يسار مقاوم… يقاوم، ويسار متصهين… يتصهين

محمود جلبوط

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1800)

ستعتمد المقالة فلسطين وقضيتها والصراع من أجل تحريرها. وما يترتب عليه من تنضدات اجتماعية وسياسية، معيارا، ثابتا ومتحولا، لتقييم قوى الحراك السياسي العربي وخاصة اليساري منه بفئاته المروسة بها، وإن احتاج الأمر أحيانا التعريج ولو قليلا على امتداداته العالمية ماض وحاضر.

لماذا فلسطين؟

لأنها مركّب أصيل ومركزي في تركيبة تحالف قوى التحرر العربي لما تمثله كبؤرة للصراع في المنطقة امتدادا لقوى التحرر العالمية ومناهضى العولمة المتوحشة بحكم كونها بؤبؤا لعين الصراع العربي الصهيوامبريالي منذ المحاولات الأولى المبكرة للقوى الاستعمارية الأوربية في صهينة توجهاتها وأجنداتها ومطامعها الاستعمارية تمهيدا لهجومها على المنطقة العربية رغبة في تجنيد العنصر المسيحي (البروتستانتي منه بشكل خاص) واليهودي عبر توظيف مخزون ميثالوجيته الغارقة في الهذر العنصري، في الوقت الذي كان الأوربي يمارس كل أصناف الاضهاد و العنصرية ضد هذا اليهودي و عزله عن الاندماج في مجتمعاته الأوربية في غيتوات، ثم فكر أن يقدمه قربانا على مذبح أطماعه الاستعمارية طريقة وحيدة للخلاص منه ومن المسألة اليهودية في مجتمعاته عبر تجنيده في ألويته العسكرية والمالية خدمة لمآربه في المنطقة العربية بإقامة كيان اشكنازي عنصري استيطاني له في فلسطين تكون له مهمة وظيفية لا تنحصر بإعاقته لإقامة دولة عربية واحدة في المنطقة العربية فقط بل تتعداها إلى مهام على مستوى الشرق بمجمله.

إن حاجة هذا الغرب الامبريالي هي التي دعت لفكرة إقامة هذا الكيان قبل المحرك الصهيوني نفسه بعشرات السنين، وأهمية سرد هذا يتيح لنا التفسير اللاحق لما قامت به هذه الامبرياليات من جهد لصهينة الكولونياليات العربية من خلال تجنيدها للقبائل البدوية العربية في حربها ضد تركيا ومن ثم تفتيت التركة إلى كيانات سايكس بيكو كشرط ضروري لإقامة وترسيخ هذا الكيان الصهيوني. وتفسر بما لا يدعو للشك ما تقوم به اليوم وتبذله من جهود لصهينة البنية المجتمعية العربية عبر اللبرلة الفكرية والتطييف والتذهيب والتكريد والتدجين، في الوقت الذي كان هذا اليهودي ينعم بحياة آمنة كغيره من أقرانه العرب المسلمين والمسيحيين في المنطقة قبل أن تتفتق ذهنية الرجل الأبيض الأوربي عن أعتى النظريات العنصرية الشوفينية والنازية والفاشية ضد العنصر البشري بررت لإبادة شعوب بأكملها في المناطق التي غزاها وليحولها ملعبا لشهواته المدمرة أباد فيها سكانها الأصليين في الاميركيتين واستراليا وأفريقيا وآسيا وأخيرا في فلسطين بل كان ضحايا شراهته للمال والثروة والدم والسلطة الملايين من فقراء أوربا نفسها، والملايين من مسيحييه في إيرلندة وغيرها، وملايين اليهود والمعاقين والشيوعيين وقودا لمحارقه.

* * *

أما لماذا اليسار فلأننا نعتقد، وحسب طبيعة الصراع ومنطقه الداخلي، أنه الأكثر جذرية من القوى الاجتماعية والسياسية الأخرى بلزوم ما ينبغي أن تكون عليه طبيعته الطبقية المناقضة لطبيعة التحالف الطبقي المعادي، ولانفتاح بنيته الفكرية العلمية والعلمانية وتسلحه بالوضوح التام دون ملابسات متميزا بذلك عن قوى المقاومة الأخرى بما لديها من فهم مختلط للماورائيات أو التعصب الأيديولوجي والديني الذي اعتمد الفكر المثالي المطلق والحقيقة المطلقة وعلّقها على ما هو قادم من السماء، خارج إمكانيات الواقع، نرى أنها تصب في طاحونة العدو دون دراية كافية بها من المعنيين، فيبدون بذلك وكأن العدو قد أغرّ بهم لخوض الصراع معه على قاعدته الأيديولوجية وبشروطه وأجنداته بل بتوقيته وإيقاعه، دون أن يؤدي هذا إلى استنتاج أن التوجهات الفكرية والسياسية الأخرى عديمة الفهم أو أن فهمها قليل.

لأننا نرى، وكما أكّدنا دائما، على أهمية العامل الديني في التحريض والميثولوجيا الدينية في تكوين وتكون التصورات المسبقة، أن محرك الصراع ليس دينيا ولا ثقافيا ولا قوميا ولم يكن كذلك، كما وأن منطقتنا العربية ليست حقلا لصدام الحضارات بين مسلمين ومسيحيين (أو صليبيين كما يسميهم بعض المسلمين) ويهود، كما يوحي منظرو الامبريالية تضليلا، بل أننا نكاد أن نجزم أن الكثير ممن هم مسلمون قد خدموا الصهيونية والصليبيين كما يسموهم أكثر من بعض اليهود أنفسهم. وهذا ليس مقتصرا على عصرنا الحالي كما يتوهم البعض بل يمتد بعيدا في ماضينا الإسلامي. فالدولة العباسية تحالفت مع المسيحيين حينذاك ضد الدولة الأموية في الأندلس، وأمراء الأندلس المسلمون استعانوا مرارا بالمسيحيين ضد إخوانهم المسلمين، والكثير من أمراء المسلمين في مصر والشام تحالفوا مع المغول الكفار ضد أقرانهم المسلمين الآخرين، وكثيرا من هذا لو أردنا مراجعة نقدية لتاريخنا.

وغدا الكيان الصهيوني وراعيه الامبريالي في يومنا هذا، ومن قبيل مهزلة التاريخ، بالنسبة لبعضهم من الكولونياليات الحاكمة ومثقفيهم اللبراليين وللأسف بعض اليساريين التي تعج الصحف بمقالاتهم، العصا التي يستخدمونها لتطويع من تسوّل له نفسه معارضتهم أو إحراجهم بالمقاومة.

* * *

كنا نفترض أنه كان على هذا اليسار بحكم موقعه الاجتماعي والفكري، كما أسبقنا، أن يكون في مقدمة من يتصدى لهذا التحالف الامبريالي الصهيوني الكونيالي العربي، لكونه نقيضه المنطقي والإمكاني، لأن، وبكل بساطة، التحالف الامبريالي يميني بطبيعته، بل أعتى أنواع اليمين ما عرفت البشرية مثيله عبر العصور بوصفه فكرا عنصريا متمركزا على نفسه خاض حروبا عالمية وإقليمية مدمرة لعولمتها بدعاوى يهودية ومسيحية بل وأحيانا إسلامية (أفغانستان سابقا ضد الإتحاد السوفييتي حينذاك ويوغوسلافيا والشيشان لاحقا) للتضليل على مآربه الحقيقية.

وكنا نتصور بحكم نفس المنطق أنه من المفروض على قوى اليسار مقاومته وليس الإعلان عن الإستقالة منها ومن واجباتنا نحوها. بل أن ما صدر عن بعض اليسار ما هو أنكى:عاب على المقاومة أنها تصلي، أو أنها شيعية هنا، أو سنية هناك، وشككوا كثيرا بولائها للوطن لتلقيها دعما ومساعدات من أطراف تريد أن تستخدمها لإشغال العدو الأمريكي والأطلسي الغربي عنها، أو أن هذه الجهة أو تلك تريد تجنيدهم بالنيابة لمقارعة العدو الصهيوني الذي اغتصب أرضها ويحاول اغتصابها هي بدفع من أبناء جلدتها الذين وقفوا يسترقون السمع وراء الأبواب على صرخات بكارتها ولما صرخت نهروها أن تسكت صونا للعرض (أولاد الكذا…هل تسكت مغتصبة). ويتهمونها أنها تغامر وتخرج عن “صفها العربي” عندما ترفض الصمت أثناء اغتصابها فتصرخ بصواريخ “عبثية”، تسعى للحصول عليها من هذه الجهات خارج المنطقة العربية بعد أن عزّ عنها أبناء جلدتها صواريخهم وطائراتهم ودباباتهم التي تعج بها هذه مستودعاتهم. وقالوا أنها تريد أن تغطي على البرنامج النووي الإيراني سعيا منه لبناء مظلة نووية علّها، ونقول علّها، توازن ولو قليلا ترسانة المظلة النووية الصهيونية التي ينعم في ظلّها “المعتدلون العرب” وذيولهم من المعتدلين اللبراليين وبعض اليساريين. لذلك أصيبوا بالحنق والغضب من المحاولات الإيرانية لدعم المقاومة، لأنه، ومن وجهة نظرهم، كان على الإيرانيين، إن أرادوا علاقات بناءة مع “العرب”، إقناع المقاومة للتخلي عن “مغامراتها” و”تطرفها”، لأنهم يرون، بعقلانيتهم المريضة، أن هذا العدو الصهيوني، بعد أن اغتصب الأرض العربية، قد أصبح أمرا واقعا فمن الحكمة ولا بد من الجميع الاعتراف به، ومن أجل ذلك شنوا هجوما عليه من المبادرات تلو المبادرات لتأمين الاعتراف به من أقصى منطقة جغرافية تطل على المحيط مرورا بالبحرالأبيض وحتى الخليج، وينبغي على المقاومة عدم استفزاز وحشيته بالحفاظ على أمنه خاصة إذا كان مقابل تأمينهم على كراسيهم (سلام اليمين الصهيوني المعروض عليهم: أمن مقابل أمن) لأنه من العبث والتهور المغامرة في مقاومته بسبب اصطفاف الحلف الأطلسي بأجمعه وراءه لمساندته وحمايته وهذا أكبر من قدرتهم بما لا يقاس عن مواجهته فكيف بالمقاومة.

مع الإقرار باختلاف رؤانا لمحددات الصراع ومحركه الأساس مع المقاومة الإسلامية في فلسطين ولبنان والعراق والصومال، والإقرار بوجود بعض التعارضات بين مصالحنا ومصالح الجار الإيراني أو التركي، فإننا لا نرى ما يضير أن نقارع العدو سوية معهم قدر ما تسمح المصالح المشتركة بذلك، فالمسألة الملحة دائما بجوهرها تتعلق بتحديد العدو ومعسكره ومجمل تحالفاته، وبالمقابل السعي لبناء تحالف عريض وواسع وسع الوطن العربي والعالم الإسلامي وكل من في العالم المتضرر من هذا العدو الصهيوامبريالي ليواجهوا سوية هجومه الشرس من أجل اغتصاب الأرض والعرض والنفط والثروات والفائض وفضل القيمة والسيطرة على أسواقنا لزيادة ثرواته وتراكم رأس ماله عبر وسائل استعمارية، من احتلال واستيطان وقواعد عسكرية ومجازر بالتعاون مع كولونيال ولبرال محلي وبعض يسار متصهين وما زال بعضه يتصهين، مقابل ماذا؟ مقابل فتات يتصدقون بها لهم ليعموا بصيرتهم.

* * *

الدافع وراء استعمال تسمية متصهين…يتصهين

ننوه أن ليس المقصود باستخدام تعبير “الصهيوني” أو “المتصهين” أو “يتصهين” الموصوفة في المقالة تشنيعا أو شتيمة قد درجت على لسان البعض عن حق، بقدر ما هو رصد لعملية سياسية اجتماعية انتهجتها قوى الرأسمال الغربية مبكرا عند اندفاعتها للهجوم العدواني خارج حدود سوقها القومية باتجاه منطقتنا فصهينت من خلالها أوربا عموما يهودا ومسيحيين وعلمانيين وحتى يساريين شيوعيين وغيرهم ونجحت. وبالتالي فإن استعمال هذه التسمية مجددا جاء استعارة في محاولة لتوصيف سياسي فكري واجتماعي لمحاولاتها المتجددة في تعميم الظاهرة على بنيتنا الاجتماعية العربية كنمط تفكير لبعض المثقفين العرب ولبعض الأحزاب، بل تحاول جاهدة إن استطاعت، وبمعية منظمات الأنجزة ومالها الحرام والشعارات التضليلية عبر استدخال الهزيمة، أن تجعلها خلفية ذهنية للعامة في المنطقة العربية بعد أن أنجزت بها بنجاح باهر سابقا صهينة الذهنية الشعبية لدى بنيتها المركزية الأوربية، خاصة بعد ما حققته لدى الكولونياليات العربية الحاكمة والبعض من الشرائح السياسية والمثقفين اللبراليين. وقد حاولت مبكرا، بعد أن تخلصت من مخاطر مشروع محمد علي الطموح لتوحيد المنطقة ونهضتها بمساندتها السلطة العثمانية ضده بتحجيمه في إقليم مصر والاكتفاء به له ولأبنائه من بعده، تسويق مشروعها الصهيوني لدى الحكم في الدولة العثمانية آنذاك بعرضها المساعدة لحل أزمتها المالية التي كانت ترزح تحت عبئها، والتي كانت أحد الأسباب الرئيسية التي عصفت بأركان امبراطوريتها. ولما فشلت في إقناعه سعت لتجنيد القبائل العربية في الجزيرة وغيرها مستندة على الاستياء العربي المتكون وتململه من استبداد الحكم العثماني ومحاولاته تتريك المنطقة، وعقدت اتفاقا مضللا مع زعماء القبائل العربية اللذين كانوا يمثلون له ما يمكن أن يصبح كومبرادورا عربيا جنينيا لتفتيت أركان الامبراطورية بنية مبيتة لتقاسم التركة بناءا على ما بات يعرف باتفاقيات سايكس بيكو وإقامة الدويلات القطرية لتكون شرطا ضروريا لبناء الكيان الصهيوني في فلسطين (لم يكن من الممكن قيام الكيان الصهيوني إلاّ بالتساوق مع تفتيت المنطقة العربية إلى الدويلات القطرية) فنجح ذلك وكان. وامتد هذا النجاح إلى النكبة الكبرى باغتصاب فلسطين، ثم هزيمة 67، مرورا باصطفاف جيوش هذه الدويلات إلى جانب جيوش العدو لضرب العراق المارق لمحاولته الخروج عن قواعد لعبتهم ومساسه قدسية إحدى الدويلات القطرية بالحرب الخليجية الأولى، بل إكمال معاقبته بإعدامه وأفراد عائلته، وتفتيت العراق تقدمة ومنطلقا ل “شرق أوسط جديد” بعد أن ارتأى العدو أن لباس سايكس بيكو قد ضاق على الدويلات القطرية فصار من المحتمل والمفيد تنحيف جسد الدويلة القطرية الكولونيالي الى “الدويلة السنية” و”الدويلة الشيعية” و”الدويلة المسيحية” وربما تكون لا ندري “الآشورية” و”التركمانية” و”السريانية” والمارونية” ليليق على الثوب الصهيوني الاشكنازي الراغب بأن تنعم “دولته اليهودية”بالهدوء.

لقد كانت النتائج المتعلقة بوظيفة هذه الدولة القطرية باهرة تجلت أخيرا بمشاركتها العدو الصهيوامبريالي في محاصرة المقاومات العربية، في العراق ولبنان وفلسطين، بكل عهر فخري ودون مخافة أو خشية من ردود أي فعل من شعبها يهدد عرشها بعد أن اطمأنت لاستكمال تدجينه عبر عشرات السنين من حكمها بالقمع الشديد والمعتقلات والمجازر أحيانا، وببذل الجهود المضنية لتفتيته إلى طوائف ومذاهب وعشائر واستدخال الهزيمة إليه وإلى تشكيلاته السياسية والفكرية، ليصار إلى صهينته ، وإلا كيف نفسر موقف اليسار الفلسطيني وتحالفه مع السلطة الفلسطينية على أساس اتفاق أوسلو الذي حولها إلى شرطي لحماية الاستيطان وقضم الأراضي واستكمال إبادة الشعب؟

ماذا نقول عن اشتراك بعض اليسار العراقي وبعض شيوعييه مع التحالف الصهيوامبريالي ومشاركته في غزوه الوطن وتحطيمه وتطييفه ومذهبته على حساب دم الكثير من الشهداء الشيوعيين الذين قضوا في مقارعة نظام صدام بمبرر أنه كان جزئا من تحالف امبريالي.

كيف نفسر اصطفاف بعض اليسار في لبنان إلى جانب الفاشيين السابقين الملطخة أيديهم بالدم اللبناني والفلسطيني بارتكاب مجازر نيابة عن العدو الصهيوني، وغيرتهم على دويلة المحاصصة الطائفية الكولونيالية تبرر دعوتهم لتجريد المقاومة من سلاحها والهجوم على نهج المقاومة انطلاقا من الأراضي اللبنانية بحجة عدم فتح جبهات عسكرية للدويلات الكولونيالية الأخرى، بدل التحالف مع المقاومة.

ماذا نسمي اصطفاف بعض اليسار واللبرال المحدث السوري إلى جانب هذا البعض من اليسار في لبنان والبعض اليسار في فلسطين وبعضه العراقي؟

كيف نبرر تلك اللّقاءات المتكررة مع منظمات الأنجزة الأوربية والأمريكية في قبرص ولاهاي وعواصم أخرى وقبول تلقي هبات مالها الحرام والتصريح عن استعداد البعض الظهور في قنوات تلفيزيونية صهيونية، بل ذهب البعض بعيدا بالمراهنة على التغيير القادم على أيدي الخارج، وأي خارج هذا الذي يضمر الشر والتفتيت ليس لسوريا وحدها بل لكل الوطن العربي.

أكل هذا نضال من أجل تحرير الأرض أو بناء الديموقراطية وإسقاط الدكتاتورية؟ أم نكاية بالطهارة؟

هل كان المرء يتصور، وخاصة في وطننا العربي، أنه يحتاج للكثير من المعرفة التاريخية وعلم الاجتماع ليوضح أن هذا الكيان الصهيوني مستجلب وغريب وأنه مبني على أرض مغتصبة من أصحابها، قتلهم وشردهم جماعيا لإثبات ادعائه أن فلسطين أرض بلا شعب وفق ميثولوجيته العنصرية.

هل نحتاج فعلا، وخاصة بعد معجزة صمود المقاومة في لبنان وغزة، للكثير من المعرفة النظرية والفلسفية والماركسية وعلم الثورات حتى نكتشف كنه ووظيفة الاصطفاف للقوى المنضوية تحت لواء الحلف الأطلسي لحماية هذا الكيان بل التزاحم لإنجاز ذلك كما أظهروا بعد الحرب الأخيرة على غزة لمراقبة تهريب الأسلحة للمقاومة وبالتحالف مع أنظمة الدويلات العربية وسلطة أوسلو الفلسطينية؟

لمن يعي ويتفكر يتوصّل وبسهولة إلى أن هناك فرق بيّن بين يسار ثوري: ينحاز لقضايا الشعوب المنهوبة والمقهورة والمستباحة حقوقها، يحزم أمره وينبري بجهد للدفاع عنها وعن مصالحها بمواجهة سارقها والمعتدي عليها، يقاوم، يتعثر أحيانا وأحيانا يصمد وأحيانا ينتصر، وبين يسار انتهازي ـ عن وعي كان أم تضليلا: يرتبك، يتشوش ذهنيا، يقفز بين هذا وذاك، يبرر للقاتل حروبه المدمرة واعتدائاته، يخاف، يرتبط بالعدو بحجة التحاور، يتصهين قهرا أو بمحض إرادته، ويبرر ذلك بثرثرة يسارية.

ينشأ اليسار المقاوم ليس بقرار إرادي فحسب، بل لحاجة ضرورية منطقية بناءا على طبيعة الصراع وتناقضه. فإن كان الصراع تناحريا فلا بد أن يكون الطرف الآخر هو العدو. وظيفة هذا اليسار تحديد طبيعة هذا العدو وطبيعة تحالفاته وممارساته للصراع بمستوياته الثلاث: الاقتصادية والفكرية الأيديولوجية والسياسية، وأن يعرّف طبيعة الصراع في كل فترة زمنية محددة وطريقة إدارته، أن يعلن الثورة على هذا العدو، وللوصول إلى نتائج إيجابية لأي معركة مع العدو عليه أن يسعى بجد وثبور لبناء التحالفات العريضة لها وتوسيعها وتمهيد حقل الصراع في أي مستوى من مستوياته وكيفية إدارته في مواجهته وتحالفه. يجري هذا ليس بمنطق الحركة الميكانيكية الجامدة بل بمراعاة كل تعقيدات الحياة وانزياحات المستويات واستبدال أولوياتها والتجاذبات بين أطراف الصراع، المهم صحة الاتجاهات والتوجهات لا أن يصير العدو صديقا وحليفا، والصديق عدوا.

بناءا عليه وعلى فهم الدور الوظيفي للكيان الصهيوني في المنطقة والمهمة الموكلة إليه منذ إنشائه، كيف يمكن تحديد معسكر العدو؟ هل الأمر حقا يحتاج للكثير من التفكير؟ بدون جهد يمكن لأي مواطن عربي بسيط أن يشير بأصبعه إلى أن العدو هو الكيان الصهيوني وراعيه أمريكا والغرب والحكام العرب والسلطة الفلسطينية (والتفريق هنا ضروري بين السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية ومن ينضوي في إطارها).

* * *

أما لماذا تم إدراج السلطة الفلسطينية وحكام القطريات العربية في معسكر العدو؟

بالنسبة للسلطة الفلسطينية:

من المهم هنا التوضيح بأن المسألة لا تتعلق بالموقف من منظمة أو حزب حاكم أو أفراد بعينهم على رأس سلطة، ولا تحفظا على مبدأ إقامة سلطة ما على جزء من الأرض قد حررتها المقاومة المسلحة أو المدنية، عن طريق هزيمة عسكرية لحقت بالعدو أم عن طريق مفاوضات معه، ولا حتى على مبدأ المفاوضات. المسألة هي في طبيعة هذه السلطة وطبيعة القائمين عليها والمهمات الملقاة على كاهلها.

فلو سألنا هل السلطة حقا ممثلة لمصالح أكثرية الفلسطينيين؟هل كان قيامها خطوة على خطى التحرير الكامل للتراب وإنجاز حق العودة ومقدمة لتفكيك عنصرية الكيان والقضاء على استيطانه وخطوة في طريق إعادة الحق لأصحابه؟

سيقول قائل أن هذا حلم جميل. نعم إنه حلم جميل، ولكنه هو الحق المشروع. نحن ندرك أن الظروف في ظل الأوضاع العربية الراهنة وفي ظل موازين القوى العالمية الحالية التي ما زالت تشهد اندفاعة الهجوم الصهيوامبريالي على المنطقة العربية واستمرار حاجته الملحة إلى هذا الكيان الصهيوني العنصري، الذي ما زال يرعاه منذ مائة عام، تجعل الكلام في الحق هذرا أو خيالا، لكنه يغير من حقيقة أنه الحق المشروع الوحيد، وهو ليس وهما أو غباءا قدر ما هو إصرارا على الحق المشروع وبالتالي علينا واجب استعادته. صحيح أن القضاء على هذا الكيان العنصري السرطاني وتفكيكه عملية معقدة تحتاج لجهود مضنية ومراحل متدحرجة تحتاج لتحقيقها سنوات وسنوات طويلة، ولكن حلمنا في استعادة حقنا مشروع علينا أن نتوارثه جيلا عن جيل لا أن نيأس ونتصهين وننهزم، فالمهزومون لا يقاومون ولا يحلمون.

إذا فالقضية تتعلق بالموقف من سلطة بعينها وآليتها المحددة وظروف وشروط إقامتها، والبرنامج الذي يقود تنفيذها لمهامها وطبيعة هذه المهام التي تضطلع بها، فالأمر لا يحتاج لوعي امرء حاذق وفطحل سياسي ليكتشف وبوضوح أن السلطة الفلسطينية الحالية قد دخلت إلى المفاوضات مع العدو عارية بعد أن اعترفت بشرعية العدو باغتصاب أرضها وتخلت مسبقا عن مقاومتها هناك في أوسلو قبل دخولها الأرض المحتلة، بل أعلنت عن تخليها لإعادة الكرة في المقاومة إن فشلت المفاوضات، وأعلنت وتؤكد كل يوم إعلانها أن المفاوضات هي الخيار الوحيد المتاح لها متمثلة بالكومبرادور العربي الحاكم في الدويلات القطرية. ومن خلال ممارستها للسلطة قد تحولت إلى شرطي لحماية العدو من المقاومين، حتى ومن المحتجين سلميا على مجازره ضد الشعب الأعزل إن في الضفة أو غزة وهذا بشهادة العدو نفسه عن حسن سيرتها وسلوكها وانضباطها وفسادها المستشري في صفوفها ليس هو المقياس لسلوكها وتحديد الموقف منها على أحقيته قدر ارتهان مصالحها أو على الأقل للبعض المتحكم في مقاليدها بمصالح العدو، ماليا واقتصاديا وحتى سياسيا وأمنيا، وحتى لو جلبت هذه السلطة الدولة الموعودة، فلن تكون سوى دويلة مسخ على شاكلتها وفي أحسن الأحوال على شاكلة أصغر دويلة قطرية في الخليج أو المغرب العربي.

* * *

أما فيما يتعلق بالقطريات العربية وحكامها:

وأيضا هنا ينبغي التوضيح أن القضية لا تتعلق بواقع وجود دولة قطرية في صيرورة الأحداث وتتطورها عقب جلاء الاستعمار بتفاوت زمني من الأراضي العربية. ومن الوهم التصور أن الاستعمار كان يمكن أن يتركها موحدة حتى ولو كانت ويعلنها دولة الأمة ثم يمنحها الاستقلال. المسألة تتعلق بالطبقة السياسية التي حكمت عقب جلاء المستعمر المباشر بغض النظر عن ظروف الجلائات التي قام بها المستعمر إن كان بالمقاومة أم بالاتفاقيات السياسية المعقودة معها، وبقراءة الحاضر بمعطيات الماضي القريب أو العكس ماذا نجد؟ فقد حرص المستعمر عند جلائه، بتدخل مباشر أو بسعي غير مباشر، على تنصيب فئات كومبرادور عربية لمهمة وظيفية محددة (كتوقيع العقود العسكرية لبناء القواعد العسكرية أو اقتصادية حول النفط وغيره)، تماما كوظيفة الكيان الصهيوني، لسان حاله يقول أن وظيفة إقامة القطرية متساوق مع وظيفة إقامة الكيان الصهيوني. فالقطرية مذاك وهي تلعب دور الوكيل للمستعمر القديم والجديد وترعى مصالحه التي تتمثل في استحلاب الفائض الوطني ونهب الثروة الوطنية. ولأنها جاءت إلى السلطة ضد منطق التاريخ الطبيعي، فهي تحافظ على وجودها وإعادة إنتاج هذا الوجود بقمع شعبها بل مارست بيديها القذرة بحقه ما أنف العدو عن القيام به من أعمال قذرة. ولأنها أنظمة طارئة فهي منذ قيامها لم تكن مصالحها جزءا من مصالح الأمة كمحصلة عامة بل رهنت مصالحها كبورجوازيات تابعة من خلال وجودها في كرسي الحكم لرعاية مصالح العدو فتناقضت مصالحها مع مصالح الأغلبية العامة من الشعب، فكان التناقض معه ومع مصالحه تناحريا. ولأنها تدرك أنه تناحريا اعتمدت سياسة القمع والاستبداد ضد الطبقات الشعبية، ولإدراكها ضعفها وضعف شرعيتها، ولتحمي وجودها في الحكم اتبعت سياسة التخارج نحو العدو راعي الكيان الصهيوني، ولأنها كذلك فقد ربأت عن نفسها خطر تمرد الطبقات الشعبية ضدها ببناء السجون وتشكيل الأجهزة الأمنية المتعددة لاعتقال من يعترض. ولكي لا يتمكن الشعب من الإعداد لإسقاطها للخروج من حالة الانسداد والأزمة الوطنية ولكي لا يعود التاريخ لمساره الطبيعي استنزفت قوة الشعب وفتت لحمته بإغراقه في حروب طائفية مذهبية إثنية. هذا إلى جانب استنزافها هي نفسها من خلال الخلافات الحدودية المتداخلة (لأنها في الأصل حدود مصطنعة) التناحرية بينها وبين شقيقاتها الدويلات القطرية التي تجاورها واستنزفت الدخل القومي على شراء الأسلحة لخوض الحروب المتبادلة ومرابطة الجيوش على طول الحدود وسعت كل دويلة تحمي مصالحها على حساب الدويلة الأخرى بله مصالح كل الطبقات الشعبية في أراضي كليهما، ودأبت تحافظ على التفاوت الاجتماعي والاقتصادي والسياسي فيما بينهما بهدف القضاء على أية إمكانية للتوحيد فيما بينهما مستقبلا.

أما بصدد عجزها عن الدفاع في وجه الغزو الأجنبي لاحتلال الأرض حدث ولا حرج، فهي عاجزة عن صد الغزو والأطماع في أرضها، وإن حدث واحتل العدو الأرض تعجز عن تحريرها، بل تعيق المقاومة إن سمحت الظروف لتشكلها في غفلة منها (ينبغي التنويه هنا أن كل المقاومات العربية التي تشكلت لتحرير الأرض قد تشكلت في ساحة القطريات التي سلطتها رخوة كلبنان والعراق وفلسطين والصومال) عن تحريرها بل وتتآمر مع المحتل ضدها كما هو حاصل في العراق ولبنان و فلسطين، وهذا يؤكد أن دور هذه الدويلة قد استنفذ حتى في أجندات العدو المستعمر الزاحف لتشكيل “شرقا متوسطا جديدا”مما يدفع للاستنتاج وبلا مواربة أهمية إدراج مهمة القضاء على هذه الدولة القطرية في أجندات التغيير لقوى المقاومة لصالح بناء الدولة الواحدة، دولة الطبقات الشعبية لا كما يدعو اللبرال العربي المحدث وبعض اليسار المتصهين اللذان يدعوان لترسيخها خيارا نهائيا بدل الانتقال منها إلى الدولة الواحدة (توحيد السوق على الأقل انسجاما مع إحدى مباديء اللبرال)، بل الأنكى أنها تدعو هذه الأطراف إلى إسقاط صفة العروبة عن علم هذه القطرية وعن اسمها إرضاءا لأقلية تسكن جوانبها أو إثنية.

ما أردنا قوله أن العدو الصهيوامبريالي من خلال هجمته الأخيرة لتحويلنا إلى “شرق أوسط جديد” يولد من رحم القضاء على آخر ما تبقى لنا من مقاومة لكي نكون له مشروع هيمنة. كيف؟

بأن نكون مسالمين، لبراليين معادين للاشتراكية، مشرذمين وخاضعين لكي تصبح “إسرائيل” لنا مركزا رأسماليا (منهم العقل والتكنولوجيا ومنا المال والعبيد) ونصير نحن محيطا، أي سوقا لتصريف سلعه ومورد يد عاملة ومواد الخام له. وحتى يستوي لها ذلك توجب صهينتنا جماعيا، لأنه شرطها للاندماج المهيمن، وصهينتنا تبدأ بخطوة، هي الاعتراف به دون تحفظ ووفقا لشروطه كدولة شرعية جزءا من المنطقة العربية وبعدها ربما تقدم طلب انتساب للجامعة العربية أو تفككها وتبني منظمة بديلة عنها تسميها الجامعة الصهيونية.

givara1954@yahoo.de