محطة الحرب الاخيرة !

كاظم محمد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1794 )

عندما اعلن اولمرت عن (وقف اطلاق النار ) من جانب واحد، كان الرئيس حسني مبارك قد القى خطابه الغاضب، والذي تغيرت فيه النبرة والكلمات المستخدمة، وكأن من استمع اليه، يستمع الى احد قادة الممانعة او المقاومة، عندما سمى حرب اسرائيل بالعدوان، وتحدث عن ان المقاومة لم تهزم، وطلب من اسرائيل الوقف الفوري لحربها والانسحاب من قطاع غزة.

رغم ان الجميع تطلع في وقتها الى تغييرفي مواقف القيادة المصرية، التي اصطفت مع الاسرائيليين في عدوانها على الشعب الفلسطيني، وحاول ولا يزال (كوسيط) فرض الاستسلام على المقاومة في قطاع غزة، إلا ان ما غير النبرة والكلمات في هذا الخطاب للرئيس المصري، هو الازدراء الاسرائيلي له ولمبادرته، عندما وقعت وزيرة خارجية اسرائيل وكوندليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية السابقة في ادارة بوش، لمذكرة التفاهم حول منع تهريب السلاح لغزة، وكذلك ما تسرب فيما بعد عن نية الحكومة الاسرائيلية باتخاذ قرار وقف اطلاق النار من جانب واحد، مع اهمال كامل (للجهود) التي بذلتها قيادة مبارك لفرض الشروط الاسرائيلية على المقاومة الفلسطينية.

كان لصمود المقاومة امام العدوان والمحرقة الاسرائيلية في قطاع غزة، وعدم خضوعها لشروط المبادرة المصرية التي وافقت عليها اسرائيل بالكامل، اثره الكبير في صياغة مواقف وفشل مشاريع وخلق اصطفافات وحشر واحراج انظمة رسمية عربية، اصبحت بعد حرب لبنان 2006 وهذه الحرب العدوانية في ديسمبر 2008 مكشوفة امام شعوبها بمواقفها او بعجزها المرتبط بارتهانها لسياسات السيد الامريكي.

فبعد مؤتمر غزة في الدوحة وما اتخذه من قرارات وتوصيات وبحضور عربي واجنبي لافت، ومع انكشاف طبيعة الدور الذي تلعبه القيادة المصرية خلال العدوان ولحد الان، ومع الضغط الجماهيري العربي، شعرت القيادة المصرية بعزلتها الشعبية، لتبدأ بتغير خطابها الاعلامي دون السياسي الذي ظل على حاله، حتى تلقت الصفعة التي اغضبت وزير خاجيتها ابو الغيط، ليصف اسرائيل بانها شربت خمرة العنف، وتلاه رئيسه الغاضب ليستخدم كلمات وجمل، تختلف عن ما سمعناه خلال ايام العدوان على غزة، حيث طلب الرئيس المصري من قادة اسرائيل الوقف الفوري لاطلاق النار، واشار الى ان العدوان لا يقضي على المقاومة.

وهكذا عندما اعلن اولمرت وقف اطلاق النار من جانب واحد فانه اهداه لحسني مبارك، كاستجابة لطلبه، ليجنب الرئيس المصري ليس الاحراج السياسي فقط، بل ليعزز موقفه خلال قمة الكويت في مواجهة اعضاء قمة الدوحة وقراراتهم وتوصياتهم، وليخفف من الضغط الشعبي الذي يتعرض له.

لقد اسرع قادة اوربا الغربية بالأستجابة الفورية لنجدة الرئيس المصري في شرم الشيخ، ولإعطاء اسرائيل الورقة الثانية بعد ورقة كوندليزا رايس، لتغطية قرارها بوقف العدوان وفشلها العسكري في القضاء على حماس وفصائل المقاومة، من خلال مهرجان خطابي، يؤكد الدعم للتحرك المصري ومبادرته، وبأعطائها الثقل الدولي الذي تحتاجه، لتوافق مضمونها مع ما تريده اسرائيل وعجزت عن تحقيقه في ساحة الحرب.

عندما جاء الرئيس المصري الى قمة الكويت، حاول تسويق مسرحية ان قرار اسرائيل بوقف العدوان كان بناء على طلبه، وكرنفال شرم الشيخ على انه انجازا سياسيا يعود للمبادرة المصرية، والذي انعكس في طبيعة خطابه المتضمن التهديد المبطن للفصائل المقاومة، بوجوب استجابتها لمضامين المبادرة فيما يخص (المصالحة) وعودة السلطة الى القطاع، والا فان لا استقرار ولا اعمار ولا رفع للحصار يتم دون مصر، ومعه وعلى نفس الخط التقى خطاب السيد محمود عباس مع جوهر كلمة الرئيس المصري، من خلال تاكيده على المظلة المصرية. ورغم ان الهدف الرئيسي للوفد المصري من حضور قمة الكويت، هي تطويع هذه القمة وتهميش توصيات ومقررات الدوحة، إلا ان افشال القمة كان البديل بالنسبة للقيادة المصرية، خاصة بعد كلمة الملك السعودي التي لم تنسجم مع توجهات القيادة المصرية وما جاء في خطاب الرئيس المصري.

وهنا لابد من الاشارة الى ان كلمة ملك السعودية في قمة الكويت والتي فاجأت الكثيرين، بدعوتها الى المصالحة والتوافق، جاءت بعد ان اصبح واضحا عزلة وخسارة وانحسار الدور السعودي الذي اصطف بشكل غير معلن مع الجانب المصري خلال العدوان، فكانت محاولة الملك السعودي بخطابه لإمتصاص النقمة الشعبية وتفعيل الدور السعودي اعلاميا وسياسيا (كوسيط ) بين جبهة الدوحة ومحور مصر – محمود عباس، رغم الاستدلالات العديدة ما قبل القمة وخلالها، التي اكدت بان الاصطفاف اصبح مميزا بين نهجين في المواقف من العدوان وتداعياته.

لذلك فان لغة المصالحة في خطاب ملك السعودية لم تنعكس في تغير الموقف السياسي والارتفاع به الى مستوى الحدث وتداعياته المستقبلية على القضية الفلسطينية وعلى الامن القومي العربي، رغم قدرة السعودية على التأثير على مواقف القيادة المصرية سواء كان بالضغط او بتبني اتجاه مغاير يقترب في مضامينه من توصيات قمة الدوحة، لكن وكما يتضح ان المطلوب سعودياًهو موقف يخرج السعودية من عزلتها ويخفف الحنق الشعبي ضدها، دون ان يمس المضامين الاساسية للموقف المصري، ويؤدي الى تعطيل قمة الكويت في اتخاذ قرارت واضحة ومحددة في نصرة الشعب الفلسطيني وحقه في المقاومة ورفع الحصار وفتح المعابر، وقيام حوار وطني فلسطيني ترعاه الدول العربية، يقوم على اساس الثوابت الوطنية الفلسطينية المعروفة.

ان ما جرى خلال ثلاثة اسابيع من قتل وتدمير في قطاع غزة المحاصر، وما كرسته المقاومة من حيوية الارادة الوطنية في مواجهة العدوان واهدافه العسكرية والسياسية، استرجع ذاكرة التاريخ النضالي القريب للثورة الفلسطينية، واصبح محطة متميزة على طريق اعادة الاعتبارللقضية الوطنية الفلسطينية ولأساليب النضال والكفاح المقاوم للأحتلال، التي حاولت قيادات سلطة رام اللة، وعملت على اختزالها بسياسة المفاوضات السلمية العبثية والمستندة الى خيارات امريكية اسرائيلية فرضتها طبيعة الهجمة الشرسة لادارة بوش، والتي خنعت واستجابت لها عناصر وقيادات فلسطينية، ارتبطت مصالحها السلطوية والفئوية بنهج المساومة على الثوابت الوطنية، وما يترتب عليه من اسكات وقمع كل صوت معارض او مناهض لهذا النهج.

لقد ادى نهج سلطة رام اللة وقاد الى القبول بشروط وخطط ادارة بوش، الهادفة الى خلق مؤسسة سياسية وامنية فلسطينية، تؤدي دور الوكيل عن الاحتلال في مناطقها، واصبحت بعض اجهزتها جزءً من منظومة الاحتلال المخابراتية والامنية وارتضت ان تصيغ عملها تحت عنوان محاربة الارهاب، والذي يعني محاربة اي شكل من اشكال المقاومة المنطلق من الاراضي المحتلة، وهي بذلك تبغي تطويع الارادة الوطنية للقبول بنهجها المرتد الذي حمل رايات (الاعتدال العربي) السياسية، ورفع لواء ثقافتها وتبنى قيمها الاستبدادية في التعامل مع الحركة الشعبية واطرها.

ان المواقف التي برزت من قبل رموز هذه السلطة خلال ايام العدوان على قطاع غزة وما بعدها، عكست الحرج السياسي والشعبي لنهجهم، وافلاسهم في مواجهة الفعل الحقيقي لدولة الاحتلال. لذلك كان العجز في تبريرمواقفهم المتواطئة مع اسرائيل ونظام ( الاعتدال) العربي بتحميل حماس مسؤولية العدوان، وصياغة الاتهامات لها كونها اداة ايران الثانية في المنطقة.

واليوم إذ يتدشدق اصحاب سلطة رام اللة، ويتباكون على الوحدة الوطنية والحوار لتشكيل حكومة الوفاق، فانهم على عجل من امرهم لتغطية انحسار نفوذهم وافتضاح مواقفهم، وبنفس الوقت لمنع حماس من احراز مكاسب شعبية وسياسية بعد الصمود الذي تحقق في غزة. انهم على عجل للعودة الى غزة تحت يافطة ( السلطة الشرعية) وضمن تفاهمات (المصالحة) التي يراد بها خلط الحابل بالنابل، كونها السبيل للأعمار، والذي اصبح اليوم أداة ابتزاز اوربية وعربية لإجبار حماس وفصائل المقاومة على القبول بمضامين المبادرة المصرية والتفاهمات المصرية الاسرائيلية الاوربية الهادفة ليس فقط لتحقيق ما عجزت عنه اسرائيل بعدوانها على قطاع غزة، بل لتطويق المساس بشرعية محمود عباس وسلطته، بعد ان ضعضعت الحرب الاخيرة مكانتها وموقعها السياسي والشعبي، وطرحت اسئلة جدية وعلامات استفهام كثيرة حول سلطة اوسلو ونهجها ومواقفها الاخيرة.

لذلك نفهم وبشكل جلي، (الحرص الاوربي والمصري) وفي هذا الوقت بالذات على الوحدة الوطنية الفلسطينية !، والذي افصح عنه توني بلير عندما قال ( ان دخول المساعدات الى غزة صعب بدون تحقيق الوحدة الوطنية..) والمقصود به عودة رجال محمود عباس الى غزة، ونفهم ايضآ الحالة النفسية والسياسية لرموز هذه السلطة، ودوافعهم الحقيقية في اللهاث والصراخ من اجل الحوار، وكذلك انحدار خطابهم الاعلامي والسياسي الى مستوى صناعة الاكاذيب والسوقية في تناول منظمات المقاومة ونهجها وشخوصها، والتي لا تبتعد عن اساليب الضغط التي تتعرض لها فصائل المقاومة الوطنية الفلسطينية، بتسييس قضية الاعمار ومحاولات اسرائيل بالتملص من قضية فتح المعابر وانهاء الحصار، والمراوغة المصرية باستخدام ورقة معبر رفح.

ان طبيعة هذه الضغوط وسعتها العربية والدولية، يعكس حجم المعركة السياسية واستراتيجيتها، ليس فقط للمسار الفلسطيني، بل العربي والاقليمي، وهي إذ تتشابه في بعض مفاصلها مع المعركة السياسية لما بعد الحرب على لبنان في 2006، إلا انها تختلف عنها ببروز ملامح متغيرات اكثر وضوحآ لما افرزته هذه الحرب الاخيرة على قطاع غزة، وخاصة انها جاءت بعد رحيل ادارة امريكية فاشلة، في محاولات فرضها لنمط نظام سياسي شرق اوسطي تلعب فيه اسرائيل دورا محوريا، اضافة لفشلها ولسنوات طويلة في تغييب القضية الفلسطينية وتسويتها، وخلق واقع سياسي يستبدل العدو الصهيوني بالايراني.

ان رصد ملامح التغيير القادم، لا تبتعد عن التراكم النضالي المقاوم في ساحات لبنان وفلسطين والعراق والصومال، خاصة مع نجاح المقاومة في اكثر من ساحة عربية، ليس فقط في الصمود وانزال الخسائر في صفوف المحتل، بل في استعادة الحالة الشعبية الداعمة والحاضنة للمقاومة لرونقها الوطني والقومي، والتي اجبرت معها بعض حكومات النظام الرسمي العربي على اعادة النظر في مواقفها واتخاذ مواقف مختلفة، ساهمت بشكل كبير بحشر انظمة الاعتدال والتواطئ العربي، وكرست سعة التحالفات السياسية لمختلف تيارات العمل الوطني، والذي عزز الجبهة الشعبية، وافرز بشكل اكثر وضوحا اتباع الانظمة من احزاب ومؤسسات اعلامية وبعض منظمات المجتمع المدني الكارتونية، ومن كتاب ومثقفين سخروا اقلامهم لخدمة نهج ليبرالية بوش ومريديه في ساحاتنا العربية، والذين ذرفوا دموع التماسيح على ضحايا الحرب البربرية التي شنت على شعبنا الفلسطيني.

واليوم إذ تتداخل المعركة السياسية لتركيع المقاومة ونهجها مع استعادة نشاط الدوبلوماسية الامريكية عبر مبعوثها الخاص الى الشرق الاوسط، ومحاولة احتضان ( شرعية) سلطة محمود عباس امريكيا واوربيا وعربيا وانقاذها من مأزقها السياسي والشعبي، عبر فرض المبادرة المصرية وابتزاز الام وماسي الشعب الفلسطيني، فأن قضية الوحدة الوطنية الفلسطينية ورصانة الموقف السياسي منها، تصبح حجر الزاوية في تعزيز الصمود واستمرار نجاح نهج المقاومة واتساعه، من خلال البناء على ما تحقق من تحالفات وطنية لمختلف التيارات الشعبية مدعوما بالتضامن العربي والدولي المناصر لقضية الشعب الفلسطيني وحقوقه العادلة.