مرجعيات الناخب العراقي!

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1788)

المرجعية الشعبية تجسد تطلعات الاغلبية ورغباتها المعروفة والتي تتشرب بها رموز وحركات وتيارات وافراد وتجتهد لتحقيقها، ومن الطبيعي ان تمارس دورها في اغناء وتطوير المجال التنافسي بين مختلف التيارات، عبر الاقتراع الانتخابي ان توفرت الفرصة، وان لم تتوفر فعبر اساليب وممارسات نضالية اخرى لتحقيق الاهداف الشعبية العامة!

تبرز احيانا التباسات عفوية او متعمدة احيانا للخلط بين انواع المرجعيات رغم الفروق الجوهرية التي تفصلها عن بعضها!

المرجعية الدينية قد تكون جزءا من المرجعية الشعبية ولكنها لا يمكن وباي حال من الاحوال ان تحل محلها، وهنا سنحاول تسليط الاضواء على دور المرجعية الدينية في عراق اليوم ومقارنة دورها مع دور المرجعية في ايران!

يكاد ينعدم الفرق من حيث الاصل السلالي بين فكرة المرجعية الدينية في عراق اليوم وبين فكرة ولاية الفقيه او مرشد الثورة في ايران، رغم ان مرجعية العراق ليست مستفزة في احيان كثيرة وخاصة عندما تسير المراكب حسبما تشتهي رياح النفوذ الطائفي للنظام الاسلامي القائم على الطريقة الشيعية. نعم هناك فوارق اخراجية، فالمرجعية العليا في العراق لا يؤطرها الدستور، اي ليس لها اي دور سياسي او وصاية مكتوبة ومعترف بها تحت اي بند من بنود مؤسسات الدولة وقواعد عملها، لكنها اكتسبت او اكسبت هذا الدور بطريقة العرف على الاقل في القضايا المفصلية. اما نظام ولاية الفقيه فهو سلطة مؤطرة دستوريا وهو من حيث الصلاحيات والنفوذ فوق السلطات ويقف على قمة هرمها، التشريعي والقضائي والتنفيذي، اي لا فصل للسلطات عندما يصل الامر بين يديه، فدكة مرشد الدولة هي اختزال لكل دكات الدولة وخط سيرها. وحتى لا يصير الحديث ملتبسا يجب ان نفرق بين مرشد الجماعة ـ جماعة الاخوان ـ وبين مرشد دولة ولاية الفقيه رغم انهما من حيث اصل الدور لا يختلفان، لكن الفرق ينحصر فقط في تفاصيل وتأويلات مذهب كل واحد منهما بحيث تدخل كل شياطين الفرقة والبدعة والفتنة، المهم نذكر هنا المسكين ابو الحسن بني صدر اول رئيس ايراني منتخب، وقيل وقتها انه حاز على اعلى نسبة بين المرشحين لمنصب الرئاسة الايرانية، ما بين 8 ـ 10 مليون صوت، ومعروف انه لم يكن ربيب المدرسة القمية او اي مدرسة فقهية اخرى، لكنه كان اسلاميا ليبراليا، وبين هذا وذاك كان يحاول التوفيق بين الممكنات والطموحات، المهم كان مصير هذا الرئيس هو الهروب بليلة ظلماء بعد ان عرف ان لا صلاحية حقيقية لديه وان المرشد قد اعطى الضوء الاخضر لازاحته!!

وضح ابريمر بتصريحاته وكتابه “عامي في العراق” الدور المركزي للمرجعية والتفاهمات التي على اساسها تم رسم ملامح العراق الجديد او العراق الامريكي، دعت المرجعية للتوافق مع الامريكان لا للتصادم معهم، ووضعت او وضع لها ما يؤدي للحالة التحاصصية مذهبيا واثنيا، لا يستطيع احد ان يبرر تدخل المرجعية وتصريحاتها بكل ماهو مهم وسياسي ودورها التشاوري مع كل القوى الفاعلة في السلطة ومحيطها، على انه رعاية روحية ليس لها دور سياسي!

اكثر الاحزاب الحالية نفوذا وطائفية ومن اكثر القوى تواطئا مع الامريكان والايرانيين، حزب المجلس الاسلامي الاعلى، يتخذ من المرجعية رافعة له، ويرفع صوره في كل مناسبة ودونها، ويوظف نفوذه داخل مكتب وبيت المرجع الاعلى ـ علي السستاني ـ ويردد في فضائيته واعلامه وتثقيفه ان لا صوت يعلو فوق صوت المرجعية، وانها هي من يقود المسيرة، وعليه فان هذا الحزب يخرج على الناس بمنطق تمثيله للمرجعية وبالاستعاضة العملية عنها وكانه ناطق باسمها!

ان نظام ولاية الفقيه في ايران، والوصاية العرفية للمرجعية في العراق هي اشكال مستحدثة للالتفاف على الارادة الحرة للناس. فلا نظام ولاية الفقيه قد نجح في اطلاق طاقات الناس للتعبير عن انفسهم بل بالعكس هو ساطور مبرمج، وصناديق الاقتراع في ظله مجرد سباحة بروتوكولية في حوض لا يسمح بتجاوزه، ولا للمرجعية في العراق اي حق ديني اوطائفي لفرض وصايتها بصورة مباشرة او غير مباشرة، لانه لا صوت يعلو على صوت الشعب، حتى لوكان هذا الصوت هو صوت المرجعية!

ان انكفاء المرجعية الموقرة على تخصصها الروحي سيريحها ويريح كل الذين يحترمون مكانتها، ولان الاجتهاد حمال اوجه فانه وفي حالات المنافسة على السلطة وطرح الرؤى والبرامج الحزبية فمن الاوجب ان تكون المراجع الروحية محايدة حتى لا تسيس هي ولا تحزب وبالتالي لا تفقد سمعتها ودورها!

من نافل القول ان مرجعيات الناخب العراقي تحددها مصالحه الوطنية العامة المرتبطة اصلا بمصالح الوطن وازدهاره وبالتالي انعكاس ذلك على قيمة المواطنة كحزمة متفاعلة من الحقوق والواجبات، وستكون مصالحه المحلية في المحافظة والقضاء والناحية جزءا تفصيليا للمصالح العليا، اما استبدال مرجعيات الناخب العراقي الوطنية بمرجعيات وهمية تستثمر الموروث البدائي الكامن في العشائرية و الطائفية والاثنية فانه ابتزاز شامل يراد منه تحقيق اهداف ومصالح بعيدة كل البعد عن قيم المواطنة!