شاليط الفرنسي، أل بي.بي.سي، BBC والمستوطنات الثقافية الغربية

ما الذي يجذب “مثقف فلسطيني” لهذه “المستوطنات”؟

عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1788)

هي الثقافة الاستعمارية الفرانكفونية نفسها التي تعتقد بها المؤسسة الحاكمة في هذه الإمبريالية العجوز، بل التي لو فقدت من ماضيها الأسود كل مكوناته فإن المكون العدواني فيها قائم كعمودها الفقري سيكون آخر ما تفقده وتموت بعده. لذا، لم يختلف تباكي جاك شيراك على شاليط عن تباكي ساركوزي عليه. قبل ايام كان والد شاليط في الإليزيه ضيفاً على المؤسسة التي تحكم فرنسا، بدل أن تحاكمه كيف يرسل ابنه لقتل الأطفال. استقبلته الحكومة الفرنسية التي أعمت عينها عن آخر وجبة للوحش الصهيوني في فلسطين آلاف الشهداء والضحايا ، ناهيك عن الأيتام والثكالى. كيف لا، وأعين النظام الفرنسي مفتوحة جداً في خدمة النظام الصهيوني وبالتالي تعرف ما تريد، ولذا، يُفرد الرئيس الفرنسي من وقت الشعب الفرنسي ساعات لمقابلة والد شاليط وشاليط معتدٍ ومحتل، لو كانت فرنسا الرسمية تؤمن بحقوق الإنسان لسحبت منه الجنسية. ومع ذلك كل هذه الوقاحة الرسمية الفرنسية لم تحرك دبلوماسياً عربيا واحدا لينطق بكلمة، فلماذا لا تُمعن فرنساالرسمية في هذا؟

لم يخجل السيد ساركوزي ولم يُقم أعتباراً قط للحكام العرب الذين التقوه في شرم الشيخ ليستمعوا لأوامره هو وأقرانه الأوروبيين الذين قفزوا لتهنئة أولمرت وليفني وباراك على ما سفحوه من دم شعبنا على أمل فناء المقاومة.

وإذا كان الأسود/الأبيض اوباما قد أرسل مبعوثه إلى المنطقة على حاملة طائرات ربما لتحرسه، فإن ساركوزي أرسل مدمرة إلى شواطىء غزة ولم يرسل حتى مبعوثاً، فاي استئسادٍ هذا!

بدورها، أرسلت بريطانيا العظمى بتاريخها الاستعماري الممتد وباسم “الأمم المتحدة ضدنا” السيد توني بلير، القاتل علناً في العراق وأفغانستان ، ناهيك عن الاغتيالات السرية، توني بلير ليشرف على إخضاع منهجي لشعبنا وعلى تطبيق الوثيقة الأمنية الأميركية في الأرض المحتلة والتي فحواها حفظ أمن الكيان أولاً وأخيراً، وبالطبع شطب حق العودة، شطباً حتى بازدراء!

كل هذا الحديث ليس موجهاً إلى هؤلاء المستعمِرين القتلة. فالمقصود بالحديث تنظيف وعي الشعب من تلوثين قاتلين:

التلوث الأول: ناجم عن أن صحافتنا وإعلامنا لا يذكر مِن سجل هؤلاء القتلة سوى اسمائهم ومراتبهم. فإعلامنا جبان أو قابض، لذا لا يذكر للمواطن أن هؤلاء أعداء، هم أنفسهم لا يخفون ذلك. أنظروا مثلا ماذا يكتب إعلامهم عن حسن نصر الله أو اي فصيل فلسطيني! فلماذا هذا الجبن والتخاذل على الأقل في ذكر حقائق هؤلاء السفاحين؟ أليس هذا التخاذل غير خدمة للعدو الذي يُسيل الدم وينهب الثروة.

والتلوث الثاني: دور المراكز الثقافية والإعلامية التابعة للدول التي انشأت الكيان وظلت تدعمه بما في ذلك مذبحة غزة. بريطانيا، فرنسا المانيا هولندا اميركا إسبانيا…الخ لماذا يذهب فلسطينيون يحاولون ان يكونوا مثقفين حتى ولو من الدرجة التي لا ترقيم لها. لماذا يرودون هذه الأماكن؟ ما الذي يجدوه هناك؟ ماذا غير أفكار عنصرية نتنة مغلَّفة بأيدي ناعمة جرى اختيارها ضمن نخاسة القرن الواحد والعشرين.

هذه المراكز الثقافية مثابة مستعمرات ثقافية لم توجد هنا إلا لتخريب الوعي والهوية والانتماء. هي قلاع لدول معادية، ما الذي يمكن استحلابه منها؟

قد يقول البعض ، ربما، ولكن لا يمكننا قبول المساعدات التي يقدمها الغرب الرأسمالي للأنروا وللمنظمات غير الحكومية وأن نرفض في الوقت نفسه مراكزه الثقافية.

في هذا الصدد علينا التفريق بين القضايا بحقائقها. فما يقدمه المركز الراسمالي للأونروا، هو حق للشعب الفلسطيني لأن هذا الغرب هو الذي أقام الكيان بدءاً من التخطيط لإقامة الكيان وحتى احتلال فلسطين 1917 وجلْب المستوطنين وتسليحهم وتصنيع تجمعاتهم ليحتلوا فلسطين عام 1948 ويطردوا شعبها، وصولا إلى دعم الكيان اليوم في مذبحة غزة. إن الغرب يدفع نزرا تافها من كلفة جريمته. وجريمته هي مشروع ممتد ومتواصل وليس لمرة واحدة، ولذا، هذا حق شعبنا بل جزء تافه من حقه. والغرب نفسه بالتحديد الذي لم ينفذ قرار الأمم المتحدة بعودة شعبنا إلى دياره وتعويضه، والغرب نفسه الذي في كل ما يقدمه للساسة وللمنظمات غير الحكومية والمراكز الثقافية…الخ ليس إلا بهدف تطبيع الشعب الفلسطيني لينسى حق العودة. هي خطة متماسكة ومتواصلة فبقاء الكيان وتحويله إلى شرعي، ولتذويب القضية سياسياً، وتوطين اللاجئين، اينما كانوا. هي خطة وقحة يتم تنفيذها تآمرياً على مراحل.

لا بل إن المسألة أوسع جدا من هذا، فكل دولة في العالم كانت قد أرسلت مستوطنين إلى فلسطين مطالبة بالاستمرار في تقديم الخدمة لشعبنا إلى أن يعود لوطنه الذي ساهمت هذه الدول نفسها في طرده. إن الكيان الصهيوني هو تجميع لأكثر من مئة تجمع بشري استيطاني ينتمي كل تجمع لقومية البلد المجلوب منه. ومن هنا نحن أمام تجمع مكون من أكثر من مئة قومية، ولذا لا يشكل أمة ولا قومية. وإذا كانت له من هوية، فهي هوية احتلال المكان بالمدفع والطائرة هي هوية القتل. هذا لسان حال الصهيونية: اقتل كي تكون. وهذا اللسان ليس إلا الامتداد الطبيعي للسان المركزاني الأوروبي الأبيض.

إن ما يدفعه الغرب الراسمالي هو واجبه، ومع ذلك حبذا لو يتوقف. عندها سيكون واجب القطريات العربية مواصلة دعم الفلسطينيين، وسينكشف أكثر وأكثر، بل بفظاظة، الوجه القبيح لهذا الغرب وهو انكشاف لا بد سيعجل الثورة العربية، لأن الأمور عندها سوف تأخذ حالة التخندق المتبادل بدل الحالة الحالية حيث الغرب يستعمر الوطن العربي حراً طليقاً، ينهب الثروات ويوزع على الأنظمة الحاكمة بعض الفتات لتأخذها لجيوبها نفسها.

لا بد من كشف المستور في أكذوبة الدعم الغربي، وخاصة المساعدات الأميركية للبلدان التي تتبعها حكوماتها أو انظمتها. كل ما تقدمه الولايات المتحدة للقطريات العربية ليست إلا مبالغ تافهة، بإمكان قطرية نفطية واحدة تغطيتها.

ولكن، لماذا لا يحصل هذا؟ لا يحصل لأن القطريات والمركز الراسمالي ممعنيون في تصوير العلاقات القطرية العربية وكأنها بين امم متجاورة جغرافياً بالصدفة، ليبقى الكل مجَّزءاً وحتى متعادياً، فيقوم المركز بالتهيئة للقطريات الصغيرة أنه يحميها بقوته وللفقيرة أنه يحميها بمساعداته. كل الأمر إذن للحيلولة دون اي مستوى من التماسك فما بالك بالوحدة العربية.

بي. بي . سي حالة عدوانية خاصة

ليست هذه المحطة الإعلامية الغربية المعادية وحدها التي وقفت موقفاً صهيونياً بامتياز. هناك محطات عربية أعلنت صهينتها بالطبع، ولا نقصد هنا الموظفين بل المحطة كمدرسة. ولم يكن الإعلام الفرنسي أقل دناءة من أل بي بي سي.

هذا هو الغرب الراسمالي والمركزاني بطبيعته التي لا تتغير إلا بالخوف الفيزيائي او المصلحي لا بالخوف الأخلاقي. خلال تظاهرات التضامن المحدودة التي استطاع الناس الإفلات إليها في رام الله سألني مراسل أل بي بي سي:

ـ هل تعتقد أن هذه الحرب والمظاهرات ستقوي حماس؟

ـ قلت له هل أنت تغطي احداثاً أم تحاول تعليمنا ما نقول انت هنا لترى بما تراه اعيننا، هذه تقوية للمقاومة.

في نفس الوقت سالتني مراسلة الفضائية السويدية السؤال نفسه. يا للعجب، قرأوا على سفاح واحد، حتى أولئك الذين في أقصى شمال العالم وأبرد مناطقه، إلا أن حرارة انتمائهم الصهيوني تكاد تذيب حواشيهم.

لكن أل بي بي سي، ضليعة بنت دولة ضليعة في العداء للأمة العربية وللشعب الفلسطيني خاصة. هي ترفض حتى وضع نداء استغاثة.

قد يقول قائل هناك هيمنة صهيونية عليها، لا بأس، ولكن هذا واجب المجتمع المدني البريطاني الضغط على هذه الاتجاهات كي تقلل من عنصريتها.

إنما السؤال الأهم، لماذا يتسلل كثرة من اشباه المثقفين إلى المؤسسات الثقافية البريطانية، والفرنسية والأميركية بل ومؤسسات كل دول الغرب التي باركت الذبح، لماذا يذهبون إلى “مستوطنات” تثقف بالتبعية والتخارج إلى الغرب.

هذا السؤال برسم الإجابة من جبهة المثقفين في فلسطين وبمناسبة بيانها الأول الذي صدر قبل ايام. فلا بد من التصدي بالفضح لهؤلاء.