عن منظمة التحرير ومرجعيتها

موفق محادين

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1795 )

من المعروف أن منظمة التحرير الفلسطينية لا في تأسيسها ولا في اعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب العربي الفلسطيني، كانت مبادرة فلسطينية.

فقد تأسست عام 1964 بقرار من الزعيم المصري وقائد الأمة، جمال عبد الناصر الذي كلف احمد الشقيري، مندوب فلسطين في الجامعة العربية بالإشراف على ذلك…

وقد لا يعرف كثير من الفلسطينيين أنفسهم بان معظم القوى الفلسطينية آنذاك تحفظت في البداية على ذلك خاصة حركة فتح وقوى أخرى مقربة من دمشق، حيث اعتبرت هذه القوى المدعومة سورياً وسعوديا إن المنظمة المقترحة ورقة مصرية لا أكثر ولا اقل…

في مُناخات حزيران 1967 ومصالحة فتح مع عبد الناصر غير البعيدة عن المصالحة المصرية – السعودية، جرت مصالحة أخرى بين فصائل المقاومة وبين المنظمة وصار قائد فتح، ياسر عرفات، رئيسا للمنظمة.. وبعد حرب تشرين 1973 قرر العرب وليس الفلسطينيون أن منظمة التحرير هي المثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين وباقتراح من أية دولة، من المغرب، وذلك وسط دهشة الجميع من دول الاعتدال إلى دول “التطرف” آنذاك إلى منظمة التحرير نفسها.

وفي كل هذه المحطات العربية لم تحدث تعديلات جوهرية على ميثاق المنظمة، فيما شهد هذا الميثاق مثل هذه التعديلات في ضوء التكيف الفلسطيني المتزايد مع الدور المصري الجديد المدعوم خليجيا خاصة بعد تصفية التجربة الناصرية والتوقيع على كامب ديفيد، فصار الميثاق القومي العربي لمنظمة التحرير ميثاقا وطنيا فلسطينيا، وتحول شعار تحرير فلسطين بأفق عربي إلى بناء سلطة سياسية فلسطينية بحدود أراضي،1967 وانحصرت المقاومة في طابعها الشكلي بهذه الحدود وصار ما عداها عملا إرهابيا وتدخلا في شؤون “دولة أخرى” هي “إسرائيل” حسب الخطاب الجديد لميثاق المنظمة.. وصارت المنظمة نفسها غطاءً سياسيا يتذكره ويستخدمه المتنفذون على قيادتها كلما دعت الحاجة لتمرير أوهام السلام ومبادراته مع العدو ولإشهاره في وجه المقاومين وليس في وجه العدو، ناهيك أولا عن ترهل المنظمة ومؤسساتها وعدم تكيفها مع المعطيات الجديدة وناهيك، ثانيا عن تمثيل شخصيات لا وزن لها وفصائل لا يزيد تعداد “سكانها” على أصابع اليد داخل اللجنة التنفيذية فيما منعت حماس التي تسيطر على أكثر من نصف مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني “المنتخب ديمقراطيا بعكس المجلس الوطني الفلسطيني المعين من قبل القيادة المتنفذة” من أن تمثل بشخص واحد.

في ضوء ما سبق، ما هو موقع التصريحات الأخيرة لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل، من واقع ومستقبل منظمة التحرير الفلسطينية وما هو موقع التصريحات الرسمية الفلسطينية، وموقع ما يمكن تسميته بالطرف الفلسطيني الثالث خاصة الجبهة الشعبية.. وما هي الملاحظات السياسية على كل ذلك??.

أولا: وفيما يخص تصريحات مشعل، وحسب ما سمعته شخصيا في واحدة من اجتماعات لجنة المتابعة الفلسطينية- العربية التي انبثقت عن المؤتمر المناهض لمؤتمر أنابوليس، فان مشعل لم يدعُ إلى بناء منظمة بديلة بل إلى مرجعية جديدة من شقين: شق تنظيمي وشق سياسي يحافظ على الحق الفلسطيني في كل فلسطين التاريخية وعلى خط القتال والمقاومة ويسمح في الوقت نفسه بالتعاطي السياسي مع المتغيرات الإقليمية والدولية.

ثانيا: ومقابل ذلك، فان حال القيادة المتنفذة في منظمة التحرير، حال الذي يدعوك حتى تشبع من الرغيف من دون أن تأخذ كسرة واحدة منه، فلا تريد أن تطور بنية المنظمة ديمقراطيا ولا تريد للقوى الجديدة بما يتناسب ونسبة مكانتها السياسية ان تحافظ عليها ممثلا لكل الفلسطينيين في العالم حيث اعترفت هذه القيادة بوثيقة جنيف التي تشطب حق العودة وتحصر الفلسطينيين في الضفة الغربية والقطاع وهو ما يضرب فكرة المنظمة من أساسها.

ثالثا: وفيما يخص التيار الثالث فان نواياه الحسنة، بصرف النظر عن الموقف منها، تفتقر إلى قوة الضغط والتأثير في الشارع الفلسطيني نفسه.

وفي التعليق على كل ما سبق نسوق الملاحظات التالية:

1 – بالمنطق، فان أي تغيير على الشكل التنظيمي يترافق بالضرورة مع تغيير سياسي أو فكري، والعكس صحيح.. والمنظمة بقدر ما تحتاج إلى تطوير في بنيتها التنظيمية بقدر ما تحتاج إلى تطوير في برنامجها.

2- إذا ارتبطت المنظمة في مرحلتها الأولى بأوهام التعايش مع ما يوصف زورا بالمجموعة (العمالية) في تل أبيب ضمن حدود ،1967 فان بنية العدو اليوم وإلى سنوات غير منظورة هي بنية (اليمين المتطرف) مما يستدعي أولا وقبل كل شيء مغادرة نهج التسوية برمته وترجمة هذه المغادرة بميثاق يبدأ بالتأكيد على خط القتال والمقاومة.

3 – أيضا ومقابل أوهام السبعينيات والثمانينيات في بناء سلطة سياسية وطنية في الضفة والقطاع، فقد سقطت فكرة (الدولة الوطنية) والمشروع الوطني (القطري) أمام المعطيات الموضوعية نفسها لخارطة من الطرق الدائرية والكانتونات والمستوطنات وغيرها.. وصار لزاما على الفلسطينيين تحديدا، مراجعة خطابهم (القطري) السابق كله بكل أطيافه من داخل أوسلو وخارجها.

4 – وبهذا المعنى فان على حماس قبل فتح أن لا تفكر باستعادة تجربة ما بعد حزيران 1967 وتحول صمودها البطولي في غزة إلى كرامة جديدة كما فعل عرفات بعد تلك المعركة 1968 عندما صار رئيسا لفتح والمنظمة معا ضمن الخطاب (القطري) نفسه..

وحتى لا تنتهي حماس كما انتهت فتح في أوسلو وكما انتهى عرفات في المقاطعة وحتى لا تنتهي المنظمة أيضا، فان المطلوب هو ترجمة (المرجعية الوطنية الجديدة) كما أطلقها مشعل إلى مراجعة جديدة تؤكد خط المقاومة ورفض كل أشكال التعايش مع العدو الصهيوني وترجمة ذلك في مشروع عربي يتكامل مع المقاومة في العراق ولبنان وفي إطار تنظيمي ينسجم مع ذلك.

هذه هي فرصة الفلسطينيين في أن يكونوا شركاء في الإقليم لا ملحقين في عواصمه.