إصلاحات أباما: تأسيس للانتخابات القادمة أم إنقاذ لاقتصاد مأزوم؟

عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1798)

ما الذي تعنيه المؤشرات الأولية للسياسة الاقتصادية للرئيس الأميركي عن الحزب الديمقراطي؟ هل هو بصدد إرساء أسس نجاحه للانتخابات القادمة كما هو مألوف في الرئاسة الأميركية، أم هو منغمس في مشروع إنقاذ اقتصادي الذي عليه يعتمد نجاحه في الانتخابات القادمة، ناهيك أن المشكلة أكبر من كسب الانتخابات.

ماذا وراء الثقة بالقطاع الحكومي

خلال 27 يوماً من شهر كانون ثاني لهذا العام فقدت الولايات المتحدة 210,000 وظيفة في القطاع الخاص، هذا يلقي ضوءاً على السبب في توجه اكبر لطلب وظائف لدى الحكومة. ويقول من يتقدموا إلى هذه الوظائف ان القطاع الحكومي يوفر رواتب جيدة، وسيرة حياة مقبولة وظروف عمل جيدة ومكافآت تنافسية ايضا.

لكن، هذا الحديث لم يكن قبل الأزمة المالية الحالية، بل كان يُنظر إلى الوظائف الحكومية بنوع من التعالي؟ ما يعزز هذا، هو الحديث هو التطورات المتلاحقة في الاقتصاد الحقيقي الأميركي، في الاقتصاد على الأرض.

لقد زاد الحديث الإيجابي عن وظائف الدولة بعد اسبوع قاسٍ من فقدان الوظائف حيث فصلت كل من شركات سرينت، هوم ديبو، كاتربيللر، وتكساس انسترومنت، وإيست مان كوداك مجتمعة أكثر من 60 ألف موظفاً. هذا إضافة إلى مدلولات آخر الأرقام عن أداء الاقتصاد الأميركي بأنه ينكمش ليقدم اسوأ أداء منذ 27 عاماً، كما أن عدد الأميركيين الباحثين عن عمل وصل القمة، والمقصود بالاقتصاد الأميركي في هذا السياق هو القطاع الخاص.

ومما يكمل الصورة، فإن قطاع الحكومة هو الأكثر تشغيلاً في هذه الفترة، من بين قطاعات قليلة تقوم بالتشغيل، حيث استوعب 181,000 شخص خلال الأشهر الأخيرة. وعلينا أن نلاحظ بالطبع أن هذا التشغيل بدأ قبل تولي أوباما سدة الحكم، وهذا دليل على أن الأزمة الاقتصادية أرغمت حتى الإدارة الجمهورية التي لا توافق على التدخل في الاقتصاد، أرغمتها على خطى تتعارض مع دور الدولة في التشغيل أو توسيع القطاع الحكومي. بعبارة أخرى، فالحديث يدور عن الأزمة ومواجهتها أكثر مما يدور عن المكسب الانتخابي المقبل.

وبالطبع بخشى المحللون أن هذه الوظائف قد لا تكون مضمونة في الأشهر المقبلة حيث ان الدولة والسلطات المحلية تواجه انكماشاً في المداخيل وتحاول بالطبع تكييف دفاترها بناء على ذلك.

لكن الوظائف المقصودة هي في الحكومة الفدرالية، وليس حكومات الولايات، وهي تعتبر مأمونة ولا سيما في الجمارك وحراسة الحدود حيث تتراوح رواتبها بين 35,000- 80,000 دولار سنوياً، ولذا، تشهد إقبالاً ضخما من المواطنين الباحثين عن عمل، أمثال الذين يبحثون عن استقرارأفضل لا سيما في هذه الفترة حيث مجمل الاقتصاد في ركود.

هذا ما تؤكده إحدى موظفات مكاتب التشغيل بقولها: “حين تبحث عن وظيفة، لا بد ان تنتقي الوظيفة الدائمة… فوظيفة الحكومة الفدرالية هي نوع من الغطاء الذهبي، إنها ثابتة جداً.”

لكن هذه التوجهات الجديدة، لا تفسرها عبارات “الثقة بالقطاع الحكومي” وحدها هكذا بدون اسس أخرى. اي اننا نتحدث عن تغير ما في الفكر الاقتصادي الذي ساد في عهد الجمهوريين والذي لا يستطيع الديمقراطيون الاستمرار فيه. وقد لا يكون سبب عدم الاستمرار ناجم عن قناعات الديمقراطيين بالقطاع العام وتدخل الدولة، ناهيك عما هو ابعد من ذلك، بل هو ناجم من حقيقة أن الجمهوريين أوصلوا الاقتصاد إلى حافة الانهيار، واستنفذوا كل ما يمكن أن يحقق قناعاتهم الاقتصادية، ومن هنا استحالة استمرار الرئيس الجديد على نفس النهج. لا بل إن الجمهوريين أنفسهم بدأوا بخطى معينة في أيامهم الأخيرة تُباعد ما بينها وبين نهج جورج بوش.

أفكار أوباما للإصلاح

إن الخطوط العريضة لسياسة أوباما هي تدخل الدولة، وربما ليس أمرياً فليس الاقتصاد الأميركي هو اقتصاد أمري ( Command Economy )كما كانوا يسمون الاقتصاد السوفييتي. فهذا التدخل من الدولة، بما أن الاقتصاد: اقتصاد حر، اقتصاد السوق، لا بد لهذا التدخل أن يراوح بين حدَّيْ مروحة اقتصادية تبدأ بالسوق المنفلت وتنتهي عند حافة الركود. وحين يصل حافة الركود أو حتى يدخل حقبة الكساد يُعاد الاعتبار لدور الدولة كي تقوم بالعلاج.

يقول أوباما اليوم أن إدارته ستوظف 3,7 مليون شخص حتى 2010 عبر مقتطعات الضريبة والإنفاق والتشغيل في البنية التحتية كإنشاء الطرق وأعمال أخرى. وهنا نذكر بأن العاطلين عن العمل في أميركا الآن، وبالتحديد المسجلين كعاطلين، هم 10,5 مليون شخص، وهناك 7,5 مليون شخص يعملون في أعمال جزئية ليس بواقع قناعتهم بل نظراً لعدم توفير فرصاً للتشغيل اليومي التام. ولا بد أن يُضاف إلى هاتين الفئتين من سيصبحون في عمر العمل خلال عامي 1009-2010، وكذلك الذين سوف يُفصلون من أعمالهم طالما تقوم الشركات بذلك كما اشرنا أعلاه، ناهيك عن إفلاس اصحاب الأعمال الصغيرة.

وهذا أمر لافت من الولايات المتحدة تحديداً، فالولايات المتحدة، وهي البلد الذي ظلت نقاباته هي الأضعف مقارنة مع البلدان الراسمالية الغربية عامة وبالتالي ظلت الحركة النقابية فيه الأضعف في صراعها مع راس المال، يتخذ رئيسه اليوم مقررات او إجراءات لضمان وظائف العمال. وهذا ليس شأن الاقتصاد الحر، لا سيما الأميركي، اقتصاد السوق الذي ألفناه. فقد وقع اوباما ثلاث أوامر للتنفيذ قبل أسبوع لتقوية وضع النقابات في مواقع العمل وزيادة حقوق العمال وهو ما ينقض ما كان عليه الوضع إبان إدارة سلفه جورج دبليو بوش! وهذه السياسة الجديدة من الديمقراطيين تزيد اقبال طالبي العمل على الوظائف الحكومية حيث يؤكد المحللون العماليون بأن هذه الأمور كانت مفقودة أثناء الحكم السابق حيث ازدهر وول ستريت، واستمرت المصارف في إقراض الأموال دون قيود، وازدهر القطاع الخاص.

فالتطورات التي بدأ بها اوباما دفعت أناساً مثل استاذ الاقتصاد أليكس ليفنسون من جامعة ساوث كاليفورنيا، وهو متخصص في اقتصادات العمل للقول:

” كان العمل في وظائف الحكومة الفدرالية في السابق نوعاً من انحطاط القدْر. ولكن الحكومة الفدرالية ماضية باتجاه إنهاء هذا الأمر بحيث تلعب دوراً أكثر حساسية في ضمان الاستقرار الاقتصادي ومن ثم التفكير في التغيرات التي تواجهنا كمجتمع”.

وهذا يعني دور أكبر للدولة في الاقتصاد، وهو يذكرنا بدولة الرفاه في أوروبا الغربية في حقبة ما بعد الحرب الثانية 1945-1963. هذا مع اختلاف الوضع والطرف نفسه، ففي أوروبا كان ذلك غبان الرفاه، أما الآن، وفي أميركا، فهو محاولة علاج أزمة!

أما مايكل ديربي، وهو أحد العاملين في شركة توزيع فيقول: ” تبدو الحكومة وحدها الطرف الذي لديه ديمومة”، وهو تفكير ناجم عن تجربة مرة من القطاع الخاص، بمعنى ان الثقة في ازدهاره قد اثبتت أنها ليست لصالح العاملين بل النخبة.

بدوره كتب جورج شورش في جريدة فايننشال تايمزFinancial Times, Jan. 29, 2009، أكبر المضاربين في العالم منتقداً حكومة جورج بوش قائلاً:

” في الماضي حينما كان يصل النظام الاقتصادي حافة الانهيار، تنهض السلطات لإنقاذه. هذا ما توقعته عام 2008 لكن هذا لم يحصل. ففي 15 ايلول عندما كان مصرف ليهمان براذرز وهو مصرف استثماري، حينما كان على حافة الانهيار تغاضت الحكومة عن انهياره. لقد غيرت الحكومة اللعبة حتى ولو كانت النتائج كارثية. أما حجة البنك الفدرالي والخزينة بأن ليست لهما صلاحيات التدخل لإنقاذ هذا المصرف فغير صحيحة لأنهم تدخلوا في حالات أخرى.

هناك معارضة من الجمهوريين لما يطرحه أوباما بدءأ من حقنة إنقاذ بمقدار 825 مليار دولار، وهي اضخم من التي أقٌرت في فترة جورج بوشن وصولا غلى قرارات حماية حقوق العمال. لكن هذه المعارضة لا تعدو نطاق المماحكات الانتخابية تأسيساً لما بعد اربع سنوات.

تلقي هذه التطورات في سياسة أوباما على الدولة بالطبع عبئاً ضخماً، وتزيد من دورها في الاقتصاد مما يطرح مجدداً مسألة غاية في الأهمية وهي هل سيعود دور الدولة للانكماش بعد انتقال الاقتصاد إلى ازدهار جديد؟ ومتى سيحل هذا الازدهار الجديد، وكم ستكون كلفته الاجتماعية؟ وهل هذا الازدهار ممكنا، هل يسمح المناخ الدولي بذلك دون إرباكات المنافسة ومحاصصة العرش الاقتصادي للعالم، الا يعني هذا أن اموراً جديدة تزحف على الاقتصاد السوقي تقوض بعض مساحة حريته مرة وإلى الأبد؟