في اليوم الثاني له في البيت الأبيض…

عبداللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1789)

كأنما محرقة غزة فاشلة الاستهدافات لم تكن إلا بعض تمهيد قصد منه أن يسهّل لسياساته المعدة سلفاً… سياساته التي سوف ينتهجها حيال الصراع في بلادنا. وكأنما هي المحرقة التي لم توقف دموياً، لتستمر سياسياً عبر محرقة المبادرات المتناسلة، ومنها ذات المظلات المتعددة، إلا لكي لا يُفسد مشهد الدم الفلسطيني المراق بهجة تنصيبه وصياً على العالم.

إن هذا هو انطباع كل من استمع إلى الرئيس الأمريكي باراك حسين أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، وهما يحتفلان في وزارة الخارجية وعلى الطريقة الاستعراضية الأمريكية، بتسمية مبعوثيه: جورج ميتشل إلى بلادنا، وريتشارد هولبروك إلى أفغانستان والباكستان… هنا أوباما يستعيد تماماً خطاب سلفه بوش، ويستخدم بأمانة أسوء مصطلحات من خلفه، و بالتالي لا يمكن لمن سمعه إلا التيقن مما كان متوقعاً، وهو استكمال الأيام القادمة لتجليات هذه الحرب الإبادية المستمرة ضد الفلسطينيين قضية ووجوداً، ونعني بالوجود المادي منه والسياسي، ومن ثم فهي بالتالي حرب على العرب ومن بعدهم المسلمين… وهكذا فنحن الآن إزاء مرحلة لا بد و أن نستعد لأن نواجه فيها استئنافاً للمحرقة الإسرائيلية ذاتها وإنما بوجهها السياسي وبشكل أوسع، لأنها هذه المرة أمريكية فاقعة الوضوح و بصيغة أطلسية معلنة، سبق أن بدت بوادر وضع لمساتها في قمة شرم الشيخ، و كانت قد رسمت وأقرت مهمتها بوضوح في اتفاق ليفني – رايس أواخر ساعات الإدارة الأمريكية الراحلة.

كان هذا في اليوم الثاني وحسب لتنصيب المؤسسة الأمريكية أوباما سيداً في البيت الأبيض، فكان أول ما باشر به عمله في اليوم الأول من تنصيبه هو الاتصال كبير الدلالة بأربعة في المنطقة دون سواهم، وهم: رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، و لرئيس المصري حسني مبارك، وعاهل الأردن الملك عبدالله الثاني، ورئيس سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود الفلسطينية محمود عباس…

في احتفالية ميتشل-هولبروك هذه، بزّ أوباما سلفة بوش انحيازاً لعدو العرب، وقد بدا أنه ربما قد يفوقه في إدارة عدوانية أمريكية مستدامة ضد قضيتهم المركزية وحقوقهم السليبة في فلسطين، قال، مردداً ذات اللازمة الأمريكية، أو مذكراً بثابتة الثوابت في السياسة الأمريكية في بلادنا:

“سأكون واضحاً، أمريكا ملتزمة بأمن إسرائيل، و نحن سندعم دائماً حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في مواجهة التهديدات الحقيقية”… وهو إذ لم يكتف بالمساواة بين الضحايا والجلاد والمعتدي والمعتدى عليه عندما تحدث عن “العنف المأساوي في غزة و جنوب إسرائيل”، برر مذبحة غزة معتمداً مزاعم و ذرائع مرتكبيها حرفياً بقوله:

“لسنوات اطلقت حماس آلاف الصواريخ على مدنيين إسرائيليين أبرياء. لا توجد ديموقراطية تسمح بخطر مماثل على شعبها”… وزاد: “ويجب ألا يسمح بذلك المجتمع الدولي”، بل حتى اعتبر عدم السماح هذا هو من مسؤولية الفلسطينيين أيضاً، حين أضاف، “وحتى الشعب الفلسطيني نفسه الذي تتراجع مصالحه بفعل التحركات الإرهابية”!!!

وأوباما الذي قرر العمل لأن يجعل من “وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه (من جانب واحد) سيكون دائماً ومستمراً”، بمعنى استكمال هدف إنهاء المقاومة الفلسطينية كهدف أساسي رئيس للمذبحة، أعلن جدول أعماله للوصول لهذا الهدف، المتمثل في تفويض مصر في مواصلة وساطتها، وتكليف الأردن بمواصلة دوره “البناء في تدريب قوات الأمن الفلسطينية ورعاية علاقته مع إسرائيل”، و اعتماد شق رام الله من سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود شريكاً وحيداً في عملية الإعمار… هذه التي ربما ستكون وسيلة لإدامة الحصار، بالتوازي مع محاولة الإفادة من شعار المصالحة الفلسطينية الفلسطينية المراد أن تكون المستحيلة لمنع هذا الإعمار… تماماً كما لا يأتي الكلام المرسل عن “حل الدولتين”، الشاروني الأصل و البوشي التبني والمعتمد أوبامياً، إلا وسيلةً لإيهام المتوهمين بهدف كسب الوقت لتهويد ما تبقى من الضفة في سياق استهداف إتمام إنجاز عملية تهويد فلسطين كهدف استراتيجي صهيوني تليد برعاية أمريكية ومساعدة أوروبية مستديمتين!

نحن هنا لسنا في حاجة للقول أن أوباما ينظر للسلطة ذات نظرة سلفه ونظرة الإسرائيليين لدورها، باعتبارها صندوق تقاعد للحركة الوطنية الفلسطينية وشاهد زور على تصفية قضيتهم، إذ يقول، مثلاً:

إن ” الولايات المتحدة ستدعم بشكل كامل مؤتمراً دولياً للمانحين يسعى إلى تقديم مساعدة إنسانية قصيرة الأمد وإعادة بناء طويلة الأمد للاقتصاد الفلسطيني. هذه المساعدة ستقدم للسلطة الوطنية التي ستشرف عليها”… وهذه السلطة، أو هذا الشق منها، سوف تحظى بالمزيد من الدعم الأوبامي، إذ يقول: “الآن يجب أن نمد يد الفرصة إلى الذين يسعون إلى السلام وكجزء من وقف دائم لاطلاق النار، يجب أن نفتح المعابر مع غزة من أجل السماح بتدفق المساعدات والتجارة. وذلك من خلال نظام مراقبة بمشاركة السلطة الفلسطينية والدولية.”

أما عربياً، فعلى ذات خطى بوش إياها، يكرر أوباما حرصه على مواصلة “الجهود لمساعدة إسرائيل على التوصل إلى سلام أشمل مع عالم عربي يعترف بحق تواجدها بين مجموعة الأمم”… وعليه، فهو يرى أن “المبادرة العربية تحتوي على عناصر بناءه قد تساعد على تنشيط هذه الجهود”، ومن هنا، فهو يؤكد على أن “الوقت قد حان للدول العربية للتصرف بحسب وعود المبادرة من خلال دعم الحكومة الفلسطينية بقيادة الرئيس عباس ورئيس الوزراء سلام فياض، واتخاذ خطوات باتجاه التطبيع مع إسرائيل، ومن خلال مواجهة التطرف الذي يهددنا جميعاً”… وهذا لا ينسى أن يرفقه بتهديدات مبطنة لدول و قوى الممانعة العربية بالقول: “و في موازاة هذا التقدم يجب أن نوضح لكل الدول في المنطقة أن الدعم للمنظمات الإرهابية يجب أن يتوقف”ً!

وماذا عن المقاومة، أو الطرف الذي واجه المحرقة، وأفشل بصموده استهدافاتها، ويريدون كمخرج إيقاف إطلاق النار معه؟

يكرر أوباما اشتراطات بوش ومعهما بلير الرباعية وسائر من يحكم إسرائيل، ونصاً: “لتكون طرفاً حقيقياً في السلام، أوضحت اللجنة الرباعية أن على حماس أن تلبي شروطاً واضحة: الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، ونبذ العنف، والاعتراف بالاتفاقيات السابقة”. أي الكف عن كونها حركة مقاومة، هذا عموماً، أما فيما يخص الراهن، فإنه يقرر اشتراطات ليفني حرفياً:

أنه “لتحقيق التقدم فإن إطار وقف النار الدائم واضح: على حماس أن توقف إطلاق الصواريخ، إسرائيل ستستكمل سحب قواتها من غزة، الولايات المتحدة وشركاؤها سيدعمون نظام منع تهريب جدير بالثقة، حتى لا تعيد حماس تسليح نفسها”… ويحذر بكلمات يكاد يستعيرها من باراك: ” الآن إن إرهاب الصواريخ الموجهة نحو الإسرائيليين الأبرياء غير مسموح به”!

إذن، صمتت المدافع مرحلياً، لتكمل السياسة ما لم تقو عليه الميركافاه و الأباتشي، و بالتالي صدح كومبارس العداء والتآمر و النفاق الأوروبي: ساركوزي، براون، ميركل، برلسكوني، ومعهم توبولانيك وثباتيرو في شرم الشيخ، ومنها إلى القدس المحتلة للاحتفال مع القتلة على مائدة عشاء أقرب إلى المواساة لفشل استهدافات المحرقة. وتعبيراً عن استعدادهم للمساهمة في حصار ضحاياها…

بيد أن الأخطر اليوم هو وقف مذبحة غزة الدموية لتبدأ مذبحة فلسطين التصفوية… بدء مذبحة الإعمار المؤطلسة… ومحاولة أنسنة نتائج الجريمة لحجب فداحة وهمجية ما ارتكبه مرتكبها… والأدهى أن من آخر عجائب رام الله الحملة على الصواريخ “المستوردة و المصنعة محلياً”!!!

… لعل هذا بعض ما ينبئنا به اليوم الثاني لأوباما في البيت الأبيض!!!