خطاب النصر وخطابات…الهزيمة

عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1799)

نعم، نحن مختلفون عن العالم كله، وصحيح أن لكل أمة خصوصياتها، لكن لنا خصوصيات لم يعهدها غيرنا. لست مؤرخاً كي أزعم معرفة ضافية بالتاريخ، لكني أعتقد أنه ما من أمة تحوي من ذويها من يفخر بهزيمتها، أو يًصرُّ على تحويل النصر أو نصف النصر أو التعادل إلى هزيمة .

أما في فلسطين والوطن العربي، فهذا يحصل.

وبقدر ما يفتخر منتصرونا بالنصر ويلقون خطاب النصر بكبرياء، يقوم قادة وزعماء وكوادر وعاديون بالافتخار بالهزيمة. تُرى، هل هذا ما يجب أن ننشغل به بعد مذبحة غزة؟ هل هذا مشروعنا بين هذه المذبحة والمذبحة المقبلة؟ ماذا عن إعادة الإيواء، وترتيب التعليم وإعادة الإعمار، ناهيك عن ما الإعداد لمقاومة العدوان الجديد الذي بدأه الناتو مباشرة بعد وقف النار، بدءاً بالمدمرة الفرنسية ثم الأميركية، ناهيك عن الحصار البحري على كافة شواطىء الوطن العربي رغم أن معظم حكوماتها تبث خطابات الهزيمة!

منذ التوقف الجزئي أو الشكلي للعدوان تدور معركة من أصتحب خطابات الهزيمة ضد مواطني قطاع غزة لمنع الغذاء والدواء والخيام ومختلف ضرورات الإيواء فما بالك بالإعمار. فهل هذا معقول؟

ما العلاقة بين الاختلاف على النصر وغيره وبين منع الإيواء والإعمار؟ أليس المنع مساهمة في الهزيمة، ومحاولة إيقاعها نيابة عن العدو؟

كتب كثيرون بأن معركة ما بعد الحرب القتالية هي في العادة أقسى من معركة النار. لكننا دخلنا في معركة داخلية نفسية ومادية. نفسية بين المنتصرين وبين من يصرون على وصف النصر بالهزيمة. ومع ذلك، ليكن لكل تقديره، إنما لماذا الإصرار على منع الإيواء والإعمار!

إذا كنا قد قدمنا للعالم براءات اختراع الانتفاضة والحجر والحذاء فإن خطابات الهزيمة تكاد تمسح هذه البراءات وتعيد حسابنا إلى السالب.

خطابان لقوميتين

كتبت أكثر من مرة أن في الأمة العربية ، وربما في كل الأمم هناك موقفين من القومية:

□القومية الحاكمة، وهي قومية الطبقات الحاكمة والتي تفهم المسألة القومية طبقاً لمصالحها وتصر على ترسيخ فهمها لدى الطبقات الأخرى.

□ والقومية الكامنة قومية الطبقات الشعبية التي يقوم فهمها لمسالة القومية على مصالحها ايضاً، وهي بالضرورة تقدمية واشتراكية ووحدوية خاصة في الوطن العربي. والحديث عن قوميتين يؤكد أن القومية مرحلة وانها متغيرة طبقاً لظروف كل أمة، وكل طبقة، وهذا شأن الهوية كذلك.

كلما كان وضع الأمة سليماً كلما تقاربت القوميتان حتى التطابق، وكلما كان وضع الأمة متخلفاً، وخاضعاً كلما اختلفت القوميتان حتى التناقض، وهذا حال العرب.

سمعت نقداً على هذا الفهم من كثير من القوميين الذين يرون القومية متماثلة مع الانتماء، اي تماثل المشاعر القومية في مرحلة ما مع الانتماء العروبي، وهذا خلط ربما غير مقصود ممن يحملونه، وهو نقد من الماركسيين بأن هذا لا يستقيم مع مسطرة ماركس المستقيمة، ولم أهتم، فليس شرطاً أن تظل مسطرة ماركس مستقيمة إلى الأبد وفي كل شيىء. لا شيء لا يخضع لتطورات وتغيرات اجتماعية اقتصادية ومن ثم فكرية أخرى. فالرجل لم يفكر لكل العصور. ألا تقول الفيزياء أننا لو وضعنا مسطرة ماركس في كاس ماء لبانت مكسورة. وليس شرطاً ان ينطبق كل ما قاله على كل الأمم، وإن كان في هذا الصدد قد وضع ما يُقارب حالنا، أقصد ما كتبه عن البرجوازية الفرنسية في عهد نابليون الثالث (الصغير) التي خانت الأمة بوضوح أثناء تزعم تاليران.

لكن مرة أخرى، لم أعهد أمة يفتخر قادتها بهزيمتها بدل ان ينسحبوا من المشهد. ولذا، نشاهد كل يوم خطاب نصر من حركة حماس وفصائل المقاومة، مقابل خطابات هزيمة من حكام ومثقفين ورجال أعمال…الخ!

معركة السياسة ليست الأشد

لا يرتاح المرء كثيراً للاستنتاج التقريري بان ما يُكتسب بالحرب العسكرية يمكن أن يُفقد في حرب السياسة، ولو كان الأمر بهذه البساطة، لما كان للاقتتال ضرورة. فقوة المفاوض السياسي مبنية على قدرته في الميدان، ولذا، حينما تقارب معركة ما على الانتهاء، تحاول الجيوش كسب أكثر انتصارات ممكنة في الميدان.

قد يكون رفضي للتقليل من دور حرب القتال هو رفض مأخوذ بعمق بالشعار اللاتاريخي الذي رفعته الأنظمة القطرية العربية “السلام خيار استراتيجي”. وهو شعار يستثني اي قتال حتى لو دفاعي، ولذا، فهو بلا معنى وبلا نتائج.

هذا ناهيك عن شعار “الحياة مفاوضات”. وهذا شعار جميل حين تتفاوض مع صديق تختلف معه على جزئيات وليس مع عدو يعتبر وجودك في وطنك مجرد غبار، ودخلت معه مفاوضات منذ 18 عاماً والنتائج لصالحه 100 بالمئة!

إن السلام خيار استراتيجي والحياة مفاوضات تعني منح العدو ما يريد وربما تواجهه باحتجاج أخلاقي، وأين الاخلاق في السياسة؟

دعني استخدم هذا كمدخل للإشارة إلى اين وبأي معنى انتصر العدو. فطالما أن هذه الأنظمة غير معنية بأي قتال، حتى قتال الدفاع عن الوطن، فهذا يعني بلا مواربة أن العدو منتصر لا محالة، لأنه مستمر في العدوان.

لا ابالغ في القول أنه بمعيار “السلام خيار استراتيجي”، فإن العدو قد انتصر حتى في الحروب التي هُزم فيها عسكرياً أو قتالياً! وقد يبدو هذا ضرباً من المبالغة. ولكن، علينا الأخذ بالاعتبار مسألة ربما كررتها في مقالات عديدة هي:

□ ان حرب 1967 أخرجت أنظمة الكمبرادور من المعركة، وبالتالي لم تعد الأنظمة مستعدة للدفاع عن الوطن. وخروج الأنظمة يعني خروج طبقة أو تحالف طبقات. لذا رفعت هذه الانظمة شعار “إزالة آثار العدوان”، اي عدوان 1967، وهذا يعني التنازل عن الأرض المحتلة 1948، ناهيك عن أن إزالة لا تعني بالضرورة النضال من أجل ذلك، وكأن اساس شعار الحياة مفاوضات كامن اساساً في مفردة “الإزالة” هذه!

□ وهزيمة المشروعين القومي والاشتراكي ما بين السبعينات والتسعينات من القرن العشرين أخرجت معظم الحزبية العربية من المعركة فمالئت هذه الحزبية الأنظمة الكمبرادورية.

□ وعليه، بقيت المعركة دائرة على ابواب الطبقات الشعبية العربية، أي الشعب العربي في مواجهة التحالف الثلاثي من المركز الإمبريالي والأنظمة الكمبرادورية والكيان الصهيوني، وهو ما مورس في لبنان عام 2000، وعام 2006 واليوم في غزة. . وهذا سر اضطراب معسكر العدو حين يجد نفسه في وحل حرب الشعب وخاصة المدينية، وما دفع هذا العدو لتطويق الوطن بقوات الناتو.

□ لكن، إلى جانب او مقابل صمود الطبقات الشعبية في حربها دفاعاً عن وجودها، فإن هذه الطبقات تعاني مشكلة اساسية لا بد من تجاوزها وهي افتقارها إلى ممثل لها. طبقات بلا ممثلين بمعنى أن الأحزاب التي يُفترض أن تمثل الطبقات الشعبية هي مستظلة بظلال أنظمة الكمبرادور.

هذا ما شهدناه خلال العدوان على غزة. فقد انتصر العدو لأن الأنظمة العربية التي كما اشرت في مرات سابقة: ساهمت في بناء الكيان الصهيوني بأن قدمت له ملايين اليهود العرب، فإنها اليوم تقف إلى جانبه ضد الشعب العربي ولا سيما في غزة. وهي نفسها التي تقمع الشعب العربي من التضامن مع غزة مما يكشف لنا عن خطورة شعار هذه الأنظمة “السلام خيار استراتيجي” فهو في أفضل تفسير شعار لا يأخذ أية متغيرات بالحسبان. فإذا كان صَدْرُ هذا الموقف هو : “السلام خيار استراتيحي” فإن عّجُزَه، “وقمع الشعب خيار استراتيجي ايضاً”.

لذا، كان اقتراحي فيما يخص الدولة القطرية وجوب تفكيك مفاصلها لإرباك أجهزتها الأمنية وهو الأمر الذي يمكن أن يخلق مناخ تطور حزبيات جديدة تنبع من الطبقات الشعبية فيمثل كل منهما الآخر، ويالتالي تتمكن من تجاوز القمع وتفتيت عار السلام خيار استراتيجي.

خطاب أو هتاف النصر والهزيمة

كان لا بد من تقديم هذا التوضيح أو هذه التوطئة كي نتمكن من مقاربة الجدل الهائل الذي يدور في الوطن العربي اليوم تحت عنوان: هل كانت غزة نصراً أم هزيمة؟ بدل أن يكون النقاش: بين المجزرة والمجزرة… ما العمل؟

ونظراً لانقسام الوطن العربي بأكمله بين رسمي وشعبي، فإن معيار النصر والهزيمة قد ارتبط بالموقف والمصلحة حتى بأكثر ما ارتبط بالواقع الميداني، وهذه حالة في منتهى الغرابة،ولا اعتقد انها موجودة في اي مكان في العالم.

فالأنظمة القطرية ومثقفوها وإعلامها، قررت منذ ساعات العدوان الأولى أن العدو انتصر. وهي في هذا محقة لأن العدو لم يقاتلها قط إلا وأعطته هي النصر.

وبالطبع لا ينظر هؤلاء إلى حقائق مثل:

□ ان قيادة المقاومة لم تهرب من المعركة

□ وأن الشعب لم يرحل

□ وأن الصواريخ المتواضعة لم تتوقف

□ وأن قيادة العدوان لن تربح الانتخابات في الكيان لصالح قيادات أكثر فاشية منها أو أمهر في ممارسة المذبحة

□ وأن استخدام العنف الفاشي في الدمار هو علامة هزيمة لا انتصار لجيش يعتدي على مدنيين عزلاً.

وكما أشرنا هنالك جوانب انتصر فيها العدو، لنذكر منها:

□ قرار الأنظمة العربية القطرية تزكية العدوان، اي وقوفها إلى جانبه

□ قيام شركات راسمالية مصرية بتوفير الغذاء لجيش الاحتلال وهو يحاصر غزة

□ استمرار الحصار على غزة بتزكية من النظام المصري والكثير من القطريات العربية

□ عدم المسارعة لإعمار غزة كي ينكسر الشعب نفسياً

□ وثوب مثقفين يعملون شُرَّاحاً بالنيابة عن العدو كالقول: ان العدو لم يدخل غزة لأنه يريد بقاء الانشقاق الفلسطيني!

□ قرار مصر بإغلاق معبر رفح تمسكاً بتعليمات الاحتلال وكان بوسع مصر أن ترفض دورا على المعبر إذا كان لا يسمح لها بحرية فتحعه وإغلاقه. فلماذا قبلت بهذا الدور اصلاً؟

□ رفض الحكومة اللبنانية استقبال طاقم سفينة الأخوة التي حاولت كسر حصار غزة، وهو موقف يؤكد ان حكومة كهذه تقف في صف العدو بلا مواربة. وعدم احتجاج مصر على اختطاف الكيان لسفينة الأخوة اللبنانية من المياه الإقليمية المصرية. بينما يقوم النظام المصري بإعاقة دخول حتى المتضامنين العرب مع غزة. وعلى سبيل المثال اعتقل الأمن المصري نقيب الممرضين الأردنيين في إستئسادٍ في غير محله!

□ لعل أوضح انتصار للعدو هو وصول الكثير من الأنظمة القطرية درجة الإعلان أنها مع العدو وضد الأمة، وأنها ليست مع تحرير اي شبر من اي قطر عربي.

□ انتصر العدو بوجود كثير من المثقفين في مصر الذين حولوا نقد النظام على أنه نقد لشعب مصر وتذرعوا بذلك ليهبوا للدفاع عن النظام!

نعم خطاب نصر وخطابات هزيمة، لكن كل هذه الخطابات التي تلقي غباشاً على النصر وعلى الدم المسفوح، لا تنفي ابداً النصر المتحقق على صعيد عالمي، ناهيك عن المحلي. فحراك الشارع العالمي لصالح شعبنا هو نصر لا سابق له. أما اصحاب خطابات الهزيمة، فسيرون ذلك بعد قليل حينما يقوم العدو بشرح تفاصيل خسائره من وقوف أمم العالم لصالحنا.