء مدة التهدئة يوم 19/12/2008 طالبت حماس بإنهاء الحصار وفتح المعابر وفتح البحر، كشروط لتمديد التهدئة من جانبها عن فعل المقاومة، وهو حق مشروع لكل شعب يخضع لحالة احتلال أجنبي، لم تستجب أيٍ من الأطراف للمطلب الفلسطيني، وكان أن انطلقت صواريخ المقاومة ضد إسرائيل لرفع حالة الحصار بالقوة المسلحة. فشنت إسرائيل هجومها العنيف والذي أعدت له من عدة أشهر سابقة يوم 27/12/2008.

الآن وبعد أن سكتت حمم جهنم الإسرائيلية التي كانت تتدفق على أهالي غزة، يمكننا أن نفكر، كان الموقف السياسي في ذلك الأسبوع 19 – 27/12/2008 السابق على الهجمة الإسرائيلية كالتالي:

لحظة انعدام وزن داخل البيت الأبيض، رئيس أمريكي يخرج، وآخر يتأهل لتسلم المكتب البيضاوي، أزمة اقتصادية مستحكمة على العالم كله ومن ضمنه إسرائيل، وقطاع غزة، قرار من الاتحاد الأوروبي في رفع مستوى علاقاته مع إسرائيل بقرار في 08/12/2008، انتخابات إسرائيلية وشيكة ستجري في 10/2/2009، ويخرج إيهود أولمرت المهزوم في 2006، والصادر بحقة تقرير فينوجراد الشهير مهزوماً من الوزارة، فضلاً عن ملفات مليئة بالفساد المالي والإداري والرشاوي فتحتها له تسيبي ليفني وإيهود باراك سابقاً، للإطاحة به من قمة (كاديما)، تنتظره قضائياً عقب مغادرته مجلس الوزراء، من جانب آخر فشل من تسيبي ليفني في تشكيل حكومة ائتلاف وطني داخل إسرائيل، بعد فوزها بأغلبية أصوات الانتخابات داخل الحزب الحاكم الإسرائيلي “كاديما”، وقياسات الرأي، آنئذٍ، داخل إسرائيل تشير إلى تأرجح الأصوات بين “كاديما والعمل” من جانب و”الليكود” من جانبٍ آخر، ومحمود عباس أبو مازن ستنتهي فترة رئاسته يوم 9/1/2009 مع عدم ملاءمة الأوضاع إسرائيلياً لعقد انتخابات جديدة لرئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية ستنتهي غالباً، مثلما انتهت انتخابات التشريعي لصالح حماس، أو على أفضل التقديرات لصالح مرشح فلسطيني متشدد ضد إسرائيل، ومع تعذر الانتخابات الرئاسية الفلسطينية يشغل رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني (عزيز الدويك – حماس) مقعد رئيس السلطة، لحين امكان عقد الانتخابات، لذا استبقت إسرائيل ذلك فحكمت بسجن الدويك ثلاث سنوات، وهو المعتقل لديها أصلاً منذ عام ونصف، وبالتالي دستورياً يجلس نائب رئيس المجلس التشريعي (أحمد بحر – حماس أيضاً) والموجود في غزة، على مقعد رئيس السلطة الوطنية مؤقتاً، علاوة عن تسرب أخبار عن رسائل غير مباشرة بين أوباما وحماس لتحسس الرئيس الأمريكي لمستقبل خططه فيما يتعلق حل الصراع العربي الصهيوني، وكان لابد لإسرائيل من غلق هذا الباب بتدمير حماس كي لا يجدها أوباما كطرف من أطراف الصراع حين يتقلد الحكم، وكان المخرج الوحيد إسرائيلياً من كل هذه المشاكل هو توجيه إسرائيل لضربة عنيفة إلى غزة وحماس، وليس إلى حماس وحدها.

أعلنت القيادة الإسرائيلية المشتركة (أولمرت – ليفني – باراك) هدف العملية بالقضاء على حماس ووقف التهديد الأمني الفلسطيني على جنوب إسرائيل، ووضعوا تقديراً للبرنامج الزمني للعمليات من ثلاثة لأربعة لأيام وبحد أقصى أسبوع، ثم تباعاً سمعنا عن أن للعملية العسكرية مراحل، ثم تم تخفيض سقف الهدف من العملية تباعاً إلى توجيه ضربة قاسمة لحماس ثم ضربة موجعه ثم إيقاف الصواريخ ثم تحجيم إطلاق الصواريخ وأخيراً حددت ليفني هدف العملية العسكرية بأنه (حين تنتهي العمليات سنكون حققنا أهدافنا) دون تحديد واضح لماهية تلك الأهداف.

ومع تقدم العمليات انقسمت القيادة السياسية الإسرائيلية بين أولمرت المؤيد لاستمرار العمليات مهما طالت وليفني ـ باراك المؤيدين لسرعة إنهاء العمليات.

ولكلٍ من الطرفين ما يبرر موقفه فأولمرت يريد تمديد العمليات لإحراز انتصار يختم به حياته السياسية ويمحو عار انهزامه في 2006 أمام المقاومة اللبنانية، ويغلق به ملفات التحقيق في الفساد المشرعة له بعد خروجه من الوزارة، وفي حالة انهزام الجيش الإسرائيلي يترك لخليفته ليفني ـ باراك إرثأ تلطخه الهزيمة يبدآن به حياتهما السياسية في الوزارة الجديدة ويكون بذلك ثأر منهما لما ألحقاه به من فضائح ماليه وإدارية فتحاها له خلال العامين الماضيين.

أما ليفني ـ باراك فمع نهاية الأسبوع الثالث كان قد تأكد استحالة القضاء على حماس بالطريق العسكري أو حتى تقليل فاعليتها العسكرية فضلاً عن انقلاب الرأي العام الشعبي العالمي ضد الآداء الإسرائيلي، بل والمواقف المتشددة التي اتخذتها العديد من العواصم في فنزويلا وبوليفيا وأنقرة والدوحة ونواكشوط علاوة على بعض الأطراف في المنظمة الدولية “الأمم المتحدة”، ثم جاء اتصال أوباما بأولمرت بضرورة إنهاء العمليات العسكرية قبل حفل تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة بثلاثة أيام ليحسم المسألة فتتوقف الحرب في 17/1/2009، ومع انتهائها أعلنت المقاومة نتائج العمليات من جانبها، على النحو المعروف، فيما لم تعلن إسرائيل عن أي نتائج أو أرقام، ومن جانبٍ آخر لم تتوقف الصواريخ، ولم تشل فاعليتها، ولم يتم القضاء على حماس، أو ضربها ضربة تعجيزية، ولا تم القضاء على الأنفاق، ولا تم خلق واقع أمني جديد في الجنوب الإسرائيلي، فهو ما زال تحت مدى صواريخ المقاومة، بل أن الحرب أثبتت أن تلك الصواريخ طالت جنوب تل أبيب بخمسة عشر كيلومتراً فقط،، فضلاً عن استمرار قوى المقاومة في أسر الجندي “جلعاد شاليط”، ولكن ما شاهدناه هو استخدام إسرائيل لأسلحة محرمة دولياً، استهدفت سبعة آلاف من المدنيين العزل، وثلاثة عشر مسجداً، بعضها قصف على من فيه من مصلين، مع قصف عدد من مراكز ومدارس الأنروا، على ما فيها من مهمات إنسانية، وعلى من فيها من مدنيين، رغم وجود علم الأمم المتحدة مرفوعاً عليها، وتدمير عدد كبير من المباني الأهلية والسكنية والمنشآت الحكومة المدنية، وهو ما يندرج إجمالاً تحت بند جرائم الحرب المعادية للإنسانية، تلك الممارسات التي أكدت النهج الفاشي العنصري المعادي للإنسانية الذي ينتهجه المشروع الصهيوني.

ولكن نتج عن المأساة واقعاً سياسياً مغايراً:

– تراجع سلطة أبومازن سياسياً إلى الهامش

– انتهاء مدة رئاسة أبو مازن، وفراغ مقعد رئيس السلطة، مع تمديد وزراء الخارجية العرب لمدة رئاسة محمود عباس، وهو أمر لا شرعية له، فقد أعطى من لا يملك، حقاً لمن لا يستحق، وبتغييب غير مبرر، لإرادة الناخب الفلسطيني، وللقوى الوطنية الفلسطينية، والمؤسسات الفلسطينية، فباتت السلطة الشرعية الوحيدة الموجودة الآن على الساحة السياسية الفلسطينية، هي سلطة المجلس التشريعي، الذي تشكل حماس، والمقاومة الأغلبية فيه

– أسفرت هذه الهجمة عن تراص واصطفاف كافة الفصائل الفلسطينية، بمن فيهم الشرفاء من “فتح”، ضمن خندق المقاومة، يداً واحدة، في وحدة فلسطينية مفتقدة منذ أكثر من عامين، باستثناء محمود عباس ورجال سلطة رام الله

– تراجع دور الإدارة المصرية من وسيط سلام إلى مجرد موصل للرؤية الإسرائيلي، فقد شغلت الدبلوماسية المصرية خلال فترة الحرب، مقعد مدير بوزارة الخارجية الإسرائيلية، تحت يد وتوجيهات تسيبي ليفني، ودون حق المصريين في إبداء الرأي، ودون السعي لذلك أيضاً، صار الحوار دائراً عبر الموظفين المصريين بين طرفي الصراع الحقيقيين الطرف الإسرائيلي، وتحالف المقاومة التي تخوض الدفاع عن غزة وفي المقدمة منها حماس، بما يعني أن سلطة رام الله فقدت مشروعيتها، ووظيفتها، أيضاً، وتم تهميشها وتجاهلها إسرائيلياً، ومصرياً، كما تجاهلت إسرائيل الإرادة الرسمية العربية المشلولة، وفي الصدارة منها الإرادة السياسية المصرية.

– التفاف شعبي فلسطيني وعربي وإسلامي وعالمي حول شعب غزة، وإرادة المقاومة التي يتمسك بها حتى النهاية، مع إدانة شعبية واسعة للهجمة والنهج العدواني البربري الإسرائيلي.

– توقيع تسيبي ليفني مع كونداليزا رايس، في آخر يوم عملٍ لها، اتفاقاً بتدابير أمنية، تتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وما حوله براً وبحراً، أي اتفاقاً متعلقاً بالأساس بالسيادة المصرية، وتم التوقيع عليه دون إخطار الإدارة المصرية، بل وبتجاهلٍ تامٍ لها، ما ينبئ عن الطبيعة المستقبلية المتوقعة لتعامل أمريكا وإسرائيل، وحتى الاتحاد الأوروبي، مع الواقع السياسي العربي، من منطلق فرض الأمر الواقع، دون مراعاة لأي طرف عربي، فقد ثبت من الأزمة الأخيرة، أن كل الأطراف العربية مجرد أصفار، لا وزن سياسي لها في المنطقة، فضلاً عن خارجها.

لقد استهدفت إسرائيل بهجمتها البربرية الأخيرة المدعومة عربياً وأمريكياً وأوروبياً، معاقبة الناخب الفلسطيني على اختياره للمقاومة، في انتخابات المجلس التشريعي، عقاباً عسكرياً، بعد أن فشل العقاب السياسي، والاقتصادي طوال عامين، لدفع ذلك الناخب لتغيير موقفه بالانقلاب على خط المقاومة، فكان من غير الممكن أو المقبول أن يتراجع أبناء غزة عن الدفاع عنها والتصدي للقوات الإسرائيلية المهاجمة للقطاع وأهله، ومن غير الممكن أو المقبول ترك الجاني حراً والاستدارة لمحاسبة الضحية عن مقاومتها للعدوان، حتى لو كان توازن القوى في غير صالح الضحية. وفي الحقيقية فإن اختلال توازنات القوى لصالح الجلاد، لم يتأتَّ إلا عبر تخاذل المجتمع الرسمي العربي، والدولي، عن نجدة الضحية، وردع الجلاد، ووقفه عن جرائمه ضد الإنسانية، بل ودعمه من بعض الأطراف.

لقد التفت الجماهير العربية والفلسطينية حول عبد الناصر، حين كانت الإدارة المصرية تتبنى مقاومة المشروع الصهيوني، والتصدي له، وانفضوا عنها حين وقعت كامب دافيد 1978، ومعاهدة السلام 1979، فالتفت الجماهير حول فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية كقيادة، حين كانت تتمسك بالمطالب المشروعة للشعب الفلسطيني، وانفضت من حولها حين وقعت تلك القيادة اتفاق أوسلو 1993، ولم تحصل بموجبه الجماهير على الحد الأدنى من مطالبها، فالتفت من جديد حول قيادة جديدة تبنت مطالبهم، وكانت حماس، والجهاد، والشعبية، والديموقراطية، وغيرها، ممن عارضوا نهج أوسلو، ورفضوا الخضوع للطغيان الإسرائيلي، المؤيد من الدبلوماسية العربية الخانعة.

ترى لو استجابت حماس وقوى المقاومة الآن للضغوط وقررت، فرضاً، التنازل عن الحد الأدنى المشار إليه بعاليه، هل ستظل تحظى بشرعية التفاف الجماهير الفلسطينية حولها؟ أم ستنفض الجماهير عنها لتبحث عن قيادةٍ جديدةٍ مقاوِمة، تطالب لتلك الجماهير بما لا يمكنها التنازل عنه؟

المطلوب الآن من جبهة المقاومة الفلسطينية ومن ضمنها “حماس”، التفكير عملياً، وبجدية في استلام زمام المبادرة، بصفـتها الجهة الشرعية الوحيدة، الآن، على الساحة الفلسطينية، عبر طرح ما يلي:

1) التقدم بمبادرة لتشكيل حكومة وحدة وطنية جامعة، ذات طابع سياسي، وتكنوقراطي، في آنٍ معاً، تنضوي ضمنها كل فصائل المقاومة، التي شاركت في الدفاع عن الإرادة الحرة، والشرف الفلسطيني في غزة، حكومة إنقاذ وطني، وتسعى لدى الأطراف المؤثرة محلياً وإقليمياً وعالمياً للحصول على دعمها.

2) بلورة مبادرة بخطة عمل واضحة للتطوير الاقتصادي للأوضاع بالضفة الغربية، وقطاع غزة، ومن ضمنها إعادة إعمار قطاع غزة، وإعادة تأهيل أهله، لتلافي ما نجم عن الهجمة البربرية الصهيونية، من أضرار في شتى المجالات، والسعي لدى الأطراف الدولية المؤثرة لتبني تلك المبادرة ودعمها.

3) المبادرة إلى تشكيل لجنة فلسطينية عربية، لاتخاذ الإجراءات القانونية الدولية اللازمة، للتحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل في قطاع غزة إبان الهجمة الأخيرة والسعي لتوقيع عقوبات على المسؤولين عنها، مع إلزام إسرائيل بالتعويضات المناسبة المترتبة على ذلك.

4) المبادرة إلى وضع تصور واضح لكيفية فتح معبر رفح وإدارته بإدارة مصرية فلسطينية خالصة، وبالضمانات المرضية والمقبولة للطرفين، حيث أن المعبر غير واقع تحت الاحتلال الإسرائيلي عملياً، كما أن ليفني قد أعلنت غير مرة أن إسرائيل رحلت عن غزة ولا تنوي إعادة احتلالها ثانية، وهو ما تأكد في الفترة من 17 – 20/1/2009 من سرعة انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع.

5) بلورة مبادرة سياسية تحظى بموافقة فصائل المقاومة، تشتمل على الحد الأدنى المقبول جماهيرياً، وهو الانسحاب الإسرائيلي لخطوط 1967 بما فيها القدس الشرقية، وقف العمل بتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية، والبدء في التفاوض على تفكيك ما هو موجود منها لأنه وضع خاطئ ناشئ عن احتلال غير شرعي فيجب تصويبه، وضع آليات لتسوية مشكلة المياه في الضفة الغربية والقطاع، وضع الآليات المناسبة لمعالجة حق العودة للشعب الفلسطيني.

والله من وراء القصد