مأساة غزّة تعرض الحقيقة العارية!

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1788)

منذ مأساة دير ياسين وكفر قاسم، إلى قانا وجنين، وحتى مأساة غزّة اليوم، دأب الإسرائيليون على التأكيد بأفعالهم وليس بأقوالهم أنّ حربهم ضدّ العرب هي حرب وجود لا حرب حدود، أي إمّا العرب أسياد أنفسهم وبلادهم وإمّا الصهاينة أسياداً في المنطقة والعرب عبيدها وموتاها، ولا حلّ ثالث على الإطلاق، حيث روح المشروع الاستيطاني الإسرائيلي هي روح التجربة الأميركية والأسترالية الاستيطانية الإبادية الناجحة، فإمّا أن يكون ويستمرّ بهذه الروح وإمّا أن لا يكون ولا يستمرّ أبداً من دونها، ولا تأثير لموقف العرب على هذه الحقيقة الإسرائيلية الثابتة سواء سالموا أم قاوموا!

لقد واظب الإسرائيليون على ممارسة قناعتهم الإبادية الثابتة طيلة العقود الطويلة الماضية، عمليّاً وميدانياً وبحزم، بينما هم يتحدّثون عموماً ودائماً بعكسها، فيشنّون حملات الإبادة الرهيبة التي تؤكّد خيارهم الوحيد، الذي لا يملكون فعلاً غيره، ويدعون في الوقت نفسه إلى السلام! يتظاهرون لفظيّاً بالمسكنة والضعف ويبرزون عملياً قوّتهم الأطلسية التدميرية الهائلة، التي لا يحدّها حدّ سوى مقتضيات التكتيك وأوامر سادتهم الأميركيين! لقد جعلوا من عبارات السلام وادعاءات الضعف والمسكنة أسلحة حربية ماضية فتكت أشدّ الفتك بضحاياهم، فالحكومات العربية، على عكس الإسرائيليين، سلكت عملياً طريق السلام الوهمي المزعوم بينما هي تتحدّث عموماً عن ضرورة المقاومة وتتظاهر بالاستعداد للحرب! لقد شكّل سلوك الحكومات السلمي وخطابها الحربي أهمّ عوامل ثبات الإسرائيليين في مستوطناتهم، وأهمّ أسباب انتعاش آمالهم بإمكانية نجاح مشروعهم، حيث زعزع ثقتهم تواصل المقاومات العربية الشعبية!

في اجتماع للحكومة الإسرائيلية، في مطلع الخمسينات من القرن الماضي، قال الجنرال موشي دايان: “نحن لا نريد إقامة حلف مع الولايات المتحدة (يقصد: حلف رسمي معلن) فمثل هذا الحلف لن يشكّل سوى عائق، والحقيقة هي أنّنا لا نواجه أيّ خطر من القوة العسكرية العربية، ومن ناحية أخرى فإنّ العمليات الانتقامية (يقصد: ضدّ المقاومة الشعبية والمدنيين العزّل) هي سائلنا اللمفاوي الحيوي، فمن دون هذه العمليات سوف نتوقّف عن كوننا شعباً محارباً، وقد يهجر المستوطنون المستوطنات، ولذلك يجب أن نخبر المستوطنين أنّ الولايات المتحدة وبريطانيا ترغبان في أخذ “النقب” منّا (يقصد: الكذب على المستوطنين) من الضروري إقناع شعبنا أنّنا في خطر”!

ليس هذا المقطع من خطاب دايان، ومثله كثير في الخطابات الصهيونية, سوى تأكيد على الحقيقة العارية وهي أنّ الكيان الإسرائيلي ليس دولة ولا حكومة ولا وطناً ولا شعباً، بل قاعدة حربية مموّهة بالمظاهر المدنية المجتمعية، يديرها العسكريون لصالح مشروع استعماري أميركي أطلسي، وقبل أيام قليلة، بعد إعلان وقف إطلاق النار ضدّ غزّة لأسباب تكتيكية وسياسية قاهرة، كتب أحد الإسرائيليين يقول: “الديمقراطية المدافعة عن نفسها خلعت القفازات، وسوف يكتشف العالم حجم الدمار في غزّة، ومن الجائز أنّ الصراخ (الاحتجاج والشجب العالمي) سينطلق، ولكن ليس بالوسع منع ما جرى، وحسناً أنّ هذا هو ما جرى، فإسرائيل هي الحصن المتقدّم للعالم الغربي المستنير في مواجهة تنّين الإسلام المتطرّف.. إنّ ضبط النفس لا يعتبر قوّة في الشرق الأوسط.. إنّ ضبط النفس كارثة..القوة في هذه المنطقة هي القوة، وإذا تطلّب الأمر فالمزيد من القوة.. في غزّة جرى رفع السقف إلى أعلى، ومن الآن ليس للإرهاب مكان يفرّ إليه ويختبئ فيه، لا وراء النساء ولا خلف الأطفال، ولا في المدارس ولا في المستشفيات ولا في المباني الإعلامية، ولا حتى في عيادات الأطباء.. نقطة على السطر”! (بن كاسبيت _ معاريف _ 18/1/2009).

هل ثمّة كلام أوضح من هذا الكلام في عرض الحقيقة الميدانية العارية التي برزت مرّة أخرى بجلاء تام، في مأساة غزّة؟ وجدير بالذكر أنّ الأكثرية الساحقة من قطعان المستوطنين المرتزقة تشارك الكاتب رؤيته وقناعاته، كما كشفت استطلاعات الرأي، أمّا الأقلية الإسرائيلية الضئيلة التي صدمتها صور المجازر البشعة، والتي تتحدّث عن إمكانية تحقيق السلام والعيش المشترك، فهي تتوهّم أنّها تعيش في وطن طبيعي وتنتمي إلى شعب حقيقي، من أمثال الكاتب في صحيفة “هاأرتس” جدعون ليفي، فينبغي عليها أن تهاجر كي تنسجم مع قناعاتها، وهذا الخيار ليس سهلاً دائماً وعموماً!

لقد كشف الكاتب الإسرائيلي عن العمق الأميركي الأطلسي للقوة الإسرائيلية، وعن المصير المقرّر للعرب، وعن طبيعة الحرب المفتوحة ضدّهم سواء بذريعة الشيوعية بالأمس أم بذريعة الإسلام اليوم، وأغرب ما في الأمر إعلان الكاتب دون مواربة عن مصدر قرارات شنّ هذه الحرب الطويلة المفتوحة، حيث قال: “لقد كانت لنا فسحة ثلاثة أسابيع، لكننا بقينا بعيدين جدّاً عن تحقيق الهدف الحقيقي.. لقد تأجّل تحقيقه إلى المرّة المقبلة”! وبعد أن عبّر الكاتب الإسرائيلي عن خيبته لأنّ العمليات الحربية لم تستمرّ حتى تحقيق الهدف الحقيقي (أي سحق غزّة تماماً ونهائياً) كشف ببساطة عن أحد أسباب توقّف الهجوم شارحاً: لم يتحقق الهدف رغم مضيّ ثلاثة أسابيع، والظروف تغيّرت ببلوغ عشية تنصيب الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما الذي “لن يغفر لنا أبداً استقباله وهو يتولى منصبه” بقتال في شوارع غزّة!

ومن الطرائف التي تفضح أكثر حقيقة الكيان الإسرائيلي المصطنع حديث الكاتب الصهيوني عن موقف الحكومة يوم اتخاذ قرارها بوقف إطلاق النار، حيث قال: “لم يكن الأمر سهلاً على أولمرت، فهناك الصراخ المتبادل بينه وبين وزير المالية روني بار لون الذي صاح: إذا كنتم حققتم أهداف العملية فلماذا تبقون الجنود في غزّة كشاخصات في حقل رماية؟ وإذا لم تحققوا الأهداف فلماذا توقفون العملية؟ . إنّ صرخة هذا الوزير تكشف أنّ هناك في قمة السلطة من لا يلمّ تماماً بحقيقة الكيان الإسرائيلي كقاعدة حربية أميركية أطلسية، لا أكثر ولا أقلّ!

أمّا عن النظام الرسمي العربي وموقفه من هذه الحقيقة العارية التي أسقطت مأساة غزّة ورقة التوت عنها، والتي أصبحت مفهومة من قبل أبناء أمته في جميع أقطارهم وأمصارهم، وعلى اختلاف مشاربهم ومستوياتهم، فإنّ له حديثاً آخر!

ns_shamali@yahoo.com