سلسلة نسب الليبرالية الجديدة

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1805 )

لم تكن موجة الليبرالية الجديدة التي برزت قبل و أثناء وبعد الغزو الأمريكي في العراق غيمة من سماء صافية، كما يُقال، بل يمكن إيجاد سلسلة نسب طويلة لها تمتد على الأقل حتى منتصف القرن التاسع عشر، فقد أبهرت تجربة التحديث الغربية الأنظار في منتصف ذلك القرن بعد أن خطى الغرب خطوات واسعة على طريق التقدم التقني والسيطرة على الطبيعة، فتكاملت التقانة مع مبادئ الثورة الفرنسية و أفكارها التحررية حول حقوق الإنسان، والحد من سلطة الحاكم، و خلق دولة المؤسسات، وفكرة الدستور. ومقابل النموذج الغربي الصاعد كان هناك نموذج الدولة العثمانية الهابطة المترهلة التي تعاني من السكر، وارتفاع التوتر الشرياني، وقصور القلب، وبقية أمراض الشيخوخة المعروفة. دولة تحولت عند منتصف القرن التاسع عشر إلى شبه مستعمرة غربية بحكم ارتهانها للديون الغربية، فباتت رجل أوربا المريض. وهذا يفسر جزئياً سبب انحياز أغلب المثقفين والتكنوقراط من أبناء هذه الدولة الذين تلقوا العلوم الحديثة في مدارس الغرب أو وفق مناهجه إلى النموذج الغربي. فقد توهموا أن الغرب الذي درسوا في مدارسه واعتنقوا أفكاره ونظرياته ولبسوا ملابسه وتغنوا بلذة أطعمته سيكون حليفاً لهم في معركة تحديث دولتهم، وسيمدهم بالترياق اللازم لشفاء مريضهم العثماني. وفي غمرة حماسهم للنموذج الغربي نسوا أو تناسوا أن الغرب لا مصلحة له بشفاء المريض العثماني بل على العكس فهو يخطط لقتل المريض من أجل اقتسام التركة الثمينة التي سيتركها بعد وفاته. كما أنهم لم يلاحظوا أن خطاب الأخوة و حقوق الإنسان لا يشملهم (لأنهم غوييم)، بل هو لتنظيم علاقات المجتمع الغربي الداخلية، تماماً كما كان حق الإنتخاب محصوراً بالأحرار في اليونان القديمة. فالفكر الغربي الحديث كالتوراتي ينظر للآخرين كغوييم يجب استعبادهم أو إبادتهم.

إن نظام الثورة الفرنسية الذي قال بحقوق الإنسان والمساواة بين البشر لم يجد غضاضة بإبادة ثلث سكان هاييتي لأنهم تمردوا على العبودية، كما أن نابليون القائد الكبير الذي أنجبته الثورة الفرنسية جاء إلى الإقليم العثماني،مصر، ليحتله و يقيم نظاماً استعمارياً به.

في هذا الجو عقدت جمعية العثمانيين الجدد مؤتمراً لها في باريس (بعد عدة عقود سيُعقد في نفس المكان مؤتمر للمثقفين العرب) فأقرت تحويل الحكم المطلق إلى حكم دستوري عام 1876م. وليت الأمر توقف عند حد الانبهار النظري بأفكار الغرب ومحاولة تطبيقها بالجهد الذاتي على الأرض، بل انتقلوا إلى طلب معونته العسكرية، فقد طلب أعضاء هذه الجمعية من السفير الإنكليزي اليوت أن يوفر لهم حماية الأسطول الانكليزي إذا ما اقتضت الحاجة لاشهاره في وجه السلطان عبد الحميد في حال رفضه المشروطية الأولى (إعلان الدستور). وبعد نجاح حركة المشروطية الثانية واستيلاء جمعية الإتحاد و الترقي على السلطة بعد إزاحة السلطان عبد الحميد كان أول ما فعلته السلطة الجديدة أن أعلنت انحيازها الكامل إلى النموذج الغربي، فارتمت بأحضان الغرب سياسياً، وفتحت أبواب البلاد على مصراعيها للرأسمال الغربي ليُدمر ما تبقى من حرف وصناعات وطنية مطيحةً بالبقية الباقية من استقلال الدولة، إذ سيطر المستشارون الأوربيون على الجيش والوزارات، وزادت مديونية الدولة، وضاع ما تبقى من هيبتها. وليت أعضاء الإتحاد و الترقي كانوا مخلصين ولو شكلياً لفكرة الحرية التي استلموا السلطة تحت رايتها، بل على العكس اتبعوا سياسة قمعية تجاه القوميات الأخرى و تجاه الشعب التركي نفسه الأمر الذي جعل الشعب يتحسر على أيام السلطان عبد الحميد، فجمعوا “الذل” من طرفيه: القمع مع التبعية للغرب. التبعية التي وصلت إلى حد استفز القوميين المخلصين الذين لا يمكن اتهامهم أنهم من أنصار النظام القديم وأشهرهم أتاتورك الذي كتب في مذكراته يقول:

“لقد تأثرت بعمق لتسليم الجيش مع كل أسراره إلى الهيئة العسكرية الألمانية. وعندما عرفت بالأمر مصادفة قبل اتخاذ القرار، اعتقدت أن من واجبي أن اعترض عليه أمام أعلى مواقع المسؤولية التي بوسع صوتي أن يصل إليها. لكن أحد لم يرد على اعتراضاتي” (راجع الأدب التركي المعاصر – المجلد الأول – شكران كورداكول – ترجمة بكر صدقي- وزارة الثقافية في سوريا)

وكانت نتيجة كل ذلك أن ضاعت الدولة العثمانية، و كادت أن تضيع تركيا لولا جملة من المصادفات التاريخية تمثلت في اندلاع ثورة أكتوبر و بروز أزمة السيطرة الغربية على العالم، فنجح أتاتورك بالحفاظ على ما تبقى من الدولة في الأناضول وإن مكبلاً بشروط غربية.

وتكرر نفس الأمر عند العرب فرداً على التتريك والاستبداد و انحدار وضع الدولة تحالف بعض النخبة العربية مع الغرب وتوهموا أنه سيساعدهم على الخلاص، فقاتلوا الدولة العثمانية تحت أمرة لورانس، فكانت النتيجة سايكس بيكو وضياع فلسطين و بقية القصة أشهر من أن تُعاد، وبقيت عروبة على طريقة لورانس ما تزال حية حتى اليوم…

بقيت النار تحت الرماد طيلة القرن العشرين فكانت تعاود اشتعالها عند كل هبة رياح غربية على المنطقة. فينتش على الفور الحل الغربي الكامن في عقول المثقفين والنخب بمجرد أن يسكب الغرب بعض الماء. فكانت موجة الليبرالية الجديدة المراهنة على دبابات وطائرات الغرب.

إذا كان أفراد الموجات الأولى من المراهنين على الحل الغربي قد بهرهم وجه فولتير دون أن يدركوا أنه يخفي خلفه الجنرال ماسو على ما يقوله أحد مناضلي جبهة التحرير الجزائرية، فإن الموجة الأخيرة من هذه النخب – والتي نتمنى أن تكون الأخيرة- لم يكن لديها أي وهم حول فولتير وماسو، فلا يمكنهم أن يدعوا أن وجه فولتير قد خدعهم لأن بوش لم يكن يختبأ خلف أحد.