رعشة “الحياة”!!

بسام الكعبي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1794 )

أطلقت الطفلة دلال أبو عيشة ابتسامة خاطفة ويتيمة لمعت فوق دموعها نحو قطتها العسلية التي استقرت بأمان بين ذراعيها، بعد أن تفحصت بحزن يقدح غضباً ركام بيتها بحثاً عن سر الغياب الأبدي لوالديها وشقيقاتها الثلاث، وقد أذابتهم العناقيد الملتهبة الهابطة من سماء غزة المحاصرة لكنها المتقدة بالكبرياء..قل لي بربك كيف يشتعلُ القلبُ احتراقاً، عندما يطلُ على تفاصيل قصة مرئية تلتقط طفلة بريئة نجت من محرقة محققة بصدفة زيارة لبيت جدتها، ثم عادت تحت عين الكاميرا ورمش صاحبتها لتشهد رماد البيت وتطلقُ للانفعالات البريئة كل مساحات التعبير حزناً وصمتاً.

أشعلت الزميلة هبة عكيلة مراسلة “الجزيرة” بثلاث دقائق النار في قلوب المشاهدين فوق جمر احتراقهم المتفجر، وهي تروي حكاية الدمار الذي حول بيتاً آمناً لعائلة أبو عيشة المسالمة إلى رماد، تاركة لنظرات الناجية الوحيدة من المحرقة التدقيق بمشهد الدمار، ولمعت العدسة بتوثيق لحظات قاتلة لعيون بريئة تطلُ من تحت قبعة سوداء لأول وهلة على بيت من رماد..لماذا يتركنا المشهد أشلاء ممزقة تحت هذه الدموع الصامتة؟ ولماذا الاصرار على الادانة الصريحة بعجزنا الفاضح تحت أقدام هذه البراءة الطاهرة؟

لم تكن حكاية دلال شاهداً استثنائياً على دمار الطفولة التي استهدفتها آلة الاحتلال المتوحشة التي تعمل بمتعة ودم بارد منذ ستين عاماً دون كلل وبتمويل غربي، بل شكلت روايتها قاعدة للجرائم بحق آلاف الأطفال الأبرياء والنساء والشيوخ الذين خطفتهم خراطيم القنابل الملتهبة الهابطة على الأرض كوحش ناري يبحث عن الضحايا، وقد استدل بوضوح على العناوين..نهشها ثم “بكى” للحظة متلفزة: صدور ثلاثة أشقاء من ياسمين عرضهم والدهم المذعور على رمش الفضائيات، وأمطر غيابهم القسري بلغة الوحش الناري لعل رسالته تصل دون ترجمة..ثلاثة أشقاء من عاج صامت منحتهم الملائكة مواصفاتها الأسطورية، وتركت للقاتل حيرة الشيطان بفك سر جسد غض تمزقه كل الشظايا الفاجرة وتصعد صورته الملائكية للسماء على ظهر ابتسامة ساخرة من الجلاد.

وحتى لا يتكرر المشهد الدامي للضحايا أو تنتزع الأنظمة الفاسدة فرصة جديدة في توظيف براعة الناطقين باسمها لتحميل الضحايا مسؤولية موتهم، أو تستعيد بيانات الشجب “بريقها” المقعد الزاحف على عجلات ذوي الاحتياجات الخاصة، نأمل بتوظيف الطاقات الفلسطينية والعربية والدولية لتفعيل قوانين انسانية وقواعد مؤتمرات دولية ولوائح منظمات حقوقية وهيئات عالمية لمحاسبة الجلاد، بهدف ضمان حقوق الضحايا بوضع حد قانوني ملزم للمعتدي بالدرجة الأولى وتنفيذ قرارات المحاكمة الجنائية حال صدورها، ثم قطع الطريق على المذبحة القادمة المرتقبة تحت الذرائع المختلفة التي يمتلك القاتل براعة اخراجها وتتويجها في حملات علاقاته العامة ووسائل اعلامه بما فيها الاقليمية والعربية المؤجرة التي تحولت بوقاً للدفاع عن جرائمه..وربما في النجاح الموعود لتطويق المحرقة حفاظاً على الجنس البشري قد تتوقف رعشة الخوف في أوصال دلال أبو عيشة وقطتها العسلية وهما يدققان بذعر في أكوام الرماد تسحق ذكريات الأسرة الغائبة قسراً عن أجمل الأمكنة وأكثرها أمناً.