ديمقراطية اغتصاب وطن…وديمقراطية اغتصاب أمة

الحبر الأعظم: وعد بلفور اللاهوتي !

عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1803)

انتهت قبل ايام إنتخابات الكيان الصهيوني على أرض فلسطين المحتلة عام 1948، يسمونها دولة إسرائيل، لا بأس، لكنها تبقى مستوطنة بيضاء بامتياز على أرض عربية بامتياز، حتى لو غضب المعترفون بها. أيُّ ديمقراطية على أرض الآخرين.

وقبل أيام ايضاً أعلن بوتفليقه “ترشيح” نفسه للمرة الثالثة لرئاسة على شعب الجزائر، وأعلن علي عبد الله صالح أن القطار فات المعارضة وهو ظل رئيساً “انتخب نفسه” لثلاثة عقود. وحتى في لبنان الذي عاش ديمقراطية ما وإن طائفية، فالعملاء يترشحون بزعم انهم “يمثلون” الشعب! “ديمقراطية على أمة يحتلها هؤلاء”. لا فرق كبير إذن. وعن الحكام العرب الذين رشحتهم الدبابات الأميركية التي قصفت غزة، فحدث ولا حرج.

وفي الزاوية الأخرى للمثلث تقف الأنظمة الغربية الرأسمالية لتبارك نوعي الاغتصاب، وتزعم نشر الديمقراطية. لذا، فدولة هولاكو العصر نحرت شعب العراق العربي لتبقر بطن الأرض وتمتص النفط.

المشهد الصهيوني

بعد حصار عامين للفلسطينيين في قطاع غزة، حصار فاق خبرة الولايات المتحدة في حصار الثورة البلشفية منذ 1917، وكوبا وكوريا الديمقراطية والعراق وإيران وزيبمابوي، ومع اقتراب موعد انتخابات الكيان الصهيوني كان لا بد لحكامه أن يبدأوا حملتهم الدعائية فكانت دعاية دموية بامتياز. دعاية اشغلت كافة فضائيات العالم الرسمي وإعلامه الآخر، فكانت دعاية بالدم لثلاثة اسابيع ويوم. الدعاية الدموية الوحيدة في التاريخ. حملة دم ديمقراطية.

ولأن القيادي الثلاثي في الكيان هو إفراز الشارع الصهيوني، فقد اختار مذبحة غزة كي يضمن عودته للحكم. ولأن هذا الثلاثي يدرك مكمن قوة منافسه الأساس حزب الليكود كحزب دموي، مارس هذا الثلاثي نفس الدموية. وكان الناخب الصهيوني “مُنصقاً” فأعطى الطرفين مقاعد متساوية إلا قليلاً.

ولكن، لماذا لم ينحاز الناخب الصهيوني أكثر إلى الليكود؟ اي من شبه اقصى اليمين إلى يمين الوسط. أما أقصى اليمين فهو ليبرمان. لاحظوا بربكم كل سنة يولدون يميناً على يمين اليمين!

شاهد هذا الناخب المذبحة عياناً، ورأى مسيل الدم بما يشفي غليله، للحظة على الأقل. وتوصل إلى استنتاج ذكي، بان أكثر من هذا سيحرك الرأي الشعبي العالمي أكثر، وسيحرج العالم الرسمي العربي وسلطة أوسلو- ستان أكثر Oslostan[1]. إلى هذه الدرجة، فالأمر مقبول، فلا بد بعد الدم من قطعة لحم.

ضمن الشارع الصهيوني لنفسه حكومة دموية في كافة الأحوال، فكان توزيعه للأصوات باذخاً، رخواً وغير شديد الاكتراث، فأنى وجَّه وجهه هناك قاتل. فاليسار العنصري الصهيوني ممثلا في حزب العمل كان هو وزير المذبحة، فما الذي بوسع نتنياهو أو أفيجدور ليبرمان أن يضيفاه إلى السيدة ليفني التي لديها من دمنا أحمر الشفاه إلى الأبد. فليكتب الشعراء الصهاينة العرب معلقات غزل فيها على جدران اوسلو وكامب ديفيد[2]. أما والأمر على هذا النحو، فإن الكيان قد أعاد تجليس اتفاقات التسوية في مكانها الطبيعي بمعنى:

إذا شكلت ليفني الحكومة، هناك حديث عن المفاوضات، وعملياً هناك حكم ذاتي كالقائم في رام الله، وأقل!

وإذا شكل نتنياهو الحكومة، هناك حكم ذاتي ايضاً، وهناك مفاوضات اقتصادية فقط. ولكن ليس شرطاً أن تقود التحسينات الاقتصادية إلى “رفاه” للفلسطينيين، ولا حتى للكيان، فنتنياهو جاء في أعقاب أزمة مالية في المركز الذي خلق الكيان، وبعد “مصرع” قيادة المحافظية الجديدة في الولايات المتحدة لصالح أوباما.

وفي “أرقى” الأحوال هناك دولة فلسطينية على مساحة لا تربو عن مساحة قبر. أما القضية الأساس فهي أن الشعب يبحث عن وطنه لا عن دولة رخوة وكمبرادورية. يبحث عن حق العودة. أما مذبحة غزة، وهي دعاية للقتلة بامتياز، فهي حملة تعبئة للأمة العربية كي لا تصالح. لقد أعاد الدم إلى الطبقات الشعبية العربية وجوب رفض الاعتراف وجدد البيعة للعودة. ورغم الهجمة الخيالية على هذا الحق عربيا ودوليا وصهيونياً، إلا أن المذبحة كانت عمادته بالدم. لكن هذا لا يعني أن يتوقف الصهاينة يهودا وعربا وعجماً عن حملة التيئيس من اي نصر ومن اية عودة، ولا يعني عدم وجود فيالق من الساسة والمتثاقفين والأكاديميين ورجال الأنجزة/واللبرالية والتخارج واستدخال الهزيمة ونسائها الذين ينخرون جسم الأمة، لعل وباء الإيدز أرحمْ!

المشهد الصهيوني في الوطن العربي

هنا، ولا مبالغة كانت الكارثة. توقف زمان الإعلام العربي عند الانتخابات الصهيونية. وبالطبع لا يتوقف أحداً عند “انتخابات” عربية، فلا انتخابات هناك! لكن التشنج عند الانتخابات الصهيونية كان مريباً ومعيباً.

تسابقت فضائيات التطبيع والتسوية على إيراد التفاصيل عن أحزاب الكيان وديمقراطيته. لم تُقل كلمة واحدة أن هذا الكيان ليس شرعياً وليس على أرضه. ما هو التطبيع وما هي الصهينة وما هو اغتيال حق العودة إن لم يكن هذا! مقابلات للصهاينة على الفضائيات، وجلسات نقاش بين صهاينة يهود وصهاينة عرب من الأرض المحتلة عام 1948 يديرها صهاينة إعلام من نفس الأرض.

لست روائيا لأقول لكم أيها السادة كم كان الصهاينة اليهود مغتبطين، وهم “يتدلَّعون” مطالبين الصهاينة العرب بتأكيد صهيونيتهم. كانوا يفحصون دم الصهاينة العرب ليخلو من أية كرامة وانتماء!

وحتى فضائيات ثورية انزلقت في نفس الشرك! هل هو الجهل أم السباق الإعلامي؟ لا يهم ايها السيدات والسادة. كان نجم بعض الفضائيات د. عزمي بشارة! الذي قُدَّم دوما باسم “المفكر العربي” ولم يبق إلا أن يقولوا “الشرعي والوحيد”. وقد يكون كذلك، لا بأس، ولكن على الأقل بعد أن يقول: “لقد خنت ودخلت الكنيست…وها أنذا أعتذر…وأتوب إلى ليلى”. وبشارة هو الذي دخل الكنيست وأقسم يمين الولاء للدولة اليهودية، وهرب من الوطن مخافة الاعتقال بتهم مالية ومخابراتية. فلم يكن بطلاً في دخول الكنيست ولا بطلاً في مواجهة الاحتلال والاعتقال ولا بطلاً باعتذار عما فعل. ماذا قال شوقي في أحمد عرابي، ولست ادري إن كان شوقي محقاً.

صَغار في الذهاب وفي الإيابِ أهذا كل شأنك يا عرابي؟

ولكن، كيف لبشارة ان يعتذر، وهو يقول بعظمة لسانه على الفضائيات حتى الطاهرة منها: أنا مفكر!

ليس همَّي هنا بشارة، واية بشائر من فصيلته. المهم أن الفتاة والفتى العربيين اللذين يحاولان التسيُّس، حين يريا بشارة متربعاً على الفضاء والهواء (ولا يسقط على الأرض بالجاذبية الصهيونية) وحين يُقال عنه “المفكر القومي العربي” وهو عضو كنيست لم يعتذر عن جريمته. بربكم يا ابناء الله كيف سيقف هؤلاء الفتية والفتيات ضد التطبيع، كيف سيفهموا أن التطبيع جريمة وخيانة؟ وأنتم تدعونهم للاقتداء بالمفكر الصهيوني هذا؟

هي كلمة سواء: نرجو نحن الفلسطينيون العرب المتمسكون رغم ضعفنا وقلَّة حيلتنا وجوعنا وربما دمنا على كفِّنا، نرجوكم إذا كنتم لا تؤمنون بحق العودة، أن تقولوها. وبالعامية الفلسطينية “أن تَبقُّوا الحصوة”. فلحق العودة معنى واحد، هو العودة. وللموقف من الكيان موقف واحد هو رفض وجوده ووجوب تحرير الوطن، وعندها يكون البناء من جديد لوطن اشتراكي وليعيشوا بيننا ونحن وهم نعيش مع الوطن العربي الاشتراكي. من لا يؤمن بهذا لا يؤمن بحق العودة، فليقلها ويتوقف عن المداهنة والرياء.

منذ منتصف التسعينات، تمكن بشارة من احتواء قيادات من اليسار، وتوسط هؤلاء لإغواء حركة ابناء البلد كي يرتكبوا معصية الانتخابات للكنيست، وانتخبوا عزمي وفريقه. نعم لم تنفع ابتهالات ولا انفعالات الرفيق الراحل صالح برانسي، ولا لغتي الوقحة. وفقدت حركة ابناء البلد عذريتها القومية آنذاك. واختطف بشارة ثلثي عناصرها لحزبه “التجمع الوطني الديمقراطي”.

لكن الحركة استعادت بعض دمائها، وقاطعت الانتخابات هذه المرّة ودعت لذلك، رغم الأجواء المسمومة والمحمومة، وكانت في ذلك نقطة ضوء في عتمة ليل رسمي عربي.

أما الصهاينة، عربا ويهودا وعجماً، فلن يتركوها دون ضخ سموم التسوية فيها. فهذه الحركة منخورة اليوم بمقولة الدولة الديمقراطية العلمانية التي ليست سوى الدولة الصهيونية المتقاطعة مع الدولة القطرية العربية، وفي الحالتين، رفض للحل الاشتراكي الذي كل ما قبله ليس سوى إدارة أزمة لذبح البشر ليس اكثر.

المشهد الرسمي الغربي

سيبدو جدُّ غريب أن ابدأ الحديث عن الانتخابات الصهيونية بالحديث عن رسملة الدينين المسيحي واليهودي.أما الدين الإسلامي فما زال مغتصباً من الكمبرادور والسلفية لتنتزعا منه روحه الجهادية، كما انتزعت العولمة لاهوت التحرير. لكن ما يغري بهذا المدخل هو أن عبوراً حقيقياً لمعالجة إشكالية الوحدة السياسية القومية لا بد أن يُبنى على الانطلاق من النظام العالمي. هذا بالعموم بمعنى أن كل شيىء في عالم اليوم، كل مكان مرتبط بالآخر ومفتوح عليه. ويُفتح عنوةً إذا لم ينفتح بذاته، أما بالتخصيص، فإن الصراع العربي الصهيوني هو صراع عالمي منذ البدء وتتزايد عالميته، بل يتعولم أكثر فأكثر اليوم. وطوبى لمن يعولمه ثورياً.

حينما كانوا يحرقون أجساد أطفال غزة وأرحام أمهاتهم كانت أنظمة المركز الراسمالي تصفق لهم وتمدهم بالسلاح والدعم المعنوي علانيةً دون مواربة. وكانت أنظمة المراكز الجديدة المرشحة (روسيا، الهند والصين) تلتزم الصمت كل من أجل مخدع ليلاه، فالكل يغني على ليلاه، ونحن نقاتل ليلنا الأسود. وما أن توقف العدوان حتى وثب قادة أوروبا وأميركا ليشربوا نخب نزيف دمائنا في تل أبيب المحتلة. دونما أخلاق إنسانية ودونما احترام لإنسانيتنا وحقنا. فهل نعالج المذبحة في وصف وحشية باراك، وسادية ليفني، أم نعالجها بتبيان مواقف من أوجدوا الكيان اصلاً هنا ورعوهْ؟

ترافق مع تقاطر قيادات المركز الأورو-أميركي لتهنئة الكيان بالذبح، صول اساطيلهم لتحيط بكل مياه الوطن العربي، أما فرنسا فأرسلت مدمرة إلى موقع متقدم إلى شواطىء غزة، لتغرق حليب الأطفال المهرَّب في البحر، وفرنسا بلد “الحرية-والمجتمع المدني”. ومع ذلك هناك بين ظهرانينا عملاء ثقافويون للفرانكفونية، يترنحون سكارى على ابواب المركز الثقافي الفرنسي- الألماني في رام الله!

ثم جاء دور الحبر الأعظم ليتغزل بالعلاقة بين اليهودية والمسيحية، غزل مقصود به الحطَّ راسمالياً من الإسلام، والتأكيد من الحبر الأعظم على المحرقة النازية، ومتى، في لحظة قيام الكيان بمحرقة غزة! فأي حبر أنت! أما ذريعة تجديد الولاء للصهيونية باسم المسيحية فلأن أحد رجال الفاتيكان شكك بالمحرقة. وهل شرطاً أن تدافع عن المحرقة بحرقنا! أليس هذا ما فعله النظام الراسمالي العالمي وما زال؟

لا، فموقف الحبر ليس موقف حبر، حيث قرَّرَ زيارة الكيان الصهيوني يوم 15 أيار القادم يوم مذبحتنا الكبرى والممتدة ليبارك نتائج الانتخابات الصهيونية واحتلال فلسطين. هذا وعد بلفور اللاهوتي! أتمنى على العرب المسيحيين أن يلاقوه على طريقة منتظر الزيدي، كما يحاول المصريون ملاقاة الشيخ الكبير الذي زعم أنه صافح بيرس دون أن يعرفه! ثكلتك امك يا شيخ!

وقبل ايام، فصلت حكومة ساركوزي أستاذا في الأكاديمية البحرية لأنه شكك في رواية أن القاعدة هي التي كوَّعت “البرجين القتيلين”.

نحن إذن أمام تقويمين جديدين للعالم، بدل الهجري والميلادي، تقويم المحرقة وتقويم البرجين، فمن أراد القداسة والحياة عليه أن يبدأ يومه بهما! ومن خرج عن ذلك، فأمامه التصفية على الفضائيات، وسيبارك المجتمع المدني ذبحه.


[1] انظر عادل سمارة، دراسة من 3 حلقات نشرت في:

Adel Samara: “Why it is an Oslo Stan not a Bantustan? Cantons، Separation Wall…All Designed to Terminate the Right of Return”، A paper presented to Al-Awda’s International Annual Convention about Palestinian Right of Return and Self-Determination in a New Colonial World: Strategies and Actions. Toronto، Canada، 20 22 June 2003.

Part I: http://www.kanaanonline.org/articles/00267.pdf

Part II: http://www.kanaanonline.org/articles/00268.pdf

Part III: http://www.kanaanonline.org/articles/00271.pdf

[2] وزيرة الخارجية الإسرائيلية توصي بنشر مقالات عدد من الكتاب العرب على الموقع الرسمي للوزارة باعتبارها “مقالات تمثل وجهة النظر الإسرائيلية في العالم العربي” !؟

كتب ليا أبراموفيتش ـ تل أبيب ـ ( خاص) : تسيبي ليفني أوصت بإعادة نشر ما يكتبه عدد من الكتاب العرب على الموقع الرسمي للوزارة.
ليفني قالت في اجتماع خاص بخلية أزمة تم تشكيلها في الوزارة خلال الحرب على غزة ” إن هؤلاء سفراء إسرائيل لدى العالم العربي، وأفضل من يوصل وجهة النظر الإسرائيلية إلى الشارع العربي بشأن حركة حماس”.
” الوزارة اختارت عددا من الكتاب العرب لتكون مقالاتهم المنشورة في الصحف السعودية، ومنابر أخرى، ضيفة دائمة على الموقع الرسمي للوزارة باعتبارها تمثل وجهة النظر الإسرائيلية الرسمية”.
هذا الإجراء ” يعد سابقة في تاريخ الإعلام الرسمي الإسرائيلي، إذ لم يسبق أن نشر من قبل مقالات رأي على الموقع الرسمي للوزارة ” !
توجيهات الوزارة هي إعادة نشر ليس المقالات الجديدة التي كتبها هؤلاء إبان الحرب، بل جميع المقالات التي نشروها في السابق ضد حركة حماس”.
رئيس الوزراء إيهود أولمرت،عندما ترجم له مقال الكاتب الكويتي عبد الله الهدلق، قام عن كرسيه ورفع يديه في الفراغ متلفظا بكلمات النشوة، واقترح ترشيحه لأعلى وسام في إسرائيل، ووصفه بأنه أكثر صهيونية من هرتزل “.
ويدعو المقال إسرائيل إلى سحق ” الخونة والغدارين الفلسطينيين بلا رحمة ولا شفقة كما سحقوا حزب الله من قبل، باعتبارهم مجرمين وقتلة وإرهابيين يعضون اليد التي تمتد إليهم بالخير”!
أما الكتاب الذين نالوا هذا الشرف، شرف تمثيل وجهة نظر وزارة الخارجية الإسرائيلية في العالم العربي، فهم تركي الحمد، طارق الحميد ( رئيس تحرير الشرق الأوسط )، عبد الله الهدلق، مأمون فندي، علي سالم، عبد الرحمن الراشد ( السعودية/مدير قناة العربية )، نضال نعيسة، جهاد نصرة، أبيّ حسن، طارق حجي، مجدي الدقاق، فؤاد الهاشم، عثمان العمير، حسام عيتاني، حازم صاغية، نديم جرجورة، حمزة رستناوي، لؤي حسين، جمال عبد الجواد، عبدالمنعم سعيد، هاني النقشبندي، نصير الأسعد، وغيرهم.